مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 27th, 2010

كان زمان . ( 10 )

سبتمبر 27, 2010

       

  جميل يحمل صحن به رشتايه متوجها الى دار المدعو صبح . تناولت زوجته ام عبد منه الصحن شاكرة . كان هم جميل ورغبته الملحه أن ينظر الى داخل الغرفه .. لقد سمع أنه يوجد في بيت صبح راديو . وكانت أمنيته أن يرى الراديو - قيل أن صبح أول من أدخل الراديو الى الحاره . وكان يعمل على بطارية سيارة كبيره . حيث لم تكن الكهرباء قد وصلت الى المنازل .. كانت الغرفه مفروشه ببسط من الصوف . ومفروش على دايرها جنابي بقماش مقلم . والمساند من القش تلتف حول الغرفه مع الجنابي وفي الوسط كانون نار من الفخار تعلوه دلة قهوه . وفي صدرالغرفه طاوله خشبيه مجلله بقماش مطرز يعلوها راديو كبير الحجم كان قد اشتراه قبل عدة سنوات . والراديو مجلل أيضا بقماش مخرم . بدت الغرفه وكأنها مضافه لشيخ عرب . أو هكذا أرادها المدعو صبح أبو العبد .. جميل ينظر بفضول يقولون أن الراديو يتكلم .. تمنى تلك اللحظه أن يسمع صوته . كانت دار صبح مكان لقاء وسهرات رجال الحاره . يتوافدون اليها لسماع الراديو . وكل العيون مصوبه نحوه باعجاب وترقب . ومنهم من قال – الدنيا آخر وقت .. صار الحديد يتكلم ..! الله يسترنا من اللي جاي .. وقال آخر – يا جماعه صار الحديد يمشي والعجل بيدور .. ما باقي غير الحجر يحكي وهادي علامة آخر الزمان .! وقال ثالث – الحديد بيحكي وبيمشي وبيطير كمان .. والقيامه رايحه تقوم … هذا ما سمعه جميل حينما تسلل ليلا ليقف بجوار الشباك لغرفة صبح حتى يستمع الى الراديو ويحقق حلمه . وكان له ما أراد . عاد الى منزله وفي نيته أن يخبر أصدقاءه بما سمع ورأى . قال أحد رفاقه – أنا رأيت في قهوة بدران راديو كبير وكان بيتكلم .. أكبر من الراديو اللي بتحكي عنه . علشان والدي بيقعد عالقهوه . واتفق الجميع أن يذهبوا لمقهى بدران والنظر لذلك الراديو .. مقهى بدران موجود في حارة القزازين . أول مقهى كان بالمدينه . يجتمع فيه رجالاتها لسماع الحكواتي . وبعد ذلك حل الراديو مكانه . والمقهى مكان لقاء العمال نهارا . ويكون أحيانا للاجتماعات والمناسبات .. أمامه ساحة واسعه تتوسطها شجرة كبيره وارفة الظلال . يقولون أن النادل الذي يعمل بالمقهى أشطر ( أفضل ) من يجهز شيشة التمباك العجمي . كان الدخان من الشيشه والدخان العربي المتصاعد من الغلايين والسجائر يشق طريقه خروجا عبر باب المقهى الصغير . والناظر للداخل يخال ان ما يراه ضباب . وعيون تلمع ربما من حرقة الدخان ..! صاح من يحمل جره على صدره – عمي يا سيد .. حلي سنونك ..  من جبل الشيخ يا براد .. بيروي العطشان وبيشفي العيان … خروب عسل .. هذه العبارات يرددها بشكل منغم بائع الخروب يحمل ابريق كبير من الفخار على صدره . على بابه الواسع ليفه تلتف حول قطعه من الثلج مزين بأشرطه وبعض الخرز يحمل بيديه صحنان من النحاس يضربهما ببعض بيده ليكون الايقاع والنغم الجميل مع نداءه المتواصل … ترعرع راجي في كنف والديه . وكان كلما أراد والده أن يجري له عملية الختان ( الطهور ) تعترض والدته بحجة أنه صغير . الى أن أكمل عامه الثالث . وبعد موافقة والدته توجه أبو راجي الى دكان مطهر الأولاد . وكان يعمل أيضا حلاق ويداوي ويخلع الأسنان . ويعطي الوصفات الطبيه وكأنه مستوصف متنقل . رأى جميل وهو عائد الى البيت جارهم أبو راجي يسير مع المطهر وهو يحمل شنطته الجلديه مكتوب عليها ( أبو فروه مطهر أولاد قانوني ) . أما ام راجي فقد استعدت للمناسبه حيث أبلغت الجيران والأقارب فتوافدوا الى منزل أبو راجي للمشاركه في هذه المناسبه السعيده . وفي وسط الغرفه أعدت ام راجي للمطهر المكان حيث جلس على جاعد من صوف الخراف وأمامه راجي الصغير ألبسته أمه جلابيه جديده وأحدهم يمسك بيدي الصغير لمنعه من الحركه وآخر يمسك بساقيه . أخرج أبو فروه عدته وبعد بسم الله أتم عملية الختان . ومن حضر من الصبيه ينظرون للحدث بدهشة وشفقه .. حمد جميل ربه أنه ختن في يومه السابع كما أبلغوه حين كبر . أما النسوه فكان غناؤهم يعلوا مع زغاريد والدة راجي -( طهره يا مطهر وأعطيه لأمه – طهره يا مطهر وأعطيه لأبوه) .. وما كان من ام راجي الا أن وضعت ما قصه الحلاق اي المطهر في حبة قطين وبلعتها . وهذا في اعتقادها فأل حسن كي ترزق بأخ لابنها راجي ( وكان أن رزقها الله في العام التالي بتوأم لكن من الاناث ..) أوصى المطهر ام راجي بما يلزم على أن يعاود زيارته بعد يومين . وتناول صحن من المهلبيه مع أجرته كما الآخرين وغادرهم الى مكان عمله .. كان الاحتفال للنسوه نهارا . وفي المساء بدأت وفود الرجال بالوصول الى منزل أبو راجي للمباركه ومشاركته فرحته وكان مستعدا لاستقبالهم والترحيب بهم . وكان بين من حضروا أبو شحده . رجل في العقد الخامس من عمره . صغير الجسم حنطي البشره . جلس بزاوية الغرفه وبجواره عصاه الذي صنعها بنفسه من غصن بلوط . عيونه صغيره ووجهه يلمع كالعاده لأنه مدهون بزيت السيرج . وهذه عادته ولا أدري سببا لذلك . يدور الحديث بين الحضور بشتى المواضيع . وأبو شحده يبقى صامتا وجهه لا يتحرك مثل أبا الهول .. بعيونه الصغيره ينظر للاشيء كأنه يبحث عن كلمة ضائعة في قاموس ذاكرته المميزه .. هو يعلم أنه سيكون مسك الختام .. وعندما يتحدث يصمت الجميع .. ! ان أبا شحده ظاهره قل مثيل لها .. كان قد حفظ في صباه حكايات بني هلال وعنتره وسيف بن ذي يزن من الحكواتي أو الراوي مع أنه لا يعرف القراءه أو الكتابه . كان يعيد سرد تلك الحكايات دون زيادة أو نقصان ولو بحرف واحد ..! والأغرب من ذلك أنه لا يستطيع الحديث أو سرد تلك الحكايات الا وبيده ورقه . أية ورقه حتى وان كانت بيضاء أو أي لون . مكتوب عليها أو دون كتابه . كان يمسك الورقه بيده وينظر اليها ويروي الحكايه مع طولها بأسلوبه المشوق من سرد وشعر . كانت هذه الحكايات عالمه يتفنن فيها ويمتع المستمعين وكثيرا ما كان الانفعال مرسوما على وجوههم من المبالغه كما هو الحال في الأساطير أو الحكايات الشعبيه القديمه .. روى أبو شحده ليلتها حكاية أبو زيد والزير سالم . وأنهى حديثه بكلمة تصبحون على خير وطوى الورقه ووضعها في جيبه وهذه علامة النهايه .. غادر الجميع تلك السهره الى بيوتهم وكل منهم مسرور بما تحدث وما سمع .. لأنه في ذاك الزمان لم يكن هناك وسائل تسليه غير هذا . وكان لكل مجتمع عالمه الخاص ورموزه وحكاياته ومفهومه للأشياء كما يشاء . وأبو شحده هذا كان درة التاج في جلسات أهل الحي لطيبته وحسن معشره …                    الى اللقاء في الحلقه القادمه                 

                             نشرت في جريدة القدس بتاريخ 30-10-2009