مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bahlool@hotmail.com



أرشيف يونيو, 2012

أ يّـو بْ

يونيو 28, 2012

      ضاقت الدّنيا في وجه أيّوب وأخذ يلعن حظه العاثر كعادته ويسترجع بذاكرته مسلسل حياته ، كم كانت صعبة وكم قست عليه الأيّام ويلوم والده لأنّه أسماه أيّوب لاعتقاده أنّ لعنة العذاب لحقت به من جرّاء هذا الاسم ، توفي والده وهو في المرحلة الابتدائية ولم يترك لهم شيئا غير السّمعة الطيبة والذكرى الأليمة مما اضطرّه الى البحث عن عمل حتى يعيل والدته وشقيقتاه . كانت القروش القليلة التي يكسبها بعد الدّراسة تعينهم على ضروريّات الحياة . وتمر الأيام حيث أتمّ أيوب  دراسته الثانوية بنجاح وهو يوصل الليل  بالنّهار ،  كم كانت الأيّام صعبهة وهو الآن يريد الالتحاق بالجامعة لكنّ  ما يكسبه من قروش لا يكفي حتّى لمعيشتهم وما لحق به من الدّين بعد أن زوّج شقيقته الكبرى ، وها هي الأخرى قد خطبت والمطلوب منه أن يحضّر لها للزّواج ، أمّا والدته فقد استوطن المرض في أرجائها ، قالت له وهو جالس مطرق الرّأس  ـ ولا يهمّك يا أيوب شوف مين ممكن يشتري البيت وبثمنه بتزوّج أختك وبتكمّل تعليمك . لم يكن لهم غير هذا البيت الصّغير ضحك أيّوب من الألم قائلا ـ لا يا يمّا كل شي الاّ البيت ، قالت الأم ـ لكن ما في حل ثاني يا بنيّ وكمان لازم لأختك مصاريف للزّواج ، وبعد الحاح الوالده عرض عليها أن يقوم برهن البيت بمبلغ مالي بدل بيعه وكان له ذلك . و تزوّجت  شقيقته بما توفّر له من نقود ولم يتبقّى له شيئ من أجل أقساط الدراسة وما معه من قليل كان يحرص عليه لرعاية والدته وتوفير الدّواء لها ، أصبحت حياته معقدة وضاقت السّبل أمامه وكان يشعر بأنّه مكبّل ، فأمّه مريضة وهي بحاجة اليه أن يبقى بجوارها بعد أن غادرت أخته الى بيت الزوجية ، وما زال حلم الجامعة يأرّق عليه ليله ولم يفارقه ،  واجتهد في ايجاد عمل يتناسب مع ظروفه وكان كل همّه سعادة والدته وتوفير مبلغ الرّهن قبل الموعد . هي أحمال على كاهله ولا يريد أن يتخلى عن أيّ منها . وبعد أن زوّج أخته الثانية بوقت قليل  توفيت والدته وانتاب أيوب الاحباط حيث البيت مرهون ولم يتمكن من الالتحاق بالجامعة حتى الفتاه التي أحبها عن بعد ولم يصارحها بحبّه لعلمه بحاله ووضعه وامكاناته ، كان فاقدا الأمل في أن يتزوجها في يوم من الأيام ولم يبقى له من أنيس أو ونيس في هذه الدّنيا غير الذكرى الأليمه .. وفي يوم قرّر أن يترك بلدته سائحا هائما في الدّنيا ليبحث له عن واقع آخر في عالم جديد .. الوقت صباحا أخذ يسير قاطعا الجبال هائما على وجهه لا يعلم أين المسير لأنّه لم يحدّد له هدف يسعى اليه ، وكان أن انتصف النهار ونال منه التّعب فجلس تحت شجرة خرّوب على قمّة الجبل ، كان منهكا والجوع أخذ منه مأخذه ، نظر حواليه عله يجد ما يأكله لكن لا شيئ ، فامتدّ بصره الى أسفل الجبل فوجد بعض الجديان ترعى فقرر النزول الى تلك الناحيه عله يجد طعاما لكن لم يجد أثرا لانسان ، فأمسك بجدي صغير وحمله على كتفه وصعد الى الجبل حيث شجرة الخرّوب وقام بذبح الجدي وسلخه وأوقد نارا لشوائه ـ الحمد لله قالها بعد أن أتم طعامه وهمس ربي يسامحني الضرورات تبيح المحظورات أو هكذا اعتقد . بدأت الشمس تختفي خلف الأفق وراعي الجديان يجمع قطيعه للعودة الى بيته حيث قام بعد الجديان فوجدها ناقصة واحد ، أخذ يبحث عنه دون طائل ونظر الى أعلى الجبل وصعد باتجاه شجرة الخروب عله يجد الجدي أما أيّوب فلقد لمح الرّاعي قادما باتجاهه فخاف أن ينفضح سرّه حيث قام مسرعا بحفر التّراب مستعينا بقطعة من الحطب ووضع جلد وأحشاء وعظام الجدي في الحفرة لاخفاء معالم الجريمه قبل وصول الراعي وأهال التراب على ما تحتويه تلك الحفره ، كان العرق يتصبّب منه حين وصل الراعي مسلما وسائلا أيوب ان كان رأى جدي في الجوار ، أنكر أيّوب أنّه رأئ شيئا ، فقال له الراعي ـ أراك منهكا ماذا كنت تفعل ؟  قال أيوب ـ انه جدّي رحمه الله قبل ثلاثه أيام استدعاني وقال لي انه سيغادر هذه الدّنيا الفانية قريبا وجدّي كان صاحب كرامات رجل تقيّ مرفوع عنه الحجاب اسمه الشيخ أبو طربوش ، لقد أوصاني بأن أقوم بدفنه بعد وفاته تحت هذه الخروبة وقال لي أنّ هذه الخرّوبة مباركة لأنّ الملائكة تصلي في ظلالها أثناء مرورهم بهذه النّاحيه ، وأنا قمت بدفنه هنا حسب وصيتة  وهذا قبره   الفاتحه ، قرأ ايوب والرّاعي الفاتحه وختمها الراعي معزّيا أيوب قائلا انا لله وانا اليه راجعون لك الثّواب وله الرحمة  وغادر يبحث عن جديه . أمّا أيوب قد نام ليلته وفي الصّباح غادر الى دنيا الله والواسعة .. كان الرّاعي كلما مر من جوار الخرّوبه يقوم بقراءة الفاتحة لروح الشيخ أبو طربوش ، وأشاع خبر وجود قبر هذا الرّجل الصّالح كما يعتقد في البلدة التي يسكن بها وانتقل الخبر بين الناس حتى وصل الى بلاد أبعد . وفي يوم وبعد صلاة الجمعة وقف أحدهم مخاطبا المصلين  ـ  يا ناس الشيخ أبو طربوش اختار أن يدفن بالقرب من بلدتنا ليمنحنا البركه ونحن لم نقم بواجبه كما يجب ، أقترح أن نجمع نقودا ومواد خام لنبني فوق قبره مقاما يليق به وبكراماته . استجاب أهل البلدة للفكرة وتمّ بناء مقام مقبّب وبداخله ضريح مجلل بوشاح أخضر ونصب من حجر المرر ملفوف عليه قماش على شكل طربوش أحمر وأضيئ هذا المقام بقنديل من الزّيت وكان لهذا المقام الحظوة في النّذور من زيت وشموع وغير ذلك ، والكلّ ّيقوم بخدمته تبركا .. مرّت السنين وعاد أيوب لبلدته وأثناء مسيره بجوار شجرة الخرّوب تذكر الجدي ، نظر فرئى مقاما قد بني تحت الشجر الكبيره ، ذهب ليستطلع الأمر دخل المقام فوجد هذه العباره مكتوبه على لوح رخامي  ـ هنا يرقد الرّجل الصالح التقي الورع صاحب الكرامات مولانا الشيخ أبو طربوش نفعنا الله ببركته . هو يعلم أن أسفل القبر عظام الجدي الذي سرقه ، ضحك وتعجّب من صنع القدر وكيف تسير الأمور ببلاد تعتمد على الاشاعه أكثر من العلم ، وقال لنفسه الآن وجدت لي مقرا وبما أنّهم سعيدون بهذا  فلِما أفسد عليهم حياتهم .سأعود اليهم بعد 3 شهور عندما أحضّر نفسي جيدا . لقد أطلق لحيته واشترى جلبابا أخضر وطربوش أحمر وبعض المسابح علقها برقبته ، وذهب في يوم جمعة الى  البلد ووقف مخاطبا الناس ـ أيّها الناس لقد زارني جدّي أبو طربوش في المنام وطلب منّي أن أشكركم على جهودكم وما قمتم به من بناء مقام ورعايته وخدمته وأخبرني أن لكل واحد منكم الثواب ويشكركم على النّذور ويدعو  لكم بالسّعادة في الدنيا والجنة في الآخره . أقام أيوب ثلاثه أيام في البلدة ضيفا على أهلها معززا مكرما وطلب في اليوم التالي المغادرة .لكنّهم طلبوا منه برجاء والحاح أن يبقى بينهم وأن يقوم بخدمة مقام جدّه ألشيخ أبو طربوش ، لأنّه الأولي  وصاحب الحق في ذلك ، واقترحوا عليه أن يزوّجوه وان يقدّموا له بيتا وما يريد ، وافق على العرض وكان كما أرادوا . وعاش بينهم ينعم بالنذور والعطايا والهدايا مترحّما على روح الجدي الذي كان السبب في سعادته .. وتمرّ الأيام …

ألثأر ..

يونيو 22, 2012

       سهل واسع على مد البصر مزروع بالقمح والسّنابل تتمايل مع كل هبة ريح كأنّها تستدعي المناجل معلنة أنْ حان موعد ألحصاد ، لونها بلون الذّهب في شوق كي تحتضنها البيادر وتدور مع النوارس في عرس يتجدّد كلّ عام لتتطاير قشاتها كأنها الثلج ترسم على الأرض أجمل لوحة تتغيّر أشكالها كلما هبّ نسيم عليل . ألحمد لله قالها أبو نادر هذ السّنه موسم الحصاد جيّد والسّنابل مليئة بالحب وأبو نادر هذا كان يمتلك هو واخوته ذاك السّهل المترامي الأطراف وبالتالي الحصاد والقمح . أما ابو غسان وكعادته صبيحة كل يوم توجّه الى مخبزه ليحمي الفرن ويحضّر العجين  كان هذا برنامجه اليومي حتى يوفّر الخبز لأهالي القرية ، أمّا حبّ القمح فكان يشتريه من جاره أبو نادر ويقوم بطحنه وتخزينه مؤونة لباقي العام يصنع الخبز ويبعه الى أهالي القرية مغمّسا بحبّه وخفّة ظله .. القرية تعيش كأسرة واحدة تحتفل في أفراحها وتجتمع في أتراحها والكلّ يعمل شاكرا ربّه وما أعطاه . أمّا نساء القرية فكثيرا ما كنّ يجتمعن عند العين المجاوره ليتبادلن الحديث والأخبار والأسرار . وشباب القرية يسعون الى العلم يحلمون بمستقبل أفضل ، وكان من بينهم نادر ابن صاحب المزرعة وغسّان ابن صاحب المخبز ، حيث جمعتهما صداقة مميّزة بحكم العلاقة التي جمعت والديهما . من يراهما يحسب أنّهما شقيقان ، حتّى أنّ كلّ واحد منهم كان يتصرّف في بيت الآخر كأحد أفراد الأسرة ، يأكلان معا ويدرسان معا وحتى يتبادلان ملابسهما ، لكنّ هيفاء شيئ آخر ؟ وتمرّ الأيام ويكبر الصّديقان ليبدأ التنافس بينهما على استمالة قلب هيفاء جميلة القرية واشتدّ التنافس بينهما ربما لأنّ هيفاء استهوتها اللعبه لأنها كانت توزع ابتساماتها الى الاثنين ولم تبدي الرفض لأيّ منهما ، وبحكم العادات والتقاليد فانّ امكانية الاجتماع ببعضهما مستحيلة وما هي الا حركات مراهقه يستعذبها ويعيشها من هو في سنّهم ، لقد أصبح كل واحد من الصّديقان ينظر الى الآخر وكأنه عدو له بحكم المنافسه بينهما ، وتمنّى كلٌ منهم للآخر أن يقذف به الزّمان الى آخر الأرض ليبعده عن حبيبته حتى ينفرد بحبها وتكون له وحده دون شريك . وأخذت الغيرة تزداد بينهما الى أن كان يوم التقيا فيه الى طرف الشارع الموصل الى بيت هيفاء كل واحد منهم يتمنّى أن يحظى بنظرة أو ابتسامة من الحبيبه ، وتقابلت عيون الفارسان  أكثر من مرّة ، كل واحد يعلم ما يريده الآخر وكان العتاب حيث  تطوّر الى صدام بالأيدي وفي لحظة طيش قام نادر بطعن غسان في صدره ، أخذت الدّماء تنزف بغزارة ، وتجمّع المارّة محاولين انقاذ غسّان حيث حملوه الى مستشفى المدينة لكنّ الوقت قد فات  وفارق الحياة بالطريق . علم نادر بوفاة صديقه وهرب من القرية الى المدينة متخفيا في أزقتها خوفا من العقاب .. انتشر الخبر في القرية وبعد أن كانت كأسرة واحدة أصبحت قسمان وعمّ الحزن الجميع والغضب من عشيرة غسان حيث قام شباب العائله بحرق مزارع القمح التي تخص أبو نادر وحرقوا  البيوت والممتلكات أيضا وهم في حالة من الغضب الأعمى وتخندق الطرفان استعدادا لما هو أسوء وحينها اضطر أبو نادر الى الرحيل من القرية هو وأفراد أسرته الى قرية أخرى مجاورة طلبا للحمايه .. وفي مثل هذه الأحداث يتداعى أهل الاصلاح لعمل هدنه بين الطرفين وتم لهم ذلك بكثير من الجهد .. أعجب لهذا وما حصل تصرف من شاب مراهق طائش كدر حياة بلد باسرها حقا انه تصرف فردي فما ذنب أهل البلدة ولماذا يعاقبون على فعلة ليس لهم بها ناقة ولا جمل وبالتاكيد هم غير راضون عنها فمن أساء يجب ان يعاقب ولوحده وعليه أن يتحمل نتيجة أفعاله فأنتم أسره واحده بينكم القربى والنسب يجمعكم دين واحد ومكان واحد ومصير واحد ، هذا ما قاله الأستاذ حكيم في جلسة الهدنه التي حصلت .. أرجوا الرحمه للمغدور وأن يسكنه فسيح جناته وأن يلهم اهله وذويه الصبر ان ما حصل لهو فعلة شنعاء ويستنكرها الجميع ويجب أن لا يحمل وزرها الا من قام بها لأن ما قام به لهو تصرف شخصي من شاب طائش لا يقدر عواقب الأمور ولنا في شرعنا الطريق السليم لمعالجة مثل هذا الحدث ، هذا ما قاله الشيخ مروان خطيب المسجد .. ان هذا الحدث الأليم لهو فاجعة يستنكرها كل ذي عقل لكن هذا ما حصل  ولا يجوز أن تقف الحياة وتصل الى هذا الحد ولا يجوز أن تتعطل مصالح الناس وأنا أرى أن يكون العقاب لفاعل الخطيئه هو وحده وليس سواه وأن تعود  عجلة الحياة بالمسيران لنا في أحداث الماضي لعبرة حيث استمرت الحروب والمنازعات بين القبائل وحتى بين الاخوة لسنين عديده وكل هذا تحت عنوان الثأر والنتيجة كانت ألهلاك للجميع  وما بقي أخضر ولا يابس ، لنرقى فوق الجراح ونحتسب كل مظلوم عند خالقه وأدعوا أبناء بلدي الى التسامح وعودة الألفه والمحبه فيما بينهم ولا يجوز أن يعكر انسان طائش حياتنا ليجعل منها جحيما ، كانت هذه كلمة حلاق البلده .. وغادر الجميع والأسى يعتصرهم أما أبو غسان فلقد رفض أخذ الدية مطالبا بحقه في القصاص وأجبر أبو غسان وعائلته على العيش خارج القرية الى حين تسليم ابنه للعداله … وتمر الأيام كان أبو غسان يذهب كل يوم جمعة لزياره قبر ابنه ، يجلس بجوار القبر يتحدث مع ابنه  وكأنه يراه ويسمعه ، هي بعض الأوقات يقضيها ويعود الى بيته بعد أن يغسل عيناه بالدموع ، وفي يوم جمعه كعادته كان ذاهبا الى زياره قبر ابنه ، نظر من البعيد فوجد شخصا يجلس الى القبر تقدم أكثر ليستطلع الأمر وليعرف من يكون ، ويا للمفاجئة انّه نادر صديق ابنه بل قاتله، تقدّم اكثر مواريا نفسه بأنصبة القبور لينقض على خصمه ، لكنه سمع نادر يخاطب قبر ابنه ـ سامحني يا غسّان أنا غلطان وندمان أنا لم أقصد قتلك ، أنت تعلم كم  أحبّك أنت يا غسّان كنت لي أكثر من أخ  ، سامحني لأنّي اتعذب سامحني لأنّي لا أنام الليل . كان يحكي والدّموع تنهمر من عيونه . وقف أبو نادر مشدوها وبدأت دموعه تسيل لما سمع نظر الى غسان فوجد صورة ابنه فيه ، قال نعم لقد خسرت ولدي غسان ولكنّي لا أريد أن أخسر الآخر ، تقدّم الى القبر لكن نادر لم يهرب حينما رآه ، أخذ يرتجف وتسمّرت قدماه وقال مخاطبا أبو غسان ـ أنا مجرم يا عمّي أنا قاتل أقتلني ، أريد أن أرتاح من العذاب ، الحياه بدون غسّان ليست جميله ، وأخرج من جيبه سكينا صغيرا وقدّمها لأبو غسّان طالبا منه أن يقتله بها . تناول أبو غسّان السكين وقذف بها بعيدا قائلا ـ أستغفر الله العظيم ، وطلب من نادر أن يرافقه الى القرية  .. تعجّب الناس مما رؤوه أبو غسان مع نادر قاتل ابنه يسيران معا والتفّ الجميع حول هذا المشهد في ساحة القرية ، نظر أبو غسّان الى الجمهور وخاطبه قائلا ـ  هذا نادر لقد حضر اليّ طالبا بأن آخذ بثار ابني ، لكنّي أحتسب ابني مظلوما عند الله وهو من سيقيم العدل في الآخره وسيعطي كل ذي حقّ حقّه ، أمّا أنا فأقول لكم بأني تنازلت عن حقّي ، اذهب يا ولدي فأنت طليق وأشهدكم وأشهد الله على ذلك وانا لله وانا اليه راجعون .. هتف الجميع اعجابا بشهامة وكرم أبو غسّان وعادت القريه لتلتئم جراحها وتلملم أحزانها وبهذا ضرب أبو غسان مثلا أعلى بالطيبه والكرم وحسن الخلق .. وتستمر الحياة …

ألنّاي ألحزينْ

يونيو 14, 2012

        ألليل يحط رحاله كلّ مساء في رحاب المدينه وسكون يخيّم عليها هكذا حالها وما رضيت به من زمن ، أمّا ناسها فهم طيّبون ومنهم أبو صابر عاشق النّاي الحزين ، حيث كان يجلس مساء كل يوم خميس على شرفة منزله الصّغير ويبدأ بالعزف الى وقت متأخّر من الليل ، يبثّ نايه همومه وشجونه وأمانيه وأحلامه ، أمّا سكان المدينه فكانوا ينتظرون هذا الموعد كلّ خميس بلهفة وشوق لسماع صوت الناي لأنّها كانت بالنّسبه لهم ألجسر الموصل الى عالم آخر يحلمون به وينتظرون اشراقة شمسه في يوم جديد ، كان صوت الناي الحنون يوقظ مشاعرهم وأحلامهم فلكل واحد منهم حلم ، المريض يحلم بالشّفاء والطالب بالنجاح والمزارع بيوم الحصاد والتاجر بالرّبح ومن غاب أحباؤه بعودتهم والحبيب بحبيبته حتّى الأطفال لهم أحلامهم فهم يحلمون بالحلوى وبألعابهم وبعالمهم الجميل . هذه هي الحال في مدينه يحتضنها سهل واسع مترامي الأطراف تزيّن أرجائه فسيفساء من تضاريس الطبيعه بأبعادها وأشكالها وألوانها المختلفه لكن أصولها واحده رغم بعد المسافات .. انتظر سكان المدينه سماع صوت النّاي كعادتهم كان الوقت مساء الخميس لكن الصّوت لم يأتي كعادته ليتردد صداه عبر المدى انتظر السّاهرون دون جدوى وانتصف الليل والصّوت لم يأتي بعضهم ظلّ ساهرا للصّباح والجميع يتسائلون عن السّبب ربما يكون ابو صابر مريض أو مسافر أو جرى له شيئا ، واجتمع حشد منهم في صبيحه اليوم التالي وتوجهوا الى بيته للسؤال عن أحواله وكانت المفاجئه ، لقد وجدوا ابو صابر جالس في مجلسه المعتاد على شرفة منزله وهوحزين يعتصره الألم والناي لم تكن بيده ، سألوه عن حاله ولماذا لم يعزف لهم  كعادته نظر ابو صابر الى الجمع قائلا – انّه الوالي لقد أرسل اليّ بالأمس رجاله ومنعني من العزف على النّاي قائلين ان صوت الناي يزعج ابنه وكذلك سكان القصر لقد صادروا الناي وهذا ما حصل .. انتشر الخبر في المدينه واستنكر الناس  ما فعله الوالي وبدأت بعض الأصوات تعلوا محتجّة ، وتجمّع الناس في ميدان المدينه يهتفون للحرية بعد أن حطموا جدار الخوف واستيقظوا من سبات دام سنين ، كيف للوالي أن يصادر الناي التي توقظ أحلامهم  ، حتى أمانيهم أصبحت مصادره  ، ألم يكتفي بتسلطه واستبداده وسرقته لقوتهم ، ربّما يأتي يوم ويمنع الماء والهواء بعد أن سرق الأماني  ، واستمر احتجاجهم واصرارهم رغم التضحيات الى أن كان النّصر لهم ، فلقد هزم الظلام وأشرقت شمس الحريّة واستعاد ابو صابر نايه الحبيب وعمّت الاحتفالات واستعدّ الجميع على ما سيكون عليه الوضع بعد الانتصار وطول الانتظار . عاد ابو صابر ليعزف على نايه ليل الخميس طرب له من كان بالجوار لسماع صوتها من جديد ، لكنّ آخرون فضّلوا سماع صوت العود ، وفريق ثالث أراد الاستماع الى صوت الكمان ، وآخرون للقانون ، وغيرهم للدف ، وبعضهم من قال ان الموسيقى حرام ، ومن قال ان للبيانو صوت جميل وعلينا التغيير، وأصبح لكلّ جماعه آله يفضّلون الاستماع اليها ويعزفون عليها ليلا حتى نهارا مجبرين الآخرين على الاستماع ، واختلط الحابل بالنّابل لأنّ كلّ واحد أصبح يغنّي على ليلاه ، والأصوات تعلو وتعلو دون ترتيب أو التزام أو انسجام  وكلّ ّفريق يعتقد أنّه الأفضل في العزف وأنّ موسيقاه هي الأجمل والأكمل وأنّ الآخرين موسيقاهم نشاز ، حتّى صار الوضع لا يطاق وبدل أن كانت تجمعهم ناي واحده أصبح لكل فريق آلته ونظرته للأمور ومسعاه وبرنامج استثمار لما حققوه من انتصار .. عدنان عجوز المدينه لم يرضيه الحال وما وصلت الي الأحوال ، كان حزين حزن صوت النّاي التي وحّدت المدينه لأنه كان يعتبر جميع سكان المدينه أولاده ، ضميره يقول له عليك واجب ، لا بد من أن تصنع شيئا ، لكنّه أجاب  لا أقدر أن أقول لمن أجبر على الصّمت دهرا لا تعزف على آلتك ، كما أنّ من حقّ الاخرين العزف على آلاتهم  ،  هزّ برأسه قائلا لكن الأمور اذا تركت للمزاج دون ترتيب فان الوضع سيكون مهزله لأنّ كل واحد مفروض على الآخر وأن عليه أن يمارس نشاطه وحريّته دون التعدّي على حرية ورغبة الآخرين وأنّ الحريّة لا تعني الفوضى واطلاق العنان للرغبات الأنانيه والا سيعود الحال أسوء مما كان  . ليأخذ كل فريق فرصته في العزف والناس ستقرر من الأجمل ، أو ليعزف ألجميع ضمن فريق واحد في أوركسترا تجمعهم يقودها مايسترو محترف لتعزف أروع الألحان ..ان الحديقه لا تصبح حديقه بغرسة واحده وحتى تنال اسمها يجب أن تحتوي على كل أغراس الورد تجمّلها وترسل عبيرها الى كل الوجود ،لأنّ لكلّ زهرة عبيرولون مختلف ، وبهذا يكون الجمال والانسجام  …

عيد المدونه الثاني

يونيو 11, 2012

التقيت بكم أحبّتي قبل عامان على صفحات هذه المدوّنه . كم كانت السّعادة تغمرني عندما كنت أشعر أنّ في عيونكم علامة الرّضا . وحين كنت أرى الابتسامة ترتسم على الوجوه من شدّة الألم . والضّحكة تغمرُ النّفس لطرافةِ الموقف .. أشكر جميع من علقوا على ما جاء في المدوّنة ولهم منّي كلّ الحبّ والتقدير . . سأبقى كما عهدتموني أحملُ على كاهلي آهات المعذبينَ وأقرعُ الأجراس حتّى أُسْمِعَ من بآذانِهم صَمَم ْ.

أُحِبُّكُمْ   …   جَوْدَتْ

قصيدة  *  كل عيد وأنتِ أميرتي  *

http://www.youtube.com/watch?v=4v2tZTCUbMk

الطوفان 2

يونيو 8, 2012

        الطوفان سيغزوا الارض ، هي حتميّه قالتها الأساطير وتحكي عنها دوائر الأرصاد لأنّ ثقب الأوزون في امتداد ، وكان أن حدث هذا قديما بأمر من ربّ العباد ، ومدينتي نائمة تحلم بليالي شهريار وشهرزاد ، ومواسم لم تعد تأتي منذ زمن الأجداد ، لأن الفرح أصبح مناسبة وما تبقّى من الأيّام حداد ، حمل المنادي الطبل وطاف في كلّ ّالبلاد ، مرّ بالشوارع والحارات ، معلنا النبأ حتّى يستعدّ الجمهور لكلّ الاحتمالات ، مات الطبّال من التّعب وما تحقّقت له الأمنيات ، واستلم طبّال آخر المهمّة قائلا لننسى ما قد فات ، ولنعمل للمستقبل وما هو آت ، احتشد الجمع في ساحة المدينه ، مقسّمين  كلّ على دينه ، قال خطيب مفوّه يا معشر النّاس أنتم خير أمة بين البشر والاجناس ، يا أيّها القوم الطامة آتية وليس لنا الا التعاون حتّى ننقذ أنفسنا قبل أن تقع الفاس في الرّأس ، ولذا فاني أقترح عليكم كما عمل النّبي نوح ولنا به قدوه ، أن نصنع سفينه كبيره ، تحمل كافة القوم حتى ننقذ العشيره ، تحملنا الى أن تهدأ الأمور ونرى ما سيكون ، حتّى يعمّ الفرج ويزول الكرب ويأتي السّكون ، هتف الجميع له ثلاثا وحملوه على الأكتاف ، وأصبح منقذا ورمزا للبطوله والفضيله والعفاف ، وبعد اخذ ورد  وجزر ومد  قالوا لنصنع السّفينه لكن عند هذا الحد تخندقت كل حاره ، وكأنّ الأمر لا يعنيها أو أنّها ستفقد شيئا من حواريها ، قال المقرّر أنتم جميعا أخوه والله أعطى البعض منكم أكثر من الآخر في بعض الأمور ، أعطى بعضكم أمولا أكثر وآخرون أيد عامله أكثر وآخرون مواد خام أكثر وأخرون الخبره والمعرفه وأخرون القوّة لحمايه المشروع ،  لماذا تقيمون الأسوار بينكم مثل الغرباء وتتخاصمون مع بعضكم وتنسون الأعداء ؟ وبعد هرج ومرج تم اختيار 22 مندوب يمثلون كلّ الحارات ولم يستثنى أحد من كل الجهات لوضع المشروع قيد التنفيذ كما جاء في المخططات وتوالت الاجتماعات والاستشارات وطرح المقترحات ، وقالوا لا بد لنا من مواد خام وعدّه حتى تزول عنا الشدّه ، لكنّهم اختلفوا على النّسبه والتّموين ، ومن سيرأس المشروع ومن يدير العمل في الدواوين ، حتى على الاسم اختلفوا . ان كل حاره منكم تمتلك ما هو مفيد ويمكن أن يضاف الى المشروع وصدّقوني إن لم تتداركوا الأمر من الآن سيفوتكم القطار وسيغرقكم الاعصار ، ان ما تمتلكه كل حاره لا يمكن أن يبقى الى الأبد ولن تجد لها من نصير أو سند ، هذه هي حال الدنيا ولكم من التاريخ عبره ، كي لا تتجرّعوا مرّ الكاس وتقتلكم الحسره ، لا تكابروا لا تدفنوا رؤوسكم في الرّمال لا تجترّوا ماضيكم كالجمال ، عيشوا متّحدين أقوياء يحترمكم الغير وإلا سيكون مصيركم الزّوال ،ابنوا سفينتكم وامخروا عباب المحيط كي لا تغرفوا في الطوفان كونوا اسياد انفسكم وتحرروا من ضعفكم واتكاليتكم والآخرين قبل فوات الأوان ، ألم تتعلموا من درس الأندلس   ..؟؟؟

                نشرت في جريدة القدس بتاريخ  7/9/2012

خدمات عامّه

يونيو 4, 2012

  

                قوليلي مبروك يا أبو صابر ..- مبروك لكن على شو المباركه ..- يا ستّي استاجرت محل في وسط البلد ..- وشو ناوي تبيع فيه ..- يا فهمانه المحل للخدمات العامه  ناوي أبيع فيه شعارات ونظريّات وأقدّم خدمات يعني طق حكي لأن هذي البضاعه مطلوبه ومرغوبه بهل أيّام وسوقها ماشي مثل كتُب تفسير الأحلام ..- ما فهمت عليك يا زلمه شو يعني تبيع شعارات ..- هذا اشي أكبر منّك انتي خليكي للطبيخ والنّفيخ وهذي الأمور للفهمانين مثلي ، شعارات يعني كلام مزبّط وفكر مخطط ، وكمان نظريات كلامها مصفوف متل ورق الملفوف ومنمّق مثل نقْ الجاجه لكن اذا قريتيها ما بتفهمي منها ولا حاجه ، ووجهات نظر من كثر التعصّب بتعمي البصر ، وخطب للمهمّين وأشباه الأميّين ، ودعايه وتلميع ويافطات ، وأبواق طنّانه مع شويه زينه رنّانه  وسماعات ، وهتّيفه في المناسبات ، مع دبّيكه للاحتفالات ، وكل شي بسعره يعني ممكن يجي للمحل واحد أهبل أو مهفوف بلا قافيه لكن معاه مصاري احنا مستعدّين انحفظه وانزبطه ونلمعه ونرش هدايا على الجمهور ونحرق في الدواوين البخور لحتى ينجح ويصير بقدرة قادر مأمور ، وكل شي بالفلوس وبهذا الزّمن هاذ البضاعه ماشيه مثل كعك العيد والمثل بيقول فيد واستفيد ، كمان بهل أيام بيقول – قبّضني وانت عمّي بنتخبك بس فرّجلي همّي - وقبّضني بالدّولار حتى أنتخبك وأرقصلك في الزّار ، ورايحه تكون أسعارنا مقبوله ومعقوله مثلا للمجلس البلدي لازم دعايه وتلصيق اعلانات ، أمّا المجلس النيابي مع الدعايه والاعلانات لازم كمان هتّيفه في الاجتماعات ، أمّا الرياسه فلازمها فوق هذه كله كمان وقٌيفه وزُلمْ وأتباع علشان عند الشدّه يقفوا معاه بالباع والذراع ، ولكل مقام مقال لحتى تمشي الأحوال ، وفي المستقبل ان شاء الله رايحين نعمل فروع لبلاد برّه ونعلم شعوب الأرض الدّيمقراطيه الحرّه لحتى يستفيدوا من خبرتنا والكفاءات ، وشعارنا رايح يكون خود وهات ، وأبو صابر جاهز في كل المناسبات … ويا ويلك يللي تعادينا يا ويلك ويل مثل النّار تلاقينا في ظلام الليل …

           نشرت في جريدة القدس بتاريخ 7/9/2012