مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 12th, 2010

كان زمان . ( 6 )

سبتمبر 12, 2010

    

   بعد انقضاء طعام الغذاء لحفلة الزواج كانت قوالب السكر مصفوفه على طاولة خشبيه . أحضر هذه القوالب بعض المدعوين لتكون نقوط ومباركه للعريس . ومن لم يحضر معه سكر يقوم ليلا بدفع النقوط حيث يقف أحدهم يحمل منديلا مناديا لمن يرغب أن ينقط العريس . ويتم دفع المبلغ مع ذكر اسم صاحبه ويقوم اخر بتسجيل الاسم مع المبلغ . لأنه يتوجب على العريس رد هذه المبالغ الى اصحابها في مناسباتهم اللاحقه … توجهت الجاهة وهي من كبار القوم ووجهائه الى بيت والد العروس طالبين الاذن والسماح بأن ترافقهم العروس الى بيت الزوجيه . ويتم ذلك بعد شرب فنجان من القهوة مع الشكر لوالد العروس وذويها … النسوه تزف العروس بعد أن سبقهم الرجال .. والعريس يقف على حائط يعلو مدخل منزله حيث يقوم برمي ورش الملبس الحلو على رأس العروسه ومن يكونوا بصحبتها . والصبيه يتدافعون لنيل نصيبهم من الملبس ولا مانع ان كان قد وصل الارض وتلوث بالتراب . ومن التقاليد ان تقوم العروسه بكسر بيضه على عتبة المنزل بان تدوس عليها بحذائها . وتقوم العروسه ايضا بلصق عدة وردات على جدار المنزل بواسطة العجين . وتقوم والدة العريس بتوزيع لقيمات من فطائر معجونه بالسكر والسمن ( وتسمى فطائر العروس ) على المرافقات ويعتبر هذا فأل خير لمقدم العروسه … الوقت بعد صلاة العصر وفي الحاكوره المجاوره للبيت يلتف الشباب حول العريس ليقوموا بعمل الحمام له . اناء كبير من النحاس يسمى ( طشت) يقف بداخله العريس واحدهم يحمل ليفه مع صابونه نابلسيه واخر يحمل كيله ليصب الماء على رأس العريس نزولا الى كامل جسده العاري . ويتم فركه بالليفه والصابون النابلسي والشباب يغنون اغاني خاصه بالحمام ولا يخلو جسد العريس من الوخز والقرص والضرب الخفيف من رفاقه حتى يصبح جسده احمر اللون . وهو يصيح ويتوسل اليهم ان يكفوا عن ذلك . وأما زفة العريس فكانت تبدأ بعد صلاة العشاء من الحرم الابراهيمي الشريف . ولقد قام اهل العرس والمدعوين مع العريس بالتوجه الى الحرم . وكان صوت الشيخ شفيق يعطر الحرم بآيات مباركه من القران الكريم حيث كان يجلس دوما بجوار الغار الشريف وهي فتحه داخل الحرم مضائه بقنديل يقال انها تؤدي الى المغاره المدفون بداخلها الانبياء وزوجاتهم عليهم السلام . يلتف حول الشيخ شفيق الحضور بخشوع لسماع ترتيله بصوته الحنون والمميز . رأسه كان يلتف الى اليمين واليسار اثناء التلاوه وكأنه يوزع نور وجهه البهي على مستمعيه … انتهت الصلاة والحضور يتجمعون خارج الحرم في ساحة يلتفون حول العريس في حلقه . والشيوخ والاطفال يسيرون من خلفه . اما الشباب فكانوا في المقدمه وحملة المشاعل والفوانيس على الاعمده وهي عباره عن قناديل يتم استئجارها من المعلم نمر صاحب محل تصليح وتأجير الدراجات الهوائيه وتصليح القناديل وبريموس الكاز … الموكب يسير معلنا بداية الزفه ( والاسكنبيل ) وهذا لقب المنشد الذي يتوسط الحلقه حيث يقوم بالانشاد باهازيج تلك المناسبه ومنها ( امينه في امانيها وعريس الزين يتهنى ولندن مربط خيولنا ) وغيرها الكثير من الاهازيج والاناشيد التي تقال في مثل هذه المناسبه أي زفة العريس ( والاسكنبيل ) كان  رجل قصير ممتلىء الجسم صوته جهوري يسمع عن بعد حتى بدون مايكرفون لانه لم يكن متوفر وقتها . كان ينشد والشباب يرددون من خلفه تلك الاناشيد . ويصول ويجول في حركات ايقاعيه تعبيريه كأنه لاعب سيرك . وبعد ان عبرت الزفه عدة شوارع في المدينه توجهت الى منزل العريس . وتم ادخال العريس الى حفل النساء عند عروسه وهو يسير بالمقلوب . هكذا كانت العاده اما الرجال فعادوا الى الزاويه لتمضية باقي السهره . والنسوه يستمتعن  بالاحتفال بوجود العريس الى منتصف الليل ويغادرن الحفل بعد الحصول على مخلوطه من الفستق والزبيب والملبس والقضامه متمنين للعروسين السعاده والتوفيق . وكانت والدة العروس تحضر الفطور صباح اليوم التالي الى العروسين وهو عباره عن حمام محشي وبعض الكباب او كل حسب امكاناته كي يكون فطورا لزوج ابنتها وعروسه مع دعائها لهما بالتوفيق … بيت جميل ليس ببعيد عن بركة السلطان الكائنه بجوار المدرسه الابراهيميه التي كان يدرس بها . وهذه البركه كانت ملتقى الاولاد وخاصة ظهيرة الايام الحاره . وكان هذا بعد الانتهاء من الدراسه . الوقت اخر الصيف وكانت هذه البركه بالاضافه الى المقبره المتنفس الوحيد والمصيف المفضل للاولاد . حيث يقومون بالسباحه ويتعلمونها وهم في سن صغيره . ومع ان مياه البركه كان لونه اخضر دون اشراف او مراقبه من البلديه او وزارة الصحه . فهذا كان لا يعني شيئا بالنسبه للصبيه او حتى لاهاليهم . كان للبركه مصطبه يقف عليها الاولاد ليقفزوا الى الماء والكل يتفنن في قفزته بين اعجاب الحضور وهتافهم . ومن كان منهم شجاعا كان يقفز من فوق سطح المدرسه الابراهيميه او البناء المقابل لها من ارتفاع حوالي الستة امتار . ومن يقوم بهذا من الصبيه كان يعتبر بطلا وينال التصفيق والهتاف . جميل كان يقضي ساعات في السباحه وحاول اكثر من مره تعليم شقيقه فريد السباحه لكنه لم يفلح في ذلك لان فريد كان يخاف من الماء ويفضل اللعب في جلول البلور مع اقرانه من الصبيه . اما ليلا فكانت لعبة الاولاد المفضله هي الغمايه حيث كان الاولاد يختبؤون بين الازقه وفي الاحواش وبين القبور ويقوم من عليه الدور بالبحث عنهم . والغريب ان هذا كان يحدث ولم تكن الاضائه بالكهرباء في ذاك الوقت موجوده وخاصة في الشوارع . كم كانت الحياة مختلفه عن الحاضر . تذكر جميل كيف كانت والدته تخيفه بالعسكري عندما يتردد بالامتثال لطلب ما . وصورة العسكري بقلنسوته التي يعلوها رأس سهم ما زال يذكرها جيدا . كيف لا وقد قام احد العساكر بضربه حينما شارك في مظاهره وهناك صوره اخرى مازال يذكرها حينما قام احدهم بسرقة دجاجتين وبعد ان القت الشرطه القبض عليه علقت الدجاجتين في رقبته وطافت به ارجاء المدينه ليكون عبره لغيره … هذا دلال المدينه يصيح بأعلى صوته .  يا أهل البلد الحاضر يعلم الغايب أن فلان فقد حماره . لونه كذا ومن يجده له المكافئه والاجر والثواب من الله . كان يطوف المدينه والصبيه يتبعونه كي يأخذوا الحلوان من صاحب الحمار عندما يعثر عليه . وكان يقوم هذا الدلال بتبليغ اهل المدينه بالقرارات الصادره من الحكومه او البلديه للعلم والالتزام . جلس جميل على سور المقبره الحجري قبالة ورشة المعلم  (عبد شريتح) وكان هذا لقبه الذي كان يصنع العربات التي تجرها البغال والخيول . وذلك كي يجفف جسمه وملابسه المبلله بعد السباحه.  وكان ينظر الى صاحب الورشه وهو يقوم بصنع العربه بأعجاب لمهارته حيث كانت عرباته مميزه تأخذ شكل القارب . ومن يريد ان يفتخر بعربته يقول انها صناعة عبد شريتح وكأن اسمه ماركه مسجله . أذ اقبل من البعيد جمع يحملون نعشا يشيعون فيه ميتا لدفنه في المقبره . كان اربعه من الشباب يحملون النعش الخشبي المجلل بوشاح ويسير من ورائهم حشد يشاركون في تشييع الجنازه . استبشر جميل خيرا لان غالبة المشيعون كانوا يضعون الطرابيش الحمراء التركيه على رؤوسهم . وهذا يعني ان المتوفي من عائلة ميسوره . وعدد المشيعين الكبير فهذا يعني ان المتوفي من الاغنياء . وكان من يلبس تلك الطرابيش في تلك الايام هم الاغنياء والوجهاء وبعض المثقفين … الشيوخ يسيرون في المقدمه وعلى راسهم الشيخ ( المحشي ) وهذا لقبه يتلمسون ويستدلون على الطريق بين القبور بعصيهم لعمل ما يلزم من مراسيم الدفن .ولنيل الصدقات من اهل المتوفي . والصبيه اخذوا يتوافدون الى المكان انتظارا لنصيبهم من الصدقه . احد الشيوخ وظيفته ان يصيح كلما سار الموكب عدة خطوات ( وحدوا الله ) والجميع يرددون بخشوع لا اله الا الله .. الله يرحمه  وبعد أن أتم المشايخ الدفن وتحلقوا حول القبر لقراءة القرآن لقاء نصيبهم من النقود قام أحد أقرباء الميت بتوزيع النقود عليهم ووضع يده في جيبه وأخرج كفه مليئا بالنقود النحاسيه وأخذ ينثرها على رؤوس الاولاد . وكرر فعلته هذه أكثر من مره والصبيه يتدافعون ويبحثون عن النقود بين الحجاره والتراب والحشائش . لقد كان نصيب جميل من تلك الواقعه قرشا . وتعفرت ملابسه وملابس باقي الصبيه بالتراب بعد أن عثر كل واحد منهم على نصيبه من النقود.  ونام جميل تلك الليله وهو يحتضن قرشه العزيز ويدعو للميت بالثواب والمغفره …     الى اللقاء في الحلقه القادمه

                                            نشرت في جريدة القدس بتاريخ 19-7-2009