مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف مايو 3rd, 2012

ألوجه الآخر 6

مايو 3, 2012

         الحلقه السادسه
 كأنّها كانت نائمة واستيقظت من ثبات عميق ، هذه زوجة رائد تحاول تعويض ما فاتها لأنها نظرت الى الدنيا من نافذة جارتها وركبت زورق أحلامها بعد أن استيقظت من سبات طويل فجرفها الموج الى خضم الحياة ، لقد أصبحت تهتمّ بالفساتين والموديلات وأدوات التجميل والصّالونات والمجلات ، ودائمة الزيارات للجارات للبحث عما هو جديد لقد عادت اليها ثقتها بنفسها بعد غربة وهي المتعلمة وحاصلة على دبلوم في فن الخياطة والتفصيل لكنها تزوجت قبل أن تمارس أيّة عمل ورضيت أن تكون مربّية بيت تماما كوالدتها لأنها كانت قدوتها  ومثلها الأعلى ، لقد كانت كجارية أو شغالة كل هدفها إسعاد سيدها حتى تنول الرّضى .كان الوقت مساء وهي وزوجها يشاهدون التلفاز حيث قالت له … جارتنا إشترت فستان عجبني عايزة مثله..- منيح لكن من وين بدّي أجيب فلوس ؟ لفلوس الي معاي ما بيكفو حتّى ثمن أكل لآخر الشّهر..- انا ما بعرف هذي مسئوليتك انت  رب الأسرة دبّر حالك ..- شو بدك يعني أسرق ؟؟ – لا لا قصدي يعني خود قرض أو إعمل جمعيّة مع زملائك في الشّغل ..- الشهر هاذ ما بقدر لأنو بدّي أدفع فواتير الميّه والكهربا يمكن الشهر الجاي..- يا زوجي يا حبيبي يا عمري بيكون التاجر باع كل الفساتين يعني جارتنا أحسن منّي مهو زوجها كمان موظف لكن أنا حظي دايما مايل .. وبدا صوتها يعلو وصوت زوجها رائد يخفت وكان هذا في كل المناقشات التي تتضمن قائمة طلباتها الكثيرة ، الى حد أنّه أصبح يرجوها بالسّتر وطولة البال  ويذكرها بالقناعة والوداعة وهي كمن أقبلت عليها الدّنيا وجرفتها المظاهر حتى نصّبت من نفسها المثل في الأناقة وحسن المظهر بين الجارات ولا تريد أن تفقد هذا التنافس والتميّز لأن شيئ آخر في أعماقها قال لها هكذا يحترمك زوجك ويقدرك ولا يفكر في غيرك لان الرجال لا يعجبهم العجب ولا حتى الصّوم في رجب وفكرت في أن تعمل وفي أعماقها شيئ  يقول لماذا لا أعمل وأخرج من عزلتي وأحطم قيدي وتحّكم زوجي وأثبت له لأنّي لست ضعيفه الشخصيه لكنّي كنت قانعة بطيب خاطر .. أصبح زوجها رائد في حيرة من أمره تتقاذفه الأمواج وكأنه فقد الدفة لتستلمها زوجته التي كانت كالمارد الذي خرج من القمقم مزهوا بطعم الانتصار بعد أن طال به الحرمان والانتظار . رائد كان في حيرة من أمره يعيش في مزيج من السّعادة والشقاء أمّا السعادة فهو أن زوجته تغيّرت كما كان يريد ويتمنّى ، والشقاء لأن طلباتها في زيادة مستمرة وراتبه المحدود لا يساعده على ذلك وانه بدأ يفقد السيطره على سلوكها ورغباتها ، وأخذ يلوم نفسه على ما وصلت اليه الحال ، وصار ينقم على سكرتيرة المدير في العمل لأنها هي التي كانت  تستفزّ مشاعره حتى صار يقارن زوجته بها أنها هي التي أشعلت في داخله شعلة الغضب وعدم الرضى ..لقد كان يحلم بأن يسابق الفراشات هو وزوجته وأن يرقص على أنغام الطيور وأن يمتطيا حصان أحلامهما ليجوبا العالم وأن يتبادلا الهمس على ضوء الشموع وأن يذوبا في بعضيهما في ليال الشتاء الباردة ، نعم إنه يحب الحياة وكان يتمنى أن تشاركه زوجته أحلامه ، من قال أنه لا يحق للكبير أن يلهو ويلعب ويعدو ويمرح ويتصرّف بحريته وسجيته ولماذا  نضعه في داخل اطار ونفرض عليه نوع من السلوك الرتيب والمحسوب ونحنطه ونجعل منه تمثال من الشمع وكل هذا باسم التقدم قليلا في السن والوقاروالعادات المقيده للحريات ومن وضع هذه المعايير ولماذا الحجر على مشاعر ورغبات الاخرين ولماذا يستجيب الكبار لتصورات وقوانين البعض اليس هذا ما يجعل الانسان يعيش بنسختين وبوجه آخر نسخة ظاهرة للعيان مزيفة حتى يُرضي الاخرين وأخرى يعيشها في خياله وأحلامه متمنيا أن تكون الواقع . هذا ما فكر به رائد وهمس نعم إن لكل شيئ ثمن ، ماذا يعمل ومن أين له أن يلبّي رغبات زوجته الملكة اليس هو من تمنى أن تكون كذلك فكر في أن يعمل عمل اضافي وأخذ يشكو سوء الحال والأحوال لزوجته ويرجوها أن تقلل من طلباتها ، لكنها عرضت عليه أن تعمل هي بشهادتها إذا كان غير قادر على تلبية رغباتها وطلباتها .. وافق رائد مرغما على ذلك ووجدت زوجته عمل لها في احد مصانع الخياطه وكانت تلبّي حاجاتها من راتبها وبعض حاجات البيت أيضا وبدأ نفوذها على أمور البيت وقراراته يزداد والزوج الذي كان مسيطرا ومتمردا يتنازل رويد رويدا ، ومن الاسباب أن زوجته أصبحت مستقلة اقتصاديا عنه وغير تابعة لما كان يجود عليها به من نقود قليلة .. هكذا الدنيا من يملك المال يملك السلطة والقرار ، أو هكذا يكون الحال في مجتمع استهلاكي أخذ يفقد الكثير من القيم متلحفا بثقافة الغرب وعاداته وتقاليده …
الى اللقاء في الحلقه القادمه

        نشرت في جريدة القدس بتاريخ /1/2/2013