مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف نوفمبر 23rd, 2012

فنجان قهوه ..

نوفمبر 23, 2012

       كان يجلسُ على كرسي أمام دكانه متأملأ المارة ، ما images (1)يعنيه من أمرهم هو ملابسهم ، يحدّق النظر بها ويهز برأسه علامة عدم الرضا ، هكذا كان أبو حنا يقضي معظم نهاره الا اذا جاءه زبون يريد تصليح بنطلون أو جكيت يجلس خلف ماكينة الخياطة ويقوم بعمله بأحسن ما يكون ، كيف لا وهو أشهر خياط في الشارع وربما في المدينة أو هكذا كان يقال عنه ، إلاّ أنّ الأيام دول كما يقولون فكل شيئ أصبح ليس كما كان لأن الملابس أصبحت تأتي من الصين وأسواق المدينة مليئة بالمعروض منها وبأسعار رخصية ، تذكر يوم كان يأتيه من يريد الزواج ليخيط له بدلة العرس نعم كان هو العنوان وخياطته مضروب بها المثل ، ومن يريد أن يتباها في بدلته يقول أنها خياطة أبو حنا  أما الآن فالوضع مختلف ، أصبح باستطاعة العريس شراء بدلة بأقل من أجرة خياطة بدلة جديدة ، هو لا يعلم السبب ولا كيف لأنّه لم يفكر يوما بشيء غير أن يتقن عمله ويتقن أيضا صنع القهوة العربية ليكرم بها من يأتي لزيارته من الزبائن والأصحاب والجيران ، يستقبلهم بابتسامته المعهودة و نظراته المليئة بالمحبة وعباراته التي تنم عن قلب طيّب . رغم أن عمله تأثر كتيرا بالبضاعة الصيني إلا أنه لم يحقد أو يتعرض للصين يوما ولو بكلمة ويقول ألدنيا أرزاق والناس معهم حق لأن الوضع تعبان وما في معهم مصاري ، وأما رأيه حول البضاعة المعروضة في السوق كان يحكيه لمن يطلب النصيحة وهو أن الاقمشة ليست جيدة وتفصيلها شغل مصانع مثل المعلبات ، وكان يقول يا حبيبي 10361996_411688238971430_4935934419641373424_nفي فرق كبير بين الجاج البلدي  وجاج المزارع عند الأكل بتعرف الفرق .. كان أبو محمود جارا له وكعادته يلقي التحية على جاره أبو حنا عندما يمر من أمام دكانه ذاهبا الى عمله ، وكان أبو حنا يدعوه لشرب القهوة ويتبادلان الحديث والسؤال عن العيال والأحوال و بعدها يمضي أبو محمود الى مصنع الأحذية  الذي يعمل به ، وكان أبو محمود كلما ارتدى بدلة عرسه لمناسبة ما ينظر الى نفسه في المرآة ويقول يسلم إديك يا أبو حنا والله إنك سيد المعلمين وتغمره النشوة والرضا ويتذكر تلك الأيام الجميلة …- صباح الخير أبو حنا قالها أبو محمود . صباح النور أبو محمود قالها أبو حنا القهوة ساخنة ..- قهوتك مشروبة وبنتك مخطوبة ، وجلس الى جوار جاره وصديقه ودار الحديث بينهما ..- كيف الشغل يا أبو محمود ..- مثل الزفت المصنع تقريبا واقف عن الشغل وأكثر من نص الشغيلة تركوا المصنع والحال على ربنا ..- مش خبريّة  ليش ما في جلد ..- يا سيدي في جلد لكن ما في لبّيسة كلو على الصيني ..- آاه افهمتها مهو الحال مثل بعضه الكل صار يلبس صيني ..- والله يا أبو حنا ما ناقص غير إنهم يستوردوا نسوان من الصين ويمكن الخلايلة يعملوها بلكي  تكاليف الزواج بتقل . ضحك أبو حنا وقال  وهو يهز  برأسه – كلشي ممكن في هذا الوقت وأضاف أبو محمود – زمان كانت الكندرة تقعد في رجل الواحد سنتين وأكثر وهي جديدة ونظر إلى حذائه وأخذ  يضرب به الأرض مستعرضا لكن اليوم منيح إذا خدمت شهر وكله على الزبالة ..- هيك بدو الوقت يا جاري ولا تزعل نفسك يا أبو محمود صحتك أهم شيئ ..- يا جاري يوم بنشتغل وجمعة قاعدين وإنت عارف البيت ومصاريفه كل يوم جيب وهات وهات وجيب إمفكرين إني قاعد على بنك ..- صدقني يا جاري إنو أخوك أبو حنا نفس الشي حتى إني فكرت أهاجر من هل بلد وأروح عند أخي في أميريكا ..- شو بتقول له يا أبو حنا هو في حدا عاقل بسيب بلده وبهاجر حتى لو ضاقت لا بد إن تفرج ، طيب شو رأيك نتشارك أنا وإنت في مشروع يمكن تتحسن الأحوال … إتفق الجاران أبو حنا وأبو محمود على العمل في محل أبو حنا شراكة حيث يقدم أبو حنا الدكان وأبو محمود رأس المال وقاما بتجهيز المحل لذلك وكان عملهم الجديد هو بيع الملابس والأحذيه الجاهزة عملا بالمثل شو بدو السوق سوق ، وكان ما يميز المحل هو يافطة كبيرة  تعلو مدخله  مكتوب عليها بوتيك أبو حنا وأبو محمود للأحذية والملبوسات الجاهزة .. ومرت الأيام وهما في خير ووفاق ومحبة إلا أن جاء أحدهم إلى أبو محمود وهمس له موسوسا – عتبي عليك يا أبو محمود ليش إسم أبو حنا مكتوب قبل إسمك في الياقطة مع إنو راس المال منك وإنت أكبر بالعمر ومقامك كبير وعالي ، يا أبو محمود لازم اتغير اليافطة وتكتب بوتيك أبو محمود وأبو حنا وبهيك بتكون أخدت حقك .. سمع أبو محمود ذلك وبدأ الوسواس يدخل إلى نفسه وأصبح ينظر الى اليافطة  كل حين ويتخيل ويتمنى أن يكون إسمه الأول مع أن هذا الوضع لم يكن يعنيه أو يهتم به من قبل ، لاحظ أبو حنا الانزعاج على وجه أبو محمود وسأله عن السبب وحينها قال أبو محمود – إسمع يا شريكي  لازم إنغير اليافطة ونكتب أسمي في الأول ، تفاجئ أبو حنا لهذا الطلب وضحك قائلا ولا يهمك يا أبو محمود غير اليافطة وأكتب كيف بدك لكن  أنا ما قلت للخطاط  يكتب أسمي في الأول كان مجرد  صدفة وأنا ما بهتم لهيك مواضيع . إنفرجت أساريرأبو محمود بموافقة شريكه  وأحضر الخطاط وطلب منه تغير العنوان كمان يريد وأتم له ذلك .. ومرت الأيام وكما حصل مع أبو محمود جاء أحدهم الى أبو حنا محرضا وأوهمه أن أبو محمود يخطط للاستيلاء على المحل وأن وجود إسم أبو حنا على الياقطة في المقدمة هو حق له لأنه صاحب المحل وبدأ الوسواس يساور أبو حنا وأصبح الشريكان كل منهما ينظر إلى الآخر بريبة إلى أن دب الخلاف بينهما وأغلقا المحل وكأن كل واحد يريد عقاب الآخر. إستمر الحال لبضع أيام حتى وصل الخبر إلى إبنيهما حنا ومحمود وهما جيل واحد وأولاد حي واحد وأصدقاء وما حصل لم يرضيهم واستغربا هذا التصرف لعلمهما أن والديهما كل يحب الآخر ويكن له الاحترام واتفق الصديقان على حل المشكلة بأن يكتبوا على اليافطة بوتيك ألمحبة للملبوسات والاحذية وكان ما أرادوه وعاد الجاران أبو حنا وأبو محمود الى فتح المحل و مزاولة عملهما وأخد كل واحد منهم يعاتب الآخر وتعاهدا على الشراكة لأن بينهما  عشرة عمر ومستقبل ومصير واحد …

نشرت في جريدة القدس بتاريخ 31/10/2014