مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 11th, 2010

كان زمان . ( 5 )

سبتمبر 11, 2010

                  ( الحلقه الخامسه )

         موسم كروم العنب قد بدأ والوقت بعد عطلة المدارس . أي نهاية الشهر السادس وأهل المدينه يحزمون أمتعتهم استعدادا للانتقال والسكن في الكروم . حيث أن أغلب العائلات تمتلك كروم عنب خارج المدينه يرحلون اليها في أشهر الصيف .. الدواب تئن بحملها الثقيل من فرش وأدوات مطبخ وملابس تسير وجهتها الى كروم العنب خارج المدينه . والكرم قد صار مثل عروس تستعد لاستقبال عريسها . العنب بحباته الذهبيه  يتدلى من عرائش الدوالي وبعض القطوف السوداء كأنها شامة على خد العروس . والتين بأنواعه العديده وأشجار البرقوق والرمان والجوز واللوز تسبح الرحمن . قطوفها تبتسم للناظر بخشوع والفاكهة تزين الجبال بكل لون ونوع . أما الاشجار الحرجيه من البلوط والبطم والسماق والزعرور والسويد وغيرها الكثير فهي تحيط بكل كرم كأنها الغفير . والهواء معطر برائحة الزعتر والميرميه والزحيف . وأزهار الربيع تفترش الارض موزعة بجوار الحيطان الجداريه وبين الاحراش والصخور . اما الاحواض الترابيه فنجد فيها الخضار من بندوره وكوسا وخيار وفقوس وبصل وباميه وبطيخ وشمام . مما تجود به الارض الخيره المعطاءه وما كان قد زرعه صاحب الكرم في بداية الربيع . أما السكن فهو عباره عن بيوت مبنيه من الحجاره ومعقوده بقبه وفي بعضها درج داخلي يصعد الى السطح مع عريشه لتكون منامه في ليالي الصيف الحاره . والغريب أن هذه البيوت مبنيه بالحجاره فقط دون استعمال الاسمنت أو غير ذلك من مواد البناء . حجارتها كبيره مصفوفه بشكل يشهد لمن قام بالبناء قبل مئات السنين. ويوجد بجوار كل بيت أكثر من سيره وهي بناء من الحجاره مستدير أو مربع الشكل ارتفاعه حوالي المترين وتسقف هذه السير بالاغصان وجذوع الاشجار الحرجيه لتكون عريشه يتسلل من خلالها الهواء وتصدح فوقها العصافير . وتستعمل هذه العرش لتخزين  الحطب والطبخ وايواء الحمير والاغنام والدواجن لمن يمتلكها … الحاجه سعديه تقوم بترتيب الاغراض والبهجه تغمرها استعدادا للموسم الجديد وجميل اخذ حبلا طويلا وتوجه الى شجرة البطم الموجوده أمام مسكن العائله وقام بربط الحبل بأحد أغصان تلك الشجره ليكون مرجوحه يتأرجح عليها . جلس بداخلها وأخذ يقذف بنفسه طائرا في الهواء وأخوه فريد وأخواته ينتظرون دورهم بفارغ الصبر . وهو يحلم ويخطط بصباح اليوم التالي ليقوم بوضع أعواد الدبق على أغصان الاشجار الحرجيه ليصيد بها العصافير والطيور . والدبق هو عباره عن أعواد رفيعه بطول حوالي الذراع عليها مادة دبقه لزجه وتوضع الاعواد على الاشجار بشكل أفقي لتقف عليها العصافير والمادة الدبقه تمسك بها ويقوم من وضعها بزيارة تلك الاعواد كل ساعه تقريبا لجني المحصول من عصافير وطيور .. النسوة يجمعن البطم عن الاشجار وعرانيس السماق ويضعنها تحت أشعة الشمس لتجف . وفي الكروم عمل متواصل مثل خلية النحل . البعض يقطف قطوف العنب ويجففها لعمل الزبيب ومساطيح القطين مفروشة على الارض . والحاج عبد الرزاق يجلس خلف الموقد الكبير وفي أعلاه قدر كبير يسمى دست بداخله حبات العنب وهو يقوم بتحريكها  بغصن شجرة كبير كي لا يلتصق كان يقوم بطبخ ( العنطبيخ ) أي مربى العنب لقد كان اسبوعه حافلا بالعمل حيث عمل ثلاثة لجان فخاريه من دبس العنب وكذلك كمية من الملبن بالاضافة الى مربى العنب المذكور . أما الحاج عوده فكان يقوم بغمس قطوف العنب بمحلول من الماء والزيت والصودا وفردها على التراب لعمل الزبيب . كان صوت غناءه الجميل يتردد عبر المسافات وهو يغني الميجنا .. أما غنمات عبد المجيد فكانت ترعى رزقها بين الحقول وتطرب لصوت نايه الحنون . وسمير أفندي كان يمارس هوايته المفضله بركوب حماره العزيز ليسابق به الريح شاهرا عصاه وكأنه أبو زيد الهلالي . كم كان ذاك الموسم رائعا وممتعا وخاصة حينما يتجمع الصبيه فوق الجبل المجاور للعب .. لكن الموسم قد انتهى وأخذت قوافل المصيفين بالعوده الى المدينه محملة بالخيرات مما جادت به أرضهم المعطاءه وكرومهم الحبيبه . والكل يتباهى بكثرة محصوله وجودته من عنبيه ودبس وزبيب وقطين وبطم وسماق وملبن والحمص والعدس وعناقيد ورق العنب المجفف والباميه في قلائد كأنها المسابح الطويله . وعناقيد الرمان المجفف ورزم الحطب كي تكون وقودا للشتاء وخيرات كثيره أخرى .. ما أكرم أرضنا ان خدمتها فانها تطعمك وكل هذه الخيرات ستكون مؤونة للشتاء المقبل … بعد أن باعت أم عبد محصول كرمها استعدت لزواج ابنها والحفل يكون عادة يوم الجمعه وما قبله بثلاثة أيام تكون السهرات للرجال في زاوية العائله حيث يلتقي الرجال كل ليله مساء يحتفلون بهذه المناسبه يحتسون القهوة والدخان العربي يتصاعد من الغلايين يتلوى في الفضاء كأنه راقصة غجريه وغالبا ما يكون الحديث عن الموسم المنقضي وكمية المحصول من كل نوع . وعن ما شاهده في مصر من سافر اليها . وللثوار في سنة  36  نصيب عن بطولاتهم في مقارعة الانتداب . أما النسوه فيحتفلن بالحناء وليلة الشمع مع الرقص والغناء منفصلين عن الرجال .. أما عبد البكاكا فكان يحمل رزمة أحضرها من عند الخياط بها روزه مع جاكيت وهما ملابس الزواج بعد ان قام بالحلاقة موصيا الحلاق انها حلاقة العرس مما اسعد الحلاق لأنه سيقبض اجرا اكثر .. أما ملابس العروسه فلقد قامت الخياطه أم عيسى بخياطتها لأنها كانت مختصه في خياطة ملابس العرائس … ومن العاده أن يتم تناول طعام الغذاء يوم العرس أي الجمعه بعد الصلاة مباشرة لجميع المدعوين من الجنسين .. القدور ويسمى دست على النار ودخان الحطب يمتزج مع دخان السجائر والشباب ملتفون حول المواقد في تجمع احتفالي .. اما الخباز ابو عبد الله فلقد قام بخبز العجين صبيحة ذاك اليوم .. وكان ذلك بمساعدة شباب الحاره واصدقاء العريس . .. القدور تغلي بما تحتويه من الارز واللبن ..والمدعوون بدئوا بتناول طعام الغذاء . وكان الطعام يوضع في انية من النحاس اسمها( أنجر) وهي مثل الصينية واللبنية داخل الانجر وعلى وجهها رشات من السمن كانت لذيذة مع الارغفة البلدية ويكون الاكل عادة دون ملاعق .. قدر اخر على النار يكاد ان ينضج   لكن رائحة احتراق الارز بداخله قد ظهرت . صاح من يشرف على الطبخ انشعط الاكل اسحبو النار من تحت القدر .  لاحول ولاقوة الا بالله شو العمل  الناس والمدعووين لازم يوكلوا  والاكل انشعط  استرها معانا يا رب .. اهل العريس مرتبكين لان اعداد قدر اخر يستغرق وقتا وكلفته ايضا لها حساب . اما الشيخ عبد الغني شقيق العريس فكان له راي اخر . يقال عن هذا الشيخ انه مخاوي الجن  يراهم ويتحدث معهم  وان له قدرات عجيبة   وكان مشهودا له بالتقوى والورع حيث قام هذا الشيخ ورفع ملابسه عن ساعده وبعد ان تمتم قال بسم الله ووضع يده في القدر وهو يغلي على النار  كانت شفتاه تتحركان ويده تقوم بتحريك الارز مع اللبن وكان هذا امام الجميع وهم مبهورين بما يشاهدوه ومنهم من قال الشيخ عبد الغني اجتو الساعة ..! اما الشيخ فاخرج يده من القدر الكبير دون اذى قائلا غطوا القدر بصينية اي اوضعوا غطاء فوق القدر وكان ما اراد. و بعد خمسة دقائق قال شيلوا الغطاء وتوكلوا على الله .. قال ممن شهد الحادثة انه كان اطيب طعام اكلوه في حياتهم وكأن شيئا لم يكن  والقصص المروية عن هذا الشيخ كثيرة  وبعضها خارق للطبيعة كما حدث في موضوع طبخ عرس شقيقه….. الى اللقاء في الحلقه القادمه

                                      نشرت في جريدة القدس بتاريخ 12-7-2009