مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 23rd, 2012

عُقْبالْ عِنْدُكُمْ ..

سبتمبر 23, 2012

         الوقت السّاعه الواحدة صباحا .. وأنا وجاري العزيز  نجلس بجوار سور حديقة المنزل ، تحت دالية  من كروم العنب .. هذا بعد أن جفانا النوم واصرار  من يقيمون احتفالا بزواج ابنهم  مشاركتهم فرحتهم  بتلك المناسبه ، .. أرى من البعيد منزلا تزيّنه الكهرباء  من كل الألوان .. حقا ان المنظر جميل ، لكنّ ما أزعجنا  ونغّص علينا حياتنا هو صوت فريق الموسيقى حيث  كانت السماعات الكبيرة تنقل صوت الاحتفال لكلّ الاتجاهات ويتضاعف الصّوت مع الصّدى  ليملأ الجوّ وكل واحد من أعضاء الفريق يجتهد في أن يكون صوته أو صوت آلته الأعلى  ليختلط الحابل بالنّابل على صليات من قذائف الفتّاش تشق عنان السّماء ، وما يهمّ الشباب في هذه الواقعه هو الهزّ ولا يعنيهم ما يسمعون أو حتى محاولة فهمه، ودلاّل الحفل أو المغنّي كان كدلال يصيح في سوق الخضار يجتهد ليرضى كل الأذواق كما يعتقد ، من السّح الدّح مبو الى حبيبي حمار الى أغنية البيتنجانة ويتبعها بشق القمر الى نصفين ، نصف له والآخر لحبيبته!جاري العزيز كان مصابا بالرّبو وينتابه السّعال أحيانا ، انه غير قادر على النّوم ، وصوت سعاله يخترق المسافات ليصل الى ذاك الحفل الكريم .. طلبت منه أن يكفّ عن السّعال  حتى لا يشوّش على الحفل ، أو  ازعاجهم وكي لا يغضب (المطرب الملهم ) ويخرج عن النّص أو الايقاع لكنّه لم يقدر ، اخذ يصيح – ارحمونا منشان الله  خلي عندكم شويّة ذوق .   قلت له – الجماعه عايزين يفرحوا يا جاري وعقبال عند أولادك ، قال – يا سيدي أنا عايزهم  يفرحوا كمان ، لكن ما هو على حساب ازعاج الناس للصّبح ، الفجر كمان شوية بيأذّن ، في أطفال وشيوخ ومرضى وعمّال عايزين ايناموا .. قلت له – المشكله يمكن حلها .يا جاري حط قطن في ودنيك ونام .. الوقت يقترب من الساعة الثانية صباحا ، والصوت قد انقطع ، حمدنا الله وقلنا  يبدو أنهم اكتفوا وهممنا بالمغادرة الى الفراش للنوم   وما هي الا لحظة حتى عاد صرير السماعات فجاء الصوت ليقول – اما الآن نستمع الى  (المطرب فلان)في غنية لأم كلثوم .. جلسنا مرغمين لنستمع الى هذا العندليب .. وقلنا ربّما يكون ختامها مسك ، ولكنّ بعد نحنحة وقحقحة بدأ المطرب الملهم بالغناء … لقد كسر قواعد اللغة والكلمات لأن الغناء له أصول ومقامات وأوزان محسوبة ومسافات، وما كان وسمعنا هو تهريج وضجيج مع الآهات ، صدّقوني لو سمعت أم كلثوم لها الرحمة  ما سمعنا لأقامت دعوى بالتّشهير والاساءة على أخينا الملهم ..  ارحمونا يا فطاحل الغناء هذه الأيام يرحمكم الله ..ولا تقتربوا من القمم أنا لست متحاملا  عليكم ، وأعتقد أنّ البعض منكم عندهم موهبة ، لكن الموهبة وحدها لا تكفي ، لأنّ لكل مهنة أو فن أصول ولا بدّ من الدراسة في معاهد متخصّصة أو على أيدي أساتذة  أكفاء ، هل تعلمون أن قائد الفرقة الموسيقية يدرس 12 سنة في أعلى المعاهد  (الكونسرفتوار )كي يحق له ويستطيع قيادة الاوركسترا – الفرقة الموسيقية – وحتّى البعض منهم لا ينجح بالقدر الكافي . أعتقد أنّ المشكلة هي بمحاولة كل مجموعة  من الشباب تكون بلا عمل لأنّهم بالأصل لم يكملوا دراستهم ولم يتعلموا مهنة ليعتاشوا منها فيقومون بتشكيل فرقة مع بعض الآلات ، أو شراء أجهزة (دي جي )ليباشروا في نثر  مواهبهم على رؤوس الناس ، وبأسعار متهاودة ، وما حصل قد وصل ، وما يهمّ هو رخص الأسعار والدّق على الطبل والمزمار ، والرّقص وان كان مثل الزّار  ولنصدر مواهب الى السّوبر ستار ، المهم المشاركة في الأفراح والليالي الملاح ،
وعقبال عند حبايبكم كبار مع صغار …

              نشرت في جريدة القدس بتاريخ 2009.8.16