مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bohlool@hotmail.com



الزيتونه

أغسطس 24, 2010
0 views

       

  أذكرفي تلك الآيام .. كان الوقت يعني بالنسبة لي اللعب والسعادة قطعة حلوى .. والعالم اسرتي مع الحارة التي اسكن فيها . كانت احلام اليقظه تراودني وانا اجلس الى جانب والدتي وهي تعدالطعام . تجلس بجوار الموقد تطبخ على لهيب الحطب . والطنجرة تجلس بشموخ على حجار ثلاثه وصوت غليان الماء بداخلها ينبعث كانه موسيقى جاءت لتنسجم مع صوت والدتي وهي تترنم باغنية حزينه مطلعها يقول (مرمر زماني ) .. لم افهم في ذاك الوقت ما كانت تعني او تقصد .. او لعلي فهمت ان هذا اللحن هو لغياب والدي ولو لساعات حيث كان يعمل في الحقل … صوت امي ينادي على شقيقتي الكبرى كي تحضر العجين ( ديري بالك عالمعجنه احسن ما تنكسر ) والمعجنه هذه عباره عن اناء من الفخار كان يصنع خصيصا للعجن و لمرس لبن الجميد .. كان بجوار موقد الطبيخ موقد اخر يجثم عليه صاج بشكله الدائري المقبب .. كنت ارى العجين وهو ينزلق على الصاج ويد والدتي تمده على عجل وكانها تعزف باصابعها سمفونيه لموزارت . صوت العصافير يزقزق على اغصان شجرة البطم اللتي نتفيأ ظلالها . جائت لتلتقط حبات البطم الزرقاء الناضجه وهي تختلس النظر الينا تحسبا من ان نرميها بحجر .! قالت والدتي  قوم جيب شوية ميه من البير نحطها عالطبيخ  .. البئر كان بجوار المنزل . شكله من الداخل بيضاوي .. عندما كنت اقف لانتشل منه الماء بواسطة سطل(دلو) من الكاوتشوك . كنت لا احكي بصوت مرتفع خوفا وتحسبا من ان يخرج لي الجن من داخله . لان الصوت العالي كان يرد صدى الكلمات من داخل البئر . وحسبت حينها ان تلك الاصوات كانت للجن … يعطيك العافيه يا ابو خليل قالتها والدتي لوالدي العائد من الحقل ..البرد في الخارج (بقص المسمار)قالها والدي وهو يتوجه الى مجلسه على بساط  يفترش الأرض . وخلفه اريكة مصنوعة من القش … موقد النار مصنوع من الفخار ولهيب النار يوزع الدف داخل الغرفة . لكن ابتسامة والدتي وكلماتها الحنونة كانت تفوقه في توزيع الدفء والطمأنينة . ابريق الشاي على الموقد والماء بداخله يغلي بانتظار عودة والدي .. كل سنة وانت سالم يا رجال قالت امي انت عارف اليوم اول المربعانية خود هالفروة وحطها على اكتافك ولحظة بيكون الشاي جاهز اه ماا الذ الشاي أمي وما اطيب طعامها رائحته لم تفارقني طوال حياتي . مثل الحجاب الذي اضعه في جيبيي . اذكر عندما كنت صغيرا كان معلقا في رقبتي كانت والدتي تقول هذا الحجاب بيحميك من القرينة ومن العين لا تشيله من رقبتك . سمعت كلامها ليس قناعة بل احتراما لذكراها ولم انزع الحجاب من رقبتي الا ليلة عرسي . وضعتة في جيبي وانا احرص عليه كانه كنزلا يقدر بثمن . الجو لطيف بالخارج وبجوار الباب شتلة زيتون احضرها والدي استعدادا لزراعتها . كنت يقظا ذاك الصباح والمربعانية قد انتهت وجاءت بعدها الخمسينية وهي عبارة عن خمسين يوما مقسمة الى اربع مراحل اولها سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الخبايا .. هكذا كان التقويم في الزمن الماضي . فهمت هذا لاحقا لكنني اذكران الوقت كان بداية الربيع … حمل والدي شتلة الزيتون وبيده الاخرى مجرفة وفهمت من هذا انه ينوي الذهاب الى الحقل لزراعة الزيتونة . طلبت منه مرافقته فلم يمانع غيران والدتي تحفظت قليلا وبعد الحاحي وافقت بعد ان تفقدت الحجاب وحذرتني من الافاعي والعقارب . وان اكون بجوار والدي طوال الوقت … الحفرة تكفي هذا ما قاله والدي واضاف هات ايدك لنزرعها مع بعض . واهلنا التراب عليها سويا بعد زراعتها مع دعاء والدي لها بالعمر المديد والثواب الاكيد وقال لي موصيا دير بالك عليها احميها واسقيها وانشا الله بتوكل من ثمرها انت واولاك وولاد ولادك … اذكران الفرحة غمرتني في ذاك اليوم نظرت اليها وتخيلتها تكبر وتكبر الى ان أصبحت في عنان السماء . والدي ذهب الى البئر ليحضر لها الماء حتى يرويها به كما بلل ترابها بقطرات عرقه حين زراعتها .. ثلاث دلاء كفاية واضاف موصيا . عليك بسقايتها كلما اشتد الحر او كان هنالك جفاف … عدنا الى البيت وبيدي ضمة من ازهار الربيع من الزنبق والحنون وازهار اللوز وضعتها والداتي في كاس به ماء واستقر بها المقام فوق طاولة خشبية في زاوية الغرفة كانت مع النملية تشكلان مطبخ الدار .. اول مرة شعرت فبها بالسؤولية كان ذلك اليوم بعد وفاة والدي . مع اني حينها ما زلت صبيا صغيرا .. كلماته لي كانت وما زالت تطوقني .. دير بالك عليها احميها واسقيها .. كنت اذهب يوميا الى الزيتونه اتفقدها وارعاها .. كبرت وكبرت معها صارت تجمعني بها صداقة كنت احكي معها اشكي لها ايامي . احكي لها افراحي واحزاني واحلامي . كنت اسمع صوتها وجوابها لي كانت تحاورني . وعندما يشتد القيظ تظللني وتحميني باغصانها اليانعة .. ومرت السنين وكبرت زيتونتي وكأن جذورها انغرست في الارض لتخرج من الجانب الاخر . لتضم كل البعدين عن وطنهم ولتذكرهم بانها ما زالت موجودة كي لا ينسوها … المحل يشتد والابار فرغت من المياه وسنين القحط تتوالى وخوفي على زيتونتي ان تذبل  عروقها .. دير بالك عليها احميها واسقيها . لم يعد هناك ماء يا ابي جلست تحت ظلالها ووضعت راسي الى ساقها وحضنتها كاني اقرلها بعجزي وبدات الدموع تنهمر من عيني . لحظتها سمعت خطوات تتقدم نحوي واذا به شيخ عجوز نظر الي قائلا .. لماذا تبكي يا بني قلت له والدي أوصاني قبل وفاته بان أحمي زيتونتي وأسقيها .. تبسم العجوز وفي عينيه نظرة عتاب قائلا .. الدموع لا تروى زيتونتك يا بني ولا تحميها . ابحث عن الماء ابحث عن الماء أو أي شى اخر …

                   نشرت في جريدة القدس بتاريخ25-1-2009
Be Sociable, Share!


أضف تعليقك

*

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash