مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف يونيو 28th, 2012

أ يّـو بْ

يونيو 28, 2012

      ضاقت الدّنيا في وجه أيّوب وأخذ يلعن حظه العاثر كعادته ويسترجع بذاكرته مسلسل حياته ، كم كانت صعبة وكم قست عليه الأيّام ويلوم والده لأنّه أسماه أيّوب لاعتقاده أنّ لعنة العذاب لحقت به من جرّاء هذا الاسم ، توفي والده وهو في المرحلة الابتدائية ولم يترك لهم شيئا غير السّمعة الطيبة والذكرى الأليمة مما اضطرّه الى البحث عن عمل حتى يعيل والدته وشقيقتاه . كانت القروش القليلة التي يكسبها بعد الدّراسة تعينهم على ضروريّات الحياة . وتمر الأيام حيث أتمّ أيوب  دراسته الثانوية بنجاح وهو يوصل الليل  بالنّهار ،  كم كانت الأيّام صعبهة وهو الآن يريد الالتحاق بالجامعة لكنّ  ما يكسبه من قروش لا يكفي حتّى لمعيشتهم وما لحق به من الدّين بعد أن زوّج شقيقته الكبرى ، وها هي الأخرى قد خطبت والمطلوب منه أن يحضّر لها للزّواج ، أمّا والدته فقد استوطن المرض في أرجائها ، قالت له وهو جالس مطرق الرّأس  ـ ولا يهمّك يا أيوب شوف مين ممكن يشتري البيت وبثمنه بتزوّج أختك وبتكمّل تعليمك . لم يكن لهم غير هذا البيت الصّغير ضحك أيّوب من الألم قائلا ـ لا يا يمّا كل شي الاّ البيت ، قالت الأم ـ لكن ما في حل ثاني يا بنيّ وكمان لازم لأختك مصاريف للزّواج ، وبعد الحاح الوالده عرض عليها أن يقوم برهن البيت بمبلغ مالي بدل بيعه وكان له ذلك . و تزوّجت  شقيقته بما توفّر له من نقود ولم يتبقّى له شيئ من أجل أقساط الدراسة وما معه من قليل كان يحرص عليه لرعاية والدته وتوفير الدّواء لها ، أصبحت حياته معقدة وضاقت السّبل أمامه وكان يشعر بأنّه مكبّل ، فأمّه مريضة وهي بحاجة اليه أن يبقى بجوارها بعد أن غادرت أخته الى بيت الزوجية ، وما زال حلم الجامعة يأرّق عليه ليله ولم يفارقه ،  واجتهد في ايجاد عمل يتناسب مع ظروفه وكان كل همّه سعادة والدته وتوفير مبلغ الرّهن قبل الموعد . هي أحمال على كاهله ولا يريد أن يتخلى عن أيّ منها . وبعد أن زوّج أخته الثانية بوقت قليل  توفيت والدته وانتاب أيوب الاحباط حيث البيت مرهون ولم يتمكن من الالتحاق بالجامعة حتى الفتاه التي أحبها عن بعد ولم يصارحها بحبّه لعلمه بحاله ووضعه وامكاناته ، كان فاقدا الأمل في أن يتزوجها في يوم من الأيام ولم يبقى له من أنيس أو ونيس في هذه الدّنيا غير الذكرى الأليمه .. وفي يوم قرّر أن يترك بلدته سائحا هائما في الدّنيا ليبحث له عن واقع آخر في عالم جديد .. الوقت صباحا أخذ يسير قاطعا الجبال هائما على وجهه لا يعلم أين المسير لأنّه لم يحدّد له هدف يسعى اليه ، وكان أن انتصف النهار ونال منه التّعب فجلس تحت شجرة خرّوب على قمّة الجبل ، كان منهكا والجوع أخذ منه مأخذه ، نظر حواليه عله يجد ما يأكله لكن لا شيئ ، فامتدّ بصره الى أسفل الجبل فوجد بعض الجديان ترعى فقرر النزول الى تلك الناحيه عله يجد طعاما لكن لم يجد أثرا لانسان ، فأمسك بجدي صغير وحمله على كتفه وصعد الى الجبل حيث شجرة الخرّوب وقام بذبح الجدي وسلخه وأوقد نارا لشوائه ـ الحمد لله قالها بعد أن أتم طعامه وهمس ربي يسامحني الضرورات تبيح المحظورات أو هكذا اعتقد . بدأت الشمس تختفي خلف الأفق وراعي الجديان يجمع قطيعه للعودة الى بيته حيث قام بعد الجديان فوجدها ناقصة واحد ، أخذ يبحث عنه دون طائل ونظر الى أعلى الجبل وصعد باتجاه شجرة الخروب عله يجد الجدي أما أيّوب فلقد لمح الرّاعي قادما باتجاهه فخاف أن ينفضح سرّه حيث قام مسرعا بحفر التّراب مستعينا بقطعة من الحطب ووضع جلد وأحشاء وعظام الجدي في الحفرة لاخفاء معالم الجريمه قبل وصول الراعي وأهال التراب على ما تحتويه تلك الحفره ، كان العرق يتصبّب منه حين وصل الراعي مسلما وسائلا أيوب ان كان رأى جدي في الجوار ، أنكر أيّوب أنّه رأئ شيئا ، فقال له الراعي ـ أراك منهكا ماذا كنت تفعل ؟  قال أيوب ـ انه جدّي رحمه الله قبل ثلاثه أيام استدعاني وقال لي انه سيغادر هذه الدّنيا الفانية قريبا وجدّي كان صاحب كرامات رجل تقيّ مرفوع عنه الحجاب اسمه الشيخ أبو طربوش ، لقد أوصاني بأن أقوم بدفنه بعد وفاته تحت هذه الخروبة وقال لي أنّ هذه الخرّوبة مباركة لأنّ الملائكة تصلي في ظلالها أثناء مرورهم بهذه النّاحيه ، وأنا قمت بدفنه هنا حسب وصيتة  وهذا قبره   الفاتحه ، قرأ ايوب والرّاعي الفاتحه وختمها الراعي معزّيا أيوب قائلا انا لله وانا اليه راجعون لك الثّواب وله الرحمة  وغادر يبحث عن جديه . أمّا أيوب قد نام ليلته وفي الصّباح غادر الى دنيا الله والواسعة .. كان الرّاعي كلما مر من جوار الخرّوبه يقوم بقراءة الفاتحة لروح الشيخ أبو طربوش ، وأشاع خبر وجود قبر هذا الرّجل الصّالح كما يعتقد في البلدة التي يسكن بها وانتقل الخبر بين الناس حتى وصل الى بلاد أبعد . وفي يوم وبعد صلاة الجمعة وقف أحدهم مخاطبا المصلين  ـ  يا ناس الشيخ أبو طربوش اختار أن يدفن بالقرب من بلدتنا ليمنحنا البركه ونحن لم نقم بواجبه كما يجب ، أقترح أن نجمع نقودا ومواد خام لنبني فوق قبره مقاما يليق به وبكراماته . استجاب أهل البلدة للفكرة وتمّ بناء مقام مقبّب وبداخله ضريح مجلل بوشاح أخضر ونصب من حجر المرر ملفوف عليه قماش على شكل طربوش أحمر وأضيئ هذا المقام بقنديل من الزّيت وكان لهذا المقام الحظوة في النّذور من زيت وشموع وغير ذلك ، والكلّ ّيقوم بخدمته تبركا .. مرّت السنين وعاد أيوب لبلدته وأثناء مسيره بجوار شجرة الخرّوب تذكر الجدي ، نظر فرئى مقاما قد بني تحت الشجر الكبيره ، ذهب ليستطلع الأمر دخل المقام فوجد هذه العباره مكتوبه على لوح رخامي  ـ هنا يرقد الرّجل الصالح التقي الورع صاحب الكرامات مولانا الشيخ أبو طربوش نفعنا الله ببركته . هو يعلم أن أسفل القبر عظام الجدي الذي سرقه ، ضحك وتعجّب من صنع القدر وكيف تسير الأمور ببلاد تعتمد على الاشاعه أكثر من العلم ، وقال لنفسه الآن وجدت لي مقرا وبما أنّهم سعيدون بهذا  فلِما أفسد عليهم حياتهم .سأعود اليهم بعد 3 شهور عندما أحضّر نفسي جيدا . لقد أطلق لحيته واشترى جلبابا أخضر وطربوش أحمر وبعض المسابح علقها برقبته ، وذهب في يوم جمعة الى  البلد ووقف مخاطبا الناس ـ أيّها الناس لقد زارني جدّي أبو طربوش في المنام وطلب منّي أن أشكركم على جهودكم وما قمتم به من بناء مقام ورعايته وخدمته وأخبرني أن لكل واحد منكم الثواب ويشكركم على النّذور ويدعو  لكم بالسّعادة في الدنيا والجنة في الآخره . أقام أيوب ثلاثه أيام في البلدة ضيفا على أهلها معززا مكرما وطلب في اليوم التالي المغادرة .لكنّهم طلبوا منه برجاء والحاح أن يبقى بينهم وأن يقوم بخدمة مقام جدّه ألشيخ أبو طربوش ، لأنّه الأولي  وصاحب الحق في ذلك ، واقترحوا عليه أن يزوّجوه وان يقدّموا له بيتا وما يريد ، وافق على العرض وكان كما أرادوا . وعاش بينهم ينعم بالنذور والعطايا والهدايا مترحّما على روح الجدي الذي كان السبب في سعادته .. وتمرّ الأيام …