مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 3rd, 2010

كان زمان . ( 3 )

سبتمبر 3, 2010

    ليش اتأخرت يا جميل.. الدنيا ليل وما قريت دروسك اليوم … – كنت بلعب الغماية مع اولاد الحاره …- ابتلعب الغماية في الليل .. علشان عامورة حوش الداعور تطلعلك …- انا ما بخاف من العامورة …. مع ان الكبار كانوايخافون من عبور الحوش ليلا ومن يضطر يأخذ بالتمتمة والدعاء مع الاستعاذة بالله من الجن والشياطين .. هذا من غير سكان الحوش لما اشيع من ان «عامورة » اي جنية تظهر للناس وعيناها تكونان بالطول تسكن في ذاك الحوش وتظهر للناس ليلا . ويقال انها اغلقت الحوش على احدهم ولم يستطع العبور الى منزله تلك الليلة . ومنهم من قال انه رآها كانت تكبر وتصغر بحجمها وتظهر وتختفي متى شاءت لانها من الجن او من اتباعهم ..!. وفي عصر اليوم التالي كان جميل يطالع في كتاب الرياضيات استعدادا للامتحان في يوم الغد اذ اقبلت الحاجة ام عبد البكاكا منادية من المدخل – ام جميل .. ام جميل . – هذا صوت الحاجة ام عبد .. اهلا وسهلا يا بنت عمي .. اتفضلي . وبعد السلام دخلت الى الغرفة مغمورة بالترحاب من الحاجة سعدية .. اما جميل فقد ارتعدت فرائضه لاعتقاده ان الزائرة قد عرفت انه هو الذي كسر الزجاج .. وتردد في القدوم للسلام عليها لان قدميه لم تسعفاه بذلك …- كيف حالك يا جميل .. ايوه اقرأ علشان اتصير دكتور وتعالجني .. انشاء الله قالها جميل وانتعش قليلا وكأنه انزل حملا ثقيلا عن كاهليه . ولسان حاله يقول لو انها عرفت انني الفاعل لقالت ذلك ولكن الله سترها …- جيت لعندك حتى اخبرك اني خطبت لعبد عقبال عند ولادك  …- مبروك .. وكيف العروس واهلها ..؟ – والله بنت مستوره واهلها كويسين قالوا لي شو بيشتغل ابنك .. قلت ابيشتغل عتال في الحسبة والله كريم انشالله بيشتري حمار وبيصير يحمل عليه .. الصراحة حلوه يا بنت عمي .. ضحكت الحجة سعدية لهذا وتابعت ام عبد .. قلت انشا الله بعد الصيفية بنجوز عبد بنكون بعنا محصول الكروم لكن هالسنة ممحلة ما نزل شتاء لحتى الان .. – انشاء الله بيجي الخير والله كريم . انسيت اقول لك كمان امبارح في ولد شيطان رمى حجر عالشباك وكسر القزاز . – انشالله ما في حدا انجرح او انطبش ..؟ -لا بس انكسر القزار . جميل سمع الحوار وتظاهر بالقراءة وامه تنظر اليه وتهز برأسها وكأنها تقول له انت الذي كسر الزجاج بالنقيفة .. ونزل الى الفراش متظاهرا بالنوم خوفا وهروبا من العقاب … توجه جميل صبيحة اليوم التالي مسرعا الى المدرسة .. انه يوم امتحان الرياضيات وهو لا يحب هذه المادة بل لا يحب الاستاذ احمد مدرس تلك المادة لانه لا يجيد الشرح ولم يفهم منه معادلة منه وله .. دقات قلبه تزداد والأسئلة مسجلة على اللوح الأسود امام الطلاب وعينا الاستاذ احمد تراقب التلاميذ خوفا من الغش او محاولة النقل من الجوار . عيونه كانت تلمع مثل عيون الباز. وشنباته متدلية على الطريقة الصينية اما جاكيته البني فكان يلازمه ربما من ايام عرسه . اللعنة على هذه الاسئلة قالها جميل واخذ يحل الاسئلة في ورقة الامتحان التي امامه وهو غير واثق من صحة الأجوبة الى ان قرع الجرس وكأنه جاء لانقاذه .. نصف القرش لازال في جيبه مع انه هم بشراء قطعة حلوى في الفرصة الا انه تراجع عن ذلك في اخر لحظة . اه انه امتحان نصف السنة والنتيجة مهمة واذا كان معدله في الرياضيات ضعيف سوف يؤثر على المعدل العام وهو دائما في سباق مع ابن صفه عبد المهيمن للحصول على الدرجة الاولى في الصف . كان قلقا من النتيجة .. نسي العصافير وكسره لزجاج الجيران في اليوم السابق .. وضع يده في جيبه وتلمس نصف القرش وقرر ان تنقذه تلك التعريفة من محنته وكان خاله قد اعطاه اياها في اليوم السابق. توجه الى الطريق المؤدي الى خزق الفار . وهو عبارة عن قنطرة يدخل اليها الناس وفي نهايتها شارعان احدهما اسمه حارة القزازين والاخر سوق الخواجات وفي اخر هذا السوق يوجد سوق للعطارين . توجه جميل اليه ووقف امام احد الدكاكين القديمة واخرج التعريفة من جيبه قائلا للعطار – اعطيني يا عمي ابتعريفه بخور .. لف له البائع بعض الحبات من البخور في ورقة  تناولها جميل بعد ان ودع تلك التعريفة لتستقر في درج العطار . وعاد راجعا مسرعا بخطاه الى المقبرة .. في تلك المقبرة كان يوجد قبر مميز يأخذ شكل تابوت مرتفع وفي ناحية القبلة منه فتحة صغيرة لوضع البخور، حيث كان اعتقاد الكثيرين من اهل المدينة ببركة هذا المقام وكان يدعى مقام الشيخ عويس .. يتوجهون اليه لنيل البركة والدعاء لنيل ما يتمنونه .. وضع جميل حبات البخور في تلك الفتحة ووقف بخشوع ورجاء ان يوفق في الامتحان وان تكون النتيجة جيدة وان لا ينكشف سره في كسر الزجاج وعاد الى البيت وهو مرتاح البال لانه كان واثقا من ان الشيخ عويس سيقوم بالمهمة كما يجب ..! الوقت اخر فصل الشتاء . والمطر لم يصافح الارض ويغسلها بعطاء الكريم . يقولون ان هذه السنة محل . والناس يعانون لانهم يعتاشون من جني حقولهم ونتاج حيواناتهم .. الماء اصبح شحيحا والابار فارغة والدعاء بنزول المطر يزداد .. الى ان قرر شيوخ المساجد اقامة صلاة الاستسقاء والتوجه الى مقام السقواتي . وهذا المقام موجود على سفح جبل يطل على المدينة وهو عبارة عن غرفة مقببة وداخلها ضريح قبر مجللا بوشاح اخضر يقال لساكن هذا الضريح السقواني .. عله كان يسقي الناس في قديم الزمان او كان له بئر سبيل والحقيقة يعلمها الله والاسم متوارث عبر الأجيال . وبعد صلاة يوم الجمعة اخذت المسيرة تقطع ازقة المدينة وشوارعها يتقدمها الشيوخ والوجهاء يلبسون عباءاتهم بالمقلوب ومن سار معهم من الرجال والاولاد قلدوهم بقلب معاطفهم او ما كانوا يلبسون !. كان يسير في المقدم شاب يحمل عروسا صنعوها من الخشب تشبه عروس الحقل ايضا البسوها ملابس باليه ومقلوبه .. الهتاف يشق عنان السماء وكل له طريقته في الدعاء .. المشايخ يتضرعون برجاء والعامة يرددون هذه العبارات بشكل غناء . ( يا دار الشيخ وشويه اسقونا نقطة ميه . ريقنا ناشف ناشف من عذاب الشرقية .) ويرد عليهم اخرون (أحيه مبو أحيه مبو) وتتردد هذه العبارات طوال الطريق الى ان وصلوا المقام حيث رفع احد الشيوخ يديه قائلا .- اغثنا يا رب. يا فالق النوى والحب لقد جف الزرع والضرع ونزل بنا الكرب. اغثنا يا رب … وكانت صلاة الاستسقاء .. صدقوني ان الله استجاب لصلاتهم … وفي اليوم التالي تلبدت السماء بالغيوم . والمطر اخذ ينهمر . حباته كأنها اللؤلؤ تمسح عن وجه الارض ووجوه الناس حزن الانتظار . لان نفوسهم كانت بريئة . مثل الحياة التي كانوا يعيشونها  تلك الايام . كانت الحارة كأسرة واحدة الجميع يشارك بالسراء والضراء . يخاف فيها الكبير على الصغير والقوي على الضعيف . والميسور على الفقير … أصوات المزاريب تعزف موسيقاها . والنسوة يملأن الماء بالاواني والتنكات والبراميل والجرار . وعلى رؤوسهن جرار الماء الفخاريه الموجود في كل بيت لاستعمال ماء الشرب . والحاج عودة يفي بنذره ان امطرت السماء . حيث جلس تحت المزراب والماء ينساب على رأسه وجسمه مبتهجا حامدا الله على عطاه . والصبية ينشدون في الازقة والحواري (يا ربي اتشتي واتزيد . والدنيا خليها عيد .. رخي رخي يا مطره خليها اتروح الغبرة .). اقدامهم حافية وملابسهم مبللة بالماء وفي وجوههم فرحة وبهاء وكان جميل واحدا منهم …   نلتقي في الحلقه القادمه .

                       نشرت في جريدة القدس بتاريخ 21-6-2009