مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bahlool@hotmail.com



أرشيف سبتمبر, 2010

كان زمان . ( 11 )

سبتمبر 29, 2010

    

  ( مبيض نحاس امبيض ) هذا ما كان ينادي به أبو أسعد يحمل على كتفه كيسا من الخيش . يجوب الأزقه والطرقات مناديا . انه يعمل في تبييض ألنحاس . يسعى الى رزقه في جمع الأدوات النحاسيه من المنازل . ومن ثم يقوم بعمل ما يلزم لها في دكانه . وكان لا يخلو بيت من أدوات المطبخ والطعام النحاسيه . أما دكان أبو أسعد فكان يستعمل سابقا ياخور للدواب حوله الى صنعته الجديده بعد أن تعلمها ممن سبقوه .. أما ابنه أسعد وهو لم يتجاوز العاشره من العمر . كان يجلس بجوار الكور مستعملا كلتا يديه لتشغيله كي يشعل النار ويزيد أوارها . أما الأب فكان يضع الآنيه على النار ليحميها ومن ثم يضع القصدير عليها ويفركها ليزيد من لمعانها . أما أواني الطبخ الكبيره من الطناجر فكان يضعها أرضا ويضع بداخلها حفنه من الرمل ويقف بداخلها ويبدأ بفركها بكلتا رجليه في حركة تشبه الرقص وهو يستدير يمينا ويسارا  وابنه أسعد ينظر الى والده باعجاب لعله يريد أن يتعلم أسرار الصنعه كي يخلف أباه بها … نادت ام رشدي على المعلم أبو أسعد . تريد أن تعطيه بعض الأواني لتبييضها .. انها تستعد لعمل احتفال بعد أن تظهر نتيجة امتحان المترك لابنها رشدي . ( وامتحان المترك يعادل التوجيهي هذه الأيام ) . قالت له – دير بالك عليهم .. خليهم يلمعوا مثل الشمس .. ومرحبا بك بالحلوان اذا نجح رشدي .. انها تستعد لهذا الحدث الكبير وكانت قد أحضرت قبل أيام ألمعلم راغب حيث قام بعمل طراشه لبيتها . طالبة منه أن يزيد من رسم الورود وخاصة على مدخل الدار . حيث بدت مشرقه جميله مثل وجه أبو رشدي زوجها الرجل الطيب ألذي عانى وضحي بالكثير من أجل تعليم ابنه رغم ضيق الحال . حتى ألألحفه والمفارش كان لهم نصيب من هذا الاحتفال .. حيث طلبت من ابن الجيران جميل أن يذهب الى دكان المنجد لاحضاره حتى يقوم بتنجيد أغطية النوم تلك … دكان واسع معلق على جدرانه ألحفه منجده ومطرزه .مرسوم عليها لوحات كبيره مليئه بالرسومات والنقوش البديعة ألوانها من عمق الشرق . مكتوب على مدخل المحل ( أبو أحمد سلهب منجد جهازات عرايس ) . كان أبو أحمد يفرش على الأرض لحاف لون ستانه وردي . يطرز عليه بالخيطان ورود وأشكال هندسيه وهو جالس القرفصاء يداه تعملان برشاقة فنان . ووجهه دائما مبتسم .. لا شك أن هذا لحاف عروس . وأجره سيكون مضاعفا . لقد كان جميل واقفا عند مدخل المحل يتأمل ويراقب باعجاب . لقد جعل أبو أحمد من اللحاف روضه مليئه بالأزهار . وكان آخر في الداخل يضرب القطن بعصا وقوس مشدود بحبل يضرب على الحبل فتتناثر كتل القطن كأنها الثلج . دخل جميل وطلب من المعلم القدوم الى بيت أبو رشدي لعمل التنجيد . أعطاه العنوان وغادر المحل .. انه المعلم سلهب أشهر منجد في المدينه … كان حديث الناس في الحاره ذاك اليوم حول نتيجة المترك . والكل يتمنى نجاح رشدي .. حتى أبو طافش زبال الحاره كان نشيطا أيضا . يجوب الأزقه لكنس القمامه ويضعها داخل خرج كبير من الخيش يحمله حماره العجوز .. صاح عندما وصل الى دار أبو رشدي – تنسوناش من الحلوان  . أجابت ام رشدي – يعطيك العافيه .. مرحبا بك حلوان الك وللحمار كمان …! تبسم ونهر حماره – خلينا انخلص بدري اليوم .. وضحك من كان موجودا حينها … ألأعصاب مشدوده بانتظار نتائج الامتحانات وام رشدي قلقه . ومن حولها الجيران والأقارب . أليوم ستظهر نتائج امتحان المترك . وابنها الكبير رشدي ينتظر وصول الجرائد التي تحمل أسماء الناجحين . لأنها كانت الوسيله الوحيده لمعرفة النتائج . أسرع من معرفتها من مديرية التربيه ..! أقبل من البعيد راكضا وهو يحمل جريده ويصيح بأعلى صوته – لقد نجحت .. لقد نجحت . كانت أمه والموجودين يقفون خلف جدار الحاكوره ينظرون اليه .. وعلت الزغاريد .. والنسوه يهنئون ام رشدي بنجاح ابنها . ولهذا الفرح أسبابه . حيث أن رشدي كان أول شخص يحصل على شهادة المترك في العائله بل وفي الحاموله .. وهذا يعني أنه سيعين أستاذ .. ( وكان ذلك . وأصبح الأستاذ رشدي رمزا للعلم والمعرفه بين شباب الحاره والمجتمع ) . استمر الاحتفال بهذه المناسبة ثلاثة أيام مع توزيع الحلوى على المهنئين .. أما الحلوى فكانت زلابيه – وهي عباره عن فطائر تقلى بالزيت وتغمر بالقطر أو يرش عليها السكر . كان نصيب جميل قرص تذكر حين بدأ بأكله درس اللغة العربيه الذي يقول – هل أكلت كرابيج حلب …؟ – كلا لم أذقها لكن معلمي أكل منها وقال أنها طيبه ..! حقا كانت الزلابيه طيبه وتمنى أن تكثر المناسبات السعيده حتى يكون هنالك مزيدا منها . أما ام رشدي فأصبح الجيران ينادونها بام الأستاذ …. عاد الناس بعد الاحتفال الى أراضيهم . لأن موسم الحصاد كان قد بدأ .. وأكوام الغلال على البيادر من قمح وشعير وعدس .. هذا يذري المحصول لتحمل الرياح التبن الى البعيد وتنزل حبات القمح كأنها الذهب .. وآخر يضرب بحزم العدس ويتناثر الحب كأنه شامات على خد عروس حسناء والأغاني والأهازيج الشعبه تنثر في الجو عبق التاريخ . والحمير تدور مع النوارج على الجرون لتطحن القش وتفصل الحب عنه .. الأكياس معبأه بالغلال من خير هذه الأرض الطيبه . ومن لم يزرع الحب وأرضه مزروعة بالزيتون ينتظر حتى موعد قطاف الزيتون ليأخذ منه حاجته من الرصيص وما تبقى يؤخذ الى المعصره . والمعصره تدور ليكون هنالك زيت ولتمتلىء الجرار ولتكون المقايضه بين الجيران . ألعجل يدور ليعصر الزيت وعجل الحياة والأيام يدور .. كان الناس يحبون الأرض . فأطعمتهم وكانت كريمة معهم لأنهم عرفوا قيمتها . هذا لأنهم رووها بعرقهم وأحبوها وتعطروا برائحة ترابها الحبيب . كان زمان …..الى اللقاء في الحلقه القادمه ..

                                     نشرت في جريدة القدس بتاريخ 6.11.2009

كان زمان . ( 10 )

سبتمبر 27, 2010

       

  جميل يحمل صحن به رشتايه متوجها الى دار المدعو صبح . تناولت زوجته ام عبد منه الصحن شاكرة . كان هم جميل ورغبته الملحه أن ينظر الى داخل الغرفه .. لقد سمع أنه يوجد في بيت صبح راديو . وكانت أمنيته أن يرى الراديو - قيل أن صبح أول من أدخل الراديو الى الحاره . وكان يعمل على بطارية سيارة كبيره . حيث لم تكن الكهرباء قد وصلت الى المنازل .. كانت الغرفه مفروشه ببسط من الصوف . ومفروش على دايرها جنابي بقماش مقلم . والمساند من القش تلتف حول الغرفه مع الجنابي وفي الوسط كانون نار من الفخار تعلوه دلة قهوه . وفي صدرالغرفه طاوله خشبيه مجلله بقماش مطرز يعلوها راديو كبير الحجم كان قد اشتراه قبل عدة سنوات . والراديو مجلل أيضا بقماش مخرم . بدت الغرفه وكأنها مضافه لشيخ عرب . أو هكذا أرادها المدعو صبح أبو العبد .. جميل ينظر بفضول يقولون أن الراديو يتكلم .. تمنى تلك اللحظه أن يسمع صوته . كانت دار صبح مكان لقاء وسهرات رجال الحاره . يتوافدون اليها لسماع الراديو . وكل العيون مصوبه نحوه باعجاب وترقب . ومنهم من قال – الدنيا آخر وقت .. صار الحديد يتكلم ..! الله يسترنا من اللي جاي .. وقال آخر – يا جماعه صار الحديد يمشي والعجل بيدور .. ما باقي غير الحجر يحكي وهادي علامة آخر الزمان .! وقال ثالث – الحديد بيحكي وبيمشي وبيطير كمان .. والقيامه رايحه تقوم … هذا ما سمعه جميل حينما تسلل ليلا ليقف بجوار الشباك لغرفة صبح حتى يستمع الى الراديو ويحقق حلمه . وكان له ما أراد . عاد الى منزله وفي نيته أن يخبر أصدقاءه بما سمع ورأى . قال أحد رفاقه – أنا رأيت في قهوة بدران راديو كبير وكان بيتكلم .. أكبر من الراديو اللي بتحكي عنه . علشان والدي بيقعد عالقهوه . واتفق الجميع أن يذهبوا لمقهى بدران والنظر لذلك الراديو .. مقهى بدران موجود في حارة القزازين . أول مقهى كان بالمدينه . يجتمع فيه رجالاتها لسماع الحكواتي . وبعد ذلك حل الراديو مكانه . والمقهى مكان لقاء العمال نهارا . ويكون أحيانا للاجتماعات والمناسبات .. أمامه ساحة واسعه تتوسطها شجرة كبيره وارفة الظلال . يقولون أن النادل الذي يعمل بالمقهى أشطر ( أفضل ) من يجهز شيشة التمباك العجمي . كان الدخان من الشيشه والدخان العربي المتصاعد من الغلايين والسجائر يشق طريقه خروجا عبر باب المقهى الصغير . والناظر للداخل يخال ان ما يراه ضباب . وعيون تلمع ربما من حرقة الدخان ..! صاح من يحمل جره على صدره – عمي يا سيد .. حلي سنونك ..  من جبل الشيخ يا براد .. بيروي العطشان وبيشفي العيان … خروب عسل .. هذه العبارات يرددها بشكل منغم بائع الخروب يحمل ابريق كبير من الفخار على صدره . على بابه الواسع ليفه تلتف حول قطعه من الثلج مزين بأشرطه وبعض الخرز يحمل بيديه صحنان من النحاس يضربهما ببعض بيده ليكون الايقاع والنغم الجميل مع نداءه المتواصل … ترعرع راجي في كنف والديه . وكان كلما أراد والده أن يجري له عملية الختان ( الطهور ) تعترض والدته بحجة أنه صغير . الى أن أكمل عامه الثالث . وبعد موافقة والدته توجه أبو راجي الى دكان مطهر الأولاد . وكان يعمل أيضا حلاق ويداوي ويخلع الأسنان . ويعطي الوصفات الطبيه وكأنه مستوصف متنقل . رأى جميل وهو عائد الى البيت جارهم أبو راجي يسير مع المطهر وهو يحمل شنطته الجلديه مكتوب عليها ( أبو فروه مطهر أولاد قانوني ) . أما ام راجي فقد استعدت للمناسبه حيث أبلغت الجيران والأقارب فتوافدوا الى منزل أبو راجي للمشاركه في هذه المناسبه السعيده . وفي وسط الغرفه أعدت ام راجي للمطهر المكان حيث جلس على جاعد من صوف الخراف وأمامه راجي الصغير ألبسته أمه جلابيه جديده وأحدهم يمسك بيدي الصغير لمنعه من الحركه وآخر يمسك بساقيه . أخرج أبو فروه عدته وبعد بسم الله أتم عملية الختان . ومن حضر من الصبيه ينظرون للحدث بدهشة وشفقه .. حمد جميل ربه أنه ختن في يومه السابع كما أبلغوه حين كبر . أما النسوه فكان غناؤهم يعلوا مع زغاريد والدة راجي -( طهره يا مطهر وأعطيه لأمه – طهره يا مطهر وأعطيه لأبوه) .. وما كان من ام راجي الا أن وضعت ما قصه الحلاق اي المطهر في حبة قطين وبلعتها . وهذا في اعتقادها فأل حسن كي ترزق بأخ لابنها راجي ( وكان أن رزقها الله في العام التالي بتوأم لكن من الاناث ..) أوصى المطهر ام راجي بما يلزم على أن يعاود زيارته بعد يومين . وتناول صحن من المهلبيه مع أجرته كما الآخرين وغادرهم الى مكان عمله .. كان الاحتفال للنسوه نهارا . وفي المساء بدأت وفود الرجال بالوصول الى منزل أبو راجي للمباركه ومشاركته فرحته وكان مستعدا لاستقبالهم والترحيب بهم . وكان بين من حضروا أبو شحده . رجل في العقد الخامس من عمره . صغير الجسم حنطي البشره . جلس بزاوية الغرفه وبجواره عصاه الذي صنعها بنفسه من غصن بلوط . عيونه صغيره ووجهه يلمع كالعاده لأنه مدهون بزيت السيرج . وهذه عادته ولا أدري سببا لذلك . يدور الحديث بين الحضور بشتى المواضيع . وأبو شحده يبقى صامتا وجهه لا يتحرك مثل أبا الهول .. بعيونه الصغيره ينظر للاشيء كأنه يبحث عن كلمة ضائعة في قاموس ذاكرته المميزه .. هو يعلم أنه سيكون مسك الختام .. وعندما يتحدث يصمت الجميع .. ! ان أبا شحده ظاهره قل مثيل لها .. كان قد حفظ في صباه حكايات بني هلال وعنتره وسيف بن ذي يزن من الحكواتي أو الراوي مع أنه لا يعرف القراءه أو الكتابه . كان يعيد سرد تلك الحكايات دون زيادة أو نقصان ولو بحرف واحد ..! والأغرب من ذلك أنه لا يستطيع الحديث أو سرد تلك الحكايات الا وبيده ورقه . أية ورقه حتى وان كانت بيضاء أو أي لون . مكتوب عليها أو دون كتابه . كان يمسك الورقه بيده وينظر اليها ويروي الحكايه مع طولها بأسلوبه المشوق من سرد وشعر . كانت هذه الحكايات عالمه يتفنن فيها ويمتع المستمعين وكثيرا ما كان الانفعال مرسوما على وجوههم من المبالغه كما هو الحال في الأساطير أو الحكايات الشعبيه القديمه .. روى أبو شحده ليلتها حكاية أبو زيد والزير سالم . وأنهى حديثه بكلمة تصبحون على خير وطوى الورقه ووضعها في جيبه وهذه علامة النهايه .. غادر الجميع تلك السهره الى بيوتهم وكل منهم مسرور بما تحدث وما سمع .. لأنه في ذاك الزمان لم يكن هناك وسائل تسليه غير هذا . وكان لكل مجتمع عالمه الخاص ورموزه وحكاياته ومفهومه للأشياء كما يشاء . وأبو شحده هذا كان درة التاج في جلسات أهل الحي لطيبته وحسن معشره …                    الى اللقاء في الحلقه القادمه                 

                             نشرت في جريدة القدس بتاريخ 30-10-2009

كان زمان . ( 9 )

سبتمبر 26, 2010

   

  – كلها يومين تلاته وابنرجع – مش ممكن اخوانا العرب يخلونا بهل الحال – هذا ما قاله من هاجروا وهجروا من ديارهم عام 48 . وكان من بينهم الحاجه حلوه - أتت الى الحاره تحمل حفيدها الصغير غنام . وسكنت في غرفة صغيره . وربطتها بالحاجه سعديه صداقه كما نساء الحاره جميعا . كانت تحدث النسوه عن بلدتها وعن بيارات البرتقال وذكريات أيامها وفي عيناها دموع الألم والشعور بالغربه . هي لم تكن تعلم أين أهلها .. وما صنع الزمان بهم . ربما وجدت بعض العزاء بمن هم حولها من أهل الحاره يواسونها ويعينونها على غدر الأيام . الحاجه حلوه احتجبت في غرفتها لعدة أيام . وهذه ليست بعادتها حيث كانت مثل الملح في الزاد تشارك النسوه جلساتهن وكن يتندرن عليها مازحات – بدنا انشوف الك عريس وانجوزك – فتضحك ويضحكن . أرسلت الحاجه سعديه جميل الى غرفتها لاستطلاع سبب غيابها وكانت المفاجئه – الحاجه حلوه مستلقيه في الفراش وبجوارها حفيدها يئن بصوت خافت . عاد جميل مسرعا الى والدته ليخبرها بما رآه . أسرعت الحاجه سعديه بعد أن جمعت بعض النسوه وذهبن لزيارتها - كانت الحاجه حلوه مستلقيه على فراش وجهها شاحب وعيناها جاحظتان وبجوارها غنام الصغير وكأنه جثة هامده . كان فمها قد انحرف الى ناحية من وجهها قالت احداهن – بسم الله الحاجه حلوه لمسها الجن – أما الحاجه حلوه كانت عيناها تنظران الى الجميع وهي غير قادره على الكلام غير صوت متهدج وغير مفهوم قالت أخرى – لازم ناخدها الى الشيخه أم سليم الفتاحه علشان تخرج منها الجن- دستور يا رب يجعل كلامنا عليهم خفيف – وكان لفتاه شابه رأي آخر حيث قالت – الأحسن ناخدها على (الكرنتينا ) وهو مستوصف في المدينه  وبيشوفها الدكتور – أجابتها احداهن – هاذي مشكلتها ما بينفع فيها الدكتور يعني علشان انتي قاريه في المدرسه عايزه اتفهمينا واتقولي انها الحكمه أحسن … لا يا ستي المثل بيقول – أكبر منك بيوم أفهم منك بسنه . ( ولحتى الآن من يعتقدون بهذا المثل . وليس للعلم عندهم أي قيمه ) . حمار عبد البكاكا يحمل الحاجه حلوه والنسوه يسرن في خلفها وجهتهم بيت الفتاحه أم سليم … كن يتمتمن بالأدعيه والاستعاذه بالله من الجن والشياطين وأن يجعل للحاجه حلوه من هذه المشكلة مخرجا .. – ام سليم تجلس في صدر الغرفه وأمامها كانون به نار . وشباك الغرفة الصغير مجلل بقطعة قماش لمقاومة الضوء وأشعة الشمس كي لا تتسلل لداخل الغرفه . والحاجه حلوه ممدده في وسط الغرفه والنسوه جلسن يحطن بها وعيونهن تراقب ام سليم والخوف أخذ منهن كل مأخذ . حفنة بخور وضعتها أم سليم فوق النار فأخذ الدخان  يتصاعد مما زاد في رهبة النسوه وهذا يفي في الغرض . وأخذت تنظر الى وجه المريضه لقراءة ملامحه وهي تهز برأسها ويداها ترتجفان . نثرت حفنه بخور أخرى وصاحت – دستور يا أسيادي .. يا لطيف يا لطيف ويجعل البلا عليها خفيف .. الحجه لابسها جني .. لكن الحمد لله الجني مؤمن . وانشاء الله سأقوم باخراجه … لكن هذا يحتاج الى ديك أحمر سمين ورطل زيت زيتون بكر . ووقية بخور جاوي من العطار … هذي الأغراض علشان ارضاء الجن حتى ما يؤذوها ..! جمعت النسوه النقود كل حسب امكاناتها وأحضرن الى أم سليم ما طلبت وقالت – الحجه لازم اتنام عندي الليله لزوم الشغل . وقامت بعمل المساجات لوجهها وبصفعها محاولة تعديل فمها لكن دون جدوى حتى أصبح وجهها متورما من شدة الضرب . وبعد يومين حملنها النسوه الى بيتها وهي فاقدة الوعي وكان عذر الفتاحه أن جني آخر من الكفار قد دخل جسدها بعد أن أخرجت الجني المؤمن منها وطبعا صدقنها النسوه .. وبعد حوالي أسبوع توفيت الحاجه حلوه وعم الحزن جميع من بالحاره على فقدها . أما حفيدها الصغير غنام فلقد تعهدت به احدى الأسر وربته بين أبنائها كأنه واحد منهم . وكانوا كلما يفتقدوه يجدوه جالسا الى قبر جدته وكأنه يواسيها أو لتواسيه في غربتهم … وكبر غنام وتعلم بالكتاب والمدارس وأنهى تعليمه وتزوج من الحاره وسكن فيها كواحد من أهلها في هذه الأسرة الكبيره المتحابه . لأنه لم يكن يعلم أين أو مصير أهله الحقيقيين فكانوا هم الأهل وكان هو الابن البار والمثل في الأخلاق لمن حوله … في ساحة مكشوفه بين الغرف تسمى – الحضير – كانت الحاجه ام عطيه تعمل المفتول . وهو يصنع من دقيق القمح وبعض السميد . تجلس وأمامها جاط كبير مقعر يسمى ( ألباطيه ) تداعب بأناملها حبات المفتول وكأنها تنسج عباءه من حرير . وبالجوار قدر على نار الحطب لتبخير المفتول الجاهز . وبعض النسوه يقمن بهز المحصول بواسطة غربال وأخريات يقمن بفرده على شرشف من القماش لكي يجف … أما الحاجه سعديه وأخرى كانتا يقمن بفتل الشعيريه بواسطة برم او فتل العجين بالاصابع لتخرج حبه صغيره مثل حبة الشعير تنزل على غربال أو منخل . وعندما يمتلىء الغربال يعرض لأشعة الشمس حتى تجف الشعيريه كانت تحضرها لموسم الشتاء . وتطبخ مع البندوره أو مثل الأرز المفلفل ويوضع عليها السكر .. قالت احداهن ألله يرحمك يا حجه حلوه . بكره بيصير الها 40 يوم متوفيه . وفي صباح اليوم التالي قامت الحاجه سعديه بتحضير العجين والعدس لتطبخ بهم – عدس برقاق – وتسمى أيضا  ( رشتايه ) لتوزعه على الجيران بمناسبة أربعين الحاجه حلوه صدقه لروحها الطاهره … الحاجه سعديه تغرف من القدر الكبير لتضع في الصحون . وفوق كل صحن تنثر القليل من البصل وكذلك رشه من السماق . أما جميل فكان دوره توزيع الصحون على البيوت بعد أن أوصته أمه أن لا يأخذ شيئا من الجيران كأجر أو اكراميه له كي يكون الثواب أكبر لها وللحاجه حلوه جارتها الحبيبه . قبل جميل هذه الوصيه ولكنه لم يقدر أن يقاوم اغراء تعريفه كانت تلمع أعطته اياها احداهن … أخذها بعد تردد وأخفاها في جيبه على عجل بعد أن نظر الى السماء ومن حوله وتأكد من عدم وجود عصافير كي لا تخبر أمه …             الى اللقاء في الحلقه القادمه

                                                              نشرت في جريدة القدس بتاريخ  4-10-2009

كان زمان . ( 8 )

سبتمبر 24, 2010

 

(الحلقه الثامنه)

         انقضى العيد وهاهم كبار السن من الرجال يجلسون في مكان لقائهم عصر كل يوم ويسمى هذا المكان (ألمقعد) وهو موجود بجوار سور المقبره عند مدخل الحاره يجتمعون فيه كل يوم يتسامرون ويلعبون السيجه وتسمى أيضا البياته . يصنعون مربعاتها في التراب بشكل حفر صغيره . أحدهم يلعب بالحصى الصغيره ومن يشاركه اللعب يلعب بقطع زجاج صغيره أو أي شيء آخر غير الحصى وذلك للتمييز بين اللاعبين . وكان الحضور ينقسمون الى فريقين كل فريق يشجع لاعب . كنا نسمع صياحهم وضحكاتهم وتعليقاتهم من حين لآخر وكان حديثهم في ذلك اليوم عن الحج لبيت الله الحرام من منهم ذهب للحج ومن لم يذهب ومن يستعد للذهاب من أهل الحاره . لأن موسم الحج قد أقبل ومن أدى الفريضه يسرد ذكرياته عن تلك المناسبه متمنيا العوده مرة ثانيه . ويستمر بهم الحال الى ما قبل صلاة المغرب حيث يتفرقون ويذهب كل واحد منهم الى منزله يستعينون بعصيهم بالمسير . عباءاتهم تكسوا أجسادهم المنحنيه وقنابيزهم تلف أجسادهم الذي طحنها الزمن وطرابيشهم على رؤوسهم مستودع لحفظ حاجياتهم الثمينه من أوراق رسميه ونقود . وكل واحد منهم يدعو الله أن يرى صباح يوم آخر . كان لهم كل الاحترام والتقدير حتى أن النسوه والأولاد كانوا يخشون المرور من أمامهم خوفا واحتراما . وكانوا يسيرون عبر طريق أخرى فرعيه مع طولها وذلك تجنبا لهم مع أن النسوه كانوا يضعون خمارا من طبقتين على وجوههن ويلبسن ( الكاب ) وهو رداء أسود طويل مع غطاء أسود اضافي على الرأس ينزل حتى أسفل الظهر والصدر. ويكون عريض حتى لا تظهر تفاصيل الجسم . وكبار السن من النسوه يلبسن ( الدراعه ) وهي دشداشه عريضه من الستان الأزرق الغامق ويضعن على رؤوسهن ( الشاشيه ) وهي غطاء للرأس والوجه من الشاش الأبيض .ويغطين وجوههن به مطبوع عليه رسوم نباتيه باللون الأسود كي تخفي معالم الوجه وتفاصيله وفوقها يضعن على رؤوسهن ( المنشفه ) وهي تغطي الرأس وتلف الجسد تشبه عباءة الرجل ولكن من قماش أبيض . وعندما تضطر أحداهن للنظر الى شيء ما تكشف عن عين واحده للرؤيا حرصا منها على الستر وربما من الحياء … الحاره في حركة دائمه وفود الرجال تزور من سيتوجهون لأداء فريضة الحج . والنسوه كذلك يودعن قريباتهن ومن كان ينوي الحج يلبس الزي الأبيض متمنين للحجيج العوده بالسلامه . أما النسوه فلهن طريقتهن الخاصه حيث تبدأ جلساتهن بعد السلام بالمديح . عيونهن فيها مزيج من الفرح والألم لأن الحاج كان يمضي أكثر من شهرين بين ذهاب وحج واياب ومن المدائح ( حجنا طاح البحر بايده كيله – يارب تعيده سالم لهل عيله – وخدوا معكوا دقه لو نويتوا السفر ) وغير ذلك الكثير والجميع يوصي الحجاج بتبليغ السلام للرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام . وبعد عدة أيام حضرت الى الحاره سيارة شحن كبيره تم تركيب كراسي في صندوقها ووضع غطاء من الخشب عليها . كانت للحجاج زفه من بيوتهم الى تلك الحافله الواقفه في منتصف الحاره كانوا يلبسون الملابس البيضاء وبأيديهم المظله لوقايتهم من أشعة الشمس و يتمنطقون بأحزمه من الجلد كي يحفظوا بها أوراقهم ونقودهم . تم توديعهم بالدعاء والدموع والكل يمني النفس بتلقي هديه حال عودتهم بالسلامه ولو حتى شربة من ماء زمزم . وانطلقت الشاحنه تحمل الحجيج وعلى ظهرها متاعهم والأيدي تلوح لهم  الى أن غابت عن الأنظار … ألحاج عوده رجل يحبه جميع من بالحاره لدماثة خلقه وطيبته يسكن في غرفة من الطراز القديم تتوسط حاكوره صغيره فيها بعض الأشجار في طرفها شجرة بيلسان . كانت مقصد الجميع للحصول على زهرها الأبيض الجميل كي يشرب منه بعد غليه لمن يسعل أو يشعر بضيق في التنفس . ولكي يوسع على عائلته بالسكن بنى غرفه بجوار مسكنه القديم وحضر المونه المطلوبه لعمل سقف الغرفه ( العقد )كان ذاك يوم الجمعه حيث اجتمع اليه رجال الحاره وشبابها لعمل السقف وكان هذا يسمى ( العونه ) أي أن الجميع يساعدون الفرد في السراء والضراء . أبو علي جعل من نفسه كبير البنائين كان يقوم بمد الخلطه والتأكد من أنها مستويه مع ميلان خفيف ناحية المزراب الموصل الى البئر. ألشباب كخلية نحل يعملون الخلطه وآخرون يحملونها ويصعدون السلم الى السطح ليكون في انتظارها أبو علي ومن يساعده . أما عبد البكاكا فكانت مهمته احضار الماء من بركة السلطان محملا على حماره لاستعمال البناء لأن بئر الحاج عوده كان فيه القليل من الماء لاستعمال الشرب والطبخ له ولبعض جيرانه ممن لم يكن عندهم آبار… ما أجمل ذاك المشهد حيث تكون روح الجماعه وعملهم على قلب رجل واحد وما أن انتهى الجميع من العمل كان الحاج عوده قد حضر لهم غذاء تناولوه مع توزيع حلوى راحة الحلقوم عليهم وودعوه مع المباركة له وشكر الجميع لهذه العونه داعيا لهم بالتوفيق وأن يرد جهدهم له بالمسرات …  طائرات الورق تزين السماء بألوانها الزاهيه الجميله وطائرة جميل كانت واحده منهم وفجأه أقبلت سيارة شحن تتهادى من شارع الكراج نزولا الى السهله تتجه جنوب المدينه . رآها الصبيه وعرفوا ماذا تريد سارعوا بلف خيطان طائراتهم لسحبها واللحاق بالسياره حيث رآهم السائق وتوقف عن المسير طالبا منهم الصعود الى صندوق السياره وتابع المسير . كانت وجهته الفاخوره – مكان صنع الفخار – ويريد الصبيه لتحميل السياره . وكان الفخار في حينه سلعة رائجه لعدم وجود البلاستك والألمنيوم . الأولاد يتسابقون في تحميل السياره وصاحب الفاخوره ينبههم ويطلب منهم الحذر كي لا ينكسر الفخار. وبعد جهد متواصل امتلأت السياره بالأباريق والجرار والصحون ومستوعبات الزراعه وغير ذلك ووقف الأولاد في صف أمام صاحب الفاخوره لتقاضي أجرهم وكان نصيب كل واحد منهم قرش وأبريق أما الأباريق فكانت مكسوره بشكل بسيط اما من الباب أو فتحة شرب الماء ( البعبوز ) لكنها صالحه للاستعمال . حمل جميل الأبريق والقرش في جيبه لقد تبدد فرحه بأن تمزقت طائرته الورقيه . تحسس القرش في جيبه قائلا – لا بأس سأعمل غيرها ولكن يجب الحصول على – البوص – أولا وستكون أجمل من السابقه وأكبر . ونام ليلته وهو يتخيل شكل الطائره وألوانها  كما تمنى أن يبقى الناس على حالهم وغير قادرين على شراء أدوات الطعام القاشاني وكان يسمى ( الصيني ) نسبة للصين لأن هذه الأشياء كانت موجوده فقط في بيوت الأغنياء لاستعمال الأكل والزينه كي لا يفقد رزقه ويعمل مرات أخرى في الفاخوره …..

نشرت في جريدة القدس بتاريخ 7-9-2009

 

كان زمان . ( 7 )

سبتمبر 23, 2010

(الحلقه السابعه)

استعد التجار لقدوم شهر رمضان المبارك . محلاتهم تعرض المواد التموينيه من قمر الدين والجوز واللوز والنشاء وغيرها الكثير. ومحلات الخضار مع البسطات تزدان بألوان الخضار والفواكه . صوت الباعه ينادون على بضائعهم وباعة السوس والخروب يملؤون الاباريق الفخاريه بشرابهم اللذيذ . وباعة القطايف والحلويات الشعبيه  ينتظرون هذا الشهر الكريم بفارغ الصبر حيث أنه موسم جيد لعملهم . والرجال يملؤون الاسواق عصرا يتسوقون كل حسب امكاناته . وجميل طلب من والدته أن تخيط  له كيسا صغيرا مع دكه بداخلها خيط ليعلقه في رقبته وهذا الكيس يستعمل لوضع الحلوى نهارا استعدادا للمدفع أي أذان المغرب والافطار ليتم أكلها فيما بعد . وهكذا كان الحال بالنسبه للأولاد الاخرين كل له كيس وكل واحد يتباهى بمحتويات كيسه  وهم مجتمعون قبل الأذان بدقائق وعيونهم مصوبه نحو جبل الرميده المطل على المدينه حيث كان يوجد مدفع رمضان . وما أن يخرج الصوت والدخان حتى يركض الصبيه الى بيوتهم منشدين – افطروا يا صايمين والفرحة تغمرهم  . أما الحاج عواد المسحراتي فكان يجوب الشوارع والأزقه والقناطر قبل أذان الفجر يحمل على جنبه تنكه ربطها بحبل وبعصا يضرب التنكه بأيقاع جميل منشدا -  يا نايم وحد الدايم وحدوا الله قوموا اتسحروا – يا نايم وحد الدايم . وصوت الطرق على التنكه مع الايقاع يتحدان مع صوته الجميل لتقوم النسوه باعداد السحور بما تيسر من موجودات البيت . أما الحرم الابراهيمي الشريف فكان كعادته يكون مكتظا بالمصلين وخاصة في هذا الشهر الفضيل والحرم مبني فوق المغارة التي تحوي جثامين نبي الله أبراهيم وأبناؤه وزوجاتهم عليهم السلام جميعا . رائحة البخور تنبعث من الغار الشريف الموصل   لتلك المغاره والشيخ شفيق يرتل القرآن بصوته العذب ورأسه في حركة مستمره يسارا ويمينا كأنه بندول الساعه.  كان يحس بمن حوله وكأنه يراهم ببصيرته فيحلق في التلاوة وكأنه محمول على أجنحة الملائكة . والخشوع يملىء القلوب والعقول بالايمان كيف ولا وهم في ضيافة خليل الرحمن عليه السلام .. لأن الحارة مكتظه وبيوتها متلاصقه كانت روائح الطبخ تعبق الأزقه وخاصة في شهر رمضان المبارك ويكون ذلك بعد العصر ومن العادات التي كانت موجوده في تلك الايام أن ترسل كل واحده الى جاراتها صحن طبيخ لأن أطفالها قد اشتموا الرائحه وبهذا يتبادلون صحون الطعام وتكون النتيجه أن يكون على الموائد أكثر من صنف والكل يحمد الله . أما صلة الرحم فهي حكاية أخرى كانت متجذره في النفوس وليس بها مرائاة أو للدعاة في أغلب الأحيان مثل هذه الأيام يبحثون عن الأغنياء والواصلين تقربا لهم وينسون من هم بحاجة الى العطف والرعاية حتى من الأقارب والمقربين . الوقت بعد الأفطار والصبية أخذوا يتوافدون على الحارة وجميل يقود مجموعة كبيره منهم والمهمه هذه الليله مثل سابقاتها حيث يقوم الصبيه – بالحواية – وهي أن يتوجه الجمع الى منزل من عندهم أولاد صغار ويقوموا بالمديح طالبين الحلوى والبقشيش ومن أناشيدهم – لولا فلان ما جينا – حلوا الكيس وأعطونا – أعطونا حلوانا – صحتين بقلاوة – جايه علنا جايه – جابت العصايه وجابت التحلايه – الله أيخليه لأمه – ويرد الجميع آمين – الله يخليه لأبوه – آمين الى آخر مسميات العائلة الى أن تطل عليهم ربة البيت أو رجلها لأعطائهم ما تيسر من الحلويات أو الموالح ليوضع في كيس يحمله كبيرهم وفي آخر الجولة بعد أن يزوروا العديد من المنازل يقوم من يحمل الكيس بتوزيع حصيلة ما جمعوه تلك الليلة على الجميع  وبالتساوي . وهذه العاده موجوده أيضا في دول الخليج وتسمى (القرقيعان ) وفي الأيام الأخيره من الشهر الفضيل يقوم المؤذنون بالمديح من على المآذن يودعون الشهر آملين أن يعود على الجميع في راحة بال وهناء .. النسوه يقمن بتحضير الحلويات للعيد وصندل جميل مهترىء لا ينفع فيه التصليح لأنه قام بذلك أكثر من مره وبعد الحاح وافقت والدته  أن تشتري له صندلا جديدا كي ينتعله يوم العيد . كانت والدته تصنع لعبة صغيرة من القماش لتعطيها لشقيقته الصغرى صبيحة يوم العيد وبعد أن أتمتها وعملت لها فستلنا صغيرا ووضعت لها الأعين والفم بالخيطان أخذت جميل معها الى السوق . سارا سويا الى أن وصلا الى خزق الفار وهو قنطره معقوده يتفرع منها شارعان – حارة القزازين وسوق الخواجات – ومن معالم سوق الخواجات معصره للسمسم تصنع السيرج والحلاوه والطحينه والكسبه وآخر السوق يتفرع الى سوق اللبن وسوق العطارين وسوق الاسكافيه وهذا السوق هو المقصود . هو عباره عن شارع ضيق على جنباته دكاكين صغيره مبني من زمان المماليك وكل دكان يجلس به صاحبه ومن يعمل عنده يصنعون الأحذيه الجلديه والصنادل وكان نعلها يؤخذ من عجلات السيارات المستعمله ويكون وزنه ثقيلا لكن سعره في متناول الناس وكان من يقتني صندلا جديدا بلونه الأحمر أو الأسود يكون موضع أعجاب وربما الغيرة من الصبيه الآخرين . حمل جميل الصندل فرحا وعاد الى البيت وهو يحلم بيوم العيد لينتعله مع الملابس التي اشترتها له والدته من سوق الباله ( العتق ) أي الملابس المستعمله . كان يشعر أنه أسعد مخلوق في العالم .. غدا سيكون عيد الفطر السعيد هكذا قال المؤذن من على المأذنه . هرع الصبيه الى الحاره فرحين وأخذوا يطوفون الأزقه منشدين – بكره العيد أو بنعيد – نذبح بقرة السيد – والسيد الما  عنده بقرة – بنذبح بنته هالشقره .. !! كان الطقس جميلا صبيحة يوم العيد الرجال يتوافدون الى الحرم الأبراهيمي الشريف يسبحون ويكبرون في طريقهم لأداء صلاة العيد والصبيه لبسوا أجمل ما عندهم ينتظرون نصيبهم من العيديه نصف قرش ومن يدفع القرش فهذا عطاء جزيل . وبعد انتهاء الصلاة يتوافد الجميع الى المقبرة لزيارة موتاهم وقراءة الفاتحه على أرواحهم وتوزع الحلويات صدقه للموتى وخاصة من توفي منهم حديثا وبجوار المقبرة نصب ابو موسى مرجوحته الخشبيه استعدادا للعيد وكانت تحتوي على اربعة صناديق وكل صندوق به مقاعد تتسع لأربعة أولاد .  أخذ عرقه يتصبب وهو يقوم بسحب الصناديق كي تدور المرجوحه وهو يصيح بالدور يا أولاد الكل ابيركب وشنطه من الجلد مربوطه بوسطه يجمع فيها  ما يدفعه الصبيه من نقود . خمس دقائق أو أقل ينزل الصبيه ليركب غيرهم والمكان ملىء بالباعة هذا يصيح – ترمس زاكي – وآخر هريسه بالسمن – وبليله سخنه – وبوظة الأسكمو – يحملها الباعة بصناديق خشبيه وغير ذلك أشياء كثيره  . اكتفى جميل بأن يركب مرتين على المرجوحه وتوجه هو وبعض أصدقائه الى شارع باب الزاويه كي يستأجر عجله بقرش لمدة ربع ساعه وكان له ذلك . وطاف بالعجله أرجاء المدينه مستعرضا مهارته . نسي الوقت  ومضى أكثر من ساعتين ولم يكن يحمل نقودا . نزل عن البسكليت قبل وصوله للمحل بمسافه ووجه الدراجه اليه ودفعها وولى هاربا وصاحب المحل يلحق به دون أن يحصله . التعب أخذ منه مأخذا وعندما وصل أطراف حارته نسي التعب لأنه تذكر طعام العيد . أنها المقلوبه لقد أنتظرها طويلا وأخيرا تحقق حلمه ….

الى اللقاء في الحلقه القادمه

نشرت بجريدة القدس بتاريخ  9.8.2009

كان زمان . ( 6 )

سبتمبر 12, 2010

    

   بعد انقضاء طعام الغذاء لحفلة الزواج كانت قوالب السكر مصفوفه على طاولة خشبيه . أحضر هذه القوالب بعض المدعوين لتكون نقوط ومباركه للعريس . ومن لم يحضر معه سكر يقوم ليلا بدفع النقوط حيث يقف أحدهم يحمل منديلا مناديا لمن يرغب أن ينقط العريس . ويتم دفع المبلغ مع ذكر اسم صاحبه ويقوم اخر بتسجيل الاسم مع المبلغ . لأنه يتوجب على العريس رد هذه المبالغ الى اصحابها في مناسباتهم اللاحقه … توجهت الجاهة وهي من كبار القوم ووجهائه الى بيت والد العروس طالبين الاذن والسماح بأن ترافقهم العروس الى بيت الزوجيه . ويتم ذلك بعد شرب فنجان من القهوة مع الشكر لوالد العروس وذويها … النسوه تزف العروس بعد أن سبقهم الرجال .. والعريس يقف على حائط يعلو مدخل منزله حيث يقوم برمي ورش الملبس الحلو على رأس العروسه ومن يكونوا بصحبتها . والصبيه يتدافعون لنيل نصيبهم من الملبس ولا مانع ان كان قد وصل الارض وتلوث بالتراب . ومن التقاليد ان تقوم العروسه بكسر بيضه على عتبة المنزل بان تدوس عليها بحذائها . وتقوم العروسه ايضا بلصق عدة وردات على جدار المنزل بواسطة العجين . وتقوم والدة العريس بتوزيع لقيمات من فطائر معجونه بالسكر والسمن ( وتسمى فطائر العروس ) على المرافقات ويعتبر هذا فأل خير لمقدم العروسه … الوقت بعد صلاة العصر وفي الحاكوره المجاوره للبيت يلتف الشباب حول العريس ليقوموا بعمل الحمام له . اناء كبير من النحاس يسمى ( طشت) يقف بداخله العريس واحدهم يحمل ليفه مع صابونه نابلسيه واخر يحمل كيله ليصب الماء على رأس العريس نزولا الى كامل جسده العاري . ويتم فركه بالليفه والصابون النابلسي والشباب يغنون اغاني خاصه بالحمام ولا يخلو جسد العريس من الوخز والقرص والضرب الخفيف من رفاقه حتى يصبح جسده احمر اللون . وهو يصيح ويتوسل اليهم ان يكفوا عن ذلك . وأما زفة العريس فكانت تبدأ بعد صلاة العشاء من الحرم الابراهيمي الشريف . ولقد قام اهل العرس والمدعوين مع العريس بالتوجه الى الحرم . وكان صوت الشيخ شفيق يعطر الحرم بآيات مباركه من القران الكريم حيث كان يجلس دوما بجوار الغار الشريف وهي فتحه داخل الحرم مضائه بقنديل يقال انها تؤدي الى المغاره المدفون بداخلها الانبياء وزوجاتهم عليهم السلام . يلتف حول الشيخ شفيق الحضور بخشوع لسماع ترتيله بصوته الحنون والمميز . رأسه كان يلتف الى اليمين واليسار اثناء التلاوه وكأنه يوزع نور وجهه البهي على مستمعيه … انتهت الصلاة والحضور يتجمعون خارج الحرم في ساحة يلتفون حول العريس في حلقه . والشيوخ والاطفال يسيرون من خلفه . اما الشباب فكانوا في المقدمه وحملة المشاعل والفوانيس على الاعمده وهي عباره عن قناديل يتم استئجارها من المعلم نمر صاحب محل تصليح وتأجير الدراجات الهوائيه وتصليح القناديل وبريموس الكاز … الموكب يسير معلنا بداية الزفه ( والاسكنبيل ) وهذا لقب المنشد الذي يتوسط الحلقه حيث يقوم بالانشاد باهازيج تلك المناسبه ومنها ( امينه في امانيها وعريس الزين يتهنى ولندن مربط خيولنا ) وغيرها الكثير من الاهازيج والاناشيد التي تقال في مثل هذه المناسبه أي زفة العريس ( والاسكنبيل ) كان  رجل قصير ممتلىء الجسم صوته جهوري يسمع عن بعد حتى بدون مايكرفون لانه لم يكن متوفر وقتها . كان ينشد والشباب يرددون من خلفه تلك الاناشيد . ويصول ويجول في حركات ايقاعيه تعبيريه كأنه لاعب سيرك . وبعد ان عبرت الزفه عدة شوارع في المدينه توجهت الى منزل العريس . وتم ادخال العريس الى حفل النساء عند عروسه وهو يسير بالمقلوب . هكذا كانت العاده اما الرجال فعادوا الى الزاويه لتمضية باقي السهره . والنسوه يستمتعن  بالاحتفال بوجود العريس الى منتصف الليل ويغادرن الحفل بعد الحصول على مخلوطه من الفستق والزبيب والملبس والقضامه متمنين للعروسين السعاده والتوفيق . وكانت والدة العروس تحضر الفطور صباح اليوم التالي الى العروسين وهو عباره عن حمام محشي وبعض الكباب او كل حسب امكاناته كي يكون فطورا لزوج ابنتها وعروسه مع دعائها لهما بالتوفيق … بيت جميل ليس ببعيد عن بركة السلطان الكائنه بجوار المدرسه الابراهيميه التي كان يدرس بها . وهذه البركه كانت ملتقى الاولاد وخاصة ظهيرة الايام الحاره . وكان هذا بعد الانتهاء من الدراسه . الوقت اخر الصيف وكانت هذه البركه بالاضافه الى المقبره المتنفس الوحيد والمصيف المفضل للاولاد . حيث يقومون بالسباحه ويتعلمونها وهم في سن صغيره . ومع ان مياه البركه كان لونه اخضر دون اشراف او مراقبه من البلديه او وزارة الصحه . فهذا كان لا يعني شيئا بالنسبه للصبيه او حتى لاهاليهم . كان للبركه مصطبه يقف عليها الاولاد ليقفزوا الى الماء والكل يتفنن في قفزته بين اعجاب الحضور وهتافهم . ومن كان منهم شجاعا كان يقفز من فوق سطح المدرسه الابراهيميه او البناء المقابل لها من ارتفاع حوالي الستة امتار . ومن يقوم بهذا من الصبيه كان يعتبر بطلا وينال التصفيق والهتاف . جميل كان يقضي ساعات في السباحه وحاول اكثر من مره تعليم شقيقه فريد السباحه لكنه لم يفلح في ذلك لان فريد كان يخاف من الماء ويفضل اللعب في جلول البلور مع اقرانه من الصبيه . اما ليلا فكانت لعبة الاولاد المفضله هي الغمايه حيث كان الاولاد يختبؤون بين الازقه وفي الاحواش وبين القبور ويقوم من عليه الدور بالبحث عنهم . والغريب ان هذا كان يحدث ولم تكن الاضائه بالكهرباء في ذاك الوقت موجوده وخاصة في الشوارع . كم كانت الحياة مختلفه عن الحاضر . تذكر جميل كيف كانت والدته تخيفه بالعسكري عندما يتردد بالامتثال لطلب ما . وصورة العسكري بقلنسوته التي يعلوها رأس سهم ما زال يذكرها جيدا . كيف لا وقد قام احد العساكر بضربه حينما شارك في مظاهره وهناك صوره اخرى مازال يذكرها حينما قام احدهم بسرقة دجاجتين وبعد ان القت الشرطه القبض عليه علقت الدجاجتين في رقبته وطافت به ارجاء المدينه ليكون عبره لغيره … هذا دلال المدينه يصيح بأعلى صوته .  يا أهل البلد الحاضر يعلم الغايب أن فلان فقد حماره . لونه كذا ومن يجده له المكافئه والاجر والثواب من الله . كان يطوف المدينه والصبيه يتبعونه كي يأخذوا الحلوان من صاحب الحمار عندما يعثر عليه . وكان يقوم هذا الدلال بتبليغ اهل المدينه بالقرارات الصادره من الحكومه او البلديه للعلم والالتزام . جلس جميل على سور المقبره الحجري قبالة ورشة المعلم  (عبد شريتح) وكان هذا لقبه الذي كان يصنع العربات التي تجرها البغال والخيول . وذلك كي يجفف جسمه وملابسه المبلله بعد السباحه.  وكان ينظر الى صاحب الورشه وهو يقوم بصنع العربه بأعجاب لمهارته حيث كانت عرباته مميزه تأخذ شكل القارب . ومن يريد ان يفتخر بعربته يقول انها صناعة عبد شريتح وكأن اسمه ماركه مسجله . أذ اقبل من البعيد جمع يحملون نعشا يشيعون فيه ميتا لدفنه في المقبره . كان اربعه من الشباب يحملون النعش الخشبي المجلل بوشاح ويسير من ورائهم حشد يشاركون في تشييع الجنازه . استبشر جميل خيرا لان غالبة المشيعون كانوا يضعون الطرابيش الحمراء التركيه على رؤوسهم . وهذا يعني ان المتوفي من عائلة ميسوره . وعدد المشيعين الكبير فهذا يعني ان المتوفي من الاغنياء . وكان من يلبس تلك الطرابيش في تلك الايام هم الاغنياء والوجهاء وبعض المثقفين … الشيوخ يسيرون في المقدمه وعلى راسهم الشيخ ( المحشي ) وهذا لقبه يتلمسون ويستدلون على الطريق بين القبور بعصيهم لعمل ما يلزم من مراسيم الدفن .ولنيل الصدقات من اهل المتوفي . والصبيه اخذوا يتوافدون الى المكان انتظارا لنصيبهم من الصدقه . احد الشيوخ وظيفته ان يصيح كلما سار الموكب عدة خطوات ( وحدوا الله ) والجميع يرددون بخشوع لا اله الا الله .. الله يرحمه  وبعد أن أتم المشايخ الدفن وتحلقوا حول القبر لقراءة القرآن لقاء نصيبهم من النقود قام أحد أقرباء الميت بتوزيع النقود عليهم ووضع يده في جيبه وأخرج كفه مليئا بالنقود النحاسيه وأخذ ينثرها على رؤوس الاولاد . وكرر فعلته هذه أكثر من مره والصبيه يتدافعون ويبحثون عن النقود بين الحجاره والتراب والحشائش . لقد كان نصيب جميل من تلك الواقعه قرشا . وتعفرت ملابسه وملابس باقي الصبيه بالتراب بعد أن عثر كل واحد منهم على نصيبه من النقود.  ونام جميل تلك الليله وهو يحتضن قرشه العزيز ويدعو للميت بالثواب والمغفره …     الى اللقاء في الحلقه القادمه

                                            نشرت في جريدة القدس بتاريخ 19-7-2009

كان زمان . ( 5 )

سبتمبر 11, 2010

                  ( الحلقه الخامسه )

         موسم كروم العنب قد بدأ والوقت بعد عطلة المدارس . أي نهاية الشهر السادس وأهل المدينه يحزمون أمتعتهم استعدادا للانتقال والسكن في الكروم . حيث أن أغلب العائلات تمتلك كروم عنب خارج المدينه يرحلون اليها في أشهر الصيف .. الدواب تئن بحملها الثقيل من فرش وأدوات مطبخ وملابس تسير وجهتها الى كروم العنب خارج المدينه . والكرم قد صار مثل عروس تستعد لاستقبال عريسها . العنب بحباته الذهبيه  يتدلى من عرائش الدوالي وبعض القطوف السوداء كأنها شامة على خد العروس . والتين بأنواعه العديده وأشجار البرقوق والرمان والجوز واللوز تسبح الرحمن . قطوفها تبتسم للناظر بخشوع والفاكهة تزين الجبال بكل لون ونوع . أما الاشجار الحرجيه من البلوط والبطم والسماق والزعرور والسويد وغيرها الكثير فهي تحيط بكل كرم كأنها الغفير . والهواء معطر برائحة الزعتر والميرميه والزحيف . وأزهار الربيع تفترش الارض موزعة بجوار الحيطان الجداريه وبين الاحراش والصخور . اما الاحواض الترابيه فنجد فيها الخضار من بندوره وكوسا وخيار وفقوس وبصل وباميه وبطيخ وشمام . مما تجود به الارض الخيره المعطاءه وما كان قد زرعه صاحب الكرم في بداية الربيع . أما السكن فهو عباره عن بيوت مبنيه من الحجاره ومعقوده بقبه وفي بعضها درج داخلي يصعد الى السطح مع عريشه لتكون منامه في ليالي الصيف الحاره . والغريب أن هذه البيوت مبنيه بالحجاره فقط دون استعمال الاسمنت أو غير ذلك من مواد البناء . حجارتها كبيره مصفوفه بشكل يشهد لمن قام بالبناء قبل مئات السنين. ويوجد بجوار كل بيت أكثر من سيره وهي بناء من الحجاره مستدير أو مربع الشكل ارتفاعه حوالي المترين وتسقف هذه السير بالاغصان وجذوع الاشجار الحرجيه لتكون عريشه يتسلل من خلالها الهواء وتصدح فوقها العصافير . وتستعمل هذه العرش لتخزين  الحطب والطبخ وايواء الحمير والاغنام والدواجن لمن يمتلكها … الحاجه سعديه تقوم بترتيب الاغراض والبهجه تغمرها استعدادا للموسم الجديد وجميل اخذ حبلا طويلا وتوجه الى شجرة البطم الموجوده أمام مسكن العائله وقام بربط الحبل بأحد أغصان تلك الشجره ليكون مرجوحه يتأرجح عليها . جلس بداخلها وأخذ يقذف بنفسه طائرا في الهواء وأخوه فريد وأخواته ينتظرون دورهم بفارغ الصبر . وهو يحلم ويخطط بصباح اليوم التالي ليقوم بوضع أعواد الدبق على أغصان الاشجار الحرجيه ليصيد بها العصافير والطيور . والدبق هو عباره عن أعواد رفيعه بطول حوالي الذراع عليها مادة دبقه لزجه وتوضع الاعواد على الاشجار بشكل أفقي لتقف عليها العصافير والمادة الدبقه تمسك بها ويقوم من وضعها بزيارة تلك الاعواد كل ساعه تقريبا لجني المحصول من عصافير وطيور .. النسوة يجمعن البطم عن الاشجار وعرانيس السماق ويضعنها تحت أشعة الشمس لتجف . وفي الكروم عمل متواصل مثل خلية النحل . البعض يقطف قطوف العنب ويجففها لعمل الزبيب ومساطيح القطين مفروشة على الارض . والحاج عبد الرزاق يجلس خلف الموقد الكبير وفي أعلاه قدر كبير يسمى دست بداخله حبات العنب وهو يقوم بتحريكها  بغصن شجرة كبير كي لا يلتصق كان يقوم بطبخ ( العنطبيخ ) أي مربى العنب لقد كان اسبوعه حافلا بالعمل حيث عمل ثلاثة لجان فخاريه من دبس العنب وكذلك كمية من الملبن بالاضافة الى مربى العنب المذكور . أما الحاج عوده فكان يقوم بغمس قطوف العنب بمحلول من الماء والزيت والصودا وفردها على التراب لعمل الزبيب . كان صوت غناءه الجميل يتردد عبر المسافات وهو يغني الميجنا .. أما غنمات عبد المجيد فكانت ترعى رزقها بين الحقول وتطرب لصوت نايه الحنون . وسمير أفندي كان يمارس هوايته المفضله بركوب حماره العزيز ليسابق به الريح شاهرا عصاه وكأنه أبو زيد الهلالي . كم كان ذاك الموسم رائعا وممتعا وخاصة حينما يتجمع الصبيه فوق الجبل المجاور للعب .. لكن الموسم قد انتهى وأخذت قوافل المصيفين بالعوده الى المدينه محملة بالخيرات مما جادت به أرضهم المعطاءه وكرومهم الحبيبه . والكل يتباهى بكثرة محصوله وجودته من عنبيه ودبس وزبيب وقطين وبطم وسماق وملبن والحمص والعدس وعناقيد ورق العنب المجفف والباميه في قلائد كأنها المسابح الطويله . وعناقيد الرمان المجفف ورزم الحطب كي تكون وقودا للشتاء وخيرات كثيره أخرى .. ما أكرم أرضنا ان خدمتها فانها تطعمك وكل هذه الخيرات ستكون مؤونة للشتاء المقبل … بعد أن باعت أم عبد محصول كرمها استعدت لزواج ابنها والحفل يكون عادة يوم الجمعه وما قبله بثلاثة أيام تكون السهرات للرجال في زاوية العائله حيث يلتقي الرجال كل ليله مساء يحتفلون بهذه المناسبه يحتسون القهوة والدخان العربي يتصاعد من الغلايين يتلوى في الفضاء كأنه راقصة غجريه وغالبا ما يكون الحديث عن الموسم المنقضي وكمية المحصول من كل نوع . وعن ما شاهده في مصر من سافر اليها . وللثوار في سنة  36  نصيب عن بطولاتهم في مقارعة الانتداب . أما النسوه فيحتفلن بالحناء وليلة الشمع مع الرقص والغناء منفصلين عن الرجال .. أما عبد البكاكا فكان يحمل رزمة أحضرها من عند الخياط بها روزه مع جاكيت وهما ملابس الزواج بعد ان قام بالحلاقة موصيا الحلاق انها حلاقة العرس مما اسعد الحلاق لأنه سيقبض اجرا اكثر .. أما ملابس العروسه فلقد قامت الخياطه أم عيسى بخياطتها لأنها كانت مختصه في خياطة ملابس العرائس … ومن العاده أن يتم تناول طعام الغذاء يوم العرس أي الجمعه بعد الصلاة مباشرة لجميع المدعوين من الجنسين .. القدور ويسمى دست على النار ودخان الحطب يمتزج مع دخان السجائر والشباب ملتفون حول المواقد في تجمع احتفالي .. اما الخباز ابو عبد الله فلقد قام بخبز العجين صبيحة ذاك اليوم .. وكان ذلك بمساعدة شباب الحاره واصدقاء العريس . .. القدور تغلي بما تحتويه من الارز واللبن ..والمدعوون بدئوا بتناول طعام الغذاء . وكان الطعام يوضع في انية من النحاس اسمها( أنجر) وهي مثل الصينية واللبنية داخل الانجر وعلى وجهها رشات من السمن كانت لذيذة مع الارغفة البلدية ويكون الاكل عادة دون ملاعق .. قدر اخر على النار يكاد ان ينضج   لكن رائحة احتراق الارز بداخله قد ظهرت . صاح من يشرف على الطبخ انشعط الاكل اسحبو النار من تحت القدر .  لاحول ولاقوة الا بالله شو العمل  الناس والمدعووين لازم يوكلوا  والاكل انشعط  استرها معانا يا رب .. اهل العريس مرتبكين لان اعداد قدر اخر يستغرق وقتا وكلفته ايضا لها حساب . اما الشيخ عبد الغني شقيق العريس فكان له راي اخر . يقال عن هذا الشيخ انه مخاوي الجن  يراهم ويتحدث معهم  وان له قدرات عجيبة   وكان مشهودا له بالتقوى والورع حيث قام هذا الشيخ ورفع ملابسه عن ساعده وبعد ان تمتم قال بسم الله ووضع يده في القدر وهو يغلي على النار  كانت شفتاه تتحركان ويده تقوم بتحريك الارز مع اللبن وكان هذا امام الجميع وهم مبهورين بما يشاهدوه ومنهم من قال الشيخ عبد الغني اجتو الساعة ..! اما الشيخ فاخرج يده من القدر الكبير دون اذى قائلا غطوا القدر بصينية اي اوضعوا غطاء فوق القدر وكان ما اراد. و بعد خمسة دقائق قال شيلوا الغطاء وتوكلوا على الله .. قال ممن شهد الحادثة انه كان اطيب طعام اكلوه في حياتهم وكأن شيئا لم يكن  والقصص المروية عن هذا الشيخ كثيرة  وبعضها خارق للطبيعة كما حدث في موضوع طبخ عرس شقيقه….. الى اللقاء في الحلقه القادمه

                                      نشرت في جريدة القدس بتاريخ 12-7-2009

كان زمان . ( 4 )

سبتمبر 6, 2010

         

   ألربيع قد أطلّ بتفتح الزنابق في الحقول ، وموسم الحراثة قد بدأ ، وأبو سعدي يمتطي بغله والمحراث يتدلى من جهة السرج ، وبالجهة الاخرى كيس يحتوي على حاجياته وأدوات الحراثة .. ألبغل يسير متجها نحو الحقل ، والحاجة سعدية قد حضرت من الليلة السابقة طعاما للحراث ، كانت الطنجرة ممتلئة باللبنية ، طبيخ أرز مع اللّبن وحبّات الفول الأخضر، وضمّة من البصل وأرغفة الخبز المخبوزة في مخبز الحارة والذي يمتلكه أبو عبدالله حيث ورث هذا المخبز أبا عن جد ، أخذت الطنجرة مكانها في الخرج على ظهر البغل مما زاد في ابتسامة الحرّاث أبوسعدي . وتعبيرا عن سعادته أخذ في فتل شاربيه على الطريقة التركية ، والمسح على لحيته الصغيرة علامة الرضا .. ألبغل يسير في طرقات غير معبّدة ، يتهادى بين الحقول يمينا ويسارا ، حيث الجدران الحجرية وطرق ترابية ضيقة ترسم الحدود بين كلّ كرم وآخر، كانت الارض مفروشة بالزنابق والحنون الأحمر وغطاء أخضر قد زيّن الوجود والعصافير فرحة تسبح للرب المعبود … عاد جميل من المدرسة الى البيت جائعا يحلم بصحن من اللبنية التي اشتم رائحتها في اليوم السابق . وطلب من أمه الطعام لكنها قالت له .. لا يوجد طبيخ، قال واللبنية ..؟ قالت انها كانت للحراث وسوف أحضر لكم مثلها غدا، قال طيب شو بدي آكل ..؟ قالت الخبز موجود في «القوطة » وهي عبارة عن سلّة من القش مبطنة بالقماش تستعمل لحفظ الخبز، قال يعني آكل خبز حاف – أجابت – في عندك قطين وزبيب في الصندوق . قال – القطين ناشف والخبز ناشف . قالت – شو رأيك   اتروح (ع الشوربة) وتجيب منها بالطنجرة ..؟ زمان ما جبت شوربة .. علشان نتبرك فيها .. والشوربة تطبخ في ألتكية التابعة لأوقاف الحرم الابراهيمي الشريف . وهي عبارة عن قمح مطبوخ يطبخ كل يوم ويتم توزيعه على الفقراء وضيوف الحرم ومن يريد من أهل البلد للتبرك بها . وتؤكل مع وضع بعض السكر ان وجد وكان حظ جميل في ذاك اليوم أن أحدهم قد نذر خروفا للتكية وتم ذبحه وتقطيعه وأضيف الى الشوربة وتم توزيعه على أصحاب النصيب … مضى على زواج ام راجي خمس سنوات دون أن ترزق بالأطفال فنذرت ان رزقها الله بمولود أن تحلق له شعره في مقام النبي موسى عليه السلام عرفانا وشكرا لله .. وشاء الله أنها حملت ووضعت مولودا ذكرا أسمته راجي .. عمت الفرحة سكان الحارة، ودعت هي وزوجها الجيران والأقارب الى وليمة ليشاركوهم فرحتهم بالمولود .. وفي عام راجي الثاني استعد والداه للسفر مع المتوجهين الى ذاك المقام للوفاء بنذرهم . الوقت كان بداية الربيع.. وكان حديث الناس في تلك الايام عن موسم النبي موسى ، واستعدادهم للسفر وتحضير ما يلزم لذلك المهرجان ، بعض النسوة يحضرن المناديل المطرزة بالخرز لتكون بأيدي رجالهن يلوحون بها في الدبكة .. والخياطون يخيطون الملابس الجديدة للرجال ووجهاء القوم ، وشيوخهم يعلنون للناس عن موعد السفر .. حملة ألبيارق والأعلام والطبول يتقدمون المسيرة .. والجميع من الرجال والنساء والاطفال بين راكب على الحمير والبغال والأحصنة والجمال ، وآخرون سائرون على الأقدام ، وجهتهم الى مقام النبي موسى عليه السلام القريب من مدينة أريحا .. بدأت المسيرة صباحا بعد صلاة الفجر.. والطريق تتلوى بهم بين الجبال المكسوة بخضرة الربيع وأزهاره البديعة .. ونسيم الصباح العليل يدغدغ الوجوه محملا برائحة الزعتر والمريمية والأعشاب البرية .. كروم العنب والأشجار ممتدة على طول الطريق ، والمناظر تسحر الألباب ، هنالك من يحرثون أرضهم لزراعتها بالمحصول الصيفي ، وآخرون يبنون  السلاسل الحجرية التي هدمها الشتاء الماضي ، والعصافير تغني وتبني أعشاشها والموكب سائر، ألبعض يرطب الجو بمديح ومن حوله من يرد عليه ، وآخرون يعيدون حفظ ما سيلقونه من أشعار على مسامع الجمهور، وحملة السيوف والدروع يلوحون بها حماسة واستعراضا للمهارة والقوة ، والشباب يرددون ما حفظوه من أهازيج لتكون زادهم في الدبكة . أما ألشيخ نعمان فيرتدي جلبابه الأخضركعادته ، ويضع على رأسه عمامة خضراء ايضا، أما المسابح فتتدلى من رقبته لتصل الى نصف جسمه ، يحمل بيده مبخرة ويحوم حول الجمهور مرددا «حي » والجميع يتبركون به لأعتقادهم أنه من أولياء الله الصالحين … كانت برك سليمان ألقريبة من قرية الخضر هي استراحتهم الأولى .. نزلوا اليها وحطوا رحالهم لسقاية دوابهم والأستراحة من عناءالسفر، وبعدها تابعوا المسير الى أن وصلوا الى مشارف مدينة بيت لحم، كان أهالي المدينة ووجهائها وعلى رأسهم آل جاسر ينتظرون القادمين لأستقبالهم .. تلاقي الجمعان وكان لقاء مفعما بالود والترحاب ، زغاريد النسوة تمتزج مع قرع الطبول ، والبيارق ترفرف كأنها تعبر عن سعادتها ، كانت العادة أن يتناول جميع الحضور طعام الغذاء بدعوة من آل جاسر في بيتهم العامر والكبير. والكائن عند مدخل مدينة بيت لحم على طريق الخليل القدس .. صواني الطعام موزعة في كل مكان . والناس في حلقات كأنهم الأهلة . ألسعادة تغمرهم ومن يفرغ من طعامه يتناول القهوة ، شاكرين لآل جاسر حسن استقبالهم ، وكرمهم العربي الأصيل .. وكان يقال حينها (الفتيت في دار جاسر بالسمن للأكواع) تعبيرا عن كثرة الطعام وطعمه اللذيذ … توجه الجميع بعد أن انضمت الى المسيرة بيارق مدينة بيت لحم والقرى المجاورة في موكب واحد الى مدينة القدس ، وعند وصولهم انضم اليهم آخرون بأعلامهم وبيارقهم وساروا جميعا قاصدين مقام النبي موسى عليه السلام … هذا مقام النبي موسى عليه السلام ،القريب من مدينة أريحا . كانت جموع أخرى قد سبقتهم اليه ، وجموع أخرى ما زالت في الطريق كل جماعة أخذت لها مكان في الساحات وبين الأشجار والقباب ، ألباعة المتجولون يملؤون المكان ، وعلى رأسهم باعة الحلاوة البيضاء والمسماة حلاوة النبي موسى . وبسطات البضائع ممتلئة بمعروضاتها المتنوعة ، والحلاقين في صفوف لأستقبال زبائنهم ، وباعة الطعام لهم نصيب في ذلك ، ومن يحملون قرب الماء لسقاية الناس قربى لله وطلبا للثواب والمغفرة ، ومن يذبحون النذور ويوزعون لحومها على المحتاجين .. طلبت ام راجي من الحلاق أن يجمع شعر ابنها بعد حلاقته لتضعه في صرّة كي تحتفظ بها ، وناولته أجرته مع كيس مليء بالزبيب والقطين حلاوة له .. حلقات الدبكة والسحجة منتشرة في كل مكان والشباب يلوحون بمناديلهم والنسوة والصبايا ينظرن اليهم من البعيد يشجعنهم بالزغاريد .. والميجنا والعتابا لها رجالها، ومع الزجل يشتد التنافس بين الفرقاء ، ومن يلعبون بالسيف والترس لهم معجبوهم ايضا . حيث يلتفون من حولهم في حلقات .. وكل يستعرض فنونه .. أما حلقات الذكر فكانت قائمة بين القباب وتحتها ، لكل شيخ طريقته يلتف من حوله مريدوه وأعوانه ومعجبوه ، وآخرون يتسوقون من الباعة ألملابس والحلويات لتكون ذكرى لهم وهدايا لأحبائهم . وفعاليات أخرى كثيرة من الفلكلور ألمحبب … كانت أيام جميلة تبقى مرسومة في الذاكرة على مدى الأيام ومرور الأعوام .. ألناس يستعدون للمغادرة بعد انقضاء ألموسم ، كل واحد نال ما سعى اليه .. ألنسوة في الحارة يلتفون حول أم راجي يهنئونها بسلامة العودة ، وهي تسرد عليهن مشاهداتها وتوزع عليهن الحلاوة البيضاء، وهن في شوق لسماع المزيد . وكل واحدة منهن تمني النفس بالزيارة في العام القادم . هذا ما كان ولم يكن يعلم الكثيرون أن النبي موسى عليه السلام غيرموجود بذاك المقام ، لأنه توفي شرق الأردن، ويقال في جبال مادبا . ولم يعرف حتى الآن مكان جثمانه أو مدفنه ، ومن أمر ببناء ذاك المقام ألرمزي هو صلآح ألدين الأيوبي لأغراض عسكرية . كانت ضرورية في تلك الأيام .      للحكاية بقية – الى ا للقاء في الحلقه القادمه …

            نشرت في جريدة القدس بتاريخ 28-5-2009

كان زمان . ( 3 )

سبتمبر 3, 2010

    ليش اتأخرت يا جميل.. الدنيا ليل وما قريت دروسك اليوم … – كنت بلعب الغماية مع اولاد الحاره …- ابتلعب الغماية في الليل .. علشان عامورة حوش الداعور تطلعلك …- انا ما بخاف من العامورة …. مع ان الكبار كانوايخافون من عبور الحوش ليلا ومن يضطر يأخذ بالتمتمة والدعاء مع الاستعاذة بالله من الجن والشياطين .. هذا من غير سكان الحوش لما اشيع من ان «عامورة » اي جنية تظهر للناس وعيناها تكونان بالطول تسكن في ذاك الحوش وتظهر للناس ليلا . ويقال انها اغلقت الحوش على احدهم ولم يستطع العبور الى منزله تلك الليلة . ومنهم من قال انه رآها كانت تكبر وتصغر بحجمها وتظهر وتختفي متى شاءت لانها من الجن او من اتباعهم ..!. وفي عصر اليوم التالي كان جميل يطالع في كتاب الرياضيات استعدادا للامتحان في يوم الغد اذ اقبلت الحاجة ام عبد البكاكا منادية من المدخل – ام جميل .. ام جميل . – هذا صوت الحاجة ام عبد .. اهلا وسهلا يا بنت عمي .. اتفضلي . وبعد السلام دخلت الى الغرفة مغمورة بالترحاب من الحاجة سعدية .. اما جميل فقد ارتعدت فرائضه لاعتقاده ان الزائرة قد عرفت انه هو الذي كسر الزجاج .. وتردد في القدوم للسلام عليها لان قدميه لم تسعفاه بذلك …- كيف حالك يا جميل .. ايوه اقرأ علشان اتصير دكتور وتعالجني .. انشاء الله قالها جميل وانتعش قليلا وكأنه انزل حملا ثقيلا عن كاهليه . ولسان حاله يقول لو انها عرفت انني الفاعل لقالت ذلك ولكن الله سترها …- جيت لعندك حتى اخبرك اني خطبت لعبد عقبال عند ولادك  …- مبروك .. وكيف العروس واهلها ..؟ – والله بنت مستوره واهلها كويسين قالوا لي شو بيشتغل ابنك .. قلت ابيشتغل عتال في الحسبة والله كريم انشالله بيشتري حمار وبيصير يحمل عليه .. الصراحة حلوه يا بنت عمي .. ضحكت الحجة سعدية لهذا وتابعت ام عبد .. قلت انشا الله بعد الصيفية بنجوز عبد بنكون بعنا محصول الكروم لكن هالسنة ممحلة ما نزل شتاء لحتى الان .. – انشاء الله بيجي الخير والله كريم . انسيت اقول لك كمان امبارح في ولد شيطان رمى حجر عالشباك وكسر القزاز . – انشالله ما في حدا انجرح او انطبش ..؟ -لا بس انكسر القزار . جميل سمع الحوار وتظاهر بالقراءة وامه تنظر اليه وتهز برأسها وكأنها تقول له انت الذي كسر الزجاج بالنقيفة .. ونزل الى الفراش متظاهرا بالنوم خوفا وهروبا من العقاب … توجه جميل صبيحة اليوم التالي مسرعا الى المدرسة .. انه يوم امتحان الرياضيات وهو لا يحب هذه المادة بل لا يحب الاستاذ احمد مدرس تلك المادة لانه لا يجيد الشرح ولم يفهم منه معادلة منه وله .. دقات قلبه تزداد والأسئلة مسجلة على اللوح الأسود امام الطلاب وعينا الاستاذ احمد تراقب التلاميذ خوفا من الغش او محاولة النقل من الجوار . عيونه كانت تلمع مثل عيون الباز. وشنباته متدلية على الطريقة الصينية اما جاكيته البني فكان يلازمه ربما من ايام عرسه . اللعنة على هذه الاسئلة قالها جميل واخذ يحل الاسئلة في ورقة الامتحان التي امامه وهو غير واثق من صحة الأجوبة الى ان قرع الجرس وكأنه جاء لانقاذه .. نصف القرش لازال في جيبه مع انه هم بشراء قطعة حلوى في الفرصة الا انه تراجع عن ذلك في اخر لحظة . اه انه امتحان نصف السنة والنتيجة مهمة واذا كان معدله في الرياضيات ضعيف سوف يؤثر على المعدل العام وهو دائما في سباق مع ابن صفه عبد المهيمن للحصول على الدرجة الاولى في الصف . كان قلقا من النتيجة .. نسي العصافير وكسره لزجاج الجيران في اليوم السابق .. وضع يده في جيبه وتلمس نصف القرش وقرر ان تنقذه تلك التعريفة من محنته وكان خاله قد اعطاه اياها في اليوم السابق. توجه الى الطريق المؤدي الى خزق الفار . وهو عبارة عن قنطرة يدخل اليها الناس وفي نهايتها شارعان احدهما اسمه حارة القزازين والاخر سوق الخواجات وفي اخر هذا السوق يوجد سوق للعطارين . توجه جميل اليه ووقف امام احد الدكاكين القديمة واخرج التعريفة من جيبه قائلا للعطار – اعطيني يا عمي ابتعريفه بخور .. لف له البائع بعض الحبات من البخور في ورقة  تناولها جميل بعد ان ودع تلك التعريفة لتستقر في درج العطار . وعاد راجعا مسرعا بخطاه الى المقبرة .. في تلك المقبرة كان يوجد قبر مميز يأخذ شكل تابوت مرتفع وفي ناحية القبلة منه فتحة صغيرة لوضع البخور، حيث كان اعتقاد الكثيرين من اهل المدينة ببركة هذا المقام وكان يدعى مقام الشيخ عويس .. يتوجهون اليه لنيل البركة والدعاء لنيل ما يتمنونه .. وضع جميل حبات البخور في تلك الفتحة ووقف بخشوع ورجاء ان يوفق في الامتحان وان تكون النتيجة جيدة وان لا ينكشف سره في كسر الزجاج وعاد الى البيت وهو مرتاح البال لانه كان واثقا من ان الشيخ عويس سيقوم بالمهمة كما يجب ..! الوقت اخر فصل الشتاء . والمطر لم يصافح الارض ويغسلها بعطاء الكريم . يقولون ان هذه السنة محل . والناس يعانون لانهم يعتاشون من جني حقولهم ونتاج حيواناتهم .. الماء اصبح شحيحا والابار فارغة والدعاء بنزول المطر يزداد .. الى ان قرر شيوخ المساجد اقامة صلاة الاستسقاء والتوجه الى مقام السقواتي . وهذا المقام موجود على سفح جبل يطل على المدينة وهو عبارة عن غرفة مقببة وداخلها ضريح قبر مجللا بوشاح اخضر يقال لساكن هذا الضريح السقواني .. عله كان يسقي الناس في قديم الزمان او كان له بئر سبيل والحقيقة يعلمها الله والاسم متوارث عبر الأجيال . وبعد صلاة يوم الجمعة اخذت المسيرة تقطع ازقة المدينة وشوارعها يتقدمها الشيوخ والوجهاء يلبسون عباءاتهم بالمقلوب ومن سار معهم من الرجال والاولاد قلدوهم بقلب معاطفهم او ما كانوا يلبسون !. كان يسير في المقدم شاب يحمل عروسا صنعوها من الخشب تشبه عروس الحقل ايضا البسوها ملابس باليه ومقلوبه .. الهتاف يشق عنان السماء وكل له طريقته في الدعاء .. المشايخ يتضرعون برجاء والعامة يرددون هذه العبارات بشكل غناء . ( يا دار الشيخ وشويه اسقونا نقطة ميه . ريقنا ناشف ناشف من عذاب الشرقية .) ويرد عليهم اخرون (أحيه مبو أحيه مبو) وتتردد هذه العبارات طوال الطريق الى ان وصلوا المقام حيث رفع احد الشيوخ يديه قائلا .- اغثنا يا رب. يا فالق النوى والحب لقد جف الزرع والضرع ونزل بنا الكرب. اغثنا يا رب … وكانت صلاة الاستسقاء .. صدقوني ان الله استجاب لصلاتهم … وفي اليوم التالي تلبدت السماء بالغيوم . والمطر اخذ ينهمر . حباته كأنها اللؤلؤ تمسح عن وجه الارض ووجوه الناس حزن الانتظار . لان نفوسهم كانت بريئة . مثل الحياة التي كانوا يعيشونها  تلك الايام . كانت الحارة كأسرة واحدة الجميع يشارك بالسراء والضراء . يخاف فيها الكبير على الصغير والقوي على الضعيف . والميسور على الفقير … أصوات المزاريب تعزف موسيقاها . والنسوة يملأن الماء بالاواني والتنكات والبراميل والجرار . وعلى رؤوسهن جرار الماء الفخاريه الموجود في كل بيت لاستعمال ماء الشرب . والحاج عودة يفي بنذره ان امطرت السماء . حيث جلس تحت المزراب والماء ينساب على رأسه وجسمه مبتهجا حامدا الله على عطاه . والصبية ينشدون في الازقة والحواري (يا ربي اتشتي واتزيد . والدنيا خليها عيد .. رخي رخي يا مطره خليها اتروح الغبرة .). اقدامهم حافية وملابسهم مبللة بالماء وفي وجوههم فرحة وبهاء وكان جميل واحدا منهم …   نلتقي في الحلقه القادمه .

                       نشرت في جريدة القدس بتاريخ 21-6-2009

كان زمان . ( 2 )

سبتمبر 1, 2010

        ألدنيا تلف بجميل والكرة بيده ما عساه ان يفعل … لقد بدد ثقب الكرة فرحة الانتصار. وبات الوجود ظلاما في عينيه .. دخل جميل الغرفة مشدوها ولحسن حظه كان الجميع بما فيهم عمته يلتفون حول مائدة الطعام . ياكلون مقلي المشاط . وفي زاوية الغرفه حيث فراش شقيقه أخرج الكره ووضعها كما كانت حينما أخذها .. – مساء الخير يا عمتي …- مساء الخير يا حبيبي  تعال  أبوسك …- ليش ما بست أيد عمتك يا جميل ؟ قالت أمه …؟ وتقدم نحو عمته التي طبعت على وجنتيه قبله وكان فمها ويداها مبللتان بالزيت من الطعام حتى اصبحت وجنتاه تلمعان مثل عينيه القلقتين حيث كانتا تنظران الى زاوية الغرفه الى فراش اخيه حينما كان يحتضن طابته العزيزه والتي أصبحت مثقوبه .. لقد قام باعطاء شقيقه فريد نصف حصته من المقلي على سبيل الرشوه ليكون وقع الكارثة عليه أهون وتمنى ان لا ينكشف سره في ذاك اليوم . وأن تكون المفاجئه في اليوم الثاني … لكن فريد توجه الى فراشه بعد أن أتم طعامه وأخذ يتحسس الكره كي يحتضنها كعادته .. ويا لهول المفاجئه لفد قفز من الفراش حتى كاد راسه ان يصل الى سقف الغرفه وهو يصيح .. يما  يما الطابه صارت صغيره .!.- اسم الله عليك يا بني .. هات أشوفها وأخذت تتحسس الكره على ضوء لامضة الكازالمعلقه على جدار الغرفه . وعثرت على الثقب .. قالت الطابه مخزوقه الطابه مخزوقه .! ؟.- والله ما هو أنا . قالها جميل وهو يرتعش من الخوف . فريد يبكي ويخبط بساقيه الهزيلتين الارض ويداه ممدودتان كانهما لعبة الحقل .. – اسمع يا جميل ما حدا غيرك كان يلعب بالحاره احكي الصدرق أحسن لك الكذب عيب وحرام ..- ما هو أنا اللي خزقتها وانزوى في زاوية الغرفه استعدادا للعقاب  ..- انا عارفه  انك انت اللي أخدت الطابه ولعبت فيها انت واصحابك حتى شوف عليها تراب  ..- بقول ما هو انا وحياة سيدي الشيخ كنفوش ..- بقول حرام الكذب مهي العصفوره قالت لي انك انت خزقتها ..- العصفوره قالت لك .. – أيوه قالت وشافتك لما أخدت طابة أخوك فريد عيب عليك تكذب .. – والله العظيم ما هو انا اللي خزقتها هادا الولد  ..- طيب الك حساب عندي والصباح رباح .. وذهب الجميع للنوم بعد أن اقنعت الحاجه سعديه فريد بشراء كره جديده وتعويضه بمصابه الجلل … ذهب جميل صبيحة اليوم التالي الى المدرسه متكدرا مع انه يحب العصافير لكنه أصبح يحقد عليها لانها فتنت عنه وأوصلت خبر ثقب الكره الى امه .. همس وهو في الطريق ملعونه هذه العصافير ولكن لها حساب عندي وأخذ يتحسس نصف قرش كان في  جيبه ويخطط للانتقام .. وما أن انتقضى وقت الدراسه حتى توجه مسرعا الى دكان نجار عربي في منطقة السهله يصنع أيدي المعاول والمحاريث الخشبيه وكان هذا النجار يصنع للاولاد الشعبه ( النقيفه ) وهي عباره عن غصن شجره او قطعه من الخشب يربط في طرفيها مغيط وتستعمل لصيد العصافير بواسطه قذف الحجاره الصغيره .. لم يأكل جميل في ذاك اليوم نصف الرغيف في الفرصه واحتفظ به للنجار كي يكون ثمنا للشعبه .. توجه  فرحا ومسرعا الى منطقة الكراج حيث يوجد بنشرجي لأطارات السيارات يقوم بقص الكاوتشوك الداخلي للاطارات ويصنع منه شرائح مغيط … – أعطيني جوز مغيط  كويس  …- هي أحسن جوز هات حقهم .. وناول جميل تلك التعريف اليتيمه الى البنشرجي وتوجه راجعا فرحا الى الحاره وهو يحلم بالصيد الوفير والانتقام من العصافير. وتابع طريقه الى البيت .. كان المنادي ينادي في الطريق يسوق جملا والصبيه يسيرون من خلفه مناديا أنه في يوم الغد الجمعه سيقوم البايض وهو لحام المدينه بذبح ذاك الجمل وعلى أهل البلد العلم بذلك كي يتوجهوا لشراء لحمه وحتى اخر قطعة منه ..  المنادي ينادي بأعلى صوته وينشر حبات الملبس على الصبيه كي يشجعهم في ترديد أغنيه تقال في تلك المناسبه ( لبن أمه عتمه ( فمه ) ويرد الصبيه قائلين هالقاعود ) ويكررها مرارا الى أن يطوف  المدينه .. والقاعود هو صغير الجمل وهذا يعني أنه يقوم بعمل الدعايه للجمل وبانه صغير السن ولحمه ينضج سريعا .. اختلط جميل بالصبيه وأخذ يهتف معهم طمعا في حبة حلو واحتفال يحب ألا يضيعه والجمل يطوف شوارع المدينه وأزقتها من الكراج الى منطقة السهله فالحسبه الى خزق الفار الى شارع القزازين مع ساحة البلديه ومن منطقة الحرم الى باب الزاويه والناس ينظرون باعجاب الى ذاك الجمل على أن يتذوق القادرمنهم طعم لحمه في اليوم التالي … انقسم الاولاد الى فريقين فريق تابع مسيرة الجمل والاخر ذهب لملاحقة ابو حسن ( بلل ) وأبو حسن هذا شخص معاق عقليا كان كبير الجثة والراس وقدماه الكبيرتان تدك الارض حين يمشي متثاقلا  الاولاد اخذو في معاكسته وهو ينهرهم ويلحق بهم وهم يفرون وحين يقف تعبا يعاودون المعاكسه . مع ان بلل هذا من عائله معروفه يقال ان والده قد نذر نذرا قبل مولده أملا في أن يرزق بولد يحمل اسمه وكان ان رزق بابنه المذكور وذبح له الذبائح وأولم الولائم وكبر الولد وأخذ يهرب من المنزل ويدور في الحارات والازقه رافضا العوده الى منزله رغم محاوله أهله المتكرره وأخيرا جعل من أزقه المدينه بيتا له ومرتعا الى أن كبر وأصبح على ما هو عليه وانتقل الى مدينه القدس حيث اهتمت به سائحه اجنبيه اخذته معها الى بلادها لعلاج ساقيه ووضعه في مصحه وملجا لمن هم مثله … الجمل يسير والاولاد يسيرون والمنادي مع الصبيه توقفوا حين أقبل الشيخ حسن ( والشيخ حسن هذا غير أبو حسن بلل ) كان يشاع عنه أنه من أهل الخطوه . وأنه رجل مبارك وأنه من أصحاب الكرامات كان يرتدي أكثر من ثلاثة معاطف فوق بعضها صيف شتاء مع جلباب قصير ومعلقا على المعطف الخارجي بعض النياشين وكان أحدها غطاء قنينة كازوز مثقوبه ومربوطه بخيط وفي رقبته العديد من المسابح الطويله .. كان يسير حافي القدميين قال بعض من ذهبوا لقضاء فريضه الحج أنهم رأو الشيخ حسن يطوف في الكعبه وأنه طار من مدينته الى مكه وعاد قبل عودة الحجيج . ويحكى عنه وعن كراماته الكثير كان يسير في أسواق المدينه يأخذ حاجته لقوته اليومي ومن يدخل دكانه أو بسطته لأخذ أي شيء كان يعتبر ذلك بركه وفال خير لا يطلب من أحد شيء بل يأخذ القليل ويمضي سائرا في الطرقات وأن أعطاه أحد شيئ أو نقود يرفض أخذهم . والغريب ان ساله أحدهم عن الوقت يقول له التوقيت بدقه عجيبه مع أنه لا يحمل ساعه …! بركاتك يا شيخ حسن قال المنادي محاولا اعطائه حبة ملبس حلو لاكنه رفض أخذها وتابع سيره . كذلك جميل انفصل عن هذه المسيره وسار عبر المقبره مختصرا الطريق الى حارته ومن ثم الى البيت … – يما اعطيني خيط تنجيد … – شو عايز تعمل بالخيط يا جميل ..؟ – عايز أربط مغيط الشعبه ( النقيفه ) ..- من وين جبت الشعبه..؟ – اشتريتها ..- يعني عايز تكسر زجاج الناس فيها أو تطبش اولاد الحاره احنا ناقصنا مشاكل .. – لا هذي للعصافير ..- ودروسك لمين مخليهم ..؟ – لازم أصيد كل العصافير على شان يتعلمو ما يفتنوا على الناس .. توجه جميل الى الحاره وجلس على صخره قباله شجره كبيره امام  منزل عبد( البكاكا). وهذا لقبه منتظرا قدوم العصافير كان لبيت عبد شباك يطل على الحاره وله اطار بارز من الحديد عليه تنكات مزروع  بها ورود منزليه متدليه من الشباك وما أن حط عصفور على الشباك حتى عاجله جميل بحجر كان كالقذيفه وانتظر جميل سقوط العصفور لكن الذي سقط هو زجاج الشباك . وأطلت الحاجه ام عبد لترى الفاعل صائحه مستطلعه السبب . وجميل يركض باتجاه المقبره خوفا وليختبى بين القبور آملا أن لا ينكشف سره .. ووجد فسقيه لدفن الموتى لها بابان أحدهم دفن فيه ميت واللآخر فاضي ومفتوح .. فما كان منه الا أن دخل الفسقيه مختبأ .  وكان خوف اللحاق والامساك به أكثر من خوفه من ظلمة القبر..! مرت الدقائق وكأنها الدهر وهو يجلس القرفصاء في زاويه القبر . والليل قد أقبل وهو يصغي الى الخارج  آملا أن لا يعرفه أحد أو يعثر عليه . وسمع صوت   فأ طل برأسه ليتبين المصدر. لكنه لم يرى أحد .. حينها تجمدت اطرافه وشعر بخوف شديد لاعتقاده أن الملائكه تحاسب الميت المدفون حديثا بجواره..!  وزحف الى أن خرج من القبر وركض مسرعا متعثرا وهو ينظر خلفه الى أن وصل البيت وفي اعتقاده أن العصفوره سوف تخبر أمه بفعلته في ذاك اليوم  …ملعونه تلك العصافير تمنى أن تنقرض من الوجود حتى لا تكون هنالك فتنه في الارض …        الى اللقاء في الحلقه القادمه .

                                                    نشرت في جريدة القدس بتاريخ 24-5-2009