مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bahlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر, 2012

قُلْتُ للآخَرْ

سبتمبر 28, 2012

         صحوتُ فجرا وكان الندى يحتضن الأرض ويلفّها بوشاح أبيض . والعصافيرهجرت أعشاشها . أخذت تغنّي فرحة فكلّ يوم عندها عيد . وغرسة الياسمين بدت كعروس تضيء حبات اللؤلؤ حول جسدها الجميل . وتلك الاقحوانة تناجي زنبقة بحدّها . تبتسمُ وترسلُ لها عطرها المميّز… جسدي منهك القوى  رغم أنّ كلّ شيء جميل الاّ أن سورا يحيط بالندى يكاد يخنقه ورائحة البارود ومسيل الدّموع مازال لهما أثر في الجو.. والحواجز منتشرة كشجيرات العليق . رائحة القهوة المستوردة تعبق أنفي . وسيجارتي لا تفارق شفتي . كل شيء أصبح عندنا مستورد لأنّ المحاريث قد صدأت. والمناجل تكسّرت مع ما تحمله في داخلها من رموز .. حتى فرحنا أصبح مستوردا نزيّنه بايقاع غريب ، وفتاش من بلاد الواق الواق . نرقص ونوهم أنفسنا أن بيننا اتفاق . وحليب الأطفال يأتي عبر الأنفاق  !. قال لي  ألآخر : انت تلوث الجوّ بدخان سجائرك .. ضحكت وقلت : رائحة البارود ومسيل الدّموع تلوث الجوّ أكثر . قال – انها تقول لك انهم موجودون ولا ضرورة لوجودك وعليك أن تنقرض أو تغادر. قلت للآخر : اغرب عن وجهي فأنت تميل لتزوير الحقيقة .. وعندك من الحيل ألف طريقة ..!!  قال : أنت متشائم .. ولا تسمع في الجو هديل الحمائم ومؤتمرات السّلام والسعي الدّائم . قلت : الحمائم يا صديقي الآن لا تطير . لأنّهم نتفوا ريشها . وان سارت على الأرض فهي بحاجة لتصريح .. والتصريح من الباب العالي . فله الأمر والنهي وعليك أن تكون مطيعا ووديعا ومن يتزوّج أمّك فهو عمّك ..  قال – لا تكن حاقدا .. فالحقد يغلق جميع الأبواب وليس لك من الشكوى غير العذاب . قلت : أنا لست بحاقد .. أنا أحبّ الحريّة فهي المقياس .. ولا أكره الآخرين والأجراس . وحتى البوق وكلّ النّاس . الله خلقنا وآدم هو ألأساس . لماذا يضعون القيود في أيدينا ويسلبون حتى الحلم من مآقينا .. ؟ ويتظاهرون بالبراءة والرّحمة ، وان داسوا على جرح جريح يطلبون منه أن لا يصيح !. قال : لقد ظُلموا في الأرض ويبحثون عن عنوان .. ومن حقٌهم أن يعيشوا كالآخرين بأمان . قلت : لكن ليس بيتي هو العنوان ولا وطني هو المكان .  فأنا موجود قبله وقبل الزمان بزمان . أعجب كيف للمظلوم أن يظلم انسان ..! ارجع لضميرك قبل أن يفوت الأوان . أنا لا أستجديك وأذرف الدموع . لكني أحاول أن أضيىء في نفق غرورك بعض الشموع .  حتى يكون على الأرض سلام .. فالكلّ أخوة محمد وموسى ويسوع   …

                 نشرت في جريدة القدس بتاريخ 2010.1.8

عُقْبالْ عِنْدُكُمْ ..

سبتمبر 23, 2012

         الوقت السّاعه الواحدة صباحا .. وأنا وجاري العزيز  نجلس بجوار سور حديقة المنزل ، تحت دالية  من كروم العنب .. هذا بعد أن جفانا النوم واصرار  من يقيمون احتفالا بزواج ابنهم  مشاركتهم فرحتهم  بتلك المناسبه ، .. أرى من البعيد منزلا تزيّنه الكهرباء  من كل الألوان .. حقا ان المنظر جميل ، لكنّ ما أزعجنا  ونغّص علينا حياتنا هو صوت فريق الموسيقى حيث  كانت السماعات الكبيرة تنقل صوت الاحتفال لكلّ الاتجاهات ويتضاعف الصّوت مع الصّدى  ليملأ الجوّ وكل واحد من أعضاء الفريق يجتهد في أن يكون صوته أو صوت آلته الأعلى  ليختلط الحابل بالنّابل على صليات من قذائف الفتّاش تشق عنان السّماء ، وما يهمّ الشباب في هذه الواقعه هو الهزّ ولا يعنيهم ما يسمعون أو حتى محاولة فهمه، ودلاّل الحفل أو المغنّي كان كدلال يصيح في سوق الخضار يجتهد ليرضى كل الأذواق كما يعتقد ، من السّح الدّح مبو الى حبيبي حمار الى أغنية البيتنجانة ويتبعها بشق القمر الى نصفين ، نصف له والآخر لحبيبته!جاري العزيز كان مصابا بالرّبو وينتابه السّعال أحيانا ، انه غير قادر على النّوم ، وصوت سعاله يخترق المسافات ليصل الى ذاك الحفل الكريم .. طلبت منه أن يكفّ عن السّعال  حتى لا يشوّش على الحفل ، أو  ازعاجهم وكي لا يغضب (المطرب الملهم ) ويخرج عن النّص أو الايقاع لكنّه لم يقدر ، اخذ يصيح – ارحمونا منشان الله  خلي عندكم شويّة ذوق .   قلت له – الجماعه عايزين يفرحوا يا جاري وعقبال عند أولادك ، قال – يا سيدي أنا عايزهم  يفرحوا كمان ، لكن ما هو على حساب ازعاج الناس للصّبح ، الفجر كمان شوية بيأذّن ، في أطفال وشيوخ ومرضى وعمّال عايزين ايناموا .. قلت له – المشكله يمكن حلها .يا جاري حط قطن في ودنيك ونام .. الوقت يقترب من الساعة الثانية صباحا ، والصوت قد انقطع ، حمدنا الله وقلنا  يبدو أنهم اكتفوا وهممنا بالمغادرة الى الفراش للنوم   وما هي الا لحظة حتى عاد صرير السماعات فجاء الصوت ليقول – اما الآن نستمع الى  (المطرب فلان)في غنية لأم كلثوم .. جلسنا مرغمين لنستمع الى هذا العندليب .. وقلنا ربّما يكون ختامها مسك ، ولكنّ بعد نحنحة وقحقحة بدأ المطرب الملهم بالغناء … لقد كسر قواعد اللغة والكلمات لأن الغناء له أصول ومقامات وأوزان محسوبة ومسافات، وما كان وسمعنا هو تهريج وضجيج مع الآهات ، صدّقوني لو سمعت أم كلثوم لها الرحمة  ما سمعنا لأقامت دعوى بالتّشهير والاساءة على أخينا الملهم ..  ارحمونا يا فطاحل الغناء هذه الأيام يرحمكم الله ..ولا تقتربوا من القمم أنا لست متحاملا  عليكم ، وأعتقد أنّ البعض منكم عندهم موهبة ، لكن الموهبة وحدها لا تكفي ، لأنّ لكل مهنة أو فن أصول ولا بدّ من الدراسة في معاهد متخصّصة أو على أيدي أساتذة  أكفاء ، هل تعلمون أن قائد الفرقة الموسيقية يدرس 12 سنة في أعلى المعاهد  (الكونسرفتوار )كي يحق له ويستطيع قيادة الاوركسترا – الفرقة الموسيقية – وحتّى البعض منهم لا ينجح بالقدر الكافي . أعتقد أنّ المشكلة هي بمحاولة كل مجموعة  من الشباب تكون بلا عمل لأنّهم بالأصل لم يكملوا دراستهم ولم يتعلموا مهنة ليعتاشوا منها فيقومون بتشكيل فرقة مع بعض الآلات ، أو شراء أجهزة (دي جي )ليباشروا في نثر  مواهبهم على رؤوس الناس ، وبأسعار متهاودة ، وما حصل قد وصل ، وما يهمّ هو رخص الأسعار والدّق على الطبل والمزمار ، والرّقص وان كان مثل الزّار  ولنصدر مواهب الى السّوبر ستار ، المهم المشاركة في الأفراح والليالي الملاح ،
وعقبال عند حبايبكم كبار مع صغار …

              نشرت في جريدة القدس بتاريخ 2009.8.16

ألنَّوارسْ

سبتمبر 18, 2012

النّوارسُ جَوْعى تمْلأ السّماءّ بالزّعيقْ
لأنّ البَحرَ قدْ اغتالَ أسْماكهُ وبدُموعِها تعَطرْ
ورَمّمَ بعظامِها كرسِيّ الحُكم الآيل للسّقوط
وفي دِمائِها يعومُ ويَسْكرْ
صَنع مِن جُلودِها أحبالا للمشانِق ومليونَ سوط
وعمامَة على الرّأس لونها أسمرْ
قد تجدين أيّتها النّوارس غذائك  في ساحَة الأمويّين
لأنّها فاضتْ  وصارتْ بحراً أحمرْ
لا تفزعي أيّتها النّوارس لأنّ هذا زمنٌ أغبرْ
وسَتَجدينَ في الطريق دُخان القنابل والعَسْكرْ
وألف سِجن وسجّانٍ وجَلادٍ بَلْ أكثرْ
ومآذن مهدّمة ما عادتْ تُنادي ألله أكبرْ
حتّى ياسمين دِمشق فقدَ لونهُ
تغيّر ولبسَ السّوادَ حُزنا حينَ تكسّرْ
وماءُ بَرَدى ما عادَ عذبٌ زُلال
مِنَ المأساة ينْزفُ دَماً وتعكّرْ
يا أيّها الرّاقدُ على خازوق الحُكْم
أما كفاكَ .. نيْرون ما فعلَ هذا ولا هِتلرْ
هذا هُوَ الجيشُ الحُرُّ قادمٌ
سيُحَرّر الشام مِن كلّ طاغية تنكَّرْ
معتوهٌ من يُعاند الشّعب
ملعونٌ من طغى وتجبّرْ
سيذكرُكَ التاريخُ بأبشع وصْفٍ
قاتلٌ مقتولٌ غبيّ حشرةٌ بلْ أصغرْ ..

مَواهِبْ ..!

سبتمبر 13, 2012

 عَلّمنا العالمَ دُروساً في السّياسَة ْ
كيفَ يبقى الحاكمُ قرونا في الرّياسَة ْ
وكيفَ يقمَعُ شعبهُ بقوّةٍ
وإن أرادَ الحرّية يَكتُمُ أنفاسَه ْ
*******
عَلمنا العالمَ الأصولَ والفصولَ والشّعرَ والأدبْ
وكيفَ نتباهى في المَجالِس بالحَسَبِ والنّسَبْ
وأنّ إنتقادَ الحاكِم مَعْصِيَةٌ
وأنّ الرّضى والصّمْتَ هُما مِنْ الذَهَبْ
*******
عَلمنا العالمَ كيفَ تكونُ الادارَة
لِكلّ مسؤول أتباعٌ وسائقٌ وسيّارَة
وَوُسطاءَ لحلّ المَشاكِل
وحارسٌ يقفُ في بابِ العَمارَة
*******
عَلمنا العالم كيفَ يكونُ الصّمودْ
وكيفَ نُحافظ على المَواثيق والعُهودْ
وكيفَ نَحترمُ الغَريبَ إنْ أتى
مُستعمراً لنا .. وبأرضِنا نَجودْ
*******
عَلمنا العالمَ كيفَ يكونُ التّنسيق مَعَ الاحْتلالْ
وكيفَ نُبَرّر الخُنوعَ بخُطبةٍ أو مَقالْ
وأنَّ الصّبرَ مُفتاحٌ للفرَجِ
وأنّ الدّنيا فانيةٌ إلى زَوالْ
*******
عَلمنا العالمِ دُروسا في الإقتصادْ
نتغنّى بأمجاد الماضي وَكذا الأجْدادْ
خُبراءَ في قتْل الوَقْت
نكرَهُ العَمَلَ ونَطلبُ الرّزْقَ مِنْ رَبّ العِباد
*******
عَلمنا العالمّ فنون الإشاعّة
كأَنّ الواحد منّا صحيفة أو إذاعة
وكالاتُ الأنباء أخذتْ عَنّا
نطربُ للنّميمةِ والوشايةِ وما نحبّ سماعه
*******
 عَلمنا العالم كيف يكون الحُبْ
لوعة وأنين ووَجعٌ في القلبْ
وهَجْرٌ وبعدٌ وشقاء
وبكاءٌ على الأطلالِ بلا ذَنْبْ
*******
عّلمنا العالم كيفَ يكونُ الطّعام
مناسِفُ مع الكبسة وزغاليل الحَمام
نعشق القدور والبخور والغناء
ليس لنا سوى الأكل والحريم والمنام
*******
عّلمنا العالم كيفَ يكونُ حُبُّ الفِراشْ
من أجله نَشِنُّ الحروبَ ولا عاشَ من عاشْ
نُفكّرُ بهِ ونشرحُ أبعادهُ وأمجادهُ
ونحتفلُ لأجلهِ بمليون فتّاشْ …

 

سعيد الرّاعي

سبتمبر 11, 2012

    سعيد يشدّ بنطاله الى وسطه بخيط .. يمشي حذراً متيقظاً بحد الحيط ..في قريته اختلط الحابل بالنابل ، وعاد الغزو بين القبائل ، هو محتار، يحمل ربابته ، انامله ترقص مع الأوتار، أيغنّي لبني عبس أو بني وائل . أيّهما على حق .. والصواب في أن يختار، وأن يتّخذ لنفسه القرار.. سعيد يعمل راعياً ، غنماته تطرب لصوت ربابته ونايه الحزين ، فلقد تعودت الحزن منذ سنين ، وبات يشجيها صوت الألم والآه والأنين .. تحلم بالعشب الأخضر، والورد اذا زهّر، والماء ينساب من شلال كالعنبر، وكبش مزهوّ بين القطيع يتبختر. وعطاء الأرض يكون لها بكثير أكثر .. سعيد يحمل على كتفه كيساً به زوّادة رغيف طابون وزيتون وزعتر، يرتاح ان أضناه المسير بظل زيتونة أو تينة ، ينام يحلم يتفكّر. آه ما اصعب الاختيار، وحين يكون القرار، لا يختار الاّ الأعسر. هو يحبّ الحرّيّة ويكره الحواجز والعسكر، والليل ان طال والجوّ ان تعكّر، وصوت البومة والربيع اذا أدبر، سعيد يكره الذباب والذئاب لأن الذباب يضايقه والذئاب تفترس قطيعه ، وقطيعه في رقبته وديعة . سعيد رأى الذئب يهجم على القطيع والكبش يقاوم ، قال تعلمت اليوم درساً ولن أساوم . لأن الحياة مدرسة بها نتعلم ونتدبّر، وليست المعرفة فقط بالقلم والقرطاس والدّفتر. سمع زيز الحقل يغنّي والنمل تحشد للشتاء ، وفي قريته طاعون وقد عزّ الدّواء ، كل الجهات مغلقة وحكيم القرية ترك الحكمة وعمل سمسار، وفي وقت فراغه يرقص بالزار، وفي الليل يكون مهرّجاً للصغار والكبار، الدنيا في نظره سيرك كبير ولا مكان فيها للحوار … ! آااه يا سلمى .. كم تأخّرتُ عليك .. وعدتك بالزّواج قبل حولين وأكثر.. لكن النعاج لم تنجب لأن الكبش قد فقد فحولته ومن أين لي بالكلفة ، أعلم ان العرس مكلف مع الزفّة .. اشعر انّي كزورق هائم فقد الدّفه ، وأنا لست عنترة أو جميل أو طرفه .. أنا عشقت الثغاء والغناء وعشقت فيكي ألعفّه . قد تسهرين طويلاً على ضوء القمر، وتناجين أحلامك حتّى السّحر، أمّا أنا فوجهي تغيّرت خارطته وفقد ملامحه وبالصّبر قد كفر .. آااه يا سلمى حين يشعر الانسان بالغربة ، يكون الوجود فراغاً وأن لا شيء قُربه ، غير طلاسم تحكيها الأساطير ودلال ينفخ في قِربه . والقربة مثقوبة والحبة قد صارت قبّه . قالوا الأمور ستصبح أفضل .. لكن النكبة قد زادت نكبة ..! وانا يا سلمى ألملم غنماتي وأسير كعاشق يمتطي حُبّه . أحياناً أكون مزهواً رافع الرّأس ، وأحياناً أتمنى الصلاة في القدس ، لكنّي أسكن الضفة  ، يقولون أنّ شوارعها جميلة .. وأنها درة الزّمان وفي الرّوض خميلة ، وأنّها طريق السّماء وبلسم الشفاء للنفس العليلة . في يوم كنت أعزف على الناي وكأني رأيت ملائكة في السماء ، سألتهم، لقد طال القحط فمتى يكون الشتاء؟.. قالوا أنت لم تحرث الارض فكيف يكون العطاء…! اصبر يا ولدي فالدواء يكون أحياناً بالبلاء…!!

                    نشرت في جريدة القدس بتاريخ 2009.4.12

بيضة ديك ..

سبتمبر 6, 2012

            ألجفافُ يضربُ الأرضَ حتّى ماتَ الزّرعُ والضّرْع .. اجتمع كبارُ القوم للنّظر فيما وصَلتْ إليه الحال ، كلّ واحدٍ أبدى رأيا وغنّى موّال ، وساد الهرْجُ والمرْج ُوالقيلُ والقال ، حتى وصل الجميع الى قناعة أنّ إصلاح الحال مِنَ المُحالْ ، وبعد صلاة إستسقاءٍ ولحظة صمتٍ ودعاءٍ وابتهالْ ، كان لابُدّ من التوجّه إلى الشّمال ، حيثُ الخير الوفير والنّقد والغِلال ، وحضّروا لهذه الغاية الجُيوبَ والخزائن والسِّلال .. طلبوا العونَ من الأصدقاء بعد كثير من التودّدِ والرّجاء ، ودرءاً للمخاطرِ حتّى لا يعُمّ البلاء ، وينتشرُ في الأصقاع كالوباء ، وكان الرّد  من باريس ليته ما كان ولا جاء ، لأنّه مُصيبة وشقاء ، حيث طلب شيخ الطريقة الشّماليّه شرْطا للعطاء ، أن يكون التّنسيق موجودا للبقاء ، ومن خالفوا المزامير هم الاستثناء .. وأن يقود المسيرة رجل وقّع لهم على بياض ، حتّى هاموا بحبّهِ وأصبح كالطاووس يختال في الرّياض .. قالو انه رجل المهمّة الصّعبه ، وانه خير من يحمل الحقيبة والجُعبه ، وانه نظيف الجيب وحليق الذّقن ويخافُ ربّه ، وأنّ الخير سيأتي على يديه كالنّهر إذا فاض ، حتى استبشر النّاس خيراً وسمّوهُ بالفيّاض ، وبصم الجميع انتظاراً للنتائج إذا ما الدّيك قدْ باضْ ، ولم يبدي حينها الا القليل الاعتراض ، وانتظر الشّعب الفرج والتخلص من الاقتراض ، .. امتطى صهوة الحصان الفيّاض صال وجال كفارس في الوغى وللمعارك خاض ، كمن هدم الحصن وجلس متباهيا على الأنقاض ، قال هذا الشّعب متخمٌ والسّمنة تؤدّي الى المرض والانقراض ، عليْهم أن يصوموا وأن تعتاد بطونهم على الانقباض ..! عمّ البلاءُ والشقاء  بعد أن شطحَ ونطحَ الفيَاض ، وزادت الضَرائب وتوالتْ العجائبُ وعمّ الغلاءْ الى أن طفح الكيلُ وفاض … ما كُنْتَ يا فيّاضُ ، ولا كان ديكُ إجتهادكَ قدْ باضْ …!

سَقَطَ القِناعُ

سبتمبر 3, 2012

سَقَط القناعُ عنْ وجهِ الأسد فاذا بِهِ كُرّ
صالَ وجالَ وقال  َلا ..
أبداً عَنْ ذَنَبي لنْ تَمرّوا
عَشِقتُ الكرْسيّ وأحْببتهُ
حُبّ البَعير للشّعير والحِلس والتّمْر
هذه ضيْعَةُ أبي وأنا وَريثها
هذا  لكمْ  فَرَمانٌ  وأمْر
وهيَ لابْني ولأحفادي  مِنْ  بَعدِهِ
انّ مَشيئتي  قضاءٌ  وَقدَر
رَفسَ ونَهق وشهَق مُتباهياً
واستدْعى البِطانة مَعْ نائبهِ الهِرّ
أقبَلَ الدبّيكة وهتفوا لهُ ثلاثا
طافوا وصلّوا لهُ وعَبروا
قالوا مَوْلانا قدْ أتيناكَ زاحفينَ
لك الطاعَةُ والنّهيُ  والأمْر
وجيشكَ المِغوار حُماة الدّيار
وشبّيحَتك  الأشاوسُ  الغُرّ
سَنَسْحَقُ الشّعبَ ونلعنْ سَنْسَفيلهُ
ونهدِم الشّام ونجعلها لهُم قبْر
فلا عاشَ مِنْ بَعدِكَ مَخلوقٌ
لكَ الخُلودُ والبنودُ والعُمْر ..
قالَ أحْسنتمْ أيّها الكراميش
سأجازيكم بالينّ والدّولار وكذا التّبر
وأجلس على أطلال ما  تهدّم
وأعلنُ الأعيادَ وقدْ تحقّقَ النّصْر
فلا الجولانَ تهمّني بَعْد الآن
هي تعلّمنا كيفَ يكونُ الصّبر
لم يأتي بَعْد الزّمان والمكان
ربّما في وقتٍ غيْرَ هذا العَصْر .

خرابيش ..

سبتمبر 1, 2012

            أبو صابر ومنذ صباه يحب الحمير بل يعشقهم ، كان بينه وبينهم عشرة عُمر، فلقد تربّى لوالد يحبّ الحمير وكان يقضي أغلب أوقاته في اطعام ورعاية حمار والده والرّكوب عليه مشهرا سيفا صنعه من الخشب وكأنّه أبا زيد الهلالي وربّما يكون حبّ الحمير هذا بالوراثه ، كان أبا صابر يحلم بأن يكون له حمار مميّز ليس كباقي الحمير وكان يرسم لحماره المنشود أكثر من صورة في خياله لونه طوله نهيقه وحتّى طول أذناه والبردعه المزركشه مع اضافات من الأجراس ووسائل الزّينه وأن يكون الرّسن من الزّرد ، حتّى أنّه اختار له اسم ( مزيون ) .. وها هو أبو صابر قد أصبح شابا وبعد زواجه أراد تحقيق حلمه حيث ذهب صبيحة يوم الجمعه الى سوق تباع فيها المواشي والحيوانات وكان يطلق عليه سوق الجمعه وهو عباره عن ساحه في طرف المدينه يقصدها من يريد البيع أو الشراء ، دخل السوق  تغمره السعاده وجال بناظريه كافه الاتجاهات مستطلعا ، آه لقد وجده انه ركن الحمير وكان هذا ضالته ، تقدّم وعيونه تتفحّص الحمير بنظرات الصّقر حقا ان بعضها جميل لكنّه يبحث عن ضالته وطلبه ولمح من البعيد ما يبحث عنه ، تقدم بخطى مسرعة ونظره موجّه نحو حمار بعينه آااه قالها أبو صابر أخيرا  وجدتك ، كان يقف بجوار الحمار صاحبه ممسكا برسنه تقدّم أبو صابر ليتفحّص الحمار لكنّ صاحبه نصحه بعدم الاقتراب لأنّ الحمار لا يطيق الغرباء وربّما يرفسه بحافريه وهذا ممّا زاد من اعجاب أبو صابر في الحمار ، وبعد مفاوضات تم الاتفاق على السّعر ودفع أبو صابر ثمن الحمار لصاحبه وطلب منه  أن يوصله الى بيته خوفا من أن يهرب منه في الطريق أو أن يعمل له مشاكل حتى يعتاد عليه وكان له ما أراد .. الحمار مربوط في عريش بجوار بيت أبو صابر وأبو صابر يتأمله تماما كما أحبّ وتمنّى خاطب الحمار قائلا _ وأخيرا وجدتك يا مزيون وأنا متاكّد أنّه بعد عدّة أيام سنتعوّد على بعض ونكون أصدقاء ، وقدّم للحمار حزمة من البرسيم عربون مودّة وذهب مسرعا الى السّوق واشترى لحماره العزيز بردعة مزركشة وخُرْجْ بعد أن طلب من صاحب المحل أن يضيف اليه الزينة والقصب والأجراس حتى يليق بحماره المحبوب هذا بالاضافة الى رسن معتبر، وعاد مزهوّا الى البيت ووضع ما اشتراه من السّوق أمام الحمار حتّى يراه وكأنّه يريد أن يقول له أنظر كم أنت عزيز على  قلبي وكم أحبّك ..انقضت عدّة أيام وأبو صابر يتقرّب من حماره أكثر الى أن قبل به الحمار ووضع ما اشتراه الى ظهره فصار الحمار في غايه الجمال أو هكذا رآه أبو صابر ومسكه من الرّسن وأخرجه من العريشة استعدادا لركوبه ، قفز أبو صابر كالفرسان الى ظهر الحمار وما أن استقرّ عليه حتى عاجله الحمار برفسة جعلته  يطير في الهواء ويهوي الى الأرض ، تألّم أبو صابر كثيرا وبعد جهد وقف ونظر الى الحمار نظرة غضب متوعدا اياه بالعقاب وتوجه الى بيته بصعوبة وليلتها لم يذق طعم النّوم من الألم ومن تصرّف الحمار الغير متوقّع وأخذ يفكر هل يعاقب الحمار أم يسامحه ويكسب ودّه وصداقته حتى يالفه وتسير الأمور بينهما بشكل جيّد.. الليل انتصف وأبو صابر ساهر يتوجّع ويفكر واذا به يسمع صوت حديث خارج البيت ترى من سيحضر اليهم في مثل هذا الوقت ، قال أبو صابر اكيد هذا حرامي جاء ليسرق الحمار ولكن على جثّتي ونهض من الفراش وتناول قنوه (عصا)حتى تكون سلاحه بمواجة اللص وتسلل خارجا ليقبض عليه متلبسا .. في اٍناء يوجد به ماء لشرب الحمار  كان ينظر مزيون الى صفحة الماء حيث رآى صورته وقف أبو صابر ينظر الى حماره متأمّلا مستغربا وخاله  وكأنّه يحدّث نفسه قائلا ما أجمل طلتي البهيّه وما أجمل أذناي ، رغم أنّي أسمع أكثر من الانسان بكثير الا أنّي لا أعير كلامه القاسي أيّ اهتمام لاننا مأدّبون معشر الحمير ونتعالى على الصّغائر ، وعيناي أكبر من عيونه لكنّي لا أتلصّص وأسترق النّظر على غيري ، كم أنا جميل بشكلي الحقيقي فأنا لا أتجمّل وأرتدي الحلل وأضع المساحيق لأنّي لا أشعر بالنّقص ، أتمنّى أن يفهم صاحبي هذا حتّى أقبل أن يكون صديقا لي ، كم هو ظالم هذا الانسان لأنّه لا يعلم أنّي أفضل منه من حيث السّلوك ، أنا آكل كفايتي واذا شبعت أترك الأكل لغيري ، أنا لا أفتن على أحد ولا أقتل حمارا آخر ، أنا لا أتسلط على غيري وأصبر وقت الشّدائد ، أتحمّل ظلم وجور الانسان مع أنّي أقوى منه ، أستطيع أن أرفسه وأن أقضي عليه بضربة واحدة  لكنّي لا أفعل وان فعلتها مرغما يكون هو السّبب لأنّه لم يترك للودّ قضيّه ، أصبر على الجوع والعطش والحر والبرد وأشيل الأحمال راضيا لأن هذا عملي وواجبي ومع هذا يجازيني بالضّرب وقلة الاعتبار والاهانه ، أحمله على ظهري  كطفل صغير وأحمل متاعه أيضا وعند الوصول لا أسمع كلمة شكر لأنّه  أنانيّ وناكر للجميل ، والمضحك أنّه ينادي من يريد اهانته من البشر بالحمار ويعتقد أنّ هذه شتيمه مع اني أفتخر بكوني حمار ولا أتمنّى أن أكون شيئا آخر كي لا أتلوث بسلوك غير الحمير، حتّى الأكل يترك لي بقايا الخضار، أنام على الأرض راضيا وهو ينعم بفراش وثير ، أتحمّل الوحدة قانعا ، كم أنت قاسي أيّها الانسان وكم نحن سعداء معشر الحمير لأنّا لا نكنّ ضغينة لأحد وكل منا يحترم خصوصية الآخر ولا يعنيه حجمه أو لونه أو جنسه أو حسبه ونسبه أو ما يفكر فيه ويعتقد ، نحن لا نتسلّط على ذريّتنا حينما يكبرون تحت اسم التّربية والتّبعية ونترك لهم حريّة التّجربه والقرار ، وبهذا تكون ثقتهم بأنفسهم أكبر .. أتمنّى أن يفهم صاحبي ما أفكر به لأنّي أريد له كلّ الخير . وليته يتعلم منّّي ويحترمني أكثر … كم أنت صغير أيّها الانسان ….!!

         نشرت في جريدة القدس بتاريخ 21/11/2014

ألمَعْبَرْ ..

سبتمبر 1, 2012

          قرع جرس المنبه ، ألتوقيت مع آذان الفجر والوقت يوم كباقي الأيام ،  وزوجتي تعطر البيت بالتسبيح مع الوضوء والدّعاء .. يا مستورة خلي الصغار نايمين . يعني خلي صوتك هادي.. . قالت وكيف الملايكة بدها تسمع انّي بصلي .. أنا برفع صوتي علشان يسمعوا وايسجلوا الصّلاة .!  قلت لها مازحاً مشكلة اذا كان المسؤول عن التسجيل سمعه اثقيل مثل سمعي .. يعني راحت نص صلاتك . قالت يعني لازم ارفع صوتي كمان ..!  قلت لها بيكفي .. اكيد اللي ما بيسمع بيحط سماعة والامور بتصير كويسه  …..  أين الحذاء اللعين .. ارتديت جميع ملابسي وآخرها كان المعطف صديق عمري .. تحسّست الهويّة أكثر من مرّة لأتأكّد من وجودها بجيبي .. زر المعطف مقطوع ، مع اني قلت للمستورة ست البيت عن ذلك أكثر من مرّة …  لقد نسيت كالعادة .. وديك جاري أبو نهاد يشاطر زوجتي تسبيحه وصلاته .. صوته جهوري كمطرب ايطالي .. لقد حمدت الله كثيراً فقبل أسبوع مات طاووسه العزيز ، حيث كان يزعق  صباح مساء ويزداد مساءً وخاصة بالليل وكأنه مبرمج مع ساعة بج بن . أبحث عن الحذاء في زوايا البيت ، وست البيت مستغرقة في صلاتها .. أعرف أنّ عدد ركعات الفجر اثنتان لكنها تصلي كل مرة أضعاف ذلك لأنّها تنسى  العدد مثل العادة … ملعون ابليس لأنّه سبب النسيان كما تقول .. أتمنّى أن تنسى كسوة العيد .. والقبضة لم تصل بعد ، لأنّ التحويلة عالقة بالطريق .. لا أريد أن أتأخّر عن العمل . فالمدير يقف مثل الرّسد بجوار ساعة الدّوام .. واذا لم يكن فله عيون . وأنا أحبّ اطاعة الله والرسول وأولي الأمر .  لأضمن السّلامة ، وتزداد العلامة . الحذاء مفقود … بحثت عنه في كلّ الزوايا .. وأخيراً وجدته تحت الدوشك وكأنه مختبىء من البرد ، أو مل من صحبة قدمي  المستمرة له منذ ثلاث سنوات … البرد شديد بالخارج . حاولت لملمة معطفي واغلاقه لكنه عاد حيث كان لأنّ الزّر غير موجود . نزلت الدرج مسرعاً لأركب سيارتي الموقرة .. أسمها عزيزة طرازها  قديم قدم آلامي وأحلامي اللتي لم تتحقق .. أسترها يا رب . انشالله ابتشتغل اليوم .. لكنها لم تفعل . المسافة من البيت الى المعبر بعيدة وعزيزة لم تعمل والجو عاصف  والمواصلات غير متوفرة في هذا الوقت وبيتي يبعد عن الشارع .  سأحاول النزول بالسيارة (اّعشّقها ) لتعمل ، وكان ذلك .. الحمد لله لقد اشتغلت وأخذ صوتها يهدر مبدداً السّكون وبدأنا المسير . ..  الضّباب يلف الشارع  ويختلط مع دخان سيجارتي الرّابعة منذ الصباح . لعلّ منظر الضّباب الممزوج  بأضواء المصابيع أيقظ في نفسي ذكريات من البعيد .. صوت عود المرحوم أبو روحي وصوت كمان العزيز وليم .. الموسيقى تسبيح للرب ، وغذاء للروح . هي مسافة قصيرة قطعتْها عزيزة وتوقفت … قلت لها لماذا تعانديني ..؟  بيننا عشرة عُمر ، لكنّها رفضت الاستجابة … هي منحوسة من يومها .. فلقد اشتريتها يوم عقد مؤتمر مدريد …!  دفعت ثمناً لها تحويشة العمر لأنّهم قالوا حينها . سيكون الرّز والسّمن في البلاد للكوع ، وسننعم بالرّخاء  ونفارق الجوع … مع هذا لا ألومها لأنّها من الجماد .. وان كان هنالك لوم فليكن  على العباد … لقد أصبح بيني وبين عزيزة صداقة . أحكي لها أخباري وأسراري .. .. وحين زادت بها البناشر … قرّرت أن اشتري لها اطارات كي تسير … وصادف هذا اليوم الاعلان عن اتفاقية أوسلو..!! وسارت عزيزة مزهوة بالاطارات  الجديدة . لكنها توقفت وعاندت بالمسير … لعلها تأثرت بالاتفاقية وتضامنت معها . لكن ليس من طبعي اليأس . وأجدادي كانت لهم صولات وجولات .. قالوا ان لندن مربط خيولهم . والأندلس منارة علومهم . والهند والسند مرتع جيوشهم …  يا شباب أرجوكم دفشه للسيارة.. ولا يهمك .. واشتغلت قال أحدهم (ودّيها للمكنيكي… صوت الماتور تعبان )… وسارت وكأنها تبحث عن طريق في الطريق … والمسار مليء بالحفر … صوت العود عاد ليداعب آذاني . كانت أياماً جميلة .. لم تكن المعابر موجودة .. لكنها وجدت ببركة مدريد وأوسلو والطريق … هديّة من صديق  لصديق ..!! تذكرت يوم كانت عزيزة تقطع البلاد بالطول والعرض . دون معابر أو جدران . لكنّها شاخت الآن وهي تتلمّس الطريق والمسافات وترجو العون حتى من عابر الطريق .  سارت قليلاً ، استر يا رب الطريق مليئة بالحفر والمطبات . تذكرت يوم انتخابات المجلس البلدي . حيث قال من أصبح رئيسه . سأعبّد الشوارع وأقيم المتنزهات للأطفال .  وسنعمل جميع الخدمات ، س… س.. ولكنّ شيئاً من ذلك لم يحدث . أتوسّل اليك يا عزيزة أن تسيري .. وكأني سمعتها تقول .. ولا يهمك سأسير  لاني أعرف الخارطة .. وفجأة هوت في حفرة .. الحق ما هو عالسيارة .. ولا على السائق.. الحق دايماً على ابليس .. أو على مهندس الطريق .. ويمكن الحق على عمال مصلحة المياه .  نسوا اعادة التراب الى الحفرة وتعبيد مكانها بعد أن وصلوا ماسورة المياه الى المنزل  المجاور . معهم حق ، لأنّ رائحة المقلوبة والبخشيش أنساهم اتمام العمل …      الشّارع خالي من المارّة وعزيزة ترقد احدى عجلاتها في الحفرة .. ملعونة هذه الطريق فكلّها حفر ومطبّات .. سأترك السيارة وأختصر المسافة سيراً كي أصل الى المعبر ومنه الى العمل . مشيت بكل طاقتي والهواء البارد يضربني من كل الجهات .. تحسّست ذاتي فأنا لابس المعطف لكنّ الهواء يتسلل الى الداخل لأنّ الزر مقطوع … أنا لابس..لكن البرد قارس … وأرى بالشارع آخرين يهرولون مثلي .. المعبر مليء بالنّاس وكأنّه  نصب ابليس في يوم حجيج . وطوابر العمال ممتدة .. والعيون شاخصة على الضّوء  الأحمر الذي يعلو الأبواب . متى سيضيء الضوء الأخضر كي نمشي على السّراط ….؟ كعك سخن ينادي أحدالباعة .  وآخر يقول اتسلى ابشيكل .. قهوة يا شباب تفوح رائحتها من الدلّة النّحاسية . . الكل قاصد يبحث عن رزقه  .. قالوا بعد أنابولس ستتحسّن الأوضاع والمسار ..  وستكون التسهيلات بالقنطار . الأخضر يضيء وتتقدّم ثلاث طوابير ببطء … العصافير في الأعلى تزقزق ، وتقطع المعبر ذهاباً واياباً وهي تزقزق .. أنا أحسدها على نيل حرّيتها .. صوت الميكرفون ينادي (هوية أزرق مسلك خمسة)هذا النداء لا يعني الكثيرين … فجميعهم هويّة أخضر .. الطابور يتقدم .. وقطعت المرحلة الاولى .. في الدّاخل خمسة مسالك .. هنا الحساب والعقاب .. عجوز يقف أمام الشباك لم يسمح له بالعبور .. – أنا رايح أصلي يا خواجة . رايح عالحرم . – لازم تصريح انته لازم برجع عالبيت . – لكن أنا رايح أصلي وعمري سبعين سنة أي هيّه الصّلاة عايزة تصريح  ؟ عاد وهو يلعن التاريخ والأيام ، لهذا الذل وغدر الأنام  … المسالك لا تعمل جميعها هذا اليوم .. هما اثنان فقط .. يعملون حسب المناخ وسعر الدولار في زيادة ونقصان ،  ومن يريد الوصول للعمل عليه الحضور قبل الأذان . وجاء دور لامرأة تحمل طفلاً  صغيراً .. دخلت من الاطار للفحص وجاء صوت .. انت بيزمّر … قالت أنا رايحة عالمستشفى أحكّم الولد .. . ارجع انت بيزمّر ..  يا مستورة قالها أحد الواقفين  اذا معك مصاري أو ذهب حطيهم بالسلّة ..  يا ابني من وين المصاري والذّهب باعه الولد الكبير واشترى في حقّه فورد .. لكن الشّرطة قاطعين رزقه بالمخالفات .. آه يمكن هذا الحجاب اللي على صدر الولد بيزمّر مهو ملفوف بالتنك .. . طيّب قيمي الحجاب علشان تفوتي .. لا يا بني ما بقيمة .. بعدين القرينه ابتخنقه ..!   وأظهرت الحجاب للشبّاك وعبرت بعد عرض التصريح ..  الحمد لله بقي واحد أمامي .. عامل يحمل سلة بها طعامه .. عرض الهوية على من بالشباك .. جاء صوت خط ايدك بالماكينة علشان البصمة . ووضع يده وتكرّر الصوت .. خط .. قيم .. خط .. قيم . انت البصمة عندك خربان ….-  شو أعمل  أنا بشتغل بالبيطون ، وبصماتي مهريّة من الشغل …- انت لازم بعمل بصمة جديدة …- قولولي وين بيبيعوا بصمات جديدة علشان أشتري وحده .. كل يوم نفس الموّال .. انت بصمة خربان أي شو هالزمن التّعبان …. وبدأت شفتاي تتمتم بدعاء المعبر …… اللهم أبعد عنّا شر النفاق والاغلاق ، واجعل مزاجهم مقبولا ، وصياحهم محمولا وأجعل الماكينة لا تزمّر حتى على النظّارة . والكمبيوتر يعمل بكل شطارة . ويسّر أمرنا بالعبور كالعصفور ويسّر لنا كل المسالك بجاه أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك . وارزقنا بسائق نشيط بمسعاه يسير بسرعة لا كالسّلحفاه ! وقلل من سيره ووقوفه كالبطريق .. واحفظنا اللهم من محسوم (حاجزعسكري) طيّار على الطريق . كي نصل الى العمل بنفس مرضية . ولا تعقد لنا يومنا كباقي القضية …..

           نشرت في جريدة القدس بتاريخ 2008.4.6