مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف يناير 11th, 2011

نجاح نجاح ..

يناير 11, 2011

 عيناها كعيون المها لونهما كلون الربيع المبلل بقطرات الندى ووجهها كالبدر يحاكي انغام قيثارة حين بدا. اما شعرها فهو كخيوط الشمس تشع انواره لتضيء الوجود .. كانت تلملم تلك الخيوط بجديلة تنساب على ظهرها بدلال دون حدود. هي صبية كروضة بدأت ازهارها بالتفتح لترسل اريجها عبر المسافات تدغدغ احلام الاخرين المراهقة .. هكذا كانت ، الا انها لم تتقبل هذا الواقع ولم تر في ذاتها الا صورة رسمتها لنفسها مليئة بالشك وعدم الثقة .. كانت نجاح تقضي معظم وقتها في غرفتها تغلق الباب على نفسها تختلي بذاتها امام مرآتها وتبدأ بالبكاء .. تحدث مرآتها عن احزانها ورغباتها المكبوتة. تشكو اليها حالها. كانت تثق في مرآتها وتعلم انها تحفظ كل اسرارها ولم تبح لها لاحد. كانت تقول لها انت صديقتي الوحيدة في هذا العالم. انت من تقولين لي الحقيقة دون زيف او شفقة او مجاملة او خداع. انت من احب والاخرون هم اشكال ملونة ومشاعر متلونة. في عيونهم الكثير من الاستغراب واحيانا المبالغة.كم حاولت والدتها بان تندمج بالحياة بأن تخرج للناس تشارك الصبايا اهتماماتهن. ان تتمرد على عزلتها. الا انها كانت تزداد عزلة واصرارا مع الوقت. حتى الافراح والمناسبات رفضت ان تشارك بهما مثل من هن في سنها. ولم يكن لها شلة من الصديقات كالاخريات ولا حتى احلام او فارس يمتطي حصانا ابيض عدا قطة صغيرة كانت تؤنس وحدتها. كانت تغتال كل رغبة وتقول لنفسها اين انا من هذا .. لا اريد ان اضع نفسي في هذا الامتحان. لاني اعرف النتيجة مسبقا وهي الرسوب. حتى في المدرسة كانت تعزل نفسها وتنطوي على ذاتها باصرار. وحينما تذهب الى المدرسة صباحا كانت تستيقظ مبكرا لتضمن عدم وجود اناس كثيرين ينظرون اليها. وتمشي في طرف الشارع وكأنها تريد اخفاء نفسها عنهم. عيونها مصوبة نحو الارض وكأنها تريد اخفاء نفسها عنهم. عيونها مصوبة نحو الارض وكأنها تقول للمارة انا لا اريد ان اراكم فلا تحاولوا رؤيتي. انا اتضايق من نظراتكم ولا اقبلها. انا اسخط عليكم ولا اريد شفقة من احد. او نظرة فيها من العطف والتمني وربما المجاملة والتشجيع. هي لا تعلم ان نظرات الناس اليها فيها من الاعجاب الشيء الكثير هي لا تعلم ان الكثيرين يحبونها كما هي. كيف تدرك ذلك وهي لا تحب ذاتها وتجلد نفسها كل لحظة بأن تعزلها عن العالم المتحرك. تلتجىء الى الغربة والسكينة والدموع ومرآتها العزيزة .. الايام تمر. ونجاح كما هو حالها الا انها ازدادت رونقا وتألقا واشراقا. بعد ان تفتحت زهراتها واخذت شكلها الطبيعي. مما زاد في احراجها وصراعها مع ذاتها وانكارها لما حباها اياه الخالق من جمال وذكاء وخفة روح. كثيرا ما تمنت في لحظات يأسها لو لم تأت الى هذا الوجود. لانها لم تشعر ولو للحظة بوجودها او اندماجها بهذا العالم، كيف تقبله وهي لم تتقبل ذاتها ولو للحظة. وفي يوم ليس كباقي الايام وحينما كانت عائدة من مدرستها وهي في المرحلة الثانوية. دخلت الى دكان مكتبة لم تعلم لماذا ولاي هدف. لكن القدر شاء ان تدخل تلك المكتبة. واخذت تتأمل الكتب المعروضة. انها كثيرة جدا وباحجامها واشكالها والوانها وعناوينها تغازل الناظر اليها برجاء. مواضيعها من كل صنف ولون. لكن ما شد انتباهها هو كتاب ليس كباقي الكتب او هكذا شعرت حينها. وقفت تتأمله وكأنها في صلاة. شعرت برغبة ملحة في قراءته. حينها شعرت بقشعريرة تسري في عروقها وكأنها ايقظت في اعماقها شيئا هي تفهمه جيدا .. واشترت ذلك الكتاب واسرعت عائدة الى البيت تحتضن كنزها الثمين متلهفة الى فك كل اخباره واسراره وطلاسمه ورموزه. لم تلتفت في ذاك اليوم الى مرآتها. ولم تجلس اليها كعادتها. كان كل همها الكتاب الذي تحمله وتتأمل عنوانه بلهفة. لقد انتابها في ذاك اليوم شعور غريب لم تشعر بمثله من قبل. كان عنوان الكتاب )الايام( – طه حسين عميد الادب العربي – وصورة الاديب الكبير تزين الغلاف كأنها تنظر الى الناس بثقة وتحد. وبدأت نجاح بتقليب صفحات الكتاب صفحة صفحة. كانت تقرؤها بخشوع كصلاتها في المكتبة عندما نظرت عيناها الجميلتان الى ذاك الكتاب لاول مرة. هي سمعت عن طه حسين. وتذكر يوم كانت طفلة صغيرة انها شاهدت قصة حياته في مسلسل على التلفاز. لكنها كانت في ذاك الوقت صغيرة ولم تدرك المعنى او المحتوى او القيمة المعنوية والادبية في تلك الرواية. اما اليوم فالوضع مختلف. انها تقرأ الرواية بشغف ولهفة. حتى تعرف ما رفضت ان تعرفه في سنين عمرهاالسابقة. وكأنها كانت تتمرد على ذاتها وواقعها محاولة تحطيم الاغلال وتمزيق الشرنقة التي حشرت نفسها بداخلها .. كانت بدايات الصراع بين مخزون الذاكرة وما انارت لها تلك القصة من وعي . وبدأت نجاح الجديدة تخاطبها. وتأكد لها ان على الانسان ان يتقبل نفسه شكلا كما هو وليس بالضرورة ان يكون كالاخرين. لانه يكون بذلك نسخة مزيفة. ولان لكل انسان شكلا ومزايا مختلفة او هكذا يجب ان يكون وان لا تكون الحياة بما تحتويه الاشكال مكررة ومملة وكانت كلما قرأت المزيد يزيد شعورها بالتمرد ومعرفة الذات وقبولها اكثر لانها تأثرت بما قرأت. حتى عيناها كانتا تشاركانها الاستغراب والاعجاب بالدموع حتى طرزت صفحات الكتاب وكأنها حبات اللؤلؤ منثورة على شاطىء الزمن.. هو كان صغيرا ومعدما ويعيش في قرية نائية ليس فيها من متاع الدنيا الا القليل وهي ظروفها افضل بكثير .. هو كان يسير في الطريق متحديا اعاقته يتلمس الاشياء ببصيرته .. هي ترى العالم بكل الوانه واطيافه . هو قاس من الكتاب في دراسته الاولى وهي تدرس في مدرسة يتوفر فيها كل شيء .. هو انتقل الى مدينة كبيرة لا يعرفها ولا يعرف تضاريسها او حتى ناسها . وهي تعيش بين اهلها وناسها ومدرستها لا تبعد كثيرا عن المنزل . هو كان دائم الحضور في حلقات الدراسة .. هي تعزل نفسها حتى عن اهلها ومن احبوها .. هو تحدى وانتصر وسافر للخارج كي يكمل دراسته وتزوج وحصل على اعلى الشهادات وعاد الى وطنه مرفوع الرأس وشغل اعلى المناصب . الرواية هزتها من العمق وزرعت في نفسها روح التحدي. وهنا بدأت نقطة التحول حيث سألت نفسها بعد ان وقفت امام مرآتها. نظرت فوجدت انسانة اخرى، رأت نجاح جديدة واقعية مبتسمة متفائلة. وخاطبتها قائلة – لماذا انا لم اكون كذلك ..؟ لماذا لم اكن؟ الحياة مفروضة علي ويجب ان احياها. ويجب ان الغي شعوري بالنقص واتحدى اعاقتي البسيطة التي لا تشكل اي فارق في جوهري .. لان القيمة بالجوهر وليس بالشكل او المظهر. ماذا يضير اذا كانت قدمي اليمنى اقصر من الاخرى قليلا .. يقولون عني عرجاء. نعم انا عرجاء انا قبلت بذاتي وتصالحت معها انا اعترف ولاول مرة اني نجاح العرجاء .. وهذا الاسم واللقب اصبح من الان لا يضايقني انا احبك يا طه حسين واترحم على روحك لانك زرعت في نفسي الامل .. ومن الان اقول للناس جميعا اني احب ان تنادوني بنجاح العرجاء لان نجاح ستثبت لكم مع الايام من ستكون  …

نشرت في جريدة القدس بتاريخ 7 – 1 – 2011