مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



ألثأر ..

يونيو 22, 2012
0 views

       سهل واسع على مد البصر مزروع بالقمح والسّنابل تتمايل مع كل هبة ريح كأنّها تستدعي المناجل معلنة أنْ حان موعد ألحصاد ، لونها بلون الذّهب في شوق كي تحتضنها البيادر وتدور مع النوارس في عرس يتجدّد كلّ عام لتتطاير قشاتها كأنها الثلج ترسم على الأرض أجمل لوحة تتغيّر أشكالها كلما هبّ نسيم عليل . ألحمد لله قالها أبو نادر هذ السّنه موسم الحصاد جيّد والسّنابل مليئة بالحب وأبو نادر هذا كان يمتلك هو واخوته ذاك السّهل المترامي الأطراف وبالتالي الحصاد والقمح . أما ابو غسان وكعادته صبيحة كل يوم توجّه الى مخبزه ليحمي الفرن ويحضّر العجين  كان هذا برنامجه اليومي حتى يوفّر الخبز لأهالي القرية ، أمّا حبّ القمح فكان يشتريه من جاره أبو نادر ويقوم بطحنه وتخزينه مؤونة لباقي العام يصنع الخبز ويبعه الى أهالي القرية مغمّسا بحبّه وخفّة ظله .. القرية تعيش كأسرة واحدة تحتفل في أفراحها وتجتمع في أتراحها والكلّ يعمل شاكرا ربّه وما أعطاه . أمّا نساء القرية فكثيرا ما كنّ يجتمعن عند العين المجاوره ليتبادلن الحديث والأخبار والأسرار . وشباب القرية يسعون الى العلم يحلمون بمستقبل أفضل ، وكان من بينهم نادر ابن صاحب المزرعة وغسّان ابن صاحب المخبز ، حيث جمعتهما صداقة مميّزة بحكم العلاقة التي جمعت والديهما . من يراهما يحسب أنّهما شقيقان ، حتّى أنّ كلّ واحد منهم كان يتصرّف في بيت الآخر كأحد أفراد الأسرة ، يأكلان معا ويدرسان معا وحتى يتبادلان ملابسهما ، لكنّ هيفاء شيئ آخر ؟ وتمرّ الأيام ويكبر الصّديقان ليبدأ التنافس بينهما على استمالة قلب هيفاء جميلة القرية واشتدّ التنافس بينهما ربما لأنّ هيفاء استهوتها اللعبه لأنها كانت توزع ابتساماتها الى الاثنين ولم تبدي الرفض لأيّ منهما ، وبحكم العادات والتقاليد فانّ امكانية الاجتماع ببعضهما مستحيلة وما هي الا حركات مراهقه يستعذبها ويعيشها من هو في سنّهم ، لقد أصبح كل واحد من الصّديقان ينظر الى الآخر وكأنه عدو له بحكم المنافسه بينهما ، وتمنّى كلٌ منهم للآخر أن يقذف به الزّمان الى آخر الأرض ليبعده عن حبيبته حتى ينفرد بحبها وتكون له وحده دون شريك . وأخذت الغيرة تزداد بينهما الى أن كان يوم التقيا فيه الى طرف الشارع الموصل الى بيت هيفاء كل واحد منهم يتمنّى أن يحظى بنظرة أو ابتسامة من الحبيبه ، وتقابلت عيون الفارسان  أكثر من مرّة ، كل واحد يعلم ما يريده الآخر وكان العتاب حيث  تطوّر الى صدام بالأيدي وفي لحظة طيش قام نادر بطعن غسان في صدره ، أخذت الدّماء تنزف بغزارة ، وتجمّع المارّة محاولين انقاذ غسّان حيث حملوه الى مستشفى المدينة لكنّ الوقت قد فات  وفارق الحياة بالطريق . علم نادر بوفاة صديقه وهرب من القرية الى المدينة متخفيا في أزقتها خوفا من العقاب .. انتشر الخبر في القرية وبعد أن كانت كأسرة واحدة أصبحت قسمان وعمّ الحزن الجميع والغضب من عشيرة غسان حيث قام شباب العائله بحرق مزارع القمح التي تخص أبو نادر وحرقوا  البيوت والممتلكات أيضا وهم في حالة من الغضب الأعمى وتخندق الطرفان استعدادا لما هو أسوء وحينها اضطر أبو نادر الى الرحيل من القرية هو وأفراد أسرته الى قرية أخرى مجاورة طلبا للحمايه .. وفي مثل هذه الأحداث يتداعى أهل الاصلاح لعمل هدنه بين الطرفين وتم لهم ذلك بكثير من الجهد .. أعجب لهذا وما حصل تصرف من شاب مراهق طائش كدر حياة بلد باسرها حقا انه تصرف فردي فما ذنب أهل البلدة ولماذا يعاقبون على فعلة ليس لهم بها ناقة ولا جمل وبالتاكيد هم غير راضون عنها فمن أساء يجب ان يعاقب ولوحده وعليه أن يتحمل نتيجة أفعاله فأنتم أسره واحده بينكم القربى والنسب يجمعكم دين واحد ومكان واحد ومصير واحد ، هذا ما قاله الأستاذ حكيم في جلسة الهدنه التي حصلت .. أرجوا الرحمه للمغدور وأن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم اهله وذويه الصبر ان ما حصل لهو فعلة شنعاء ويستنكرها الجميع ويجب أن لا يحمل وزرها الا من قام بها لأن ما قام به لهو تصرف شخصي من شاب طائش لا يقدر عواقب الأمور ولنا في شرعنا الطريق السليم لمعالجة مثل هذا الحدث ، هذا ما قاله الشيخ مروان خطيب المسجد .. ان هذا الحدث الأليم لهو فاجعة يستنكرها كل ذي عقل لكن هذا ما حصل  ولا يجوز أن تقف الحياة وتصل الى هذا الحد ولا يجوز أن تتعطل مصالح الناس وأنا أرى أن يكون العقاب لفاعل الخطيئه هو وحده وليس سواه وأن تعود  عجلة الحياة بالمسيران لنا في أحداث الماضي لعبرة حيث استمرت الحروب والمنازعات بين القبائل وحتى بين الاخوة لسنين عديده وكل هذا تحت عنوان الثأر والنتيجة كانت ألهلاك للجميع  وما بقي أخضر ولا يابس ، لنرقى فوق الجراح ونحتسب كل مظلوم عند خالقه وأدعوا أبناء بلدي الى التسامح وعودة الألفه والمحبه فيما بينهم ولا يجوز أن يعكر انسان طائش حياتنا ليجعل منها جحيما ، كانت هذه كلمة حلاق البلده .. وغادر الجميع والأسى يعتصرهم أما أبو غسان فلقد رفض أخذ الدية مطالبا بحقه في القصاص وأجبر أبو غسان وعائلته على العيش خارج القرية الى حين تسليم ابنه للعداله … وتمر الأيام كان أبو غسان يذهب كل يوم جمعة لزياره قبر ابنه ، يجلس بجوار القبر يتحدث مع ابنه  وكأنه يراه ويسمعه ، هي بعض الأوقات يقضيها ويعود الى بيته بعد أن يغسل عيناه بالدموع ، وفي يوم جمعه كعادته كان ذاهبا الى زياره قبر ابنه ، نظر من البعيد فوجد شخصا يجلس الى القبر تقدم أكثر ليستطلع الأمر وليعرف من يكون ، ويا للمفاجئة انّه نادر صديق ابنه بل قاتله، تقدّم اكثر مواريا نفسه بأنصبة القبور لينقض على خصمه ، لكنه سمع نادر يخاطب قبر ابنه ـ سامحني يا غسّان أنا غلطان وندمان أنا لم أقصد قتلك ، أنت تعلم كم  أحبّك أنت يا غسّان كنت لي أكثر من أخ  ، سامحني لأنّي اتعذب سامحني لأنّي لا أنام الليل . كان يحكي والدّموع تنهمر من عيونه . وقف أبو نادر مشدوها وبدأت دموعه تسيل لما سمع نظر الى غسان فوجد صورة ابنه فيه ، قال نعم لقد خسرت ولدي غسان ولكنّي لا أريد أن أخسر الآخر ، تقدّم الى القبر لكن نادر لم يهرب حينما رآه ، أخذ يرتجف وتسمّرت قدماه وقال مخاطبا أبو غسان ـ أنا مجرم يا عمّي أنا قاتل أقتلني ، أريد أن أرتاح من العذاب ، الحياه بدون غسّان ليست جميله ، وأخرج من جيبه سكينا صغيرا وقدّمها لأبو غسّان طالبا منه أن يقتله بها . تناول أبو غسّان السكين وقذف بها بعيدا قائلا ـ أستغفر الله العظيم ، وطلب من نادر أن يرافقه الى القرية  .. تعجّب الناس مما رؤوه أبو غسان مع نادر قاتل ابنه يسيران معا والتفّ الجميع حول هذا المشهد في ساحة القرية ، نظر أبو غسّان الى الجمهور وخاطبه قائلا ـ  هذا نادر لقد حضر اليّ طالبا بأن آخذ بثار ابني ، لكنّي أحتسب ابني مظلوما عند الله وهو من سيقيم العدل في الآخره وسيعطي كل ذي حقّ حقّه ، أمّا أنا فأقول لكم بأني تنازلت عن حقّي ، اذهب يا ولدي فأنت طليق وأشهدكم وأشهد الله على ذلك وانا لله وانا اليه راجعون .. هتف الجميع اعجابا بشهامة وكرم أبو غسّان وعادت القريه لتلتئم جراحها وتلملم أحزانها وبهذا ضرب أبو غسان مثلا أعلى بالطيبه والكرم وحسن الخلق .. وتستمر الحياة …

Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash