مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف يناير 24th, 2011

النذاله ..!

يناير 24, 2011


عادت بي الذاكرة يوم كنت في المرحلة الابتدائية ، كيف كان الاستاذ  احمد مدرس الرياضة يقسم الصف الى فريقين لنلعب كرة القدم . والصف كان حوالي اربعين طالباً ، هذا يعني ان كل فريق يتألف من عشرين ، تصوروا اربعين طالباً يركضون للحاق بكرة في ملعب صغير كيف كان صياحهم ، والاستاذ احمد يحمل بيده اليسرى صافرة كي يضبط الوضع ، مستعيناً بعصا من الرمان يحملها بيده اليمنى وهو يهرول ويطارد بين الاولاد كالوسيط يارنغ محاولاً فرض قوانينه ولو بالاكراه . كان قبل المباراة يطلب من كل فريق ان يلف الملعب ركضاً ، ومن يصل اولاً من التلاميذ يكون قائداً للفريق ليضع على يده عصابة حمراء ، وفي اكثر الاحوال كانت تشتد المنافسة بيني وبين زميل لي اسمه عطا ، كل منا يحاول ان يسبق الآخر، وفي اكثر الاحيان كان يصل هو اولاً.. كنت استغرب الامر حيث كان أقصر مني بكثير لاني كنت اعتقد حينها ان الطول هو مقياس السرعة ، كالزرزور الذي نظر الى ظله ..! وكانت لعطا هذا طريقته بالركض حاولت تقليدها لكني لم أفلح وهي العدو بسرعة وكأنك ترى كعب قدمه تضرب بعقب رأسه ..! والوثب كالجندب كل بضعة امتار .. وعندما كان يصل قبلي لان المنافسة كانت تنحصر بيني وبينه في اغلب الاحيان ويضع الاستاذ على يده تلك الربطة الحمراء تكريماً لجهوده ويعطيه التعليمات حول تقسيم الفريق وطريقة اللعب كنت انظر اليه بكثير من الغيظ واحياناً الحسد ، مع اننا كنا ننسى تلك التعليمات ويختلط كلا الفريقين لحظة دخولنا الملعب .. مرت هذه الذكريات البعيدة كشريط سينمائي امام مخيلتي ولعل السبب ما نشاهد في هذه الاوقات وما نسمع من مسابقات يكون بعضها جميل ومفيد يتيح الفرصة للمتسابقين للتطور والابداع في جو من التنافس الشريف ، لكن بعض المسابقات والعروض امرها غريب عجيب ، في زمن فقد توازنه واختلط الحابل بالنابل وتغنى الخصيان بمجد التنابل ..! فهنالك مسابقة لأطول لحية واخرى لأطول شنب ، وكذلك لأكل الشطائر، ولأسوأ فيلم وأسوأ دور لممثل، واكثرهن بدانة والنوم مع الافاعي والعقارب ، وكذلك اطول الاظافر والسير بالمقلوب وبلع الخناجر ..! وما لا يخطر على بال شاكلة هذا المنوال.. قلت في نفسي لماذا انا غاضب وعاتب على ما يجري في هذه الدنيا ، فمنذ الازل كان هنالك العاقل والجاهل والحكيم والاحمق والشجاع والجبان والنشيط والكسلان ، وكل المتناقضات، وكانت تقام المسابقات لتبيان من هو الأفضل ، حيث جمال هذا الكون بالتناقض الموجود فيه ليظهر الفرق ، وبذلك يكون المعيار للكمال او الجمال الدنيوي حسب مفهوم كل قوم وكل ثقافة وكل زمن ، ولكن ما يؤلمني هو ان تقام مسابقة للنذالة في هذا الزمن الحثالة ، وهذا ما كان .. التقى ثلاثة اشخاص  مصالحهم الذاتية فرضت عليهم نوعاً من الصداقة ، وما يميزهم عن الغير بعض الصفات المشتركة ومنها حب الذات والاستعلاء ، وهذا مرض ليس له دواء .. اسماؤهم هي سام وداود وعدنان ، والغريب ان كل واحد منهم يدعي انه الاكثر نذالة ..! واحتدم بينهم النقاش كل واحد يستعرض ماضيه وانجازاته ، لكن دون ان يقنع الآخرين واصبح هم كل واحد منهم يريد ان يثبت للآخرين انه البطل .. وانه على المرتبة الاولى قد حصل .. وبينما هم سائرون في الطريق ، نظر سام الى بيت صغير ، تحيط به حديقة مزروعة بالورد واشجار الزيتون .. اسرع نحو البيت وأخذ يحطم الاشجار ويقتلع بالمعول الورد ويهدم الاسوار.. وهو يضحك كي يثبت للآخرين انه الاكثر نذالة ..! وعندما أحال البستان الى انقاض جاء الى صاحبيه متباهياً قائلاً – هل رأيتم ما صنعت ؟ اريدكم ان تصدقوني .. فما كان من داود الا ان اسرع نحو البيت وتناول المعول وأخذ بتكسير الابواب والنوافذ وتحطيم الجدران ، حيث خرج من بالبيت من اطفال وامهم مذعورين  الى الخارج ولكن  بقيت امرأة عجوز مشلولة لم تقدر على المغادرة حيث انهار البيت عليها وأصبح كل شيء حطام .. وبعد ان انهى مهمته جاء الى زميليه متباهياً قائلاً – ألم أقل لكم اني انا البطل اريدكم ان تصدقوني .. ضحك عدنان وأخذ يقهقه بأعلى صوته قائلاً – مساكين.. يعتقدون انهم الابطال ،هم لا يعلمون ان البيت الذي حطموه والاطفال الذين شردوهم هم بيتي واطفالي … وان العجوز التي ماتت بالداخل هي امي.. ألم اقل لكم انني انا البطل واستحق كأس النذالة وبامتياز .. اريدكم ان تصدقوني ..!!     بدون تعليق . 

                                     نشرت في جريدة القدس بتاريخ  7 – 9 – 2008