مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 24th, 2010

كان زمان . ( 8 )

سبتمبر 24, 2010

 

(الحلقه الثامنه)

         انقضى العيد وهاهم كبار السن من الرجال يجلسون في مكان لقائهم عصر كل يوم ويسمى هذا المكان (ألمقعد) وهو موجود بجوار سور المقبره عند مدخل الحاره يجتمعون فيه كل يوم يتسامرون ويلعبون السيجه وتسمى أيضا البياته . يصنعون مربعاتها في التراب بشكل حفر صغيره . أحدهم يلعب بالحصى الصغيره ومن يشاركه اللعب يلعب بقطع زجاج صغيره أو أي شيء آخر غير الحصى وذلك للتمييز بين اللاعبين . وكان الحضور ينقسمون الى فريقين كل فريق يشجع لاعب . كنا نسمع صياحهم وضحكاتهم وتعليقاتهم من حين لآخر وكان حديثهم في ذلك اليوم عن الحج لبيت الله الحرام من منهم ذهب للحج ومن لم يذهب ومن يستعد للذهاب من أهل الحاره . لأن موسم الحج قد أقبل ومن أدى الفريضه يسرد ذكرياته عن تلك المناسبه متمنيا العوده مرة ثانيه . ويستمر بهم الحال الى ما قبل صلاة المغرب حيث يتفرقون ويذهب كل واحد منهم الى منزله يستعينون بعصيهم بالمسير . عباءاتهم تكسوا أجسادهم المنحنيه وقنابيزهم تلف أجسادهم الذي طحنها الزمن وطرابيشهم على رؤوسهم مستودع لحفظ حاجياتهم الثمينه من أوراق رسميه ونقود . وكل واحد منهم يدعو الله أن يرى صباح يوم آخر . كان لهم كل الاحترام والتقدير حتى أن النسوه والأولاد كانوا يخشون المرور من أمامهم خوفا واحتراما . وكانوا يسيرون عبر طريق أخرى فرعيه مع طولها وذلك تجنبا لهم مع أن النسوه كانوا يضعون خمارا من طبقتين على وجوههن ويلبسن ( الكاب ) وهو رداء أسود طويل مع غطاء أسود اضافي على الرأس ينزل حتى أسفل الظهر والصدر. ويكون عريض حتى لا تظهر تفاصيل الجسم . وكبار السن من النسوه يلبسن ( الدراعه ) وهي دشداشه عريضه من الستان الأزرق الغامق ويضعن على رؤوسهن ( الشاشيه ) وهي غطاء للرأس والوجه من الشاش الأبيض .ويغطين وجوههن به مطبوع عليه رسوم نباتيه باللون الأسود كي تخفي معالم الوجه وتفاصيله وفوقها يضعن على رؤوسهن ( المنشفه ) وهي تغطي الرأس وتلف الجسد تشبه عباءة الرجل ولكن من قماش أبيض . وعندما تضطر أحداهن للنظر الى شيء ما تكشف عن عين واحده للرؤيا حرصا منها على الستر وربما من الحياء … الحاره في حركة دائمه وفود الرجال تزور من سيتوجهون لأداء فريضة الحج . والنسوه كذلك يودعن قريباتهن ومن كان ينوي الحج يلبس الزي الأبيض متمنين للحجيج العوده بالسلامه . أما النسوه فلهن طريقتهن الخاصه حيث تبدأ جلساتهن بعد السلام بالمديح . عيونهن فيها مزيج من الفرح والألم لأن الحاج كان يمضي أكثر من شهرين بين ذهاب وحج واياب ومن المدائح ( حجنا طاح البحر بايده كيله – يارب تعيده سالم لهل عيله – وخدوا معكوا دقه لو نويتوا السفر ) وغير ذلك الكثير والجميع يوصي الحجاج بتبليغ السلام للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام . وبعد عدة أيام حضرت الى الحاره سيارة شحن كبيره تم تركيب كراسي في صندوقها ووضع غطاء من الخشب عليها . كانت للحجاج زفه من بيوتهم الى تلك الحافله الواقفه في منتصف الحاره كانوا يلبسون الملابس البيضاء وبأيديهم المظله لوقايتهم من أشعة الشمس و يتمنطقون بأحزمه من الجلد كي يحفظوا بها أوراقهم ونقودهم . تم توديعهم بالدعاء والدموع والكل يمني النفس بتلقي هديه حال عودتهم بالسلامه ولو حتى شربة من ماء زمزم . وانطلقت الشاحنه تحمل الحجيج وعلى ظهرها متاعهم والأيدي تلوح لهم  الى أن غابت عن الأنظار … ألحاج عوده رجل يحبه جميع من بالحاره لدماثة خلقه وطيبته يسكن في غرفة من الطراز القديم تتوسط حاكوره صغيره فيها بعض الأشجار في طرفها شجرة بيلسان . كانت مقصد الجميع للحصول على زهرها الأبيض الجميل كي يشرب منه بعد غليه لمن يسعل أو يشعر بضيق في التنفس . ولكي يوسع على عائلته بالسكن بنى غرفه بجوار مسكنه القديم وحضر المونه المطلوبه لعمل سقف الغرفه ( العقد )كان ذاك يوم الجمعه حيث اجتمع اليه رجال الحاره وشبابها لعمل السقف وكان هذا يسمى ( العونه ) أي أن الجميع يساعدون الفرد في السراء والضراء . أبو علي جعل من نفسه كبير البنائين كان يقوم بمد الخلطه والتأكد من أنها مستويه مع ميلان خفيف ناحية المزراب الموصل الى البئر. ألشباب كخلية نحل يعملون الخلطه وآخرون يحملونها ويصعدون السلم الى السطح ليكون في انتظارها أبو علي ومن يساعده . أما عبد البكاكا فكانت مهمته احضار الماء من بركة السلطان محملا على حماره لاستعمال البناء لأن بئر الحاج عوده كان فيه القليل من الماء لاستعمال الشرب والطبخ له ولبعض جيرانه ممن لم يكن عندهم آبار… ما أجمل ذاك المشهد حيث تكون روح الجماعه وعملهم على قلب رجل واحد وما أن انتهى الجميع من العمل كان الحاج عوده قد حضر لهم غذاء تناولوه مع توزيع حلوى راحة الحلقوم عليهم وودعوه مع المباركة له وشكر الجميع لهذه العونه داعيا لهم بالتوفيق وأن يرد جهدهم له بالمسرات …  طائرات الورق تزين السماء بألوانها الزاهيه الجميله وطائرة جميل كانت واحده منهم وفجأه أقبلت سيارة شحن تتهادى من شارع الكراج نزولا الى السهله تتجه جنوب المدينه . رآها الصبيه وعرفوا ماذا تريد سارعوا بلف خيطان طائراتهم لسحبها واللحاق بالسياره حيث رآهم السائق وتوقف عن المسير طالبا منهم الصعود الى صندوق السياره وتابع المسير . كانت وجهته الفاخوره – مكان صنع الفخار – ويريد الصبيه لتحميل السياره . وكان الفخار في حينه سلعة رائجه لعدم وجود البلاستك والألمنيوم . الأولاد يتسابقون في تحميل السياره وصاحب الفاخوره ينبههم ويطلب منهم الحذر كي لا ينكسر الفخار. وبعد جهد متواصل امتلأت السياره بالأباريق والجرار والصحون ومستوعبات الزراعه وغير ذلك ووقف الأولاد في صف أمام صاحب الفاخوره لتقاضي أجرهم وكان نصيب كل واحد منهم قرش وأبريق أما الأباريق فكانت مكسوره بشكل بسيط اما من الباب أو فتحة شرب الماء ( البعبوز ) لكنها صالحه للاستعمال . حمل جميل الأبريق والقرش في جيبه لقد تبدد فرحه بأن تمزقت طائرته الورقيه . تحسس القرش في جيبه قائلا – لا بأس سأعمل غيرها ولكن يجب الحصول على – البوص – أولا وستكون أجمل من السابقه وأكبر . ونام ليلته وهو يتخيل شكل الطائره وألوانها  كما تمنى أن يبقى الناس على حالهم وغير قادرين على شراء أدوات الطعام القاشاني وكان يسمى ( الصيني ) نسبة للصين لأن هذه الأشياء كانت موجوده فقط في بيوت الأغنياء لاستعمال الأكل والزينه كي لا يفقد رزقه ويعمل مرات أخرى في الفاخوره …..

نشرت في جريدة القدس بتاريخ 7-9-2009