مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف أكتوبر 1st, 2010

كان زمان . ( 12 )

أكتوبر 1, 2010

          الوقت صيف عام 67 .. والأيام تمر بايقاع بدأ مختلفا . يقولون أن الحرب آتيه .. وأن العرب استعدوا وأعدوا .. قال كبير القوم ما أخذ بالقوه لا يسترد الا بالقوه . كان صوت الراديو يذيع أجمل الأناشيد ( وطني حبيبي الوطن الأكبر. يوم عن يوم أمجاده ابتكبر ) وما أن انتهى النشيد حتى جاء صوت المذيع أحمد سعيد – افرحي أيتها الأسماك سنلقي بهم في البحر كلها لحظات ويكون النصر… صمت الارسال فجأه وجاء صوت مذيع آخر هذا كبير القوم سيتحدث اليكم .. الكل يترقب حديثه من المحيط الى الخليج  فقول الكبير فصل وهو اذا قال فعل هكذا عودهم لقد وثقوا به وأحبوه .. العيون شاخصة والآذان صاغيه تنتظر صوته المميز .. – أيها الأخوة المواطنون لقد قررنا اغلاق مضائق ثيران ولن نسمح بمرور سفن العدوان فالمياه مياهنا والأرض أرضنا والسماء سماؤنا ولابد من القضاء على الاستعمار وأعوان الاستعمار وتحرير كل الأرض من المحتلين والأشرار .. وما أن أنهى الكبير خطابه حتى عادت الأناشيد وعلت الزغاريد وعاد صوت أحمد سعيد ليلهب مشاعر الملايين ويقود حربا بالكلمات كأنه لاطمة الخدود بالملمات … قال أحدهم المعركة ستنتهي خلال ساعات بالنصر يا جماعه لا تنسوا القاهر والظافر وحجم الوطن الكبير والدبابات بجنزير والمدفع أبو عيار كبير وكتائب التحرير والمغاوير .. حتى أن بعض اللاجئين هدموا أكواخهم وحزموا أمتعتهم استعدادا للعوده .. أما في المدينه فالناس قد استعدوا وقاموا بتخزين مواد التموين ودهنوا زجاج منازلهم بالأزرق ومن لم يجد الدهان جللها بالبطاطين . المعركة قد اقتربت والراديو يذيع المارشات العسكريه وأغاني الثوره والحريه وكثر التحليل والقال والقيل والتطبيل والتهليل . وكلام المنظرين وتوقعات المجتهدين فالكل خبير في أمور الدنيا والدين … لأن المسؤولين كانوا ساهرين على الوطن والمواطن فلقد قرروا توزيع الأسلحه على أفراد الشعب استعدادا للمعركة الحاسمه فكان نصيب أكبر الحارات في المدينه عشرة بواريد ( بنادق ) من المستعملة في الحرب العالميه الثانيه اذ قام محافظ المدينه باستدعاء مخاتير الحارات لتنفيذ هذا القرار.. توجه محمد موسى مختار الحاره برفقة وفد من وجهاء حارته الى دار الحكومه ومركز المحافظه حيث تم استقبالهم . وألقى بهم المحافظ خطابا وموعظة عن الانتماء للوطن والوقوف صفا واحدا وقت الشدائد والمحن والدفاع عنه بكل ثمن . وقام بتسليم المختار تلك البنادق بعد أن طلب منه التوقيع على كل الوثائق المتعلقه بذلك وطلب منه توزيعها حسب معرفته للقادرين على استعمالها في حارته والدفاع عنها والسهر والتصدي للمعتدين في كل وقت وكل حين … غادر المختار الاجتماع وهو للمحافظ من الشاكرين … حمل المرافقين السلاح وسار الموكب محفوفا بالاجلال والاقدام الى أن وصل الحاره وكان في استقبالهم حشد كبير.. علت الزغاريد من النسوه والهتاف من المتحمسين ( بالروح بالدم نفديكي يا فلسطين ) وعلت الابتسامه وجوه الصبيه وكأنهم في زياره لمصنع للحلوى أما الحاج عواد فكان يهز برأسه متمتما ( مسكين عرب ) ( بيطيش على شبر من الميه ) والتف الشباب حول المختار في حلقه وبدأت الدبكه وهم يلوحون بالبنادق على نغم ( لندن مربط خيولنا ) ويا ويلك يلي اتعادينا يا ويلك ويل وبالله اتصبوا هالقهوه وزيدوها هيل .. طلب المختار من وجهاء الحاره حيث كانت تضم أكثر من حموله أو عائله مرافقته الى منزله للبحث والتشاور ووضع الخطط اللازمه لتنفيذ المهام القتاليه .. جلس المختار في صدر الديوان ومن حوله رجالات الحاره والبنادق تم وضعها في المنتصف على طاولة حتى يراها الجميع وبجوارها صندوق الذخيره اليتيم .. قال المختار حتى ايكون في عدل وعلشان الجميع يتحمل المسؤوليه لازم نختار شاب من كل حموله وانسلمه باروده مع فشك وكل واحد بيستلم موقع في مدخل الحاره وعلى مفارق الطرق وأماكن عاليه للرصد والله من وراء القصد … وافق الجميع على هذا الاقتراح وتم تسمية المرشحين وكان نصيب وسط الحاره أن ترشح للمهمه الأستاذ رشدي . لقد تم اختياره لأنه الأكثر تعليما مع العلم أنه لم يحمل أو يستعمل  في حياته قطعة سلاح . وتم استدعاءه مع الآخرين وتم توجيههم من قبل المختار وقال لهم من يدعي المعرفه عليكم فقط أن تسددوا على الهدف وتضغطوا على الديك اي الزناد وتنطلق الرصاصه هذا كل شيء لازم تكون معنوياتكم عاليه وكل واحد يذهب الى موقعه حسب الخطه .. كان موقع الأستاذ رشدي في حاكورة منزله غادر الأستاذ وهو يحمل البندقيه وبجيبه حفنه من الرصاص يمشي متباهيا ومن حوله جمع من الناس يرافقونه الى الموقع وما أن وصل الى المنزل حتى استقبله أهل الدار . وما كان من والدته الا أن أوصته قائلة دير بالك خلي الباروده فارغه من الرصاص لأن الشيطان شاطر علشان ما يطلع منها الرصاص ويصيب أهل الدار والجيران .. قال لها كيف بدك أحارب والباروده فاضيه ..؟ أجابت عبيها لما اتشوف الطياره أو الأعداء . أجابها قائلا أرجوكي لا تتدخلي لأنك لا تعرفين شيئا عن الحرب ( قالها بالفصحى حتى يحسم الأمر ) كان في وسط الحاكوره شجرة توت كبيره طلب الأستاذ رشدي من اخوته ومرافقيه أن يقوموا بحفر خندق تحت الشجره بشكل حرف   L   بالانكليزيه واختارهذا الموقع  للتمويه كي لا تكشفه طائرات الأعداء وكان الخندق بعمق حوالي متلر ونصف . أنزل بداخله كرسي للجلوس ونصب البندقيه فوهتها للأعلى وبجوارها عدد من الرصاصات .و شكر الجميع على جهدهم واختار خمسة منهم  وطلب منهم أن يكونوا طاقم اسعاف يتواجدون بالقرب منه لاخلاء الاصابات ان حصلت . والغريب أنه لم يكن معهم أو تزويدهم بأي من المعدات أو الأدويه أو حتى درايه بأمور الاسعاف . وكان هذا من اجتهاده وشعوره بالمسؤوليه . وكان له أخ يصغره سنا صاح بأخيه قائلا ( وكأنه يصدر أمرا عسكريا ) اسمع يا بدر اطلع على قمة الشجره وراقب الحركه على الأرض والسماء وعندما تشوف أو تسمع شيء أخبرني .. صعد بدر الى أعلا شجرة التوت كان يختبىء بين الأغصان . والغريب العجيب في الموضوع أن بدر هذا كان نظره خفيف ويبصر بعين واحده فقط . وكان يقال له ( الأحول ) ولعله قبل بالمهمه معتمدا على سمعه واطاعه للأوامر أثناء الحرب .. بدر يجلس في حضن الشجره كأنه طائر أسود وام رشدي تزود الفريق بأباريق الشاي وبعض الشطائر . كانت تقف خلف الشباك تراقب الوضع خوفا على أولادها وبعض الصبيه على أسطح المنازل للفرجه والأستاذ رشدي يصيح عليهم ويأمرهم بالنزول كي لا ينكشف أمره .. الساعات تمر وبدر يجول بنظره الى السماء وأذناه تمسحان المكان والمسافات مثل طائرة الأواكس وتأتيه الأوامر من تحت التوته كيف الأخبار .. ؟ دير بالك ويرد مجيبا الوضع جيد ما في حاجه .. هذا كان قبل بدأ المعركة بأيام . أحضر الأستاذ رشدي جهاز الراديو ووضعه بجانبه لأن المعركة قد بدأت ومحطة صوت العرب تذيع المارشات والأناشيد والبيان تلو البيان لقد أسقطنا للعدو 40 طائره وقال بيان آخر لقد دمرنا للعدو 70 دبابه وقال ثالث قوات العدو محاصره وليس لها الا الاستسلام لقد تم تكبيد العدو خسائر فادحه وبدأ الناس عندهم بالرحيل .. هذا ما كان يقوله أحمد سعيد مذيع محطة صوت العرب .. اطمئن الأستاذ رشدي على سير المعركه وزاد من يقظته ليكون مشاركا في صنع الانتصار .. جاءه صوت من الأعلى صوب الباروده ناحية الشرق سامع صوت طيارات زيحها على الشمال يعني ناحية بيت المختار استعد عبي الفشك ألقم الأستاذ بندقيته بالرصاص وجلس مستعدا . جاءه صوت من والدته دير بالك خلي بوز الباروده لفوق .. أجابها منتشيا متخافيش احنا انتصرنا هيك بيقول أحمد سعيد .. واستمرت المعركه وفي اليوم السادس كانت الجولان محتله وكذلك صحراء سيناء والضفه الغربيه وأحمد سعيد يقول ان قواتنا على أبواب تل الربيع والأستاذ رشدي مصدقا لما يسمع معتبرا ما تذيعه المحطات الأخرى حرب نفسيه وطابور خامس مثله مثل الكثير من الناس ..!؟. كان محافظ المدينه ومن معه من مرافقين أول من غادر المدينه لحظة سقوط مدينة أريحا والأغوار.  تاركين المدينه لقدرها وتبعهم عدد كبير من أهل المدينه نازحين الى الضفة الشرقيه بعد أن تسرب اليهم الخبر .. و دخلت القوات المحتله المدينه والناس غير مصدقين لما يجري أهو حقيقة أم خيال أين القاهر والظافر ..؟ قال المختار أكيد في خيانه وقال آخر انه غضب من الله وقال غيرهم انها خطه لاستدراج العدو . جاء صوت ليقطع كل اجتهاد وحيره لقد تم دخول جيش الدفاع الى المدينه على جميع المواطنين التزام البيوت ممنوع التجول بأمر الحاكم العسكري ..!! كل واحد عنده سلاح لازم ايسلمه لمركز المدينه في العماره خلال 3 أيام وكل من لم ينفذ الأمر سيعاقب . سارع المختار بجمع البنادق والذخيره وقام مرافقوه بتحميلهم على حمار قبرصي كبير وأحضروا عصا في أعلاها قطعة قماش بيضاء وغرزوها في مقدمة بردعة الحمار.  سار الحمار يقوده أحدهم والمختار والمرافقين يسيرون من خلفه الحزن يعتصر قلوبهم  وجهتهم الى المركز لتسليم الأسلحه وكان ما أرادوه … وبعدها أضيف الى قاموس اللغه العربيه كلمة جديده أسمها النكسه ….!؟؟.   النهايه

                                 نشرت في جريدة القدس بتاريخ 2009.11.13