مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف أغسطس 13th, 2014

المومياء ..

أغسطس 13, 2014

           ودَّعتُكِ والحُزنُ يغمرُني ، مَلعونٌ ذاك النّداءُ الخفيُّ الّذي ألحَّ 603449_357656170979639_1320847561_nعَليَّ بِأن أترُك أرضَ الوطن وأُهاجر ، لكنَّها الحاجةُ يا حبيبتي ، لوْ لقيتُ بوطني ما يُلبّي نِصفَ طموحي لما هاجرتْ ، كان عندي أمل بأن أعود سريعاً لكنّها الأيّام سرقت منّي أجمل سنين عُمري كنتُ أضحكُ من الألم وأقول – ربّما يوماً ما نلتقي ، كان الجسدُ مهاجراً لكنّ القلب بقيَ في الحيّ مع من أحبْ وعشتُ غُربتي وحيدا بلا قلب ، ومرّت الأيّام والأعوام كان همّي أن أجمع النقود وآتيكِ مرفوع الرأس حينما أعود ، عمِلتُ في الليل والنّهار من شيّالٍ الى بائع جوّال الى أن أصبحتُ مندوبَ مبيعات ، وربحتُ الكثير وكلما قرّرتُ العودة طمِعتُ في الأكثر ، كان حُلمي بلا حدود كُنتُ أتخيّل نفسي بقصر مع حديقةٍ غنّاء وسيّارة فارهة ومصنع ورصيد كبير وأنتِ الأميرة في القصر تأمرين والكلُّ يُلبّي ويُطيع ، وصورٌ كثيرةٌ كثيره كان زادي في غُربتي وما يُعزّيني في ليالي البرد القارص أن أعودَ من الغربة لأقدّم اليك أجمل ثوب أبيض ترتدينهُ يوم زفافنا مع عقدٍ من الماس ، فقط في الأمس نظرتُ الى وجهي في المرآة بإمعان وكانت المفاجأه ، قلت لا لا هذا ليس أنا التّجاعيدُ أخذت مكانها على وجهي وشعري غزاهُ الشّيب وعيوني غائرة حائرة بلا معنى نعم هذا ليسَ أنا ، أين منّي ذاك الشاب الوسيم حين غادرتُ القرية ، يومها كُنتِ تنظرين اليّ بإعجاب وعِتابْ والدّموع تسيلُ على وجنتيكِ ، حينها قلتُ لكِ لن أغيب عنك طويلاً يا حبيبتي سأعودُ وسيجمعنا بيتٌ واحد .. انتظريني ، أعترف أنّي مُقصّرٌ في حقَّك هي رسالة واحدة angelheartأرسلتُها اليك عند وصولي الى بلادِ الغربه ولم أرسل غيرها ، لا أدري السّبب ربّما جَرفتني الأيام وتُهْتُ وسط الزّحام لكنّي أقول وبكلِّ شجاعة انّها الحماقةُ والجشع ، حتّى أنّي اليوم لا أعلمُ عنكِ أو عن مصيرك أيّ شيئ وماذا صنعت بكِ الأيام ، أنا عائدٌ اليك فهل يا ترى ما زلتي تنتظرين واذا شاء القدرُ والتقينا فهل تقبلين بانسان باع حُبَّه ونسيَ حبيبته وقلبه في زحمة الحياة ، وأنّه أصبح شبه مومياء وجهٌ بلا معنى ، أعتقد أنّ ما جمعْتُ من فلوس لن تشفع لي عندكِ لأنّي أعرفك جيداً عزيزة النّفس ، شيئٌ في عُمق الذّات يُناديني عَلَّهُ استيقظ فجأة من سُباتٍ طويل ، قرَّرتُ اليوم أن أحزم حقائبي وأعود ، ينتابني الخوف من المفأجاه من اللقاء من ردَّة الفعل هذا اذا بقي بقلبك شيئ من الذّكرى ، وماذا سأقول لك وهل كنوز الأرض تعوِّض سنين الشباب التي عشتُها في الغربة دون مراعاةٍ لمصيرك وما ستفعله بكِ الأيّام .. صوتٌ من داخل الطائرة يطلبُ من الرُّكاب ربط الأحزمةِ والطائرة تهتزُّ بقوة … شهرٌ مَضى على وجودهِ في المستشفى يُصارع الموتْ ، لقد تحطّمتِ الطائرة وكان من النّاجين أفاق من الغيبوبةِ ليجدَ مِنْ حَوْلِه بعض الأهل ، نظر في وجوه الجميع يبحث عن حبيبته لكنّه لم يجدها ، همسَ أكيد انّها سمعت بالخبر أنا مُتاكّد من أنّها ستأتي .. كان يجلسُ على كرسيّ المعاقين لأنّه فقد المقدرة على الوقوف والمشي ينظرُ عبر شُرفة المستشفى الى البعيد مُستعرضاً حياتهُ وما وصلت اليه ، وماذا ينفع النّدم وكل شيئ مضى لن يعود ، وفجاة لمحَها تدخل من باب المستشفى تأكّد منها وقال بصوتٍ مسموع نعم هي لقد جاءت لزيارتي .. قرأ في عينيها قاموسٌ مِن العتاب والدّمع ينساب كحبات الؤلؤ لا يدري أهي دموعُ الفرح بعودتهِ أم دموع الاشفاق للحالةِ التي وصل اليها أم دموع الألم لعُمرها اللذي ضيّعتهُ في الانتظار …