مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف مارس 19th, 2012

صَرْخِةْ نَدَمْ ..

مارس 19, 2012

    جميلة تعيش مع زوجها وإبنة وولد في بيت مليئ بالحب والسعادة ، تنتظر زوجها جميل كل مساء حين عودته من العمل بابتسامة وكلمات تزيح عن كاهله معاناة يومه ، هي الايام تمر تحلم مع زوجها بتعليم أبنائهم ويرسمان أروع صورة للأيام الآتيه ، وفي يوم ليس كباقي الأيام جاءها من يخبرها بأن زوجها تعرض لحادث عمل وأنه نقل إلى المستشفى وعلى عجل ذهبت جميلة لترى ما حل بزوجها لكن الأقدار شاءت أن تصل وقد فارق الحياة … وتمر الأيام وجميلة تعاني لفقد زوجها ، أصبح البيت بارد والأشياء بلا معنى كل شيء كئيب حتى نظرات أطفالها المليئة بالحزن لفقد والدهم . كانت تهرب من واقعها ألأليم بالنظر إلى صورة زوجها المرحوم جميل معلقة في صدر الغرفة ، تحاكيه وتناجيه وتشكو له عن الحال وكيف أنّ صاحب العمل الذي كان يشتغل عنده لم يعوضها إلا القليل الذي تلاشى خلال بضعة شهور ، وكان لا بد لها أن تتّحذ قرار حيث تقدّم لها أكثر من واحد طالبا الزّواج منها لأنها ما زالت في مقتبل العمر ، أو أن تبحث عن عمل حتى تعيل أطفالها وتشق طريقها في الحياة ، هي لم تتردّد في الاختيار ، لأنها رفضت الزواج مع مغرياته وفضّلت أن تعمل وتكافح معتمدة على ذاتها ، سلاحها ألاصرار حتى تستطيع تربية أبنائها .. وكان لها أن عملت فراشة في مدرسة واستطاعت بتحدّيها ودخلها المحدود أن تعيل أسرتها وتعلم أبنائها وتتغلب على مصاعب الحياة .. كبر الأولاد وتزوجت  البنت وما بقي لجميلة من حلم هو أن تزوج إبنها وتعيد شيئا من البهجة الى بيتها بعد أن غادرتهم من سنين .. كان يوما جميلا أن اشتغل إبنها بعد تخرّجه من التعليم لحظتها شعرت بالأمان لكن طموحها واصرارها بتنفيذ حلمها بزواج إبنها دفعها الى أن تستمرّ في عملها رغم تقدّمها في العمر  إلى أن جاء اليوم الموعود الذي انتظرته طويلا .. كانت السعادة تغمرها وهي تنظر إلى إبنها وعروسه ودموع الفرح تغمر وجهها ، كم تمنّت لو أن زوجها المرحوم جميل كان موجود بينهم ليشاركهم الفرحة ، وفي الحفلة أخرجت من منديل  تحمله بيدها عقدا من الذّهب كانت قد ورثته عن والدتها واحتفظت به لهذه اللحظة ، تقدّمت من عروس إبنها وقلدتها العقد متمنّية لها ولولدها السعادة … وتمر الأيام ويأخذ المرض طريقه إلى جسد جميلة المنهك من عذاب السنين ولم يستطع الطب تخفيف آلامها لأن جرحها ليس له دواء ، كانت تقضي أغلب الأحيان طريحة الفراش وبدأت زوجة الإبن بالشكوى لزوجها عن حال والدته وأنّها غير قادرة على خدمتها وزادت الشكوى الى أن خيّرته في يوم من الايام بينها وبين والدته . كان الابن يحب زوجته واحتار في أمره وما هو مصير أولاده إن هي تركته ، الى أن اقترحت عليه أرسال أمّه إلى دار للمسنين وزيّنت له الوضع بأنها ستلقى العناية والرّعاية وتعيش مع من هم في سنّها ، أعجبت الفكرة زوجها وبهذا يرتاح من المشاكل وإلحاح زوجته ألمستمر .. وفي يوم طلب من والدته أن تعدّ نفسها للذهاب إلى المستشفى ، لكن العنوان كان دار لرعاية المسنّين ، هنالك وضعها ووقّع على المعاملات طالبا من أمه أن لا تقلق  لانّهم سيعملون لها بعض الفحوصات الطبية وما هي إلىّ أيام وبعدها ستعود إلى البيت ، طبعا فهمت الأم الحكاية وما كان لها غير الدّموع والنّظر إلى إبنها بنظرة عتاب لم يفهم الإبن معناها لأنّ صورة زوجته وتنفيذ رغبتها كانت المسيطرة على تفكيره ووجدانه … مرّت الأيام على جميلة وهي نزيلة الملجئ تعاني من الوحدة وكيف وصل بها المقام إلى هذا ، كم تمنّت أن تحتضن  أحفادها وتحكي لهم القصص وأن تشعر بدفء العائلة التي ضحّت وعانت وأفنت زهرة شبابها من أجلها ، وعندما كان يشتدّ بها الشّوق والألم تنساب دموعها لتغسل وجنتيها وتمتد يداها الهزيلتان تكفكف الدّمع بمنديلها التي كان يحوي في يوم من الأيام ذاك العقد الذهبي الذي أهدته  لزوجة إبنها . كانت تنظر إلى السّماء طالبة الهداية لولدها مقرونة له بالدّعاء وكل الخير والتوفيق . هذا هو قلب الأم يسمو على الجراح ليعطي . أمّا إبنها فلقد شغلته الأيام حتى أنه نسي أن له أم تنتظره كل صباح ومساء ، كم تمنّت أن يزورها برفقة أولاده لكن رجاءها كان يتلاشى لتعاودها الدّموع والدّعاء من جديد .. عاد جميل من عمله وكانت زوجته في الانتظار ..= بشوفِك لابسة لوين رايحة .؟ أكيد في حفلة عند الجارات ..= لا كنت ناطرتك لحتى نروح عند أمّي ..= خير شو مالها أمّك عيّانة .؟  ..= لا سلامتها مهو اليوم عيد الأم وأنا إشتريت للماما هديّة وأكيد هي ناطرتنا حتى إنروح لعندها … تذكر جميل والدته وشعر كأنّه يهوي في حفرة عميقة  و قال لزوجته- منيح إذهبي إنتي لوالدتك وأنا رايح لعند أمي حتى أشوفها ..= شو مالها أمك مهي بخير بتروح عندها غير يوم علشان أمي ناطرتنا .. ولأوّل مرّة يشعر جميل بالضّيق من حديث زوجته وقال بصوت مرتفع – لا أنا بدّي أروح لعند أمي وخرج مسرعا إلى خارج البيت قاصدا دار المسنين وفي طريقه توجّه إلى محل بائع الحلويات واشترى علبة من النوع الذي تحبّه والدته وهرول مسرعا إليها وهو نادم لأنّه لم يذهب لزيارتها منذ عدّة شهور.. نعم هذه هي الغرفة التي تقيم فيها والدته دخل الغرفة ونظر إلى السّرير لكنّها لم تكن موجودة ، حسب أنّ والدته في الحمام أو في زيارة لغرفة أخرى وانتظر طويلا لكنها لم تعود ، حينها توجّه إلى الممرّضة ليسالها عن والدته..= أنا جميل إبن أم جميل وين أمي .؟ ..= للأسف جيت متأخّر …= شو قصدك  يعني أمّي جرالها حاجة …= البقية في حياتك أمّك مبارح في الليل توفيت …= وليش ما خبرتوني عن حالتها كان المفروض تخبروني لحتى أجي أشوفها …= لكن إحنا ما منعناك من زيارة أمّك طول هذي المدّه وإحنا كنّا بنّفذ رغبتها ، أمك مبارح كانت تعبانة كتير وقلنالها نحكي مع إبنك لحتى يجي ايشوفك ، لكنها رفضت وقالت في هذا الوقت بكون جميل راجع من الشّغل وتعبان خليه مبسوط ولا تزعجوه واحنا نفذنا رغبتها … وارى جميل والدته التّراب ونام تلك الليلة على قبرها وهو يبكي ، لعل الدموع تغسل ندمه وشعوره بالذنب باهماله لوالدته ومن ضحّت لأجله دون أن تطلب في يوم من الأيام الثمن أو المقابل .. غادر جميل المقبرة وهو يتمتم رحمة الله عليكي يا أمي أعلم أن قلبك كبير سامحيني .. وكان يزورها كل يوم خميس مع باقة من الزّهور بصحبة أولاده  وإبنها يحدّثها وكأنها تنظر إليهم من مرقدها وتبتسم قائلة  – أنا لم أحقد عليك يا ولدي في يوم من الأيّام  حتى أسامحك ، الله يحميك ويحنّن قلب ولادك عليك  …

نشرت في جريدة القدس بتاريخ 23.3.2012