مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 29th, 2010

كان زمان . ( 11 )

سبتمبر 29, 2010

    

  ( مبيض نحاس امبيض ) هذا ما كان ينادي به أبو أسعد يحمل على كتفه كيسا من الخيش . يجوب الأزقه والطرقات مناديا . انه يعمل في تبييض ألنحاس . يسعى الى رزقه في جمع الأدوات النحاسيه من المنازل . ومن ثم يقوم بعمل ما يلزم لها في دكانه . وكان لا يخلو بيت من أدوات المطبخ والطعام النحاسيه . أما دكان أبو أسعد فكان يستعمل سابقا ياخور للدواب حوله الى صنعته الجديده بعد أن تعلمها ممن سبقوه .. أما ابنه أسعد وهو لم يتجاوز العاشره من العمر . كان يجلس بجوار الكور مستعملا كلتا يديه لتشغيله كي يشعل النار ويزيد أوارها . أما الأب فكان يضع الآنيه على النار ليحميها ومن ثم يضع القصدير عليها ويفركها ليزيد من لمعانها . أما أواني الطبخ الكبيره من الطناجر فكان يضعها أرضا ويضع بداخلها حفنه من الرمل ويقف بداخلها ويبدأ بفركها بكلتا رجليه في حركة تشبه الرقص وهو يستدير يمينا ويسارا  وابنه أسعد ينظر الى والده باعجاب لعله يريد أن يتعلم أسرار الصنعه كي يخلف أباه بها … نادت ام رشدي على المعلم أبو أسعد . تريد أن تعطيه بعض الأواني لتبييضها .. انها تستعد لعمل احتفال بعد أن تظهر نتيجة امتحان المترك لابنها رشدي . ( وامتحان المترك يعادل التوجيهي هذه الأيام ) . قالت له – دير بالك عليهم .. خليهم يلمعوا مثل الشمس .. ومرحبا بك بالحلوان اذا نجح رشدي .. انها تستعد لهذا الحدث الكبير وكانت قد أحضرت قبل أيام ألمعلم راغب حيث قام بعمل طراشه لبيتها . طالبة منه أن يزيد من رسم الورود وخاصة على مدخل الدار . حيث بدت مشرقه جميله مثل وجه أبو رشدي زوجها الرجل الطيب ألذي عانى وضحي بالكثير من أجل تعليم ابنه رغم ضيق الحال . حتى ألألحفه والمفارش كان لهم نصيب من هذا الاحتفال .. حيث طلبت من ابن الجيران جميل أن يذهب الى دكان المنجد لاحضاره حتى يقوم بتنجيد أغطية النوم تلك … دكان واسع معلق على جدرانه ألحفه منجده ومطرزه .مرسوم عليها لوحات كبيره مليئه بالرسومات والنقوش البديعة ألوانها من عمق الشرق . مكتوب على مدخل المحل ( أبو أحمد سلهب منجد جهازات عرايس ) . كان أبو أحمد يفرش على الأرض لحاف لون ستانه وردي . يطرز عليه بالخيطان ورود وأشكال هندسيه وهو جالس القرفصاء يداه تعملان برشاقة فنان . ووجهه دائما مبتسم .. لا شك أن هذا لحاف عروس . وأجره سيكون مضاعفا . لقد كان جميل واقفا عند مدخل المحل يتأمل ويراقب باعجاب . لقد جعل أبو أحمد من اللحاف روضه مليئه بالأزهار . وكان آخر في الداخل يضرب القطن بعصا وقوس مشدود بحبل يضرب على الحبل فتتناثر كتل القطن كأنها الثلج . دخل جميل وطلب من المعلم القدوم الى بيت أبو رشدي لعمل التنجيد . أعطاه العنوان وغادر المحل .. انه المعلم سلهب أشهر منجد في المدينه … كان حديث الناس في الحاره ذاك اليوم حول نتيجة المترك . والكل يتمنى نجاح رشدي .. حتى أبو طافش زبال الحاره كان نشيطا أيضا . يجوب الأزقه لكنس القمامه ويضعها داخل خرج كبير من الخيش يحمله حماره العجوز .. صاح عندما وصل الى دار أبو رشدي – تنسوناش من الحلوان  . أجابت ام رشدي – يعطيك العافيه .. مرحبا بك حلوان الك وللحمار كمان …! تبسم ونهر حماره – خلينا انخلص بدري اليوم .. وضحك من كان موجودا حينها … ألأعصاب مشدوده بانتظار نتائج الامتحانات وام رشدي قلقه . ومن حولها الجيران والأقارب . أليوم ستظهر نتائج امتحان المترك . وابنها الكبير رشدي ينتظر وصول الجرائد التي تحمل أسماء الناجحين . لأنها كانت الوسيله الوحيده لمعرفة النتائج . أسرع من معرفتها من مديرية التربيه ..! أقبل من البعيد راكضا وهو يحمل جريده ويصيح بأعلى صوته – لقد نجحت .. لقد نجحت . كانت أمه والموجودين يقفون خلف جدار الحاكوره ينظرون اليه .. وعلت الزغاريد .. والنسوه يهنئون ام رشدي بنجاح ابنها . ولهذا الفرح أسبابه . حيث أن رشدي كان أول شخص يحصل على شهادة المترك في العائله بل وفي الحاموله .. وهذا يعني أنه سيعين أستاذ .. ( وكان ذلك . وأصبح الأستاذ رشدي رمزا للعلم والمعرفه بين شباب الحاره والمجتمع ) . استمر الاحتفال بهذه المناسبة ثلاثة أيام مع توزيع الحلوى على المهنئين .. أما الحلوى فكانت زلابيه – وهي عباره عن فطائر تقلى بالزيت وتغمر بالقطر أو يرش عليها السكر . كان نصيب جميل قرص تذكر حين بدأ بأكله درس اللغة العربيه الذي يقول – هل أكلت كرابيج حلب …؟ – كلا لم أذقها لكن معلمي أكل منها وقال أنها طيبه ..! حقا كانت الزلابيه طيبه وتمنى أن تكثر المناسبات السعيده حتى يكون هنالك مزيدا منها . أما ام رشدي فأصبح الجيران ينادونها بام الأستاذ …. عاد الناس بعد الاحتفال الى أراضيهم . لأن موسم الحصاد كان قد بدأ .. وأكوام الغلال على البيادر من قمح وشعير وعدس .. هذا يذري المحصول لتحمل الرياح التبن الى البعيد وتنزل حبات القمح كأنها الذهب .. وآخر يضرب بحزم العدس ويتناثر الحب كأنه شامات على خد عروس حسناء والأغاني والأهازيج الشعبه تنثر في الجو عبق التاريخ . والحمير تدور مع النوارج على الجرون لتطحن القش وتفصل الحب عنه .. الأكياس معبأه بالغلال من خير هذه الأرض الطيبه . ومن لم يزرع الحب وأرضه مزروعة بالزيتون ينتظر حتى موعد قطاف الزيتون ليأخذ منه حاجته من الرصيص وما تبقى يؤخذ الى المعصره . والمعصره تدور ليكون هنالك زيت ولتمتلىء الجرار ولتكون المقايضه بين الجيران . ألعجل يدور ليعصر الزيت وعجل الحياة والأيام يدور .. كان الناس يحبون الأرض . فأطعمتهم وكانت كريمة معهم لأنهم عرفوا قيمتها . هذا لأنهم رووها بعرقهم وأحبوها وتعطروا برائحة ترابها الحبيب . كان زمان …..الى اللقاء في الحلقه القادمه ..

                                     نشرت في جريدة القدس بتاريخ 6.11.2009