مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



حالنا عَجبْ ..!

مارس 12, 2012
0 views

         كان طارق يلعب مثل باقي الأطفال بالحجاره وما يتوفر من ألعاب أخرى كانوا يصنعونها بأنفسهم ، وكانت الحجاره Stones_Porto_DSCF0572تشد طارق إليها يمسكها ويتأملها بأشكالها وألوانها لقد أحبّها كأنها زهور منثوره تزيّن جبال مدينته ، ورغم إستغراب أهله من تصرفه هذا إلا أنه جمع مجموعة من الحجاره مختلفة الألوان والأشكال كان ينظر إليها وكأنها توحي له بأشياء كثيرة ، كان يعتبرها أصدقاء له يضعها مصفوفه على رف خزانته بعنايه يقف كل يوم يتأملها وربّما يهمس لها بأشياء ، يتفقّدها ويبتسم مطمئننا عليها .. كبر مازن وأتمّ التعليم الثانوي بتفوّق وحبّه للصخور والحجاره جعله يكمل تعليمه الجامعي بدراسه الجيولوجيا كي يجد تفسيرا لأسئله كثيره كانت عالقه في ذهنه عن الصخور ومكوناتها وعمرها وكيفيه نشأتها والأرض وطبقاتها وما تحويه من معادن وأشياء أخرى ، كان هذا عالمه وما أحب . وتفوق طارق في دراسته وتخرج بإمتياز وأقام لهimages (2) الأهل إحتفالا ضم الأقارب والجيران والأصدقاء ومثل باقي الخريجين تقدّم بطلب وظيفه للدوائر المعنيه وطال إنتظاره ، كان يحاول التذكير بطلبه لكن دون جدوى لقد مرّ عامان ولم يأتيه الرّد أو كتاب التعيين الذي كان ينتظره بفارغ الصّبر، كان طارق يحلم بأن يكون من ضمن فريق للتنقيب عن المعادن حتى يستخرج خيرات بلاده ويساهم في تطويرها وخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل وفي أقل تصور له العمل في دائرة تكون الأقرب إلى تخصّصه . وفي يوم طرق باب دارهم ساعي البريد وأعطاه مغلف إستبشر طارق وأهله خيرا وقرأ الرساله التي تقول أن عليه مقابله المسؤولين ليتم تعيينه في وظيفه في دائره البيطره الكائن في مدينه بعيده عن مدينتهم ، نزل الخبر كالصاعقه على رأسه وتعجّب وصاح بأعلى صوته محتجا كيف يريدون منّي أن أعمل في البيطره وهذا ليس تخصّصي أو مجال دراستي حتّى أعمل به . حاول والده تهدئته طالبا منه محاولة مراجعة المسؤولين وإقناعهم بوجهة نظره مأكدا له أن خطأ ما قد حصل .. أفاق طارق من النّوم مبكرا إستعدادا للذهاب إلى المقابلة معللا النفس بأنه سيعمل جاهدا في أن يختاروا له وظيفة أخرى تتناسب مع مؤهلاته ودراسته حيث قام بارتداء حلته الجديدة بعد أن حلق ذقنه وتوجه إلى مكان المقابلة مصحوبا بصور عن شهادته ودعاء والديه له بالتوفيق وبعد طول إنتظار دخل إلى الموظف وبعد التحية كان بينهم هذا الحوار ..= يا حضرة المسؤول أنا دارس جيولوجيا وما عندي اي فكره عن البيطره وهذي صورة شهادتي ..= يا بني إحمد ربك على شان أجاك تعيين غيرك صارله ناطر سنيين أي حظك حلو من السّما ..= لكن أنا مجال تخصّصي الجولوجيا وما بعرف شي عن البيطره يا ريت لو تشوفولي وظيفه تانيه بكون شاكر لجهودكم حتى أستطيع أن أخدم بلدي في مجال تخصصي ..= الظاهر إنك مش وجه نعمه غيرك مستعد يشتغل زبّال وحضرتك رافض وظيفه بتمناها الجميع..= يا حضرة أنا قصدي وظيفه أقدر أقدم خدمه من خلالها لبلدي في شغل أنا فهمان فيه مثل ما قلتلك أنا ما بعرف شي عن البيطره ..= باين عليك شاطر كثير وبلاش كثرة كلام وتنظير واسمع نصيحتي هذا القرار صدر من فوق وما هو انا المسؤول عنه والمثل بيقول أربُط لحمار حسب طلب صاحبه  وبيقول اللي بتجوّز إمك هوّ عمّك ..= لا يا سيدي ما بدّي أربط لحمار واللي بتجوّز أمّي ما هو عمّي بكل أسف بقول اللي أصدر هذا القرار غلطان وحرام يكون مسؤول ..= يا بني بلاش La-faimأعملك قضيه شتم للمسؤولين إذا مو عاجبك الباب مفتوح مع السّلامه .. خرج طارق من الدائره وهو يقول  كيف بدنا نبني وطن وأن نكون مثل باقي الأمم ..؟ حقا إن  (حالنا عجب ..! ) كتب طارق إلى المسؤولين أكثر من رسالة طالبا السّماح له بمقابلتهم وشرح شكواه لكن دون جدوى ، لقد تبدّدت أحلامه وتحطمت على صخرة الإداره الغبيّه وما شاء القدر بأن يكون بيدهم القرار . ومع إستمرار الحال عرض عليه والده العمل في أي شيئ متاح حتّى يستطيع أن يكسب رزقه لكن كان عنده ترتيب آخر فلقد قرّر الهجره من الوطن إلى أي دوله تقدّر العلم والكفاءات ، واستطاع الحصول على تأشيرة دخول إلى إحدى الدول مستعينا بشهادته وماضيه الجيد … سافر طارق إلى تلك الدولة وعمل في شركة تنقيب عن المعادن وكان مثال اللانسان المكافح والمثابر واستطاع في مدة عشر سنوات أن يكون من بين المهندسيين والمديرين في الشركه لأنه أثبت كفاءته ولأنه كان يحب عمله ولما كان يقوم به من أبحاث أفادت الشّركه والدّوله التي يعمل بها … وفي سنه قرّر المسؤولين في وطنه الأم دعوة شركات إستثماريه أجنبيّه كي تقوم بعمل دراسات والعمل  في مشاريع لديهم . وشاء القدر أن يكون طارق المندوب عن شركته والبلاد التي يعمل بها ، حيث توجه ألى وطنه الأم ولكن هذه المره وللأسف بجنسيه أخرى ومندوب عن دوله أخرى . استقبل على سلم الطائره بالورد والترحيب كمندوب للدوله التي يحمل جنسيتها وكخبير له سمعته وتقديره . الدموع انسابت من عيونه فرحا بعودته ألى أرض الوطن وحزنا على أن وطنه لم يستثمر كفائته حين كان بين أحضانه وكذلك الآلاف الكثيرين أمثاله ممن اضطرهم سوء التخطيط للرحيل والبحث عن فرص أخرى في أصقاع الأرض حيث يجدون من يقدرهم ويتيح لهم العمل والإبداع ..

             نشرت في جريدة القدس بتاريخ 1/6/2012
Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash