مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف أكتوبر 13th, 2010

مناجاه

أكتوبر 13, 2010


  كانت ايامه تسير كقطار محمل بهموم العالم .. يومه كامسه وغده في علم الغيب . الحياة تمر كشريط سينمائي بلا الوان والمضمون مزيج من الالم وعزاء الذات باوهام واحلام لم تات لانها بلا عنوان .. ربما يصنع امانيه في خياله كوسيله للهروب .  يمضي اوقاته متنقلا بين ازهاربستان صغير اوشلال ماء ينساب كالنغم . ينظرالى تمثال يعتلي نافورة الماء يسخر من الزمن يكتب بعض ابيات من الشعراو يحتضن عوده ليعزف بعض النغمات الحزينة لكنها تضيع في الفراغ دون صدى او شجن . ينظر الى وردة جميلة يتحدث اليها وفراشة تحوم من حولها لترتشف من رحيقها والزهرة تضمها برفق وحنان كانها نخاف عليها من غدر الزمان . او ان تهب الرياح لتحملها بعيدا عبر المسافات بلا رفيق او امان .لتضيع بين الزحمة وتفقد المكان والعنوان . وصور اخرى يراها او يتخيلها ليجعل منها عالمه رافضا الواقع الذي يعيش . ما اصعب ان يشعر الانسان بالغربة مع من شاء القدران يكون منهم ومعهم . تكون الحياة جافة الماء فيها كالسراب في الصحراء والربيع يلفه صقيع وشتاء . يتساءل هل القيد اكبر من ان يحطمه الانسان او ان يتمرد عليه …؟ القطار يسير وفي احدى محطاته استيقظت احاسيسه التي كانت نائمة لم يكن يعلم اهو رغب بذلك ام ان القدر شاء . ربما كان الوقت متاخرا لكن لكل انسان الحق في الحياة والاحاسيس لا يمكن الحجر عليها او ربطها بقيود . لانها لا تخضع للقوانين وهي اكبر من ان يكبتها الانسان اذا كانت صادقة ومقرونه بالرجاء . ما اصعب ان يعيش الانسان محاولا التوفيق بين حاجته وواجبه وهل هما قدرام اختيار … القطار يسير وكان يجد سعادته في توفير السعادة للاخرين وتاه في الزحمة ناسيا او متناسيا حظة من الحياة .  كان في اعماقة شعور متمرد يبحث عمن يساير جنونه ويفهم ما يحتويه قلبه الكبير من معان للحياة تمنى لوانه يعيش ايامه مع من تشاركه افكاره ونزواته واشعاره وحكاياته . وان تبحث معه في كل سر من اسرار هذا الوجود . تمنى ان يجدها تماما كالتي رسمها بخاليه في لحظات الهروب … القطار يسير وصفيره يصم الاذان هل العيش في الصحراء قدر او حكم اقره السجان .. وفي لحظة خرجت عن الزمان والمكان اصرت وردة ان تخترق الرمال وان تنبت لترى النو ر. وان ترتوي من قطرات الندى في صبيحة يوم جميل . اليس من حقها ذلك ..؟  كانت هي الاخرى تحلم ان يكون لها فارس احلام يحملها على حصانه الابيض ليطير بها الى عالم اخركم تمنته . عالم رسمته ببراءتها وعاشت لحظات الحب التي تحلم بها كل فتاة .. كانت تتوقع من فارسها ان يكون عملاقا قويا بقدر حبها .. ان يتحدى العالم من اجل هذا الحب . وتمر ايامها كانت كانها في زورق تتقاذفه الامواج لان الزورق قد تمزق شراعه . ان حبيبها كان ذاك الشراع ..! الرياح تعصف بالزورق والشراع عاجز عن فعل اي شي . من حقها ان تدافع عن حلمها الجميل لكن العاصفة كانت اكبر من ذاك الفارس العاجز او ذاك الشراع المثقوب .. الرياح تضرب الزورق قذفت به الى شاطئ ملئ بالاشواك . لقد تحطم حلمها الجميل فهل هي اساءت الاختيار ام ان القدر املى عليها القرار .. ذكريات تلك الايام لم تفارق خيالها ولو للحظة ولا حتى خيال الفارس المهزوم .. كانت الدموع تبلل وسادتها في ليالي الشتاء البارده وهو يقضي الليل محدقا في النجوم عله يجد عنوانا اخر يلتجئ اليه .. ما اقسى هذه الحياة حين تحرم الانسان من تحقيق حلمه . في ان تحرم الانسان في ان يختار وان تجعل الاخرين يقررون مصير غيرهم . علهم يجدون مع الايام الدواء وان الزمان يساعد على النسيان . هل الفارس كان يستحق كل هذا العذاب لكن اين كان عندما كانت العاصفه تعصف بالزورق ..؟ وهي كانت تقول لنفسها ربما كان اصغر من حبي وتتراجع لتقول ربما انكر ذاته في سبيل الاخرين . لقد كانت تبحث له عن اعذار لانها تحبه … القطار يسير وصاحبنا يهرب من الواقع لينتقل الى صوره اخرى . لماذا لا يترك الحالمه تعيش ذكرياتها . اليس بعض الناس يجدون متعه في ان يعيشوا ذكرياتهم حتى وان كانت اليمه . انه يعترف بانها بالنسبه اليه كنسيم الصبح التي يروي تلك الزهره التي نبتت في الصحراء . هي بالنسبة اليه تلك الورده الجميله التي يعشقها . هي اريج بستانه الذي صنعه بيديه وانغام عوده التي تتراقص عليها حوريات البحر .. هي بالنسبة اليه الحب الجميل الذي بدا يشعر به ويجرفه محاولا تحطيم كل القيود .. في صوتها سحر كترانيم الملائكة في السماء . في صفاتها في قلبها الكبير في صراحتها قوه وكبرياء . في ذكائها تواضع الاتقياء . في طلعتها ونظراتها هالة الاوفياء . في جرئتها عظمه الاقوياء .. خصلات شعرها المنسدل كخيوط الشمس او كسنابل القمح تموج في يوم من  ايام الصيف . ما اجمل تلك الخيوط كم تمنى ان يفرشها على وسادته . ان تكون بقربه ليحكي لها اشعاره وقصصه وحكاياته وكل المفردات الجميله المخزونه في اعماقه منذ زمن بعيد ليشعر انه بهذا الكون ليس وحيد .. يخال نفسه احيانا انه مجنون او طائر خرج من القفص هائما يبحث له عن غصن يأوي اليه .. ان يشم عبق زهره ليزين بها ايامه الرتيبه ليجعل منها طوطما ومزارا وحبيبه … تمنى لو انه شلال ماء ينساب حيث يشاء . او بركان يقذف بحممه في الارجاء .. ربما كان يتحدى ضعفه ولو بالرجاء … القطار يسير تذكر يوم ودعته تلك الابتسامه الجميله لتبتعد عن طريقه المليئ بالاشواك ولتكون ذكراها زاده في هذه الحياة … القطار يسير ولا ندري في اي المحطات يتوقف ام انه يسير بنا الى النهايه . وهل المحطه الاخيره نحن من سيحددها ام ان غدا  في علم الغيب ..؟ لنترك روحينا  تهيم في هذا الكون المترامي الاطراف . الليل في منتصفه والة التسجيل ترسل انغامها من شريط اهدته اليه .. ما اجمل اختيارها وما اطول الليل على المحبين .. ما اطول الليل واصعب الانتظار .. ويستمر بالسفر القطار…!

              نشرت في جريدة القدس بتاريخ 3-5-2009