مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



أرشيف أغسطس 28th, 2010

كان زمان . ( 1 )

أغسطس 28, 2010

                                  ( الحلقه الاولى)

          كان زمان .. هي عوده للماضي .. لذكريات الطفوله اثرت أن أكتبها على حلقات لطولها مع أنني حاولت الأختصار قدر الأمكان وجمعت من كل واد عصا .. لا أدري لماذا … عله ألحنين لتلك الحقبه ولأيام الطفوله . أو ألهروب من الحاضر .. لكن صدقوني أنها ستبقى أفضل من مسلسل تركي أو مكسيكي .. ولأنها تعيد ألى الذات ذكريات ما قد فات . وليرى فيها جيل اليوم شيئا من الماضي . ولنرسم لوحه عنوانها من الحياة …. كان ياما كان في حارات الخليل العتيقه حاره أسمها قيطون . وكانت قيطونه هذه مليئه باللأزقه وأحدها زقاق يسمى حوش الداعور . وهذا الحوش يكون معتما حتى أثناء النهار لانه عباره عن قناطر معقوده وفوقها أبنيه أحدثها من زمن المماليك . يسكنها أهل الحاره .. وكانت الحاجه سعديه تسكن في أحدى الغرف في ذاك الحوش وتسمى هذه الغرفه ( ألعليه ) لأنها تقع في الطابق الثاني . وبجوار تلك العليه ( طقيسه ) أي مطبخ صغير يحتوي على مئونة الشتاء مع قلتها وبعض الحطب . وكان في داخل جدار المطبخ ( وجاق مع روزنه لخروج الدخان )وبداخله موقد ويستعمل هذا للطبخ بواسطة الحطب . أما رائحة اليخنه فكانت تدغدغ أنوف أبنائها جميل وفريد وبناتها الثلاثه وهي تمنيهم النفس لقرب نضوج الطعام … تلتف الأسره حول طبليه من الخشب وفي مركزها صحن كبير يحتوي على تلك اليخنه الشهيه مع بعض أر غفة الخبز وبعض الزيتون ان وجد .. الحاجه سعديه   -  قوم يا جميل حط النار في الكانون … – ليش دايما قوم يا جميل حط يا جميل هات يا جميل نفسي تقولي قوم يا فريد ولو مره..! – يا بني أخوك صغير وعيان … – لا ما هوه صغير ولا عيان لكن هو المدلل … – معلش يايما أنا بقوم عنك طول كتابك واقرا فيه وقومي يا سلمى أشعلي أللامضه على شان أخوكي يعرف يقرا … لأن المنازل متلاصقه ولا مجال للعب كان الصبيه يتوجهون ألى ألمقبره وهي تقع بجوار الحي ألذي يسكنون فيه . حيث كانت هي مكان اللعب وقضاء اللأوقات . وكان الأولاد يمارسون ألعابهم التي يبتكرونها ويصنعون أدواتها ويضعون قوانينها بين القبور وكانوا ينقسمون الى شلل ومجموعات . أما جميل فكان من فريق كرة القدم . والكره التي كانوا يلعبون بها هي عباره عن ملابس قديمه تم حشوها داخل جورب وتم خياطته حتى يأخذ شكل الكره أما الملعب فكان مساحه بين القبور وغالبا ما كان الأولاد يشيلون أنصبتها حتى تصبح الأرض ممهده حتى يتمكنوا من اللعب فوقها . أما تلك الكره فكانت أغلى ما يمتلك الفريق . تنام كل ليله مع ولد من أعضاء فريق الأسود الذي كان جميل ينتمي اليه … ألعيد قد أقبل والعيد بالنسبه  للأولاد يعني ملابس جديده وقبض العيديه من الاقارب وتناول الحلوى والذهاب الى المراجيح .. أما الحاجه سعديه فكان العيد بالنسبة اليها الأستعداد لعمل الكعك والمعمول حيث تتجمع نساء الحوش في الساحه الصغيره الموجوده بين الغرف وتسمى ( ألحضير ) ويقمن بالتعاون باعداد الحلويات أستعدادا للعيد . ولأن الحاجه سعديه كانت مشهوره بتحضير عجين المعمول كانت تتسابق النسوه اليها طلبا للمساعده والمشوره.  وكانت جلساتهن لا تخلوا من الشكوى .. والحاجه سعديه تصبح القاضي والمفتي والأم الرؤوم التي تحاول ان توفق بين جميع الأطراف والاراء .  وتنقضي جلساتهن بالرضى وما قبل الرضى بالمديح أو الغناء … قامت الحاجه سعديه بعد انصراف النسوه بالبحث عن قطعة قماش تكون مناسبه لترقع بها بنطلون ابنها جميل بعد أن احضرت القميص المقلم ألذي اشترته من سوق الألبسه القديمه . أما الحذاء فكان عباره عن صندل من الكاوتشوك اشترته لأبنها بداية العام الدراسي … هذا ما لبسه جميل صباح يوم العيد وجلس عند عتبة الدار ينتظر الزوار لأن كل زائر يعني بالنسبة البه ( تعريفه ) أي نصف قرش … قال ألحمد لله حين أقبل عم له وكان يعمل سائقا وكان قد أحضر معه في احدى سفراته طابتين كبيرتين من البلاستيك أعطى احداهما لأبنائه أما الثانيه فكان يحملها معه لتكون هديه لأبناء شقيقه . وكانت المفاجئه حين نادى فريد وأعطاه الكره مع أن جميل كان البادئ في تقبيل يده مرتين طمعا في تلك الكره وزيادة العيديه . لكن عيديته كانت كالعاده ( تعريفه )… انقضت عطلة العيد وها هو جميل يحمل كيس ألكتب صباحا متوجها الى المدرسه الابراهيميه التي تقع بجوار بركه السلطان والتي لا تبعد كثيرا عن منزله . وهو سائر في الطريق يستعيد ذكريات أيام مضت . كانت حصيلة عيديته ثلاثة قروش ونصف . صرف قرشا منها لركوب المراجيح وقرشا اخر لشراء جلول البنور وقرشا استاجر به بسكليت ( دراجه هوائيه ) وما تبقى تعريفه يحتفظ بها ويتحسسها في جيبه وهو سائر الى المدرسه … حقا لقد كانت أياما جميله تذكر ثالث أيام العيد حين لعب مع فريق كرة القدم واستطاع ان يسجل هدفا وكيف كانت نشوة الانتصار . شعر وقتها أنه فريد عصره حين هتف له أعضاء الفريق وحملوه على الأكتاف .. ألتعريفه لا تزال في جيبه يحتضنها بيده خوفا عليها من الضياع . أول درس كان في ذاك اليوم حصة الاجتماعيات وهو يحب هذه الماده ويحب الأستاذ وجيه مدرسها .. الأستاذ يشرح الدرس وكان عن قارة افريقيا . لكن جميل كان في ذاك اليوم غير منتبه الى الشرح . كان كل تفكيره كيفية الحصول على كرة شقيقه فريد وفريد كان يحتضن الكرة ليل نهار لا تفارقه ولا يسمح لاحد حتى بلمسها . كان جميل يتمنى أن يأخذ تلك الكره للذهاب بها الى الملعب ليفاجئ بها أعضاء فريقه . حيث كان قد تم الاتفاق أن تقام مباراة في ذاك اليوم مع فريق الحاره المجاوره … الأستاذ وجيه يشرح الدرس وجميل يتخيل نفسه يحتضن الكره وكانها الكره الأرضيه جميعا مع افريقيا وكل القارات . ولكن كيف الحيله وفريد لا يتخلى عن كرته . لقد عرض على شقيقه بأن يستاجرها منه بنصف القرش الذي يحرص عليه في جيبه . لكن فريد رفض العرض . وجاء درس الدين وبعد ذلك اللغه العربيه الى ان انتهى الدوام وقرع الجرس مناديا بالانصراف . وهذا ما كان يعد له جميل الدقائق والساعات استعدادا للمباراة ولقاء أصحابه … جميل يسير مسرعا للبيت . مساء الخير يا يما … – مساء الخير يا حبيبي  كانت الحاجه سعديه تجلس على مزوده وهي عباره عن بساط مربع من الصوف وكان هذا البساط ضمن جهاز عرسها وأمامها ( معجنه ) أي جاط من الفخار تعجن به العجين مع بعض زهر القرنبيط والبصل والثوم وبعض الكمون والكركم لعمل مقلي المشاط . أي فطائر تقلى بالزيت .. كانت تغني بصوتها الحنون اغنيتها المعهوده ( مرمر زماني ) قال جميل شو في أكل أنا جوعان …؟ استنى شوي يا يما هي أنا بعمل مقلي مشاط أسمع خود شوية قطين من الصحاره أي ألصندوق الخشبي وكلها لحين أخلص من قلي المشاط  …- كل يوم قطين طيب بناكل قطين …- اسمعو يا ولاد مين يروح يعزم عمتكو  عشان تجي تتعشى عنا ..؟ وعلى غير عادته هب فريد من الفراش حيث كان يحتضن كرته قائلا ..أنا يا يما أنا بروح أعزمها .. وفهم جميل أن السبب ولهفة أخيه في الاستجابه لأداء المهمه هو أنه سوف يحصل على بيضه دجاج من عمته لانها كانت تقتني بضع دجاجات ومن عادتها أن تعطي بيضه لمن يقدم لها خدمه … ذهب فريد مسرعا الى بيت عمته الموجود في نفس الحاره . ولكن ياللعجب لقد نسي أخذ الكره معه فما كان من جميل الى أن انقض عليها وخبئها تحت قميصه وخرج مسرعا الى الحاره ومنها الى الملعب الكائن في المقبره حيث أعضاء فريق الأسود للعب مباراة ثاريه بين فريقه وفريق الحاره المجاوره .. كان يعدو وينظر خلفه لكي لا يراه فريد . وتمنى لو أن دار عمته كانت في اخر الدنيا حتى تطول غيبة شقيقه .. كان أعضاء الفريق ينتظرونه وجميل يتوجه مسرعا نحو الملعب وكانه يسابق ظله .. تحلق أعضاء الفريق من حوله وهم ينظرون الى الكره مندهشين وغير مصدقين . عيونهم كانت شاخصه وأفواههم مفتوحه لهول المفاجئه . تمنى كل فرد منهم لو استطاع أن يحتضنها أو حتى يلمسها بيده .. ألفريق الاخر في الجهة الأخرى من الملعب . جعل جميل من نفسه في ذاك اليوم قائدا للفريق . حيث وزع الأعضاء وزودهم بالتوجيهات وبدأت المباراة .. الكل يركض املا في ركل الكره وتعالت الأصوات والهتافات وانتهلى الشوط الأول بتقدم الفريق الاخر بهدف . كانت مدة الشوط نصف ساعه وضبط الوقت كان من اختصاص ابن المختار لانه كان الحكم وهو الوحيد الذي يحمل ساعه . ربما حصل عليها المختار من احدهم لانه ساعد في حل مشكله ما .. وفي الشوط الثاني استطاع فريق الأسود تعديل النتيجه والتقدم على الفريق الاخر بهدف .. يا الله (وجه الفوطبول علينا كويس) قالها أعضاء الفريق … وقبل نهاية المباراه بخمس دقائق ركل أحدهم الكره وكان ينتعل في قدمه حذاء ( بسطار ) يزن أكثر من جسمه . سمع بعدها انفجار مدو تخيله جميل كصوت القنبله الذريه التي القيت على هيروشيما .. وشعر وكان زلزال 7 رختر قد حصل وهو ينظر الى الكره وقد تقلص حجمها واصبحت بحجم حبة البرتقال بعد ان كانت بحجم البطيخه ..! صاح بأعلى صوته مين ضرب الكره ..؟ قال صبي انه المسمار وكان ذاك المسمار اللعين قد برز من مقدمه بسطاره وثقب الكره وأسرع الولد هاربا بعد أن خلع بسطاره من قدميه ليكون هروبه أكثر سرعه وسهوله …!
الى اللقاء في الحلقه القادمه

                      نشرت في جريدة القدس بتاريخ 17-5-2009