مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر 1st, 2010

كان زمان . ( 2 )

سبتمبر 1, 2010

        ألدنيا تلف بجميل والكرة بيده ما عساه ان يفعل … لقد بدد ثقب الكرة فرحة الانتصار. وبات الوجود ظلاما في عينيه .. دخل جميل الغرفة مشدوها ولحسن حظه كان الجميع بما فيهم عمته يلتفون حول مائدة الطعام . ياكلون مقلي المشاط . وفي زاوية الغرفه حيث فراش شقيقه أخرج الكره ووضعها كما كانت حينما أخذها .. – مساء الخير يا عمتي …- مساء الخير يا حبيبي  تعال  أبوسك …- ليش ما بست أيد عمتك يا جميل ؟ قالت أمه …؟ وتقدم نحو عمته التي طبعت على وجنتيه قبله وكان فمها ويداها مبللتان بالزيت من الطعام حتى اصبحت وجنتاه تلمعان مثل عينيه القلقتين حيث كانتا تنظران الى زاوية الغرفه الى فراش اخيه حينما كان يحتضن طابته العزيزه والتي أصبحت مثقوبه .. لقد قام باعطاء شقيقه فريد نصف حصته من المقلي على سبيل الرشوه ليكون وقع الكارثة عليه أهون وتمنى ان لا ينكشف سره في ذاك اليوم . وأن تكون المفاجئه في اليوم الثاني … لكن فريد توجه الى فراشه بعد أن أتم طعامه وأخذ يتحسس الكره كي يحتضنها كعادته .. ويا لهول المفاجئه لفد قفز من الفراش حتى كاد راسه ان يصل الى سقف الغرفه وهو يصيح .. يما  يما الطابه صارت صغيره .!.- اسم الله عليك يا بني .. هات أشوفها وأخذت تتحسس الكره على ضوء لامضة الكازالمعلقه على جدار الغرفه . وعثرت على الثقب .. قالت الطابه مخزوقه الطابه مخزوقه .! ؟.- والله ما هو أنا . قالها جميل وهو يرتعش من الخوف . فريد يبكي ويخبط بساقيه الهزيلتين الارض ويداه ممدودتان كانهما لعبة الحقل .. – اسمع يا جميل ما حدا غيرك كان يلعب بالحاره احكي الصدرق أحسن لك الكذب عيب وحرام ..- ما هو أنا اللي خزقتها وانزوى في زاوية الغرفه استعدادا للعقاب  ..- انا عارفه  انك انت اللي أخدت الطابه ولعبت فيها انت واصحابك حتى شوف عليها تراب  ..- بقول ما هو انا وحياة سيدي الشيخ كنفوش ..- بقول حرام الكذب مهي العصفوره قالت لي انك انت خزقتها ..- العصفوره قالت لك .. – أيوه قالت وشافتك لما أخدت طابة أخوك فريد عيب عليك تكذب .. – والله العظيم ما هو انا اللي خزقتها هادا الولد  ..- طيب الك حساب عندي والصباح رباح .. وذهب الجميع للنوم بعد أن اقنعت الحاجه سعديه فريد بشراء كره جديده وتعويضه بمصابه الجلل … ذهب جميل صبيحة اليوم التالي الى المدرسه متكدرا مع انه يحب العصافير لكنه أصبح يحقد عليها لانها فتنت عنه وأوصلت خبر ثقب الكره الى امه .. همس وهو في الطريق ملعونه هذه العصافير ولكن لها حساب عندي وأخذ يتحسس نصف قرش كان في  جيبه ويخطط للانتقام .. وما أن انتقضى وقت الدراسه حتى توجه مسرعا الى دكان نجار عربي في منطقة السهله يصنع أيدي المعاول والمحاريث الخشبيه وكان هذا النجار يصنع للاولاد الشعبه ( النقيفه ) وهي عباره عن غصن شجره او قطعه من الخشب يربط في طرفيها مغيط وتستعمل لصيد العصافير بواسطه قذف الحجاره الصغيره .. لم يأكل جميل في ذاك اليوم نصف الرغيف في الفرصه واحتفظ به للنجار كي يكون ثمنا للشعبه .. توجه  فرحا ومسرعا الى منطقة الكراج حيث يوجد بنشرجي لأطارات السيارات يقوم بقص الكاوتشوك الداخلي للاطارات ويصنع منه شرائح مغيط … – أعطيني جوز مغيط  كويس  …- هي أحسن جوز هات حقهم .. وناول جميل تلك التعريف اليتيمه الى البنشرجي وتوجه راجعا فرحا الى الحاره وهو يحلم بالصيد الوفير والانتقام من العصافير. وتابع طريقه الى البيت .. كان المنادي ينادي في الطريق يسوق جملا والصبيه يسيرون من خلفه مناديا أنه في يوم الغد الجمعه سيقوم البايض وهو لحام المدينه بذبح ذاك الجمل وعلى أهل البلد العلم بذلك كي يتوجهوا لشراء لحمه وحتى اخر قطعة منه ..  المنادي ينادي بأعلى صوته وينشر حبات الملبس على الصبيه كي يشجعهم في ترديد أغنيه تقال في تلك المناسبه ( لبن أمه عتمه ( فمه ) ويرد الصبيه قائلين هالقاعود ) ويكررها مرارا الى أن يطوف  المدينه .. والقاعود هو صغير الجمل وهذا يعني أنه يقوم بعمل الدعايه للجمل وبانه صغير السن ولحمه ينضج سريعا .. اختلط جميل بالصبيه وأخذ يهتف معهم طمعا في حبة حلو واحتفال يحب ألا يضيعه والجمل يطوف شوارع المدينه وأزقتها من الكراج الى منطقة السهله فالحسبه الى خزق الفار الى شارع القزازين مع ساحة البلديه ومن منطقة الحرم الى باب الزاويه والناس ينظرون باعجاب الى ذاك الجمل على أن يتذوق القادرمنهم طعم لحمه في اليوم التالي … انقسم الاولاد الى فريقين فريق تابع مسيرة الجمل والاخر ذهب لملاحقة ابو حسن ( بلل ) وأبو حسن هذا شخص معاق عقليا كان كبير الجثة والراس وقدماه الكبيرتان تدك الارض حين يمشي متثاقلا  الاولاد اخذو في معاكسته وهو ينهرهم ويلحق بهم وهم يفرون وحين يقف تعبا يعاودون المعاكسه . مع ان بلل هذا من عائله معروفه يقال ان والده قد نذر نذرا قبل مولده أملا في أن يرزق بولد يحمل اسمه وكان ان رزق بابنه المذكور وذبح له الذبائح وأولم الولائم وكبر الولد وأخذ يهرب من المنزل ويدور في الحارات والازقه رافضا العوده الى منزله رغم محاوله أهله المتكرره وأخيرا جعل من أزقه المدينه بيتا له ومرتعا الى أن كبر وأصبح على ما هو عليه وانتقل الى مدينه القدس حيث اهتمت به سائحه اجنبيه اخذته معها الى بلادها لعلاج ساقيه ووضعه في مصحه وملجا لمن هم مثله … الجمل يسير والاولاد يسيرون والمنادي مع الصبيه توقفوا حين أقبل الشيخ حسن ( والشيخ حسن هذا غير أبو حسن بلل ) كان يشاع عنه أنه من أهل الخطوه . وأنه رجل مبارك وأنه من أصحاب الكرامات كان يرتدي أكثر من ثلاثة معاطف فوق بعضها صيف شتاء مع جلباب قصير ومعلقا على المعطف الخارجي بعض النياشين وكان أحدها غطاء قنينة كازوز مثقوبه ومربوطه بخيط وفي رقبته العديد من المسابح الطويله .. كان يسير حافي القدميين قال بعض من ذهبوا لقضاء فريضه الحج أنهم رأو الشيخ حسن يطوف في الكعبه وأنه طار من مدينته الى مكه وعاد قبل عودة الحجيج . ويحكى عنه وعن كراماته الكثير كان يسير في أسواق المدينه يأخذ حاجته لقوته اليومي ومن يدخل دكانه أو بسطته لأخذ أي شيء كان يعتبر ذلك بركه وفال خير لا يطلب من أحد شيء بل يأخذ القليل ويمضي سائرا في الطرقات وأن أعطاه أحد شيئ أو نقود يرفض أخذهم . والغريب ان ساله أحدهم عن الوقت يقول له التوقيت بدقه عجيبه مع أنه لا يحمل ساعه …! بركاتك يا شيخ حسن قال المنادي محاولا اعطائه حبة ملبس حلو لاكنه رفض أخذها وتابع سيره . كذلك جميل انفصل عن هذه المسيره وسار عبر المقبره مختصرا الطريق الى حارته ومن ثم الى البيت … – يما اعطيني خيط تنجيد … – شو عايز تعمل بالخيط يا جميل ..؟ – عايز أربط مغيط الشعبه ( النقيفه ) ..- من وين جبت الشعبه..؟ – اشتريتها ..- يعني عايز تكسر زجاج الناس فيها أو تطبش اولاد الحاره احنا ناقصنا مشاكل .. – لا هذي للعصافير ..- ودروسك لمين مخليهم ..؟ – لازم أصيد كل العصافير على شان يتعلمو ما يفتنوا على الناس .. توجه جميل الى الحاره وجلس على صخره قباله شجره كبيره امام  منزل عبد( البكاكا). وهذا لقبه منتظرا قدوم العصافير كان لبيت عبد شباك يطل على الحاره وله اطار بارز من الحديد عليه تنكات مزروع  بها ورود منزليه متدليه من الشباك وما أن حط عصفور على الشباك حتى عاجله جميل بحجر كان كالقذيفه وانتظر جميل سقوط العصفور لكن الذي سقط هو زجاج الشباك . وأطلت الحاجه ام عبد لترى الفاعل صائحه مستطلعه السبب . وجميل يركض باتجاه المقبره خوفا وليختبى بين القبور آملا أن لا ينكشف سره .. ووجد فسقيه لدفن الموتى لها بابان أحدهم دفن فيه ميت واللآخر فاضي ومفتوح .. فما كان منه الا أن دخل الفسقيه مختبأ .  وكان خوف اللحاق والامساك به أكثر من خوفه من ظلمة القبر..! مرت الدقائق وكأنها الدهر وهو يجلس القرفصاء في زاويه القبر . والليل قد أقبل وهو يصغي الى الخارج  آملا أن لا يعرفه أحد أو يعثر عليه . وسمع صوت   فأ طل برأسه ليتبين المصدر. لكنه لم يرى أحد .. حينها تجمدت اطرافه وشعر بخوف شديد لاعتقاده أن الملائكه تحاسب الميت المدفون حديثا بجواره..!  وزحف الى أن خرج من القبر وركض مسرعا متعثرا وهو ينظر خلفه الى أن وصل البيت وفي اعتقاده أن العصفوره سوف تخبر أمه بفعلته في ذاك اليوم  …ملعونه تلك العصافير تمنى أن تنقرض من الوجود حتى لا تكون هنالك فتنه في الارض …        الى اللقاء في الحلقه القادمه .

                                                    نشرت في جريدة القدس بتاريخ 24-5-2009