مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



ألمَعْبَرْ ..

سبتمبر 1, 2012
0 views

          قرع جرس المنبه ، ألتوقيت مع آذان الفجر والوقت يوم كباقي الأيام ،  وزوجتي تعطر البيت بالتسبيح مع الوضوء والدّعاء .. يا مستورة خلي الصغار نايمين . يعني خلي صوتك هادي.. . قالت وكيف الملايكة بدها تسمع انّي بصلي .. أنا برفع صوتي علشان يسمعوا وايسجلوا الصّلاة .!  قلت لها مازحاً مشكلة اذا كان المسؤول عن التسجيل سمعه اثقيل مثل سمعي .. يعني راحت نص صلاتك . قالت يعني لازم ارفع صوتي كمان ..!  قلت لها بيكفي .. اكيد اللي ما بيسمع بيحط سماعة والامور بتصير كويسه  …..  أين الحذاء اللعين .. ارتديت جميع ملابسي وآخرها كان المعطف صديق عمري .. تحسّست الهويّة أكثر من مرّة لأتأكّد من وجودها بجيبي .. زر المعطف مقطوع ، مع اني قلت للمستورة ست البيت عن ذلك أكثر من مرّة …  لقد نسيت كالعادة .. وديك جاري أبو نهاد يشاطر زوجتي تسبيحه وصلاته .. صوته جهوري كمطرب ايطالي .. لقد حمدت الله كثيراً فقبل أسبوع مات طاووسه العزيز ، حيث كان يزعق  صباح مساء ويزداد مساءً وخاصة بالليل وكأنه مبرمج مع ساعة بج بن . أبحث عن الحذاء في زوايا البيت ، وست البيت مستغرقة في صلاتها .. أعرف أنّ عدد ركعات الفجر اثنتان لكنها تصلي كل مرة أضعاف ذلك لأنّها تنسى  العدد مثل العادة … ملعون ابليس لأنّه سبب النسيان كما تقول .. أتمنّى أن تنسى كسوة العيد .. والقبضة لم تصل بعد ، لأنّ التحويلة عالقة بالطريق .. لا أريد أن أتأخّر عن العمل . فالمدير يقف مثل الرّسد بجوار ساعة الدّوام .. واذا لم يكن فله عيون . وأنا أحبّ اطاعة الله والرسول وأولي الأمر .  لأضمن السّلامة ، وتزداد العلامة . الحذاء مفقود … بحثت عنه في كلّ الزوايا .. وأخيراً وجدته تحت الدوشك وكأنه مختبىء من البرد ، أو مل من صحبة قدمي  المستمرة له منذ ثلاث سنوات … البرد شديد بالخارج . حاولت لملمة معطفي واغلاقه لكنه عاد حيث كان لأنّ الزّر غير موجود . نزلت الدرج مسرعاً لأركب سيارتي الموقرة .. أسمها عزيزة طرازها  قديم قدم آلامي وأحلامي اللتي لم تتحقق .. أسترها يا رب . انشالله ابتشتغل اليوم .. لكنها لم تفعل . المسافة من البيت الى المعبر بعيدة وعزيزة لم تعمل والجو عاصف  والمواصلات غير متوفرة في هذا الوقت وبيتي يبعد عن الشارع .  سأحاول النزول بالسيارة (اّعشّقها ) لتعمل ، وكان ذلك .. الحمد لله لقد اشتغلت وأخذ صوتها يهدر مبدداً السّكون وبدأنا المسير . ..  الضّباب يلف الشارع  ويختلط مع دخان سيجارتي الرّابعة منذ الصباح . لعلّ منظر الضّباب الممزوج  بأضواء المصابيع أيقظ في نفسي ذكريات من البعيد .. صوت عود المرحوم أبو روحي وصوت كمان العزيز وليم .. الموسيقى تسبيح للرب ، وغذاء للروح . هي مسافة قصيرة قطعتْها عزيزة وتوقفت … قلت لها لماذا تعانديني ..؟  بيننا عشرة عُمر ، لكنّها رفضت الاستجابة … هي منحوسة من يومها .. فلقد اشتريتها يوم عقد مؤتمر مدريد …!  دفعت ثمناً لها تحويشة العمر لأنّهم قالوا حينها . سيكون الرّز والسّمن في البلاد للكوع ، وسننعم بالرّخاء  ونفارق الجوع … مع هذا لا ألومها لأنّها من الجماد .. وان كان هنالك لوم فليكن  على العباد … لقد أصبح بيني وبين عزيزة صداقة . أحكي لها أخباري وأسراري .. .. وحين زادت بها البناشر … قرّرت أن اشتري لها اطارات كي تسير … وصادف هذا اليوم الاعلان عن اتفاقية أوسلو..!! وسارت عزيزة مزهوة بالاطارات  الجديدة . لكنها توقفت وعاندت بالمسير … لعلها تأثرت بالاتفاقية وتضامنت معها . لكن ليس من طبعي اليأس . وأجدادي كانت لهم صولات وجولات .. قالوا ان لندن مربط خيولهم . والأندلس منارة علومهم . والهند والسند مرتع جيوشهم …  يا شباب أرجوكم دفشه للسيارة.. ولا يهمك .. واشتغلت قال أحدهم (ودّيها للمكنيكي… صوت الماتور تعبان )… وسارت وكأنها تبحث عن طريق في الطريق … والمسار مليء بالحفر … صوت العود عاد ليداعب آذاني . كانت أياماً جميلة .. لم تكن المعابر موجودة .. لكنها وجدت ببركة مدريد وأوسلو والطريق … هديّة من صديق  لصديق ..!! تذكرت يوم كانت عزيزة تقطع البلاد بالطول والعرض . دون معابر أو جدران . لكنّها شاخت الآن وهي تتلمّس الطريق والمسافات وترجو العون حتى من عابر الطريق .  سارت قليلاً ، استر يا رب الطريق مليئة بالحفر والمطبات . تذكرت يوم انتخابات المجلس البلدي . حيث قال من أصبح رئيسه . سأعبّد الشوارع وأقيم المتنزهات للأطفال .  وسنعمل جميع الخدمات ، س… س.. ولكنّ شيئاً من ذلك لم يحدث . أتوسّل اليك يا عزيزة أن تسيري .. وكأني سمعتها تقول .. ولا يهمك سأسير  لاني أعرف الخارطة .. وفجأة هوت في حفرة .. الحق ما هو عالسيارة .. ولا على السائق.. الحق دايماً على ابليس .. أو على مهندس الطريق .. ويمكن الحق على عمال مصلحة المياه .  نسوا اعادة التراب الى الحفرة وتعبيد مكانها بعد أن وصلوا ماسورة المياه الى المنزل  المجاور . معهم حق ، لأنّ رائحة المقلوبة والبخشيش أنساهم اتمام العمل …      الشّارع خالي من المارّة وعزيزة ترقد احدى عجلاتها في الحفرة .. ملعونة هذه الطريق فكلّها حفر ومطبّات .. سأترك السيارة وأختصر المسافة سيراً كي أصل الى المعبر ومنه الى العمل . مشيت بكل طاقتي والهواء البارد يضربني من كل الجهات .. تحسّست ذاتي فأنا لابس المعطف لكنّ الهواء يتسلل الى الداخل لأنّ الزر مقطوع … أنا لابس..لكن البرد قارس … وأرى بالشارع آخرين يهرولون مثلي .. المعبر مليء بالنّاس وكأنّه  نصب ابليس في يوم حجيج . وطوابر العمال ممتدة .. والعيون شاخصة على الضّوء  الأحمر الذي يعلو الأبواب . متى سيضيء الضوء الأخضر كي نمشي على السّراط ….؟ كعك سخن ينادي أحدالباعة .  وآخر يقول اتسلى ابشيكل .. قهوة يا شباب تفوح رائحتها من الدلّة النّحاسية . . الكل قاصد يبحث عن رزقه  .. قالوا بعد أنابولس ستتحسّن الأوضاع والمسار ..  وستكون التسهيلات بالقنطار . الأخضر يضيء وتتقدّم ثلاث طوابير ببطء … العصافير في الأعلى تزقزق ، وتقطع المعبر ذهاباً واياباً وهي تزقزق .. أنا أحسدها على نيل حرّيتها .. صوت الميكرفون ينادي (هوية أزرق مسلك خمسة)هذا النداء لا يعني الكثيرين … فجميعهم هويّة أخضر .. الطابور يتقدم .. وقطعت المرحلة الاولى .. في الدّاخل خمسة مسالك .. هنا الحساب والعقاب .. عجوز يقف أمام الشباك لم يسمح له بالعبور .. – أنا رايح أصلي يا خواجة . رايح عالحرم . – لازم تصريح انته لازم برجع عالبيت . – لكن أنا رايح أصلي وعمري سبعين سنة أي هيّه الصّلاة عايزة تصريح  ؟ عاد وهو يلعن التاريخ والأيام ، لهذا الذل وغدر الأنام  … المسالك لا تعمل جميعها هذا اليوم .. هما اثنان فقط .. يعملون حسب المناخ وسعر الدولار في زيادة ونقصان ،  ومن يريد الوصول للعمل عليه الحضور قبل الأذان . وجاء دور لامرأة تحمل طفلاً  صغيراً .. دخلت من الاطار للفحص وجاء صوت .. انت بيزمّر … قالت أنا رايحة عالمستشفى أحكّم الولد .. . ارجع انت بيزمّر ..  يا مستورة قالها أحد الواقفين  اذا معك مصاري أو ذهب حطيهم بالسلّة ..  يا ابني من وين المصاري والذّهب باعه الولد الكبير واشترى في حقّه فورد .. لكن الشّرطة قاطعين رزقه بالمخالفات .. آه يمكن هذا الحجاب اللي على صدر الولد بيزمّر مهو ملفوف بالتنك .. . طيّب قيمي الحجاب علشان تفوتي .. لا يا بني ما بقيمة .. بعدين القرينه ابتخنقه ..!   وأظهرت الحجاب للشبّاك وعبرت بعد عرض التصريح ..  الحمد لله بقي واحد أمامي .. عامل يحمل سلة بها طعامه .. عرض الهوية على من بالشباك .. جاء صوت خط ايدك بالماكينة علشان البصمة . ووضع يده وتكرّر الصوت .. خط .. قيم .. خط .. قيم . انت البصمة عندك خربان ….-  شو أعمل  أنا بشتغل بالبيطون ، وبصماتي مهريّة من الشغل …- انت لازم بعمل بصمة جديدة …- قولولي وين بيبيعوا بصمات جديدة علشان أشتري وحده .. كل يوم نفس الموّال .. انت بصمة خربان أي شو هالزمن التّعبان …. وبدأت شفتاي تتمتم بدعاء المعبر …… اللهم أبعد عنّا شر النفاق والاغلاق ، واجعل مزاجهم مقبولا ، وصياحهم محمولا وأجعل الماكينة لا تزمّر حتى على النظّارة . والكمبيوتر يعمل بكل شطارة . ويسّر أمرنا بالعبور كالعصفور ويسّر لنا كل المسالك بجاه أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك . وارزقنا بسائق نشيط بمسعاه يسير بسرعة لا كالسّلحفاه ! وقلل من سيره ووقوفه كالبطريق .. واحفظنا اللهم من محسوم (حاجزعسكري) طيّار على الطريق . كي نصل الى العمل بنفس مرضية . ولا تعقد لنا يومنا كباقي القضية …..

           نشرت في جريدة القدس بتاريخ 2008.4.6
Be Sociable, Share!

  1. هلا محمد ... حنبن للوطن Said,

    مشاركة رائعة
    إبداع في الطرح وروعة في الإنتقاء
    وجهداً تشكر عليه اخي الكريم…….
    دمت رائع الطرح وافر العطاء
    أكاليل الزهر أنثرها في صفحتك
    مع خالص تحياتى وفائق تقديري

  2. احمد داود Said,

    شئ جميل وروعه واسلوب بسيط وجميل

  3. نورا نور Said,

    جميل جدا وراااااااااااائع

أضف تعليقك

*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash