مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف أغسطس 14th, 2012

ألجامعة ألعربيّه

أغسطس 14, 2012

            الأرض ابتتكلم عربي الأرض الأرض .. الأرض ابتتكلم الوطن العربيعربي .. آه ما أجمل هذا الصّوت ، وهذه الكلمات رحمة الله عليك يا سيّد مكاوي . يكاد المذياع يهتزّ من عذوبة اللحن والايقاع ، ونحن ليس لنا الاّ الاستماع ،  وابنتي الصغيرة تجلس بجواري تهزّ برأسها مع النّغمات والكلمات ،  نظرَتْ اليّ متسائلة ..– يا بابا هيّه الّلأرض ابتتكلم  ؟ نظرتُ الى وجهها البريء وعيونها شاخصة اليّ تنتظر الاجابة .. قلت – أيوه الأرض ابتتكلم لكن ما هو مثل كلامنا . قالت – كيف ..؟  قلت لو نظرتِ الى وجه الانسان يبتسم تعرفين أنّه سعيد دون أن يخبرك هو بذلك ،  واذا كان يبكي تعرفين أنّه يتألم ، وبعض الحشرات لونها أصفر وهذا يعني أنّها سامّة ،  ان للشيء ملامح تخبر الآخرين عن طبيعتها دون أن يكون هنالك كلام . قالت – ما فهمت شيء..! يعني كيف على طبيعتها  ..؟   احترت كيف أبسّط لها الأمر ولكن ما  أنقذني أنّها كانت تحمل بيدها اصبع شوكولاته ، وقلت لها – أصبع الشوكولاته هذا مالح  ..  قالت لا انه حلو  ،  قلت لها هل الشوكولاته أخبرتك أنّها حلوة قبل أن تأكلي منها ،  قالت لا .  قلت أنتِ عرفتِ أنّ الشوكولاته حلو من أسمها ومنظرها ورائحتها ولونها وتاريخها  .. قالت الآن فهمت ولكن حدثني ماذا تقول الأرض .. احكي لي عن كلامها   قلت رائحة التّراب في الأرض بتقول انها مجبولة بعرق أجدادنا ودمائهم من زمن الكنعانيين ،  يعني قبل ثمانية آلاف سنة أو أكثر ، أثارهم بتقول مدن اربع ويبوس وشكيم وغيرهم ينوها أجدادنا اليبوسيون   .. لو بتشوفي البيوت والقناطر والأقواس كلها بتقول أنا أصلي عربي ، وكمان شجر الصّبر بيقول أنا عربي وشجر الزّيتون زرعوه أجدادنا ،  وريحة الطابون وصوت الحسّون والرّاعي مع الغنمات وصوت الناي الحنون ،  وريحة الزّعتر وصوت الأذان الله أكبر والحكي كثير. وبكره بنكمل الحكاية لأنّه لازم اتنامي . ولعلي بذلك كنت أهرب من النّقاش أو لسبب رغبتي في النّوم   لكنّها أصرّت على الكلام بسؤالها شو يعني عربي ..؟  آه ما أكبر هذا السّؤال . هذا يقودني الى أن أشرح لها عن الأجناس والأصول والحديث بهما يطول . وما يجعلني متردداً في الاجابة كونها صغيرة  أخاف أن لا تستوعب ما أقول . واجتهدت في تبسيط الأمور وعدم الهروب من الاجابة  لأدخل الى قلبها السّرور  .  قلت – كلّ ناس الهم تاريخ ولغة وحضارة وتراث وأصلهم واحد بيكون الهم اسم .  واحنا العرب ما شاء الله اثنان وعشرون دولة . واحتمال كل دولة اتصيردولتين  منتشرين من المحيط للخليج  ..يعني من أول الدّنيا لآخرها .  قالت ما دام أصلنا واحد ليش في اثنان وعشرون دولة  !؟  قلت لها – لأجل ايكون عندنا حكام ومسؤولين كثير ونفتخر فيهم أمام العالم ، حتى ايهابوا منّا ويعملوا لنا حساب .. ضحكت وكأنها اطمأنت على مستقبلها ..  وذهبت للنوم  وأنا كذلك … أصوات الباعة في الشوارع .. والناس كلهم مبتسمون وسيارات المدارس تنقل الطلاب الى مدارسهم . والشباب ذاهون الى أعمالهم لعدم وجود بطالة .  ولا يوجد طوابير أمام المخابز ، أومواقف الباصات والدّوائر الحكومية .  والشوارع نظيفة والنوافير تزيّن الدّواوير ، ونشيد «وطني حبيبي الوطن الأكبر   يوم عن يوم أمجاده  ابتكتر »، يصدح في صباح يوم جميل  في أرجاء الوطن العربي . وأنا سائر تغمرني النّشوة كأنّي أركب بساط الرّيح أتنقّل  من مكان الى مكان  ، حيث لا مسافة ولا زمان .. تقدّمَتْ اليّ فتاة تحمل الميكرفون وخلفها آخر يحمل آلة التصوير قالت – مرحبا . قلت أهلا وسهلا . قالت – معك تلفزيون الوحدة  .. بتحب اتشارك في برنامج مسابقات (أنا عربي) ؟   بشارك اذا كان في وسائل مساعدة . – لا ما تخاف الأسئلة بسيطة ، والجائزة على كيفك .  والسؤال ما هي عاصمة مصر ..؟ ابتسمت وقلت القاهرة ،  قالت – صح والجائزة زيارة للقاهرة بدعوة من الجامعة العربية لمدة أسبوع  ..  الحمد لله لقد تحقّقت أمنية طالما تمنيتها…الطائرة محلقة في السماء والمنظر  على الأرض جنة خضراء جميلة يرسم عليها نهر النيل لوحة لأجمل خميلة … أكاد أسمع أنين السّواقي تهمس فرحاً بالتلاقي . وأنا هائم عشقاً لطول الفراق . لعلي تخيلت هذا من فرط اشتياقي ! وأرى الأهرامات شامخة تتحدى الزّمن  تسخر بكبريائها من الأعادي والمحن .. قطع استرسالي صوت يقول – يرجى ربط الأحزمة استعداداً للهبوط   … استقبلني موظف حيث أتمّ اجراء المعاملات وقادني الى سيّارة . لاحظت على جكيت الموظف شعار الجامعة العربية . وأمام مبنى الجامعة وقفت السيارة وترجّلت استعداداً للدخول حيث أتوقّع الترحاب وكرم الضيافة العربية. كيف لا وأنا في عرين العروبة .  نظرتُ الى المبنى يزيّنه شعار الجامعة. فحمدت الله لرؤيتي هذا الصّرح العتيد والانجاز المجيد والوحيد .. اللهم ّلا حسد .. صدّقوني انه أجمل من مقر الاتحاد الأوروبي .. وتمنّيت لو أحضرت معي خرزة زرقاء لأضعها بجوار الشّعار كي تحمي الجامعة  من العين والحاقدين والأعداء الملاعين .. واصطحبني موظف الى الدّاخل مع عبارات الترحيب وتركوا لي حرية التجوال . والتعرّف على الأحوال  … دخلت مكتب جميل على بابه مكتوب السّوق العربية المشتركة .  سلّمت وقلت – لماذا هذه الحواجز الجمركية والتعقيدات في الاستيراد والتصدير.. توقعنا منكم بذل الجهد لفتح الحدود صدقوني البضاعة تصل الينا من الصين  أسهل من أيّة دولة عربية ..! قالوا- هذه سياسة لا تفهمها يا غشيم نحن نضع الحواجز حتى تعتمد كل دولة على ذاتها. وتحسّن صناعتها ، وتزيد انتاجها وبهذا يكون الاكتفاء الذاتي  .. قلت لهم تشكراتي ولا تؤاخذوني على جهلي وغبائي .. ومنكم أستفيد ..!  وفي غرفة كبيرة مليئة بالأدراج «الجوارير » سألت المرافق ما هذا فقال – أمّا هذه فهي أدراج للشّجب وبجوارها للاستنكار والأخرى للادانة  وتلك للشّكاوي لمجلس الأمن والأمم المتحدة..كانت جميعها ممتلأة وتئنّ بحملها الثقيل .. وفي قاعة كبيرة رأيت العديد من الشمّاعات وموظف يقف في المنتصف  ،  سألت على وظيفته وكانت أنّه يعلق الأخطاء ان وجدت على الشمّاعات … فنحن شعب لا يخطىء …! وان كان فنعلقها على شمّاعة الآخر  ..! هذا مكتب يهمّني مكتوب على بابه لجنة مساعدة ودعم الشّعب الفلسطيني .  قلت عالعافية يا شباب .. قالوا – أهلاً وسهلاً كيف الحال عندكم  .. قلت نحن بخير بفضل جهودكم ودعمكم . بارك الله فيكم ولكم وعليكم يعني بالفلسطيني «خيركوا عامم وطامم » ضحكوا وشرّ البلية ما يضحك وقالوا لا تنتظروا منّا شيئاً .. يا أخي حتّى رواتبنا لم نقبضها من شهور .. لنا ولكم الله ! ودعاني المرافق على تناول كوب شاي في المقصف .. رأيت مجموعة من الأشخاص تمضغ القات .. وبجوارهم مجموعة تدخّن الأراجيل والمعسّل .. وآخرون يلعبون الزّهر والورق . ومجموعة تأكل الكسكس بالمرق .. وآخرون يأكلون بأواني من الفضّة ويشربون القهوة بفناجين من الذهب .. وبجوارهم رأيت من يتفاخرون بأنساب جمالهم وخيولهم وبغالهم .. وبجوارهم رأيت من يأكلون بأواني من الفخّار ويلبسون من أكياس الطحين .. وخارج المقصف خيمة مكتوب عليها هذا مقرّ للاجئين الى يوم الدّين ..!! ورأيت ورأيت .. قلت لا بأس فالتنوّع فيه اثراء للتراث والحضارة .  وهذا هو الحال البعض يركب حمار وآخر يركب سيّارة ..!! وبعد استراحة تابعنا المسير … هذه غرفة مكتوب على بابها لجنة المقاطعة العربيّة . نظرت بداخلها فوجدت المدير نائم وبجواره مكتوب «نرجو عدم الازعاج .. الموظفون في اجازة مفتوحة الى اشعار آخر » وبجوارها غرفة أخرى مكتوب على بابها لجنة الدّفاع العربي المشترك .. دخلت فوجدت مجموعة من الرّجال العجائز .. كل واحد يضع على كتفيه كومة من النجوم وعلى صدره حوالي رطل من النّياشين . وهم ملتفّون حول طاولة يتشاورون ويتهامسون . فقلت الحمد لله . ما زلنا بخير هؤلاء من يحموا حمى الحدود .. ويذودوا عن أرض الجدود . اقتربت منهم أكثر ورأ يت على الطاولة جريدة .  واذا بهم يحلّون الكلمات المتقاطعة .!! آه هذا هو مكتب الكبير كان الله في عونه .  استرقت النّظر اليه لأنني أعلم كم هو مشغول . كان يضع آلة تسجيل على مكتبه  ويهزّ برأسه مع الأغنية التي تقول ..
بكره الزّنجبيل وبحب الملوخية …. البورغر مستحيل ايحللكوا القضية
سهران ليلي الطويل مشاكل كتير معبيّة … العالم حلو وجميل والحال عندنا مهلبيّه
وهيييييه … بس خلاص …
وأخذوني الى نفق أسفل المبنى  في آخره كهف فاذا به ذو مهابة  يقف على بابه الحرّاس . سألت -ماذا يكون هذا ؟  أجابوا – هذا كهف تحفظ به مقررات القمم العربيه . قلت  ولماذا تحفظ هنا ..؟ قالوا -  حتى لا ترى النّور ….!! آه كم نحن مبدعون .. لفت نظري غرفة مميزة وكأنّها قدس الأقداس . يقف على بابها الحرّاس . غلاظ شداد عيونهم كأنّها الرّادار تراقب من باليمين ومن باليسار . شنباتهم تتراقص مع كل ايماءه أو تكشيره . أعانهم الله على هذه المهمّة الكبيرة .. وقفت أمام الغرفة ونظرت .. رأيت مجموعه من الصّور كل صوره بجوارها علم . تبسّمت وحمدت الله على عطاه . فما كان من الحارس الاّ أن أمسك بي  وشدّني من كتفي قائلا  – لماذا تضحك .. ألم يعجبك ما رأيت ؟.. خذوه  .. وما أنقذني من هذه الورطة الاّ صوت زوجتي  – قوم يا رجّال بيكفي نوم .. قوم علشان تروح عالشّغل ..!!

نشربت في جريدة القدس بتاريخ 2008.8.3