مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 26th, 2010

كان زمان . ( 9 )

سبتمبر 26, 2010

   

  – كلها يومين تلاته وابنرجع – مش ممكن اخوانا العرب يخلونا بهل الحال – هذا ما قاله من هاجروا وهجروا من ديارهم عام 48 . وكان من بينهم الحاجه حلوه - أتت الى الحاره تحمل حفيدها الصغير غنام . وسكنت في غرفة صغيره . وربطتها بالحاجه سعديه صداقه كما نساء الحاره جميعا . كانت تحدث النسوه عن بلدتها وعن بيارات البرتقال وذكريات أيامها وفي عيناها دموع الألم والشعور بالغربه . هي لم تكن تعلم أين أهلها .. وما صنع الزمان بهم . ربما وجدت بعض العزاء بمن هم حولها من أهل الحاره يواسونها ويعينونها على غدر الأيام . الحاجه حلوه احتجبت في غرفتها لعدة أيام . وهذه ليست بعادتها حيث كانت مثل الملح في الزاد تشارك النسوه جلساتهن وكن يتندرن عليها مازحات – بدنا انشوف الك عريس وانجوزك – فتضحك ويضحكن . أرسلت الحاجه سعديه جميل الى غرفتها لاستطلاع سبب غيابها وكانت المفاجئه – الحاجه حلوه مستلقيه في الفراش وبجوارها حفيدها يئن بصوت خافت . عاد جميل مسرعا الى والدته ليخبرها بما رآه . أسرعت الحاجه سعديه بعد أن جمعت بعض النسوه وذهبن لزيارتها - كانت الحاجه حلوه مستلقيه على فراش وجهها شاحب وعيناها جاحظتان وبجوارها غنام الصغير وكأنه جثة هامده . كان فمها قد انحرف الى ناحية من وجهها قالت احداهن – بسم الله الحاجه حلوه لمسها الجن – أما الحاجه حلوه كانت عيناها تنظران الى الجميع وهي غير قادره على الكلام غير صوت متهدج وغير مفهوم قالت أخرى – لازم ناخدها الى الشيخه أم سليم الفتاحه علشان تخرج منها الجن- دستور يا رب يجعل كلامنا عليهم خفيف – وكان لفتاه شابه رأي آخر حيث قالت – الأحسن ناخدها على (الكرنتينا ) وهو مستوصف في المدينه  وبيشوفها الدكتور – أجابتها احداهن – هاذي مشكلتها ما بينفع فيها الدكتور يعني علشان انتي قاريه في المدرسه عايزه اتفهمينا واتقولي انها الحكمه أحسن … لا يا ستي المثل بيقول – أكبر منك بيوم أفهم منك بسنه . ( ولحتى الآن من يعتقدون بهذا المثل . وليس للعلم عندهم أي قيمه ) . حمار عبد البكاكا يحمل الحاجه حلوه والنسوه يسرن في خلفها وجهتهم بيت الفتاحه أم سليم … كن يتمتمن بالأدعيه والاستعاذه بالله من الجن والشياطين وأن يجعل للحاجه حلوه من هذه المشكلة مخرجا .. – ام سليم تجلس في صدر الغرفه وأمامها كانون به نار . وشباك الغرفة الصغير مجلل بقطعة قماش لمقاومة الضوء وأشعة الشمس كي لا تتسلل لداخل الغرفه . والحاجه حلوه ممدده في وسط الغرفه والنسوه جلسن يحطن بها وعيونهن تراقب ام سليم والخوف أخذ منهن كل مأخذ . حفنة بخور وضعتها أم سليم فوق النار فأخذ الدخان  يتصاعد مما زاد في رهبة النسوه وهذا يفي في الغرض . وأخذت تنظر الى وجه المريضه لقراءة ملامحه وهي تهز برأسها ويداها ترتجفان . نثرت حفنه بخور أخرى وصاحت – دستور يا أسيادي .. يا لطيف يا لطيف ويجعل البلا عليها خفيف .. الحجه لابسها جني .. لكن الحمد لله الجني مؤمن . وانشاء الله سأقوم باخراجه … لكن هذا يحتاج الى ديك أحمر سمين ورطل زيت زيتون بكر . ووقية بخور جاوي من العطار … هذي الأغراض علشان ارضاء الجن حتى ما يؤذوها ..! جمعت النسوه النقود كل حسب امكاناتها وأحضرن الى أم سليم ما طلبت وقالت – الحجه لازم اتنام عندي الليله لزوم الشغل . وقامت بعمل المساجات لوجهها وبصفعها محاولة تعديل فمها لكن دون جدوى حتى أصبح وجهها متورما من شدة الضرب . وبعد يومين حملنها النسوه الى بيتها وهي فاقدة الوعي وكان عذر الفتاحه أن جني آخر من الكفار قد دخل جسدها بعد أن أخرجت الجني المؤمن منها وطبعا صدقنها النسوه .. وبعد حوالي أسبوع توفيت الحاجه حلوه وعم الحزن جميع من بالحاره على فقدها . أما حفيدها الصغير غنام فلقد تعهدت به احدى الأسر وربته بين أبنائها كأنه واحد منهم . وكانوا كلما يفتقدوه يجدوه جالسا الى قبر جدته وكأنه يواسيها أو لتواسيه في غربتهم … وكبر غنام وتعلم بالكتاب والمدارس وأنهى تعليمه وتزوج من الحاره وسكن فيها كواحد من أهلها في هذه الأسرة الكبيره المتحابه . لأنه لم يكن يعلم أين أو مصير أهله الحقيقيين فكانوا هم الأهل وكان هو الابن البار والمثل في الأخلاق لمن حوله … في ساحة مكشوفه بين الغرف تسمى – الحضير – كانت الحاجه ام عطيه تعمل المفتول . وهو يصنع من دقيق القمح وبعض السميد . تجلس وأمامها جاط كبير مقعر يسمى ( ألباطيه ) تداعب بأناملها حبات المفتول وكأنها تنسج عباءه من حرير . وبالجوار قدر على نار الحطب لتبخير المفتول الجاهز . وبعض النسوه يقمن بهز المحصول بواسطة غربال وأخريات يقمن بفرده على شرشف من القماش لكي يجف … أما الحاجه سعديه وأخرى كانتا يقمن بفتل الشعيريه بواسطة برم او فتل العجين بالاصابع لتخرج حبه صغيره مثل حبة الشعير تنزل على غربال أو منخل . وعندما يمتلىء الغربال يعرض لأشعة الشمس حتى تجف الشعيريه كانت تحضرها لموسم الشتاء . وتطبخ مع البندوره أو مثل الأرز المفلفل ويوضع عليها السكر .. قالت احداهن ألله يرحمك يا حجه حلوه . بكره بيصير الها 40 يوم متوفيه . وفي صباح اليوم التالي قامت الحاجه سعديه بتحضير العجين والعدس لتطبخ بهم – عدس برقاق – وتسمى أيضا  ( رشتايه ) لتوزعه على الجيران بمناسبة أربعين الحاجه حلوه صدقه لروحها الطاهره … الحاجه سعديه تغرف من القدر الكبير لتضع في الصحون . وفوق كل صحن تنثر القليل من البصل وكذلك رشه من السماق . أما جميل فكان دوره توزيع الصحون على البيوت بعد أن أوصته أمه أن لا يأخذ شيئا من الجيران كأجر أو اكراميه له كي يكون الثواب أكبر لها وللحاجه حلوه جارتها الحبيبه . قبل جميل هذه الوصيه ولكنه لم يقدر أن يقاوم اغراء تعريفه كانت تلمع أعطته اياها احداهن … أخذها بعد تردد وأخفاها في جيبه على عجل بعد أن نظر الى السماء ومن حوله وتأكد من عدم وجود عصافير كي لا تخبر أمه …             الى اللقاء في الحلقه القادمه

                                                              نشرت في جريدة القدس بتاريخ  4-10-2009