مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف مارس 13th, 2013

ألباشا ..

مارس 13, 2013

                 يجلس الباشا مساء كل يوم في شرفة قصره باشالمَنيف يتامَّل بُستانه المزروع بأشجار الفاكهة والخضار والزهور وينظر الى أبي صابر وهو يقوم بعمله في البستان مثل نحلةٍ لا تكل ولا تمل ، يجمع المحصول ويقدِّمه في سلال الى الباشا عصْر كل يوم  ، يقف أمامهُ بخشوع طمعا في الرِّضى والباشا يفتل بشاربيه اعجابا ويهزُّ برأسه تشجيعا .. هكذا كان الحال منذ عدَّة سنوات حيث يعمل أبا صابر بُستنجي عند الباشا يزرع  ويفلح الأرض بجدِّ ونشاط  ، لقد أحبَّ عملهُ لأنَّه يوفّر مصْدرَ رزق لهُ ولعائلته ، لا يطمعُ من الدُّنيا بشيئ غير رضى الباشا وأن يستمر في عمله رغم القليل الذي يتقاضاه حامدا شاكرا ، الى أن كان ذات يوم .. ألباشا يتنقل بناظريه متأمِّلا مزروعات بستانه حيث خطرت له فكره ، تبسَّم وكأنَّه وجد حل لمشاكل العصْر ، هزَّ براسه وهمس  وكأنَّه يُبدي الاعجاب بما توصَّل اليه قال ..- ابو صابر يعمل عندي دون رقيبٍ أو حسيبْ لو أنّي عيَّنت موظف يراقب حضوره وغيابه وعمله أنا متأكّد أنّ انتاج البُستان سوف يزيد ، ولتنفيذ فكرتهُ أحضر عمّال وتمَّ بناء كوخ صغير في مدخل المزرعة وقام بتوظيف أحدهم ليقوم بالاشراف والمراقبه . كان ابو صابر يحضرُ صباح كلّ يوم يوقّع بالحضور على دفتر صغير أمام موظف المراقبه وعند المساء يوقع أيضا بالمغادره ، واستمر الحال لعدّة شهور والباشا يُراقب ويأمل بتحسُّن الأحوال لكن النتيجة بقيت كما هي وحينها استدعى المُراقب لمناقشته في أمور البستان وأبو صابر وأن يقدِّم اليه اقتراحاته وتوصياته  فما كان من المراقب الى أن شكر الباشا وقدَّم له فروض الولاء والطاعه تقديرا لثقته به حيث قال للباشا – أقترح على حضرتك أن توظف مهندس زراعي حتّى يفحص التّربه وما هي بحاجةٍ اليه من أسمدة ويقدم النّصيحة بنوع المزروعات والعناية بها وبهذا يزيدُ الانتاج أدامك الله يا باشا .. أعجب الباشا بما سمعه وقام بتوظيف مهندس زراعي حيث باشر عمله ، وبعد مدَّة اجتمع مع الباشا ليقدِّم اقتراحاته وما توصَّل اليه وكان الآتي  ..- يا باشا الأرض عندك بحاجة الى أسمده وهذه قائمه بأنواعها ، والأشجار المزروعه كبيرة في العُمر أقترح أن نقوم بخلعها  وزراعة أنواع جديده تناسب التّربه والمناخ وأيضا البستان بحاجة الى جرّار زراعي وأدوات زراعيّه كي نستفيد من الوقت .. سمع الباشا ما قاله المهندس وتصوَّر أنّ البستان سيُصبح حدائق معلقة حيث وافق على المقترحات واقترح  المهندس احضار مجموعة من الخبراء في الزراعة لعمل دراسة جدوى اقتصاديّه عن المزروعات وأنواعها وانتاجها وكذلك الاشراف على مناقصة لشراء الجرّار والأسمدة والأدوات الزراعية . وما كان بعدها وبعد العديد من الاجتماعات والمداولات والدِّراسة والتمحيص خرجت اللجنة بتوصياتها وأقرَّها الباشا وبُدِءَ التّنفيذ .. ألأيّام تمرُّ .. لقد تشقلب حال الأرض وأصبح عاليها واطيها وأصبحت جرداء بعد أن تمَّ قلع الأشجار والمزروعات منها وأخذ المهندس وأعوانه بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من زراعة وتسميد وحراثه وجعل من الأرض حقل تجارُب لأفكاره وافكار لجانه وكانت هذه الأعمال الشاقه تُوْكل الى أبي صابرْ وهو صابرٌ يعاني من هذا الواقع الجديد الذي دمَّر مجهوده وأحال البستان الى خرابةٍ تنعق فيها الغربان لأنّ كل واحد منهم جعل من نفسه مسؤولاً عن أبي صابر بحيث تناقضت التوجيهات وكما يقول المثل ( اذا كثر الطبّاخين شاطتْ ( انحرقت )الطبخه ). أصبح أبو صابر في حيرة من أمره في ارضاء أيٍّ منهم وبهذا ساء الحال والسَّبب طبعا كثرة المسؤولين واللجان والتوصيات والمقترحات والتوجيهات .. مرَّ عام وآخر والباشا محتار في ما وصلت اليه الحال . الأشجار ما زالت صغيرة والكثير منها قد احترق نتيجة سوء استخدام الأسمدة والمبيدات ، والخضراوات غزتها الأمراض لأنّ الأرض تلوثت من المواد الكيماويه وهذا يعني تلوُّث المياه . وعندها طلب من المهندس احضار أعضاء اللجنه لعمل اجتماع حتى يناقشوا أوضاع البستان وبعد المداولات والمناقشات اتّفق الجميع أن التقصير وسبب البلاء هو مِن أبو صابر لأنّه مقصِّر ولا يجيدُ عمله ، وعندها قرَّر الباشا الاستغناء عن أبي صابر وانهاء عمله  .. غادر أبو صابر البستان والدُّموع تنسابُ من عينيه  وهو يقول ما قاله المثل ( أجو يْكحْلوها لكنْهُمْ عَموها ) ..كنت افكر ان الباشا باشا   لكن طلع الباشا منفاخ عالفاضي ، نسي كل تعبي وكمان عِشْرِة العُمُرْ ..

                     نشرت في جريدة القدس بتاريخ 8/11/2013