مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 23rd, 2010

كان زمان . ( 7 )

سبتمبر 23, 2010

(الحلقه السابعه)

استعد التجار لقدوم شهر رمضان المبارك . محلاتهم تعرض المواد التموينيه من قمر الدين والجوز واللوز والنشاء وغيرها الكثير. ومحلات الخضار مع البسطات تزدان بألوان الخضار والفواكه . صوت الباعه ينادون على بضائعهم وباعة السوس والخروب يملؤون الاباريق الفخاريه بشرابهم اللذيذ . وباعة القطايف والحلويات الشعبيه  ينتظرون هذا الشهر الكريم بفارغ الصبر حيث أنه موسم جيد لعملهم . والرجال يملؤون الاسواق عصرا يتسوقون كل حسب امكاناته . وجميل طلب من والدته أن تخيط  له كيسا صغيرا مع دكه بداخلها خيط ليعلقه في رقبته وهذا الكيس يستعمل لوضع الحلوى نهارا استعدادا للمدفع أي أذان المغرب والافطار ليتم أكلها فيما بعد . وهكذا كان الحال بالنسبه للأولاد الاخرين كل له كيس وكل واحد يتباهى بمحتويات كيسه  وهم مجتمعون قبل الأذان بدقائق وعيونهم مصوبه نحو جبل الرميده المطل على المدينه حيث كان يوجد مدفع رمضان . وما أن يخرج الصوت والدخان حتى يركض الصبيه الى بيوتهم منشدين – افطروا يا صايمين والفرحة تغمرهم  . أما الحاج عواد المسحراتي فكان يجوب الشوارع والأزقه والقناطر قبل أذان الفجر يحمل على جنبه تنكه ربطها بحبل وبعصا يضرب التنكه بأيقاع جميل منشدا -  يا نايم وحد الدايم وحدوا الله قوموا اتسحروا – يا نايم وحد الدايم . وصوت الطرق على التنكه مع الايقاع يتحدان مع صوته الجميل لتقوم النسوه باعداد السحور بما تيسر من موجودات البيت . أما الحرم الابراهيمي الشريف فكان كعادته يكون مكتظا بالمصلين وخاصة في هذا الشهر الفضيل والحرم مبني فوق المغارة التي تحوي جثامين نبي الله أبراهيم وأبناؤه وزوجاتهم عليهم السلام جميعا . رائحة البخور تنبعث من الغار الشريف الموصل   لتلك المغاره والشيخ شفيق يرتل القرآن بصوته العذب ورأسه في حركة مستمره يسارا ويمينا كأنه بندول الساعه.  كان يحس بمن حوله وكأنه يراهم ببصيرته فيحلق في التلاوة وكأنه محمول على أجنحة الملائكة . والخشوع يملىء القلوب والعقول بالايمان كيف ولا وهم في ضيافة خليل الرحمن عليه السلام .. لأن الحارة مكتظه وبيوتها متلاصقه كانت روائح الطبخ تعبق الأزقه وخاصة في شهر رمضان المبارك ويكون ذلك بعد العصر ومن العادات التي كانت موجوده في تلك الايام أن ترسل كل واحده الى جاراتها صحن طبيخ لأن أطفالها قد اشتموا الرائحه وبهذا يتبادلون صحون الطعام وتكون النتيجه أن يكون على الموائد أكثر من صنف والكل يحمد الله . أما صلة الرحم فهي حكاية أخرى كانت متجذره في النفوس وليس بها مرائاة أو للدعاة في أغلب الأحيان مثل هذه الأيام يبحثون عن الأغنياء والواصلين تقربا لهم وينسون من هم بحاجة الى العطف والرعاية حتى من الأقارب والمقربين . الوقت بعد الأفطار والصبية أخذوا يتوافدون على الحارة وجميل يقود مجموعة كبيره منهم والمهمه هذه الليله مثل سابقاتها حيث يقوم الصبيه – بالحواية – وهي أن يتوجه الجمع الى منزل من عندهم أولاد صغار ويقوموا بالمديح طالبين الحلوى والبقشيش ومن أناشيدهم – لولا فلان ما جينا – حلوا الكيس وأعطونا – أعطونا حلوانا – صحتين بقلاوة – جايه علنا جايه – جابت العصايه وجابت التحلايه – الله أيخليه لأمه – ويرد الجميع آمين – الله يخليه لأبوه – آمين الى آخر مسميات العائلة الى أن تطل عليهم ربة البيت أو رجلها لأعطائهم ما تيسر من الحلويات أو الموالح ليوضع في كيس يحمله كبيرهم وفي آخر الجولة بعد أن يزوروا العديد من المنازل يقوم من يحمل الكيس بتوزيع حصيلة ما جمعوه تلك الليلة على الجميع  وبالتساوي . وهذه العاده موجوده أيضا في دول الخليج وتسمى (القرقيعان ) وفي الأيام الأخيره من الشهر الفضيل يقوم المؤذنون بالمديح من على المآذن يودعون الشهر آملين أن يعود على الجميع في راحة بال وهناء .. النسوه يقمن بتحضير الحلويات للعيد وصندل جميل مهترىء لا ينفع فيه التصليح لأنه قام بذلك أكثر من مره وبعد الحاح وافقت والدته  أن تشتري له صندلا جديدا كي ينتعله يوم العيد . كانت والدته تصنع لعبة صغيرة من القماش لتعطيها لشقيقته الصغرى صبيحة يوم العيد وبعد أن أتمتها وعملت لها فستلنا صغيرا ووضعت لها الأعين والفم بالخيطان أخذت جميل معها الى السوق . سارا سويا الى أن وصلا الى خزق الفار وهو قنطره معقوده يتفرع منها شارعان – حارة القزازين وسوق الخواجات – ومن معالم سوق الخواجات معصره للسمسم تصنع السيرج والحلاوه والطحينه والكسبه وآخر السوق يتفرع الى سوق اللبن وسوق العطارين وسوق الاسكافيه وهذا السوق هو المقصود . هو عباره عن شارع ضيق على جنباته دكاكين صغيره مبني من زمان المماليك وكل دكان يجلس به صاحبه ومن يعمل عنده يصنعون الأحذيه الجلديه والصنادل وكان نعلها يؤخذ من عجلات السيارات المستعمله ويكون وزنه ثقيلا لكن سعره في متناول الناس وكان من يقتني صندلا جديدا بلونه الأحمر أو الأسود يكون موضع أعجاب وربما الغيرة من الصبيه الآخرين . حمل جميل الصندل فرحا وعاد الى البيت وهو يحلم بيوم العيد لينتعله مع الملابس التي اشترتها له والدته من سوق الباله ( العتق ) أي الملابس المستعمله . كان يشعر أنه أسعد مخلوق في العالم .. غدا سيكون عيد الفطر السعيد هكذا قال المؤذن من على المأذنه . هرع الصبيه الى الحاره فرحين وأخذوا يطوفون الأزقه منشدين – بكره العيد أو بنعيد – نذبح بقرة السيد – والسيد الما  عنده بقرة – بنذبح بنته هالشقره .. !! كان الطقس جميلا صبيحة يوم العيد الرجال يتوافدون الى الحرم الأبراهيمي الشريف يسبحون ويكبرون في طريقهم لأداء صلاة العيد والصبيه لبسوا أجمل ما عندهم ينتظرون نصيبهم من العيديه نصف قرش ومن يدفع القرش فهذا عطاء جزيل . وبعد انتهاء الصلاة يتوافد الجميع الى المقبرة لزيارة موتاهم وقراءة الفاتحه على أرواحهم وتوزع الحلويات صدقه للموتى وخاصة من توفي منهم حديثا وبجوار المقبرة نصب ابو موسى مرجوحته الخشبيه استعدادا للعيد وكانت تحتوي على اربعة صناديق وكل صندوق به مقاعد تتسع لأربعة أولاد .  أخذ عرقه يتصبب وهو يقوم بسحب الصناديق كي تدور المرجوحه وهو يصيح بالدور يا أولاد الكل ابيركب وشنطه من الجلد مربوطه بوسطه يجمع فيها  ما يدفعه الصبيه من نقود . خمس دقائق أو أقل ينزل الصبيه ليركب غيرهم والمكان ملىء بالباعة هذا يصيح – ترمس زاكي – وآخر هريسه بالسمن – وبليله سخنه – وبوظة الأسكمو – يحملها الباعة بصناديق خشبيه وغير ذلك أشياء كثيره  . اكتفى جميل بأن يركب مرتين على المرجوحه وتوجه هو وبعض أصدقائه الى شارع باب الزاويه كي يستأجر عجله بقرش لمدة ربع ساعه وكان له ذلك . وطاف بالعجله أرجاء المدينه مستعرضا مهارته . نسي الوقت  ومضى أكثر من ساعتين ولم يكن يحمل نقودا . نزل عن البسكليت قبل وصوله للمحل بمسافه ووجه الدراجه اليه ودفعها وولى هاربا وصاحب المحل يلحق به دون أن يحصله . التعب أخذ منه مأخذا وعندما وصل أطراف حارته نسي التعب لأنه تذكر طعام العيد . أنها المقلوبه لقد أنتظرها طويلا وأخيرا تحقق حلمه ….

الى اللقاء في الحلقه القادمه

نشرت بجريدة القدس بتاريخ  9.8.2009