مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 11th, 2012

سعيد الرّاعي

سبتمبر 11, 2012

    سعيد يشدّ بنطاله الى وسطه بخيط .. يمشي حذراً متيقظاً بحد الحيط ..في قريته اختلط الحابل بالنابل ، وعاد الغزو بين القبائل ، هو محتار، يحمل ربابته ، انامله ترقص مع الأوتار، أيغنّي لبني عبس أو بني وائل . أيّهما على حق .. والصواب في أن يختار، وأن يتّخذ لنفسه القرار.. سعيد يعمل راعياً ، غنماته تطرب لصوت ربابته ونايه الحزين ، فلقد تعودت الحزن منذ سنين ، وبات يشجيها صوت الألم والآه والأنين .. تحلم بالعشب الأخضر، والورد اذا زهّر، والماء ينساب من شلال كالعنبر، وكبش مزهوّ بين القطيع يتبختر. وعطاء الأرض يكون لها بكثير أكثر .. سعيد يحمل على كتفه كيساً به زوّادة رغيف طابون وزيتون وزعتر، يرتاح ان أضناه المسير بظل زيتونة أو تينة ، ينام يحلم يتفكّر. آه ما اصعب الاختيار، وحين يكون القرار، لا يختار الاّ الأعسر. هو يحبّ الحرّيّة ويكره الحواجز والعسكر، والليل ان طال والجوّ ان تعكّر، وصوت البومة والربيع اذا أدبر، سعيد يكره الذباب والذئاب لأن الذباب يضايقه والذئاب تفترس قطيعه ، وقطيعه في رقبته وديعة . سعيد رأى الذئب يهجم على القطيع والكبش يقاوم ، قال تعلمت اليوم درساً ولن أساوم . لأن الحياة مدرسة بها نتعلم ونتدبّر، وليست المعرفة فقط بالقلم والقرطاس والدّفتر. سمع زيز الحقل يغنّي والنمل تحشد للشتاء ، وفي قريته طاعون وقد عزّ الدّواء ، كل الجهات مغلقة وحكيم القرية ترك الحكمة وعمل سمسار، وفي وقت فراغه يرقص بالزار، وفي الليل يكون مهرّجاً للصغار والكبار، الدنيا في نظره سيرك كبير ولا مكان فيها للحوار … ! آااه يا سلمى .. كم تأخّرتُ عليك .. وعدتك بالزّواج قبل حولين وأكثر.. لكن النعاج لم تنجب لأن الكبش قد فقد فحولته ومن أين لي بالكلفة ، أعلم ان العرس مكلف مع الزفّة .. اشعر انّي كزورق هائم فقد الدّفه ، وأنا لست عنترة أو جميل أو طرفه .. أنا عشقت الثغاء والغناء وعشقت فيكي ألعفّه . قد تسهرين طويلاً على ضوء القمر، وتناجين أحلامك حتّى السّحر، أمّا أنا فوجهي تغيّرت خارطته وفقد ملامحه وبالصّبر قد كفر .. آااه يا سلمى حين يشعر الانسان بالغربة ، يكون الوجود فراغاً وأن لا شيء قُربه ، غير طلاسم تحكيها الأساطير ودلال ينفخ في قِربه . والقربة مثقوبة والحبة قد صارت قبّه . قالوا الأمور ستصبح أفضل .. لكن النكبة قد زادت نكبة ..! وانا يا سلمى ألملم غنماتي وأسير كعاشق يمتطي حُبّه . أحياناً أكون مزهواً رافع الرّأس ، وأحياناً أتمنى الصلاة في القدس ، لكنّي أسكن الضفة  ، يقولون أنّ شوارعها جميلة .. وأنها درة الزّمان وفي الرّوض خميلة ، وأنّها طريق السّماء وبلسم الشفاء للنفس العليلة . في يوم كنت أعزف على الناي وكأني رأيت ملائكة في السماء ، سألتهم، لقد طال القحط فمتى يكون الشتاء؟.. قالوا أنت لم تحرث الارض فكيف يكون العطاء…! اصبر يا ولدي فالدواء يكون أحياناً بالبلاء…!!

                    نشرت في جريدة القدس بتاريخ 2009.4.12