مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



كان زمان . ( 4 )

سبتمبر 6, 2010
0 views

         

   ألربيع قد أطلّ بتفتح الزنابق في الحقول ، وموسم الحراثة قد بدأ ، وأبو سعدي يمتطي بغله والمحراث يتدلى من جهة السرج ، وبالجهة الاخرى كيس يحتوي على حاجياته وأدوات الحراثة .. ألبغل يسير متجها نحو الحقل ، والحاجة سعدية قد حضرت من الليلة السابقة طعاما للحراث ، كانت الطنجرة ممتلئة باللبنية ، طبيخ أرز مع اللّبن وحبّات الفول الأخضر، وضمّة من البصل وأرغفة الخبز المخبوزة في مخبز الحارة والذي يمتلكه أبو عبدالله حيث ورث هذا المخبز أبا عن جد ، أخذت الطنجرة مكانها في الخرج على ظهر البغل مما زاد في ابتسامة الحرّاث أبوسعدي . وتعبيرا عن سعادته أخذ في فتل شاربيه على الطريقة التركية ، والمسح على لحيته الصغيرة علامة الرضا .. ألبغل يسير في طرقات غير معبّدة ، يتهادى بين الحقول يمينا ويسارا ، حيث الجدران الحجرية وطرق ترابية ضيقة ترسم الحدود بين كلّ كرم وآخر، كانت الارض مفروشة بالزنابق والحنون الأحمر وغطاء أخضر قد زيّن الوجود والعصافير فرحة تسبح للرب المعبود … عاد جميل من المدرسة الى البيت جائعا يحلم بصحن من اللبنية التي اشتم رائحتها في اليوم السابق . وطلب من أمه الطعام لكنها قالت له .. لا يوجد طبيخ، قال واللبنية ..؟ قالت انها كانت للحراث وسوف أحضر لكم مثلها غدا، قال طيب شو بدي آكل ..؟ قالت الخبز موجود في «القوطة » وهي عبارة عن سلّة من القش مبطنة بالقماش تستعمل لحفظ الخبز، قال يعني آكل خبز حاف – أجابت – في عندك قطين وزبيب في الصندوق . قال – القطين ناشف والخبز ناشف . قالت – شو رأيك   اتروح (ع الشوربة) وتجيب منها بالطنجرة ..؟ زمان ما جبت شوربة .. علشان نتبرك فيها .. والشوربة تطبخ في ألتكية التابعة لأوقاف الحرم الابراهيمي الشريف . وهي عبارة عن قمح مطبوخ يطبخ كل يوم ويتم توزيعه على الفقراء وضيوف الحرم ومن يريد من أهل البلد للتبرك بها . وتؤكل مع وضع بعض السكر ان وجد وكان حظ جميل في ذاك اليوم أن أحدهم قد نذر خروفا للتكية وتم ذبحه وتقطيعه وأضيف الى الشوربة وتم توزيعه على أصحاب النصيب … مضى على زواج ام راجي خمس سنوات دون أن ترزق بالأطفال فنذرت ان رزقها الله بمولود أن تحلق له شعره في مقام النبي موسى عليه السلام عرفانا وشكرا لله .. وشاء الله أنها حملت ووضعت مولودا ذكرا أسمته راجي .. عمت الفرحة سكان الحارة، ودعت هي وزوجها الجيران والأقارب الى وليمة ليشاركوهم فرحتهم بالمولود .. وفي عام راجي الثاني استعد والداه للسفر مع المتوجهين الى ذاك المقام للوفاء بنذرهم . الوقت كان بداية الربيع.. وكان حديث الناس في تلك الايام عن موسم النبي موسى ، واستعدادهم للسفر وتحضير ما يلزم لذلك المهرجان ، بعض النسوة يحضرن المناديل المطرزة بالخرز لتكون بأيدي رجالهن يلوحون بها في الدبكة .. والخياطون يخيطون الملابس الجديدة للرجال ووجهاء القوم ، وشيوخهم يعلنون للناس عن موعد السفر .. حملة ألبيارق والأعلام والطبول يتقدمون المسيرة .. والجميع من الرجال والنساء والاطفال بين راكب على الحمير والبغال والأحصنة والجمال ، وآخرون سائرون على الأقدام ، وجهتهم الى مقام النبي موسى عليه السلام القريب من مدينة أريحا .. بدأت المسيرة صباحا بعد صلاة الفجر.. والطريق تتلوى بهم بين الجبال المكسوة بخضرة الربيع وأزهاره البديعة .. ونسيم الصباح العليل يدغدغ الوجوه محملا برائحة الزعتر والمريمية والأعشاب البرية .. كروم العنب والأشجار ممتدة على طول الطريق ، والمناظر تسحر الألباب ، هنالك من يحرثون أرضهم لزراعتها بالمحصول الصيفي ، وآخرون يبنون  السلاسل الحجرية التي هدمها الشتاء الماضي ، والعصافير تغني وتبني أعشاشها والموكب سائر، ألبعض يرطب الجو بمديح ومن حوله من يرد عليه ، وآخرون يعيدون حفظ ما سيلقونه من أشعار على مسامع الجمهور، وحملة السيوف والدروع يلوحون بها حماسة واستعراضا للمهارة والقوة ، والشباب يرددون ما حفظوه من أهازيج لتكون زادهم في الدبكة . أما ألشيخ نعمان فيرتدي جلبابه الأخضركعادته ، ويضع على رأسه عمامة خضراء ايضا، أما المسابح فتتدلى من رقبته لتصل الى نصف جسمه ، يحمل بيده مبخرة ويحوم حول الجمهور مرددا «حي » والجميع يتبركون به لأعتقادهم أنه من أولياء الله الصالحين … كانت برك سليمان ألقريبة من قرية الخضر هي استراحتهم الأولى .. نزلوا اليها وحطوا رحالهم لسقاية دوابهم والأستراحة من عناءالسفر، وبعدها تابعوا المسير الى أن وصلوا الى مشارف مدينة بيت لحم، كان أهالي المدينة ووجهائها وعلى رأسهم آل جاسر ينتظرون القادمين لأستقبالهم .. تلاقي الجمعان وكان لقاء مفعما بالود والترحاب ، زغاريد النسوة تمتزج مع قرع الطبول ، والبيارق ترفرف كأنها تعبر عن سعادتها ، كانت العادة أن يتناول جميع الحضور طعام الغذاء بدعوة من آل جاسر في بيتهم العامر والكبير. والكائن عند مدخل مدينة بيت لحم على طريق الخليل القدس .. صواني الطعام موزعة في كل مكان . والناس في حلقات كأنهم الأهلة . ألسعادة تغمرهم ومن يفرغ من طعامه يتناول القهوة ، شاكرين لآل جاسر حسن استقبالهم ، وكرمهم العربي الأصيل .. وكان يقال حينها (الفتيت في دار جاسر بالسمن للأكواع) تعبيرا عن كثرة الطعام وطعمه اللذيذ … توجه الجميع بعد أن انضمت الى المسيرة بيارق مدينة بيت لحم والقرى المجاورة في موكب واحد الى مدينة القدس ، وعند وصولهم انضم اليهم آخرون بأعلامهم وبيارقهم وساروا جميعا قاصدين مقام النبي موسى عليه السلام … هذا مقام النبي موسى عليه السلام ،القريب من مدينة أريحا . كانت جموع أخرى قد سبقتهم اليه ، وجموع أخرى ما زالت في الطريق كل جماعة أخذت لها مكان في الساحات وبين الأشجار والقباب ، ألباعة المتجولون يملؤون المكان ، وعلى رأسهم باعة الحلاوة البيضاء والمسماة حلاوة النبي موسى . وبسطات البضائع ممتلئة بمعروضاتها المتنوعة ، والحلاقين في صفوف لأستقبال زبائنهم ، وباعة الطعام لهم نصيب في ذلك ، ومن يحملون قرب الماء لسقاية الناس قربى لله وطلبا للثواب والمغفرة ، ومن يذبحون النذور ويوزعون لحومها على المحتاجين .. طلبت ام راجي من الحلاق أن يجمع شعر ابنها بعد حلاقته لتضعه في صرّة كي تحتفظ بها ، وناولته أجرته مع كيس مليء بالزبيب والقطين حلاوة له .. حلقات الدبكة والسحجة منتشرة في كل مكان والشباب يلوحون بمناديلهم والنسوة والصبايا ينظرن اليهم من البعيد يشجعنهم بالزغاريد .. والميجنا والعتابا لها رجالها، ومع الزجل يشتد التنافس بين الفرقاء ، ومن يلعبون بالسيف والترس لهم معجبوهم ايضا . حيث يلتفون من حولهم في حلقات .. وكل يستعرض فنونه .. أما حلقات الذكر فكانت قائمة بين القباب وتحتها ، لكل شيخ طريقته يلتف من حوله مريدوه وأعوانه ومعجبوه ، وآخرون يتسوقون من الباعة ألملابس والحلويات لتكون ذكرى لهم وهدايا لأحبائهم . وفعاليات أخرى كثيرة من الفلكلور ألمحبب … كانت أيام جميلة تبقى مرسومة في الذاكرة على مدى الأيام ومرور الأعوام .. ألناس يستعدون للمغادرة بعد انقضاء ألموسم ، كل واحد نال ما سعى اليه .. ألنسوة في الحارة يلتفون حول أم راجي يهنئونها بسلامة العودة ، وهي تسرد عليهن مشاهداتها وتوزع عليهن الحلاوة البيضاء، وهن في شوق لسماع المزيد . وكل واحدة منهن تمني النفس بالزيارة في العام القادم . هذا ما كان ولم يكن يعلم الكثيرون أن النبي موسى عليه السلام غيرموجود بذاك المقام ، لأنه توفي شرق الأردن، ويقال في جبال مادبا . ولم يعرف حتى الآن مكان جثمانه أو مدفنه ، ومن أمر ببناء ذاك المقام ألرمزي هو صلآح ألدين الأيوبي لأغراض عسكرية . كانت ضرورية في تلك الأيام .      للحكاية بقية – الى ا للقاء في الحلقه القادمه …

            نشرت في جريدة القدس بتاريخ 28-5-2009
Be Sociable, Share!

  1. مدونة كان زمان , كان زمان , دردشه كان زمان الصوتيه ,شات صوتي » أرشيف المدونة » كان زمان & زمآن يازمن 4 Said,

    [...] كان زمان . ( 4 ) [...]

أضف تعليقك

*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash