مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



مُحاكمَهْ ..

أكتوبر 9, 2012
0 views

        مَحكمَه  …  صاح الحاجب بأعلى صوته معلنا بدء الجلسة ..  القضاة يجلسون على مقاعدهم العاليه بحشمة ورزانة  .  عيونهم تجول بحدقاتها كأنّها تحاول استطلاع المجهول ، وخيوط الوقار ترتسم على جباههم كأنها تقول ..  نحن غير مستعدّين للمجامله أو الحلول الوسط ..  كان كبيرهم أكثر رهبة ودهشة فهو أمام قضيّة من نوع آخر .  وكأنّه يقول لنفسه  نعم أنا أقبل التّحدّي فتاريخي في القضاء طويل   وهذا قدر وليس للقدر بديل .. وتدارك لحظة الصمت قائلا .. فتحت الجلسه في القضيه رقم 13 ، المدّعي الراي العام   ، والمدّعى عليه بُهلول  ، نادِ على المتّهم .. صاح الحاجب – المتّهم بُهلول ابن ام بُهلول ..  جاء صوت من رحم الزّمان يقول -  نعم أنا موجود وان لم تروني ستجدوني في ضمائركم وحتى من نام ضميره أكون موجودا بزاويه منه تستيقظ في لحظة صفاء مع النّفس أو محاسبة للذات ، ليستوعب كلّ منّا الآخر ونعيش هذه الحياة ..  همس قاض لزميله قائلا - اول الرّقص حجلان وبيقولوا اقرأ المكتوب من العنوان .  صاح رئيس القضاه  -  على الادّعاء أن يسوق اتّهاماته مع الأدلّه لهيئة المحكمه .. المدعي العام  -  هذا البُهلول متّهم بطولة اللسان وطق الحكي مثل النّسوان . يصول ويجول جاعلا من نفسه  بُهلول ، يقيّم الأمور حسب مزاجه ويضع الحلول ، محاولا أن يسير العالم مثلما يريد وهو لا يعرف الفرق بين العصيدة والثّريد ، لا يعجبه العجب ولا  حتّى الصّيام في رجب ..  القاضي  -  ما قولك يا بُهلول فيما قال ، أوجز لنا ولا تكثر من الأمثال .. بهلول – أنا أجبت على هذا السّؤال وقلت اني موجود في كلّ واحد منكم . لكن بنسب متفاوتة تزيد عند الشّعور  بالظلم والظلام وسط النهار ، وتعتب على من بيدهم القرار ويلغون الحوار ..  قال الادعاء  -  انه يعترف يا حضرة القاضي وهو ما زال في غيّه  ماضي . انه يجلس على الحائط كصيّاد ، ويجعل من نفسه قاضيا دون العباد ، يغمز ويلمز متشدّقا بالكلام ويدّعي الوداعة والطيبة مثل الحمام ، ونسي أنّه لولا الليل ما كان النّهار ، ولولا الصًواعق لجفّت الأنهار . ومن قسوة المعاناة تولد الهمم الكبار ، الله خلق الطويل والقصير ، والغني والفقير ، والخير والشّر موجودان منذ قابيل وهابيل ، والبكاء موجود  والغناء والعويل ، هذا البُهلول جعل من نفسه رقيب وحسيب ونسي أنّه لكل مجتهد نصيب ، ومن يزرع  شجرة على الطريق خير ممن يرسم غابة على الورق ، وأنّ لذّة الطعام في البهار مع المرق ..!  القاضي -  مرّة أخرى ما قولك يا بُهلول فيما سمعت دافع عن نفسك والا لك الويل والثّبور ، لأنّ لسانك  قد طال ونال حتّى المأمور .. بهلول  -  أمّا وقد ختم صاحبنا كلامه بالطبيخ ، أقول ان ظاهر كلامه جميل لكنّه كصحراء في المرّيخ ، يلومني ويدّعي اني جعلت من نفسي قاضيا وحكم ، ويلعن سنسفيلي من الرأس حتّى القدم ، وأنا صبرت عليه كأيوب ، كصبره على البلاء والمكتوب ، ومن يدقّ الباب عليه أن يسمع الجواب ، يريدني أن أسكت وقد خلق الله لنا اللسان ، وبالكلام من خلقه ميّز الانسان . والسّاكت عن الحقّ  شريك للشيطان ، النّصيحة هي صدقة المؤمنين وليس مسح الجوخ والتسبيح للمهمين ، قالت أم بُهلول رحمها الله( اللي بينصحك بيحبّك واللي بيسايرك بيضحك عليك ، ومن بكّاك بكى عليك  ومن ضحّكك ضحك عليك ). صحيح في ثلج وفي نار وفي ليل وفي نهار لكن ياليت نجعل من الثلج  ماء ونسقي العطشان ومن النار طاقه بتدفي البردان ، ومن الليل أمل وصفاء للقلب ومن النّهار عمل  وعطاء للشعب ، وأقول يا حضرة القاضي أنّه لولا المناعة في الجسم لهلك ، والمناعة هنا هي قول  الحقيقة وان كانت مرّه حتى نبني وطننا وأمّة حرّه ، انها تهاجم الآفات وتحميه من الملمات ،  والتّسلّط مرض والسّرقه مرض والغش والتّزوير والتّعتيم وعدم قول الحقيقة والتّحريف مرض  ، والمحسوبيّه والتملّق ومسح الجوخ والانتهازيه مرض والتفريط وعدم بناء القوه والرضوخ وعدم الانتماء  للوطن قبل الفكر والهروب من المسؤوليه مرض والتفرقه والانقسام والانانيه وانكار الاخر وتكميم الافواه  وفرض الراي مرض ، والبطالة والجهل والكسل واضاعة الوقت والاتّكالية والكذب مرض ،  والقائمة طويلة طويلة ، وكلّ واحد يقول ليس باليد حيله . أقول ان بلادنا معافاة وهذه الأمراض موجودة  في بلاد الواق الواق وهذا مثل على الكذب والنّفاق ، وأقول ان الحق دوما على الطليان وفي كلّ الأوقات ،  وما يقال هو افتراء واشاعات . هذا هروب وتمويه للحقيقة ودوما نجد للتّبرير مليون طريقة ..  صاح الادّعاء معترضا -  أما وقد سمعتم ما قيل  ، أرى أن لا داعي للتّطبيل والتّهويل فكلّ ما قاله بُهلول  هو أحلام يقظة وأماني ، والحلم مباح وجميل كالأغاني ، لكنّ في أحلامه كل ّالكوابيس وهذا عمل الشّيطان  وابليس ، فلا يغرّنكم قوله وما يرسم من هالة حوله ، أنزلوا به أشد العقاب في الحال حتّى يكون عبرة لكلّ قوّال ، ولا تأخذكم به رحمة واجعلوا من أيّامه مثل الفحمة .  قال بهلول  -  تريدهم أن يجعلوا من أيّامي مثل الفحمة ؟  أقول تغريدك جميل يا كبير القُحمه ، يا صديقي  لا أريد ممّا كتبت أن يعتب عليّ أحد لأنّي أحترم النّاس كل الناس لا فرق عندي بين لون وقوميه ودين ، فالكلّ  خلق الله وعنده حسابنا أجمعين . لكن لأنني أعيش على هذه البقعة من الأرض وأتأثّر بما يجري من حولي ، كان لا بدّ لي من موقف وابداء الرأي فيما يجري ، وقولي هو للعتاب قبل الحساب ولا أريد به الاساءة أو الرّدح  على الرّباب . وما كان ليس المقصود به استعراض المقدرة في التعامل مع لغتنا الجميلة . لكنّها شطحة انسان يقطف من كلّ روض زهرة وخميلة ، محاولا تقليم أشواك الزّهرة وأكتب على أوراقها للخلق عبرة . حتّى تصبح أيامنا اكثر نقاء وليزيد حب الخيرفينا والعطاء . ولنحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الآخرون . مع حبّي واحترامي للناس أجمعين ، وأخصّ منهم من ينتظرون قوت يومهم كل صباح في هذا الزّمن الملحاح . واذا كانت محاكمتي لأنّي أتمنى على القويّ أن يساعد الضّعيف وعلى القادر أن لا يأكل لوحده الرّغيف أقول ان المركب للجميع وعلينا الألفة والتّجديف . حتى نصل ونجعل من أيامنا ربيعا بدل الخريف . وهذا القول  ليس فيه اساءة أو تجديف . وليس فيه غموض أو تحريف . أنا اقبل الحكم لأنّ صدري واسع  والى حضراتكم أنا سامع .. صاح القاضي معلنا بعد الديباجة الحكم  .. –  قرّرت المحكمة احالة أوراق المدعو بُهلول الى النّشر   وتعميمها في كل الأصقاع . وفي صفحة اللغة والأدب صفحة الابداع…

        نشرت في جريدة القدس بتاريخ2009.12.5
Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash