مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



خرابيش ..

سبتمبر 1, 2012
0 views

            أبو صابر ومنذ صباه يحب الحمير بل يعشقهم ، كان بينه وبينهم عشرة عُمر، فلقد تربّى لوالد يحبّ الحمير وكان يقضي أغلب أوقاته في اطعام ورعاية حمار والده والرّكوب عليه مشهرا سيفا صنعه من الخشب وكأنّه أبا زيد الهلالي وربّما يكون حبّ الحمير هذا بالوراثه ، كان أبا صابر يحلم بأن يكون له حمار مميّز ليس كباقي الحمير وكان يرسم لحماره المنشود أكثر من صورة في خياله لونه طوله نهيقه وحتّى طول أذناه والبردعه المزركشه مع اضافات من الأجراس ووسائل الزّينه وأن يكون الرّسن من الزّرد ، حتّى أنّه اختار له اسم ( مزيون ) .. وها هو أبو صابر قد أصبح شابا وبعد زواجه أراد تحقيق حلمه حيث ذهب صبيحة يوم الجمعه الى سوق تباع فيها المواشي والحيوانات وكان يطلق عليه سوق الجمعه وهو عباره عن ساحه في طرف المدينه يقصدها من يريد البيع أو الشراء ، دخل السوق  تغمره السعاده وجال بناظريه كافه الاتجاهات مستطلعا ، آه لقد وجده انه ركن الحمير وكان هذا ضالته ، تقدّم وعيونه تتفحّص الحمير بنظرات الصّقر حقا ان بعضها جميل لكنّه يبحث عن ضالته وطلبه ولمح من البعيد ما يبحث عنه ، تقدم بخطى مسرعة ونظره موجّه نحو حمار بعينه آااه قالها أبو صابر أخيرا  وجدتك ، كان يقف بجوار الحمار صاحبه ممسكا برسنه تقدّم أبو صابر ليتفحّص الحمار لكنّ صاحبه نصحه بعدم الاقتراب لأنّ الحمار لا يطيق الغرباء وربّما يرفسه بحافريه وهذا ممّا زاد من اعجاب أبو صابر في الحمار ، وبعد مفاوضات تم الاتفاق على السّعر ودفع أبو صابر ثمن الحمار لصاحبه وطلب منه  أن يوصله الى بيته خوفا من أن يهرب منه في الطريق أو أن يعمل له مشاكل حتى يعتاد عليه وكان له ما أراد .. الحمار مربوط في عريش بجوار بيت أبو صابر وأبو صابر يتأمله تماما كما أحبّ وتمنّى خاطب الحمار قائلا _ وأخيرا وجدتك يا مزيون وأنا متاكّد أنّه بعد عدّة أيام سنتعوّد على بعض ونكون أصدقاء ، وقدّم للحمار حزمة من البرسيم عربون مودّة وذهب مسرعا الى السّوق واشترى لحماره العزيز بردعة مزركشة وخُرْجْ بعد أن طلب من صاحب المحل أن يضيف اليه الزينة والقصب والأجراس حتى يليق بحماره المحبوب هذا بالاضافة الى رسن معتبر، وعاد مزهوّا الى البيت ووضع ما اشتراه من السّوق أمام الحمار حتّى يراه وكأنّه يريد أن يقول له أنظر كم أنت عزيز على  قلبي وكم أحبّك ..انقضت عدّة أيام وأبو صابر يتقرّب من حماره أكثر الى أن قبل به الحمار ووضع ما اشتراه الى ظهره فصار الحمار في غايه الجمال أو هكذا رآه أبو صابر ومسكه من الرّسن وأخرجه من العريشة استعدادا لركوبه ، قفز أبو صابر كالفرسان الى ظهر الحمار وما أن استقرّ عليه حتى عاجله الحمار برفسة جعلته  يطير في الهواء ويهوي الى الأرض ، تألّم أبو صابر كثيرا وبعد جهد وقف ونظر الى الحمار نظرة غضب متوعدا اياه بالعقاب وتوجه الى بيته بصعوبة وليلتها لم يذق طعم النّوم من الألم ومن تصرّف الحمار الغير متوقّع وأخذ يفكر هل يعاقب الحمار أم يسامحه ويكسب ودّه وصداقته حتى يالفه وتسير الأمور بينهما بشكل جيّد.. الليل انتصف وأبو صابر ساهر يتوجّع ويفكر واذا به يسمع صوت حديث خارج البيت ترى من سيحضر اليهم في مثل هذا الوقت ، قال أبو صابر اكيد هذا حرامي جاء ليسرق الحمار ولكن على جثّتي ونهض من الفراش وتناول قنوه (عصا)حتى تكون سلاحه بمواجة اللص وتسلل خارجا ليقبض عليه متلبسا .. في اٍناء يوجد به ماء لشرب الحمار  كان ينظر مزيون الى صفحة الماء حيث رآى صورته وقف أبو صابر ينظر الى حماره متأمّلا مستغربا وخاله  وكأنّه يحدّث نفسه قائلا ما أجمل طلتي البهيّه وما أجمل أذناي ، رغم أنّي أسمع أكثر من الانسان بكثير الا أنّي لا أعير كلامه القاسي أيّ اهتمام لاننا مأدّبون معشر الحمير ونتعالى على الصّغائر ، وعيناي أكبر من عيونه لكنّي لا أتلصّص وأسترق النّظر على غيري ، كم أنا جميل بشكلي الحقيقي فأنا لا أتجمّل وأرتدي الحلل وأضع المساحيق لأنّي لا أشعر بالنّقص ، أتمنّى أن يفهم صاحبي هذا حتّى أقبل أن يكون صديقا لي ، كم هو ظالم هذا الانسان لأنّه لا يعلم أنّي أفضل منه من حيث السّلوك ، أنا آكل كفايتي واذا شبعت أترك الأكل لغيري ، أنا لا أفتن على أحد ولا أقتل حمارا آخر ، أنا لا أتسلط على غيري وأصبر وقت الشّدائد ، أتحمّل ظلم وجور الانسان مع أنّي أقوى منه ، أستطيع أن أرفسه وأن أقضي عليه بضربة واحدة  لكنّي لا أفعل وان فعلتها مرغما يكون هو السّبب لأنّه لم يترك للودّ قضيّه ، أصبر على الجوع والعطش والحر والبرد وأشيل الأحمال راضيا لأن هذا عملي وواجبي ومع هذا يجازيني بالضّرب وقلة الاعتبار والاهانه ، أحمله على ظهري  كطفل صغير وأحمل متاعه أيضا وعند الوصول لا أسمع كلمة شكر لأنّه  أنانيّ وناكر للجميل ، والمضحك أنّه ينادي من يريد اهانته من البشر بالحمار ويعتقد أنّ هذه شتيمه مع اني أفتخر بكوني حمار ولا أتمنّى أن أكون شيئا آخر كي لا أتلوث بسلوك غير الحمير، حتّى الأكل يترك لي بقايا الخضار، أنام على الأرض راضيا وهو ينعم بفراش وثير ، أتحمّل الوحدة قانعا ، كم أنت قاسي أيّها الانسان وكم نحن سعداء معشر الحمير لأنّا لا نكنّ ضغينة لأحد وكل منا يحترم خصوصية الآخر ولا يعنيه حجمه أو لونه أو جنسه أو حسبه ونسبه أو ما يفكر فيه ويعتقد ، نحن لا نتسلّط على ذريّتنا حينما يكبرون تحت اسم التّربية والتّبعية ونترك لهم حريّة التّجربه والقرار ، وبهذا تكون ثقتهم بأنفسهم أكبر .. أتمنّى أن يفهم صاحبي ما أفكر به لأنّي أريد له كلّ الخير . وليته يتعلم منّّي ويحترمني أكثر … كم أنت صغير أيّها الانسان ….!!

         نشرت في جريدة القدس بتاريخ 21/11/2014

Be Sociable, Share!

  1. Entrümpelung Said,

    اتمنى لكم المزيد من التوفيق

أضف تعليقك

*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash