مـن حـكـايـات بُهـلـول – مـدونـة الكـاتـب الشـاعـر جـودت راشـد الشـويـكي

hikayat_bahlool@hotmail.com



(قصص)

أكتوبر 5, 2010
0 views

الوجه الآخر 

الحلقه الأولى ..         

 إستغربت حينما رأيت جاري سامح يجلس في المقهى على غير عادته ، والسّبب هو علمي بحاله كونه جار  فهو ممّن ينطبق عليهم القول  (من الفرشه الى الورشه ) نادرا ما تجده خارج البيت إلا لشراء مستلزماته . يقابلك بإبتسامة وتحية ويمضي في حال سبيله . رغم مرور أكثر من عشر سنوات ساكنا بالقرب من منزلي إلا أنّني لم أسمع صوته في يوم من الأيام صائحا أو متذمرا أو شاكيا ، حتى عندما كنا نزوره في زيارات عائلية بحكم الجيره ويكون هذا في المناسبات عادة كان يستقبلنا هو وزوجته بكثير من الود والترحاب ، كعادته يجلس يستمع الى الكلام وعندما يُطلب رأيه في شيء يعقب بما قلّ  تاركا الحوار وإدارته لزوجته ، وكما هي العادة في المجتمعات الشرقيه فان الكثير من الحوارات يُبالغ بها مُتحدّثُها وكان هذا حال جارتنا التي تصنع من الحبّة قبّه ، وأثناء إسترسالها في الحديث تطلب شهادة زوجها بصحّة حديثها والذي كان يشهد لها دوما بصدق ما تقول .. مما تقدم يتبيّن لنا أنّ جاري انسان طيب دمث الخلق مسالم السجيّة أما زوجته فكانت ذات شخصية قوية  دوما تأبى الا أن تقود المركب وكثيرا ما عصفت بها الرياح وطبعا يكون الضحيّة هو الزّوج الطيّب حيث يترتّب عليه دفع كلفة الأضرار ماديا كان أو معنويا . جلست بجوار جاري بالمقهى وهو شارد الذّهن نظر اليّ وفي عيونه الحيرة وبعض الرّجاء ..= خير يا جاري أي من زمان إعملها ، حتّى شوف المقهى منوّر بوجودك . تبسّم جاري كعادته رغم الكرب الذي هو فيه وكأنّ حملا ثقيلا انزاح عن كاهله وقال..= ما بعرف وين أروح قلت أكيد راح أشوفك بالمقهى ..= يعني كنت ناطرني طيّب ليش ما جيت لعندي عالبيت ، البيت بيتك ..= ما بستغني لكن هذا اللي صار ..= إحكي بشوف بعيونك كلام فضفض يا جاري وسرّك في قاع بير..= يا جاري هذي زوجتي عِملت طوشه معي وبهدلتني وما ظل غير ترفع إيدها عليّ وتضربني ، وأنا خرجت من البيت لأني ما بدّي الفضايح ..= أكيد حضرتك عملت عمله وزوجتك زعلت منّك ..؟= لا لا والله ما عملت ولا شيء غير إنّي قاعد بقرأ قي الجريده قال يا سيدي بدها أقعد معاها أشوف التلفزيون ..= طيّب ليش ما جاملتها وقعدت معاها ..= يا جاري زوجتي كانت بتحضر مسلسل مكسيكي وأنا ما بحب هيك مسلسلات وبعدين كنت بقرأ في الجريده لأنّه ممنوع عليّ أشوف الأخبار في التلفزيون ..= إذا هيك ما إلها حق لكن حاول اتفهّمها رغبتك وكلشي بالحوار والتّفاهم بيصير ..= ما بقدر يا جاري لأنها بتعارضني وبتصير تصيح كأنّي ولد صغير عندها .. لقد فهمت من جاري مدى معاناته من زوجته وربّما أدركت  السّبب أيضا وقلت له ..= صدّقني هاي هي المشكله يا جاري ولا تآخذني في الحكي زوجتك بتشعر أنّك ولد قدّامها لأنك طيّب كتير وطيبتك هاي بتفسرها على إنها ضعف زوجتك بتحب الرّجل اتكون شخصيته قويّه ..= قصدك لازم أكون أزعر عشان تحترمني ..= أيوه لازم تكون قد حالك يعني تتمسّك برأيك اذا كان صح واذا غِلطِت زوجتك تقوللها إنها غلطانه وإذا صاحت تصيح أنت كمان ، ولا تتنازل لأن الأنثى بتحب الرّجل القوي بشخصيته حتى تشعر بجواره بأنوثتها وبالأمان ..= طيب اذا اعملت هيك وما مشي الحال ..= في هذي الحاله فهّمها انك بتسايرها لأنه ما بدك تهدم البيت ، وقدّامك طريقتين حاول تشعرها بأنك ستستعمل العنف معها اذا استمرت على حالها وهذا حتى تشعر برجولتك وقوتك ، وثانيا هدّدها بالزّواج من ثانية وفي هذه الحاله رايحه تحترمك وتعمل إلك ألف حساب ، حاول إعمل بنصيحتي وبتشوف النتيجه وهالحين قوم إرجع على بيتك وفوت وخلي صوتك عالي وقوللها حضري العشا يا مره وأنا متأكد انها رايحه تقلك هاي الأكل موجود في الثلاجه . عيد عليها الطلب واذا ما إستجابت  روح عالثلاجه وخوذ صحن من الموجودين بداخلها واضربه في الأرض وقوللها قومي حضري العشا مع براد شاي كمان . لأنها زوجتك ما بتفهم غير اللغه هاي ويمكن بتحبها وتتمناها وما بتحمد ربها لأنه رزقها زوج صالح طيّب مثلك بيحب بيته وبيعطيه كل وقته وجهده ..= إيكثر خيرك يا جاري أنا كانت عيوني مغمضه لكن من هاي اللحظه رايحه تعرف وتشوف مين هو سامح … غريبة هذه الدنيا بمن عليها  تبدو أحيانا كطلسم يستعصي فهمه وعلى كلّ أن يحاول فك رموزه وغريب هو الانسان حيث لكل وجهة نظر ولكل مفرداته وتقييمه وفهمه للأمور . لعل بذلك يكون الجمال في التنوّع والسعي لفهم الأمور بشكل أوضح حيث لا رتابه كي لا يكون الملل . غادرت المقهى متوجها الى البيت وصورة جاري سامح لا زالت عالقة في مخيلتي تساءلت هل سينفّذ ما وعد به وهل أنا مُلام فيما قلت وهل هو تحريض أم نصيحة وعلاج ؟ لست أدري ، ولكنّ بيده القرار وله حريّة الاختيار 

نشرت هذه الحلقه في جريدة القدس بتارسخ 21/12/2012

 الحلقة الثانيه

… غادرنا المقهى إنا وجاري سامح كلّ إلى منزله والوقت كان مساء وحين دخولي منزلي فوجئت بوجود ضيفه عندنا ، أخبرتني زوجتي أنها جارتنا زوجة جارنا رائد ، واستغربت الأمر لأنها حضرت لزيارتنا في هذا الوقت المتأخّر دون رفقة زوجها ، لكنّ زوجتي أخبرتني أنّ جارتنا قد تشاجرت مع زوجها وأنّه في لحظة غضب طلب منها ان تغادر البيت ، وحيث أن أهلها يقيمون في مدينة أخرى والوقت متأخّر فلقد حضرت الينا وهي بانتظارك لتشكو إليك زوجها وتصرفاته . قلت لزوجتي خيرا فعلت والجيران مثل الأهل .. قالت الجاره لقد تغيّر سلوك زوجي لقد عشنا السّنين الماضيه بحب ودون مشاكل إلاّ إنّه بدأ يتغيّر ويغيب عن البيت ودائم الصياح بسبب او بدون سبب ، حتى صار يضربني ويشتمني ولا يعجبه العجب مع أني مطيعة له  وأتحمّل كلّ أعماله إنّّي أريد العيش بالسّتر وصابرة غير متطلبه ، أقوم بخدمته وواجب البيت أقضي كل الوقت من الصّباح للمساء وأنا أطبخ وأكنس وأنظف وأقوم برعاية أولادي حتى يرضى عني ، وأنام مبكرة منهكة القوى من التّعب ، ومقابل هذا يعاملني بالجفاء والإهانه أنا محتارة يا جارنا ماذا أفعل حتى يرضى عنّي ، وأنا صابرة أتحمّل أفعاله لأنّي لا أريد فراق أطفالي حتى لا يكونوا ضحية تصرفاته وانهارت الجارة في البكاء .. زوجتي كانت تجلس بجوارها حيث كفكفت دموعها وأكّدت لها أنّ كلّ شيء سوف يكون بخير وأنّي سأعالج الأمر مع زوجها ، لكن ماذا أفعل مع مثل هذا الزوج وسلوكه الخاطىء مع أنّي مستغرب لما حدث لعلمي أن زوجها إنسان عادي السّلوك متعلم واجتماعي أو هكذا يبدو لمن عرفوه . لكن لكل فعل أسبابه ولعله واقع تحت تأثير شيء ما لظرف ما أو أن السّبب يكمن في زوجته لأنه يراها ليس كما يحب ويتمنّى ، لأنّها أهملت نفسها لإنشغالها بأمور البيت كما قالت لإعتقادها أنّ هذا واجبها وما عداه انتهى زمانه وأوانه. وأنا رجّحت هذا الإحتمال ..لست أدري ماذا أفعل لقد كنت محرجا في تناول الموضوع مع جارتنا ومناقشته بصراحة وتوجيه بعض الأسئلة إليها  ، لكنها اختارت بيتي وهذا يعني أنّ عليّ واجب رعايتها وحمايتها وتوجيهها بالشكل المناسب لما فيه الخير لها ولزوجها وأسرتها حيث قلت لها . أنا أعلم أنّ زوجك إنسان طيّب لكن يتوجّب عليك أن تراعي ظروفه وتسألي نفسك لمذا تغير به الحال وصار يفتعل المشاكل في البيت ، وربّما يوجد عليك بعض اللوم ، يعني بدون زعل إنتِ مقصّرة في حق زوجك وفي حق نفسك ، أنتِ ذكرتي أنّك تقومين بواجب البيت على خير ما يرام وهذا جعلك تنسي أنّ زوجك له عليك حق وأنّه يحبّ ان يراكِ بأفضل حال ، يريدك كل يوم مثل الأميرة ينتظر منك المظهر الجيّد والكلمة الحلوة والابتسامة الصّادقة ، إستقبليه عند عودته من العمل بإبتسامه وكلمة يحبّ أن يسمعها منكِ وقللي من الشكوى وحضري له الأكل الذي يحب ، صدقيني أنّ الرّجل مثل طفل صغير يرضى ويفرح لو أنّ الزّوجة تشعره بحبّها واهتمامها  وتنتظره وتستقبله وتهيئ له الجو الجميل بعد قضاءه يوم عمل شاق ، الرّجل ينظر الى بيته كانه مملكته ويريد أن يرى في مملكته زوجته أنّها الملكة ، لأنّ كثير من النساء لا يحلو لهنّ شغل البيت الا بعد عودة زوجها من العمل ، المشكلة في الزّوجات أنّها عندما تكبر ويصل سنّها الأربعين وبعد إنجاب بعض الأطفال تشعر وكأنّ مهمتها أنتهت كزوجه ، وأن باقي الأمور لم تعد بالحسبان ، ومن هنا تفتر العواطف ويعيش كل واحد في أحلامه دون الشعور بالآخر مما يجعل الحياة مملة وبهذا تزيد المشاكل التي هي بالواقع صرخة بعدم الرضى لما وصلت اليه الامور في العلاقه الزوجيه وما اصعب ان يشعر الانسان بالغربه في منزله ، الكثيرون يهربون من منازلهم للسهر خارج البيت أو الذّهاب الى المقاهي ويفضلون قضاء الوقت خارجا عن المكوث في منازلهم ، والسّبب انه لو وجد الرجل الجو الجميل في بيته لما غادره الا فيما ندر وللضروة  فقط .. كان بودّي أن أوضح لها اكثر وأناقشها في بعض الأمور ولكني رأيت أن تقوم زوجتي بهذا لعدم الإحراج  وتوجّهتُ لمشاهدة التلفاز .. عُدتُ بعد ساعة وقد وجدت وجه الجارة مشرقا مبتسما وكأنّها إهتدت إلى طريق السّعادة ووجدت شيئا كانت تبحث عنه منذ زمن .. لقد جعلت جارتنا من نفسها آله للعمل ونسيت نفسها وحق زوجها في قضاء أوقات جميله معها  سواء في البيت أو خارجه حتى يتجدّد شبابهم وتزيد الألفة والمحبة بينهم ، وحتّى يشعر كل طرف أنّه مشتاق للآخر وأنّه بحاجة إليه ، لتستمرّ الحياة  لأنّنا نعيشها مرّة واحدة فقط . الوقت اصبح منتصف الليل لكنّي فضّلت أن تعود جارتنا الى بيتها وزوجها وأن نرافقها أنا وزوجتي ونقوم بعمل ما يلزم لمصالحة الزوجين وهذا ما كان .. دخلنا منزل جاري رائد ، لقد كان مستيقظا قلقا وعندما رآنا تبسّم وعيونه تنظر الى زوجته حيث تصافحا وشربنا الشاي برفقتهم وغادرنا أنا وزوجتي بيتهم بعد قليل من الدردشه أعادت الأمور الى نصابها . ومما زاد في سروري أنني نظرت بعد ساعه من الشباك إلى بيت جاري فوجدت النور مضاء تبسمت وتمنيت لهم السعاده … وتذكرت جاري سامح وما عساه قد فعل وكيف سارت الأمور عنده بعد عودته الى البيت  وقررت أن نقوم بزيارتهم في اليوم التالي لأستوضح الأمر   وخلدت للنوم ..

         نشرت هذه الحلقه في جريدة القدس بتارسخ 28/12/2012

الحلقه الثالثه   

      مرّ يوم على لقائي بجاري سامح وما اتفقنا عليه ..  كنت عائد الى البيت بعد انقضاء يوم عمل كباقي الايام وشبح جاري   يطاردني وكاني أحدّث نفسي.. انا لست بمصلح اجتماعي وعندي من همومي ومشاكلي  ما يكفيني لكني بالعاده لا ادير ظهري لمن يقصدني ويرجو مني خيرا .. اه يا جاري سامح لا اعلم الى أين وصل بك الحال ، وهل ما قلته من انك سنتنفض على واقعك وتطلب تغيير النظام حصل ام لا ، وما قلته هو لحظه انفعال ام قناعه . تمنيت ان اشاهده وهو يقف مثل طرزان امام زوجته صائحا وما هو ردة فعل زوجته ، وهل ستصدّق ما تراه .. اصبح الوقت مساء حيث قلت لزوجتي والله مشتاقيين لجيرانا دار سامح من زمان ما زرناهم شو رايك نروح في وقت السهره  لزيارتهم ؟ طبعا وافقت بكل سرور ، وكان هدفي هو استطلاع الامر وما وصل اليه الحال . زوجتي لا تعلم بما حصل بيني وبين جاري لاني لم اخبرها بذلك ،لقد كان في مخيلتي اكثر من صوره لما واجهته في اليوم السابق  مع الجيران وما هو حال جارتنا الاخرى مع زوجها رائد المتمرد..أما سامح فهذا ما كان من أمره كما علمت فيما بعد …. سامح يسير مزهوا بحاله مسرعا الى البيت ليقوم بتنفيذ الوصايا وكانه انسان آلي كان فاقدا للبطاريه وتم شحنه بها ، طرق الباب ولكن هذه المره بقوه اكثر، نظر الى يده لأنها المته وهمس لكل شيئ ثمن ، فتحت  زوجته الباب مستغربه ، دخل سامح وهو يمشي بخطا عسكريه رافعا راسه الى الاعلى وكانه يؤدي تحيه العلم ، استغربت زوجته تصرفه هذا وقالت له ..= سلامه عقلك شو جرالك حاجه؟ جلس سامح على الكنبه في غرفه الصالون ووضع ساقه اليسرى على اليمنى لكن لم يعجبه الامر فوضع اليمنى على اليسرى وكانه يهيئ نفسه للمعركه ونظر الى زوجته قائلا..= يا حرمه لازم تحكي معي باحترام اللي فات مات واحنا اولاد اليوم وبلاش طق حكي ، روحي حضري العشا .. كان يخاطب زوجته ورجله تهتز لا اراديا وجبينه يلمع من العرق وهو يحاول تخطي حاجز الخوف ولا يعلم بما يخبئه له القدر.. قالت زوجته..= العين تحرسك وما شاء الله حولك وحواليك الظاهر انك مريض ، لو رحت على الدكتور قبل ما تجي البيت ..= مين قال انا عيان انا صحتي مثل الحديد والاحسن روحي حضري العشا يا مره .. ضحكت الزوجه قائله ..= الاكل موجود بالثلاجه كول اللي بيعجبك..= انا بقول حضري العشا انتي وهاتيه لعندي مع برّاد شاي كمان ..= اذا ما بدك انتظر لما يخلص المسلسل وخليك براحتك ..= طيب انتوا النسوان ما بتجو الا بالعين الحمره وانا قايم أشوف شغلي وفتح الثلاجه وتناول صحن من القيشاني يوجد به مربى بلون احمر وقام بخبطه الى الارض وهو يصيح لازم تسمعي كلامي انا قلت حضري العشا يعني حضري العشا .. هوى بالصّحن الى الارض مثل القنبله حيث تناثر الزجاج مع المربى في كافه ارجاء المطبخ  ورسم المربى على الجدران اكثر من لوحه ، كانت زوجته حينها تقف بالباب لترى ما سيصنع وكان نصيب فستانها الجديد ما تيسر من المربى نظرت الى الفستان والى زوجها وهو واقف يرتجف انفعالا وخوفا . صاحت وتوجهت الى زوجها لتمسك في عنقه وتشبعه لكما وعبارات وهو يولول بعد ان فقد البوصله واخذ يرجوها بالهدوء وانه سوف يشتري لها فستان اجمل واغلى ثمنا وهي في ثورة غضبها تمنت لو ان زوجها ينتصر على خوفه ويستمر في تحديها ليثأر لرجولته المسلوبه وينتصر لها لكن مقاومته انهارت حيث صاح قائلا كلو من جارنا كلو من جارنا هو السبب الله يسامحك يا جارنا ورطتني في هذي  ألورطه منك لله . فهمت زوجته ان ما قام به زوجها هو من توجيه الجار حيث كان المؤلف والمخرج لتمثيليه لم يختار لها البطل المناسب كانت تتمزق من الداخل فاشفقت على زوجها لكن عقابه على فعلته كان تنظيف المطبخ وابدى استعداده لذلك راضيا  وهمست الجاره .. سيكون لي مع الجار شأن آخر … 

    نشرت في جريدة القدس بتناريخ 11/1/2013

  الحلقة الرابعه

          بعد أن زرعت زوجتي الخوف في نفس الجاره زوجة رائد من انّ زوجها سيتزوج عليها إن هي أهملت في حالها ، لأن ّالرّجال عيونهم فاضيه  كما قالت ، وان عليها ان تهتم بزوجها وبنفسها اكثر، اتفقت زوجة جاري  وإحدى الجارات  على زيارة صالون للسيدات .. حيث تم صباغة شعر الجاره وعمل ما يلزم من ترميم لمظهرها وتقديم النصائح لها للعناية بشكلها .. وتم تفهيمها أن سبب مشاكلها مع زوجها لأنها أهملت في مظهرها وعزلت نفسها عن مشاعره ورغباته .. وبهذه الحالة عليها أن تستعيد إّهتمام زوجها بها وأن تعيش حياتها مع زوجها بعش تملؤه بالرّعاية والحب ، وان تهيّئ لزوجها الجو المناسب الذي يرتاح اليه.. نظرت الى المرآه كأنها ترى نفسها للمرة الاولى تذكرت ايام كانت المرآه صديقتها ما اروع ان يشعر الانسان بالرضى عن نفسه . هذا الرضى بعث فيها جمال الروح التي ربّما تكون قد فارقتها في زحمة الحياة .. تبسمت ولامت نفسها وكأن روحها بُعثت من  جديد قالت نعم إنّ الجارة كانت على حق لكني سأعوّض زوجي واجعل منه أسعد انسان في العالم . كُنتٌ قانعة راضية لعلمي بحالك ولكن لم يعجبه الحال نعم يا زوجي العزيز ساكون كما تحب ولكن من يريد العسل عليه ان يتحمل لسع النحل لان كل شيئ بهذه الايام بثمن وانا كنت مشفقة عليك لعلمي ان دخلك قليل … تفاجىء رائد حينما وجد زوجته بمظهرها الجديد ووقف يتأمّلها بدهشة غير مصدّق .. اذ لا وجود للشعر المنكوش ورائحة البصل والثوم في فستانها .. والشكوى من التعب .. لقد وجد انسانه أخرى تقف مثل عروس تبتسم وفي عيونها الكثير من المعاني مقرونة بالحياء.. واعتقد أنها ستذهب الى حفل زفاف أو في زيارة للأقارب ، جلس وجلست بجواره .. تماما كما تم تلقينها سألته عن حاله .. وعن شغله .. ووقفت بين يديه لتسأله هل تحضّر له الطعام أم يفضل شرب شيء ؟ .. كان البيت مرتبا وباقة من الزهور تحتضنها زهريّة بجوار المكان الذي يفضل زوجها الجلوس به .. أمّا الزوج فأخذ قلبه يرقص فرحا عندما أخبرته أنها لا تريد الذهاب الى أي مكان ، وأنها كانت بانتظاره .  فسألها وهل يصادف اليوم مناسبة ما ؟ .. أجابت نعم يا حبيبي المناسبة هي عودتك لمملكتك لأن الملكة في غاية الشوق اليك .. قال في أعماقه .. هل هي زوجتي حقا أم أنني في حلم وهمس ربما كنت أظلمها فيما سبق .. لأنه كان يرى في زميلة له في العمل الصورة التي يتمنى ان يرى زوجته بها كل يوم تبدو في مظهر جديد ملابس جديدة او مختلفة تسريحة شعر وجهها مشرق بما عليه من زينة خفيفة تمشي بين المكاتب كانها غزال توزع الابتسامات بسخاء كم تمنى ان تكون زوجته مثلها وما اصعب المقارنة حينما تكون بالخيال .. ومن شدّة الانفعال وقبل أن يتغيّر به الحال اقترح عليها أن يتعشيا في المطعم .. لأنه من سنين لم يخرج مع زوجته لنزهة أو لعشاء على ضوء الشموع .. قال في نفسه.. الذنب ليس ذنبي .. لقد عرضتُ عليها الخروج أكثر من مره .. لكنها كانت تقول اليوم تعبانه من شغل البيت .. خليها ليوم ثاني …. الزوجان يجلسان في ركن من أركان المطعم العائلي .. والشموع ترسل نورها لتداعب وجنات الزوجة الذي كان يتأملها رائد بشغف وكأنه يراهما للمرة الأولى والموسيقى ترسل نغماتها الحالمة  لتحمل الزوجان الى عالم الأحلام .. تذكر أيام الخطبة وأيام كانا في السنين الأولى لزواجهما .. وأخذ يذكرها بمواقف طبعا هي الأخرى تذكرت الكثير .. وعادت الدماء تسري في عروقها بعد أن انتصف الليل .. العشا كثير طيب .. أجابت الزوجة كل شيء بوجودك بيكون حلو .. وغادرا المطعم الى البيت …. دخلا البيت وهو يمسك بيدها كأنهما عاشقان فرّق بينهما الزمان والتقيا بعد طول غياب .. وللحقيقة هكذا كان الحال .. وأدركت الزوجة كم هو زوجها طيب وحنون وأدركت أنه كان بحاجة لوجودها بجواره في صخبه وهدوئه في فرحه وحزنه .. أدركت كما قالت لها الجارة  ان الزوجة اذا بتعدت عن زوجها باهتمامها ستترك له المجال في ان يفكر  بغيرها وربما يقوده ذلك الى الزواج كحاجة او كانتقام  .. وان الرجل يريد زوجته أما حينما يكون بحاجة الى الأم والحنان .. ورفيقة وصديقة وعاشقة وربة بيت وطباخة والزوجة الذكية هي التي تعرف وتدرس نفسية زوجها وما هو بحاجة اليه حتى توفر له السعادة وبالتالي هو يسعدها ويقدر سلوكها وتكون بالنسبة اليه القبلة التي لا تجوز الصلاة بدونها .. تذكرت قول جارتها حين قالت يقولون أن المرأة كآلة موسيقية لكن الحقيقة نحن جميعا الرجل والمرأة كآلة موسيقية والزوجة الذكية هي التي تعزف على أوتار زوجها النغمة الصحيحة في الوقت المناسب . تبسمت حينما تذكرت كلماته الحلوه والحنونة ونظراته المشتاقة حينما كانا في المطعم وهمست انه زوج طيب وحنون نعم قد قصرت في حقه ومن الآن ساعوضه واجعل من ايامه القادمه كلها سعادة وهناء .. كم هي الدنيا جميلة لو أحسنا التعامل معها لأنها توفر لنا كل أسباب السعادة ولكن كثيرا ما يكون اختيارنا غير مناسب وسلوكنا ليس كما يتوقع الاخرين وبعدها  تتدب خظنا العاثر ونلعن الأيام ………….

             نشرت في جريدة القدس بتاريخ  18/1/2013

           الحلقه الخامسه    

     أتممنا الاستعداد للذهاب إلى بيت جاري سامح وإذا بجرس الباب يقرع ، توجّهت إلى الباب وفتحته وكانت المفاجئه ، انّه جاري سامح يقف بالباب هو وزوجته دعوتهم بالدّخول مرحبا حيث حضرت زوجتي أيضا وتوجهنا الى غرفه الجلوس .. أخذت اقرأ ما كان بعيون جاري وجارتي من حديث أمّا الجاره فقد كانت تخفي إبتسامة مع نظراتها الموجّه نحوي بكل ثقه ، وأما جاري فكانت نظراته حائرة تائهة يحاول الهروب من نظراتي إلى المجهول ، وتأكّدتْ لي النتيجه لأنّ المثل يقول – اقرأ المكتوب من العنوان – وها هو العنوان واضح أمامي ، لو أنّ جاري نفّذ ما وعد به لكان مزهوا وفي وضع أفضل ، ولكانت جلسته واثقه وساند الظهر ، لكنه كان متكورا على ذاته ويداه ملتفتان على صدره وهو لا يعلم اني عرفت بما حدث له من زوجتي التي نقلت اليّ خبر الجيران متطوّعه وكان ذلك بدافع الشفقه كما أفادت … اهلا وسهلا والله يا جاري سامح كنا ناويين نزوركوا هاي الليله لأنّا من زمان ما شفنا بعض لحتى نتطمن لأن الجار مثل الاخ . قال سامح ما بنستغني يا جاري وهي إحنا جينا لعندكوا . وقالت زوجته هذا سامح قال إنه مشتاقلك لأنّه من زمان ما شافك لحتى تعطيه شوية نصايح عايزها في الشغل وبيقول إنها افكارك كتير عظيمه ويمكن يستفيد من خبرتك . تنحنح سامح وأضاف طبعا مثل ما بتقول زوجتي .. مفهوم مثل ما بتقول كل شي واضح ووصلت الرّساله ، لكن كان القصد الخير ، وإنما الاعمال بالنيّات . قالت الجاره أكيد كان المسعى خير لكن لكل انسان طاقه ومقدره واذا أعطيت واحد حمل اكثر من طاقته وقدرته رايح يقع . معك حق يا جارتنا لكن كل شيئ تابع للتجربه .. لقد أوصلتني الجاره الرّساله بشكل لائق وشعرت من خلال حديثها بأنها تريد أن تقول لي لا تجهد نفسك لأنك لن تستطيع أن تصلح ما أفسده الدّهر . لكن نظراتها الواثقه استفزّتني وجعلتني أميل الى أن أضع نفسي في تحدّي معها ، لأني شعرت وكانها تقول لي أنت معلم فاشل لا تحاول ، خساره على وقتك وجهدك .. والمشكله هي  جاري يبدو انه تلميذ فاشل قنع بما هو عليه ، ويقال في الامثال من شب على شيئ شاب عليه . هو مثل وآمل أن يكون جاري الاستثناء ، ولكني ساحاول مره أخرى وهذه المرّه مشحونا بروح التّحدي ولنرى من سيبتسم  بالنهايه .. وبعد أيام كنت جالسا في المقهى واذا بجاري سامح يمرّ عائدا من عمله . طرح السلام وبدى وكانّه يشعر بالذنب كونه اعترف بانّي أنا المحرّض . لكني بدّدت حيائه بابتسامه ودعوته لنشرب القهوه سويا .. قال انه لا يريد أن يتاخّر عن البيت قلت له وأنا لا أريد من وقتك الكثير . جلس وهو مرتبك وبادر بالحديث ..لا تآخذني يا جاري ما بقدر أقاوم غضبها غصب عني هذي هي طبيعتي . قلت له ولا يهمك أنا مش زعلان . قال والله أنا عارف انك بدّك مصلحتي ..= أكيد أنا عايز مصلحتك لكن إذا انت راضي عن وضعك فذنبك على جنبك وهذي حياتك وانت حر فيها..= لكن مين قال انا راضي انا بتالم من داخلي لكن بصمت لا تفكر يا جاري باني غبي او بدون احساس ..= اسمع يا جاري كل شي بإيدك والانسان اراده وموقف وصعود السلم يبدأ بدرجة ..= كلامك صح لكن أنا ما بقدر أصيح أو أستعمل العنف .. هذا ضد طبيعتي .. وما بقدر أكون ممثل وأعمل من حالي أبو علي ..= معك حق .. ما بتقدر اتكون ممثل .. لكن في أساليب ثانيه اذا كان عندك استعداد للمعركه ..= قول شو هي الأساليب الثانيه مثلا  ؟..  = مثلا المعروف عن النسوان الغيره وهذي الطريقه لا بدها صياح ولا عنف ..= وضّح أكثر يا جاري ..= أحسن شي انها زوجتك إتغارعليك يعني تشعر إنّك على علاقة بواحده ثانيه وممكن تتزوجها .. = وكيف ممكن هذا ايصير ..= اترك الموضوع وأنا برتب كل الأمور لكن من باكر بعد عملك لا تروح البيت مباشرة تعال لعندي عالقهوة وبتعرف كل التفاصيل .. حضر رائد الى المقهى كما طلب منه جاره الذي كان بانتظاره وكان الجار قد اشترى عطرا نسائيا وما ان حضر رائد حتى طلب منه أن يتأخر عن العودة الى البيت لمدة ساعه وبعد انقضاء الساعة رش جاره بالعطر وطلب منه المغادرة الى بيته قائلا اذا سألتك زوجتك عن مصدر العطر .. قل لها زميل موظف رشه ..وعليك ان تبدأ هذه المرّة وتثبت لزوجتك انك قوي وليس جبان حتى تقدّرك وتحترمك . خسارتك تعني النهاية فاما ان تثبت انك رجل أو طرطور، وقصدت بحديثي هذا وبهذا الاسلوب أن أستفزّ مشاعره استعدادا للمواجهه .. وسارت الامور كما تم الاتفاق . تكرّر تأخير سامح  في العودة الى البيت أكثر من مرّه كما خطط له وكان  يغيّر ثيابه باستمرار ويظهر بمظهر جميل وأن يفتح المسجل على الأغاني العاطفية وأن يحلق ذقنه يوميّا واستمر في رش العطر عليه .. مما زاد الشكوك لدى زوجته في تغير حاله وزادت الشكوك لديها مع الايام .. وكان جواب زوجها عن التأخير انه يشتغل وقت اضافي لحاجة العمل لذلك .. لكن الزوجة لم تستثني الجار من تفكيرها بأنه وراء الحكاية .. أو ان زوجها وقع ضحية احداهن تستغل طيبته وربما تخطط للزواج منه .. وهي تعلم أن زوجها فريسة سهله وربما يكون ضحيه اذا سمع ما يتمناه ووجد ذاته مع انسانه أخرى ..احتارت في امرها فهي تريد السلطة وصاحبة القرار في البيت  وهما ممارسة ، وتريد الانوثه وان تشعر بها أمام زوجها وهذا احساس ، تريدهما معا ولكن كيف ..؟ وبدأت الوساوس تشغل بالها لمعرفة الحقيقه …. كنت اتوقع زيارة سامح وزوجته حتى تستطلع الامر في احوال زوجها وكنت قد اعددت لهذه الزيارة مع زوجها انه عندما يكون عندنا ساوجّه له سؤال وحضّرتُ سيناريو الحوار بيني وبينه وذلك لخدمة الموضوع وفعلا كما توقعت حضر الجيران لزيارتنا سامح كان يجلس مبتسما وكاني أرى انسان اخر او لعل وجودي بجواره منحه الثقة أو الدّرع الواقي الذي يحميه من كل المخاطر وقرّرت أن ابدأ المناورة حيث وجهت حديثي للجارة قائلا ديري بالك من زوجك هذا مخبا بقشوره  وعامل حاله عاقل المثل بيقول يا جارتنا ياما تحت السواهي دواهي . هذا يا ستي مبارح شفتو في شارع الزهور ماشي وحامل بايده وردة حمرة . ونظرتُ الى الجار واضفت خير يا جاري لمين هالوردة الحمرة وشو كنت بتعمل في شارع الحبّيبة..؟  تماما كما اتفقنا قال آه كلامك مزبوط كنت رايح في زيارة لزميل من شان الواجب ..= صحتين يا عمي زميل أو زميلة ووردة حمرة كمان . ضحك ولم يجاوب أمّا الجارة فلقد تفاجئت بما سمعت وأصبحت تنظر لزوجها باستغراب وكأنها تقول له عندما نرجع الى البيت رايح يكون حسابك عسيروعليك ان تعترف بكل شيئ . أمّا سامح فلقد كان مزهوا بحاله لأنه ولأول مرّة شعر بإرتباك زوجته وبنظراتها الحائرة ، ربما لأنه تذكّر زميلته سميره في العمل ، حبّه الأوّل وكأنّ روحه قد أينعت وعادت اليه الحياة وسأل نفسه لماذا أمثل الحب وهو حقيقة موجودة حاولت أن أطمسها طوال السنين … نعم انها زميلته في العمل سميره حبّه الأول لكن الظروف حالت دون أن يتزوجها ، لقد كانت رغبة والده في أن يزوّجه من إبنة صديقه له ، كان في وضع لا يسمح له بأن يقول لا ،  سميره تلك الفتاه المثاليه  .. همس في أعماقه  نعم انها ما زالت تحبني والدليل أنها لم تتزوج لحتى الآن ، أمّا أنا فلقد كنت أهرب من حبّي لها طوال السنين ، لأنّي لا أريد ان يكون جسدي لواحده وحبّي لأخرى  .. لقد استيقظ حب سامح فالحب يمنح الانسان القوه من خلال احساسه بالحياه وما تحتويه من تناقضات . والذات وما تريده من رغبات ، ولهذا بدأ يرى جمال الاشياء والحياه بشكل أوضح ….

                                       نشرت في جريدة القدس بتاريخ 25/1/2013

  

         الحلقه السادسه

 

     كأنّها كانت نائمة واستيقظت من ثبات عميق ، هذه زوجة رائد تحاول تعويض ما فاتها لأنها نظرت الى الدنيا من نافذة جارتها وركبت زورق أحلامها بعد أن استيقظت من سبات طويل فجرفها الموج الى خضم الحياة ، لقد أصبحت تهتمّ بالفساتين والموديلات وأدوات التجميل والصّالونات والمجلات ، ودائمة الزيارات للجارات للبحث عما هو جديد لقد عادت اليها ثقتها بنفسها بعد غربة وهي المتعلمة وحاصلة على دبلوم في فن الخياطة والتفصيل لكنها تزوجت قبل أن تمارس أيّة عمل ورضيت أن تكون مربّية بيت تماما كوالدتها لأنها كانت قدوتها  ومثلها الأعلى ، لقد كانت كجارية أو شغالة كل هدفها إسعاد سيدها حتى تنول الرّضى .كان الوقت مساء وهي وزوجها يشاهدون التلفاز حيث قالت له … جارتنا إشترت فستان عجبني عايزة مثله..- منيح لكن من وين بدّي أجيب فلوس ؟ لفلوس الي معاي ما بيكفو حتّى ثمن أكل لآخر الشّهر..- انا ما بعرف هذي مسئوليتك انت  رب الأسرة دبّر حالك ..- شو بدك يعني أسرق ؟؟ – لا لا قصدي يعني خود قرض أو إعمل جمعيّة مع زملائك في الشّغل ..- الشهر هاذ ما بقدر لأنو بدّي أدفع فواتير الميّه والكهربا يمكن الشهر الجاي..- يا زوجي يا حبيبي يا عمري بيكون التاجر باع كل الفساتين يعني جارتنا أحسن منّي مهو زوجها كمان موظف لكن أنا حظي دايما مايل .. وبدا صوتها يعلو وصوت زوجها رائد يخفت وكان هذا في كل المناقشات التي تتضمن قائمة طلباتها الكثيرة ، الى حد أنّه أصبح يرجوها بالسّتر وطولة البال  ويذكرها بالقناعة والوداعة وهي كمن أقبلت عليها الدّنيا وجرفتها المظاهر حتى نصّبت من نفسها المثل في الأناقة وحسن المظهر بين الجارات ولا تريد أن تفقد هذا التنافس والتميّز لأن شيئ آخر في أعماقها قال لها هكذا يحترمك زوجك ويقدرك ولا يفكر في غيرك لان الرجال لا يعجبهم العجب ولا حتى الصّوم في رجب وفكرت في أن تعمل وفي أعماقها شيئ  يقول لماذا لا أعمل وأخرج من عزلتي وأحطم قيدي وتحّكم زوجي وأثبت له لأنّي لست ضعيفه الشخصيه لكنّي كنت قانعة بطيب خاطر .. أصبح زوجها رائد في حيرة من أمره تتقاذفه الأمواج وكأنه فقد الدفة لتستلمها زوجته التي كانت كالمارد الذي خرج من القمقم مزهوا بطعم الانتصار بعد أن طال به الحرمان والانتظار . رائد كان في حيرة من أمره يعيش في مزيج من السّعادة والشقاء أمّا السعادة فهو أن زوجته تغيّرت كما كان يريد ويتمنّى ، والشقاء لأن طلباتها في زيادة مستمرة وراتبه المحدود لا يساعده على ذلك وانه بدأ يفقد السيطره على سلوكها ورغباتها ، وأخذ يلوم نفسه على ما وصلت اليه الحال ، وصار ينقم على سكرتيرة المدير في العمل لأنها هي التي كانت  تستفزّ مشاعره حتى صار يقارن زوجته بها أنها هي التي أشعلت في داخله شعلة الغضب وعدم الرضى ..لقد كان يحلم بأن يسابق الفراشات هو وزوجته وأن يرقص على أنغام الطيور وأن يمتطيا حصان أحلامهما ليجوبا العالم وأن يتبادلا الهمس على ضوء الشموع وأن يذوبا في بعضيهما في ليال الشتاء الباردة ، نعم إنه يحب الحياة وكان يتمنى أن تشاركه زوجته أحلامه ، من قال أنه لا يحق للكبير أن يلهو ويلعب ويعدو ويمرح ويتصرّف بحريته وسجيته ولماذا  نضعه في داخل اطار ونفرض عليه نوع من السلوك الرتيب والمحسوب ونحنطه ونجعل منه تمثال من الشمع وكل هذا باسم التقدم قليلا في السن والوقاروالعادات المقيده للحريات ومن وضع هذه المعايير ولماذا الحجر على مشاعر ورغبات الاخرين ولماذا يستجيب الكبار لتصورات وقوانين البعض اليس هذا ما يجعل الانسان يعيش بنسختين وبوجه آخر نسخة ظاهرة للعيان مزيفة حتى يُرضي الاخرين وأخرى يعيشها في خياله وأحلامه متمنيا أن تكون الواقع . هذا ما فكر به رائد وهمس نعم إن لكل شيئ ثمن ، ماذا يعمل ومن أين له أن يلبّي رغبات زوجته الملكة اليس هو من تمنى أن تكون كذلك فكر في أن يعمل عمل اضافي وأخذ يشكو سوء الحال والأحوال لزوجته ويرجوها أن تقلل من طلباتها ، لكنها عرضت عليه أن تعمل هي بشهادتها إذا كان غير قادر على تلبية رغباتها وطلباتها .. وافق رائد مرغما على ذلك ووجدت زوجته عمل لها في احد مصانع الخياطه وكانت تلبّي حاجاتها من راتبها وبعض حاجات البيت أيضا وبدأ نفوذها على أمور البيت وقراراته يزداد والزوج الذي كان مسيطرا ومتمردا يتنازل رويد رويدا ، ومن الاسباب أن زوجته أصبحت مستقلة اقتصاديا عنه وغير تابعة لما كان يجود عليها به من نقود قليلة .. هكذا الدنيا من يملك المال يملك السلطة والقرار ، أو هكذا يكون الحال في مجتمع استهلاكي أخذ يفقد الكثير من القيم متلحفا بثقافة الغرب وعاداته وتقاليده …

        نشرت في جريدة القدس بتاريخ /1/2/2013

         الحلقه الاخيره

           هي زميلته في العمل يعرفها منذ سنين كم حاولت التقرّب منه . كان ذلك قبل زواجه وهو يعلم بأنها كانت تحبه لكن والده اختار له عروسه ، انها  إبنة مسؤول له في العمل ، وهو غير قادر على أن يخرج من عباءة والده  لأنّ المصلحه كانت وراء ذلك .. سامح قبل حينها ولم يعترض وقضى والده وبقيت زوجته . ولأنّ مصدر قوتها كان من والدها ورضى زوجها الذي سايرها في حياة والده حرصا منه على وصيته وبأن يعاملها بلطف وأن يتجاوز عن بعض الأمور حرصا منه على بقائه في العمل ، ولا نستثني أن سامح بطبعه إنسان طيّب المعشر وطيبته الزائده كانت تحسبها زوجته أنها ضعف . لقد كانت تمثل امتدادا لسيطرة والدها بدافع الغرور.والأمر الواقع .. لكن  سميره تلك الفتاه المكافحه زميلته في العمل كلماتها همس ونظراتها سحر وابتسامتها إشراقة شمس . كم خفق قلبه لها لكنه لم يصرّح لها بحبه أو حتى باعجابه ، تزوّج هو من ابنة مسؤول والده  وهي بقيت دون زواج .. وتمرّ الايام  وما زالت تعامله باحترام وهو كذلك لقد فاتها قطار الزواج بعض الشيئ وكان ذلك برغبتها ، ماذا يعني أن عمرها 35 سنه إنه أروع سن للزواج ، وهو يكبرها بعشر سنين ، لا يعلم سامح لماذا استيقظ حبّه الدفين وأخذ يفكر كثيرا بجميلته وحبّه القديم  حينما لاحظ عليها أنها بدأت تعتني بمظهرها أكثر من ذي قبل ، ربّما لأنها أحسّت بالتغيير الذي حصل في مظهر سامح وبنظراته وابتساماته لها ، وهي أيضا أبدت اهتماما به أكثر  .. ربما يفتر الحب حينا ويصبح ذكرى لكنه لا يزول أبدا لأنه أصبح جزء من الوجدان ، أخذ سامح يسأل نفسه لماذا أمثل الحب على زوجتي كما اقترح صديقي وهو حقيقه ، نعم كنت أبتعد عنها ولكنّها لا زالت النافذه الجميله التي أنظر من خلالها للحياه كما أحب ، وأعلم أنّها تحبني وتعاملني بلطف واحترام ، أشعر معها وبقربها بذاتي ، حقا إنها عازفة ماهره وربما رفضت الزّواج من كثيرين لأنها ما زالت  تحبني ، لكنّي أنا الجبان أنا من دفن نفسه في قوقعه وخاف أن يخرج منها وكان نصيبه الفشل ، يجب أن أحطم تلك القوقعه وأقف أمام زوجتي مثل طرزان وإن لم تصدق ذلك سأثبت لها من أكون بالفعل ، لقد تحرّرتُ من قيود والدي وأشكر جاري وحبّي القديم حيث أخرجاني من تلك القوقعه .. سامح يقف أمام المرآه يحلق ذقنه وهو يترنّم بأغنية لفريد الاطرش ، كانت زوجته تنظر اليه باستغراب إنها المرّه الاولى التي تستمع اليه وهو يغنّي لقد أعجبتْ بصوته الحنون وتسائلت لماذا لم يغني بالسابق ولماذا الآن ؟ . أدركت أنها هي السّبب ، غيرتها وحبّها للسيطرة وطمس شخصيتة بتسلطها واستغلالها لطيبته ونفوذ والدها جميعهم رسموا مسارحياته وحياتها ، حين عاملت زوجها كأنه تابع أو شيئ تمتلكه لا شريك . حقا لأن هذا السلوك يقود الانسان الى حب التملك ويعتقد أن الآخر هو جزء من أشيائه وعليه تنفيذ رغباته ، لكنها لم تدرك أنّ لكل سلوك متطرف ردة فعل وحينها يكون الانفجار ، تماما كالبركان الرّاقد عندما يزداد به الضغط يُخرج حممه ، هذه هي الحياة وطبيعة الأشياء لقد طفى وجه سامح الآخر الى السطح ، وجه القناعة والطيبة لم يعد يلائمه لأنها لم ترضى به زوجته حين فسّرت  ذلك على أنه ضعف ، وهذا مما ساعده في مخاضه حيث أصبح متشككا في سلوكه وذاته وأخيرا اهتدى الى الخلاص وهكذا برز وجهه الآخر كإعلان لرفض الواقع .. قالت زوجته  في نفسها نعم أعترف أنني كنت السّبب وأنني عازفة سيئة وزاد بها القلق حين تصوّرتْ أن أخرى قد اهتدت الى النغمات المطلوبه التي يحبّها زوجها وأنه يعيش معها ربيع أيامه .. بدأ سامح ينجرف لا إراديا لحبه القديم وأصبح يستعجل النهار حتى يرى حبيبته سميره ، وتذكر يوم أمس حين دعاها لشرب كوب من الشاي في مقصف الشركة ، وكيف تلاقت نظراتهما وعاد بهم الزّمان الى بداياته لقد قرأ ما بعيونها وهي كذلك ، حقا إن لغة العيون لا تكذب ، وتذكر يوم علمت بأمر خطوبته وكيف كانت نظراتها اليه تخفي الكثير من العتب المغلف بالحزن ، لقد سألها يومها عن حالها وكان جوابها  ولا يهمّك عندي شوية صداع مع رشح ، عندها كانت عيونها تلمع  لكنه الآن عرف السبب  انه الحب . كان لا بد لزوجة سامح ان تضع حد لظنونها وتعرف الحقيقة وقررت هذه المرة ان تكون لغتها مختلفة علها بالحيلة والذكاء تصل الى نتيجة ..= بشوفك حلقت والبست وتعطرت باين عليه الحلو معزوم على مناسبة ؟ . تفاجئ سامح بهذه اللهجة الجديدة مما منحه مزيدا من الثقة قائلا ..= أيوه معزوم على مناسبة خطبة لزميل في الشغل ..= إن شاء الله مبروك لكن ليش رايح لوحدك كان لازم أروح معك..= لا ما هي الحفلة رجالي ومش مختلطة أكيد عند الزواج بتكوني معاي ..= ويا ترى مين هو زميلك شو اسمه؟..= شو بدّك في اسمه زميلي وخلص ..= لا لازم أعرف اسمه ..= يا عيني هذا صار تحقيق سمّيه كيف بدّك ..= لازم أعرف ..= مش شغلك والزمي حدّك أحسن ..= طيّب اذا رحت على مشوارك  من غير ما تقول خليك هناك عند اصحابك ولا ترجع عالبيت ..= هذا بيتي وأنا برجع وقت ما أريد ولازم تعرفي إنها أيام طلب التصريح لحتى اخرج من البيت راحت . وخرج وهو مزهوا بعد أن كسر زهرية كانت على طاولة بجانب الباب قائلا لزوجته لا تنسي تنضفي الأرض .. حصل هذا لأنه تذكر صحن المربّى وما كان له بعدها  من زوجته العنيفة ، ولعله بذلك أراد أن ينتقم … زميلته كانت تنتظره في حديقة المدينه لأنه طلب منها اللقاء  واستجابت لدعوته لترى ما يريد ، والتقى الحبيبان وبعد الكثير من عبارات المودة والذكريات شكى لها عن حاله وعن علاقته بزوجته وهي أيضا حكت له عن أيامها الماضية وكيف استطاعت أن تحقّق ما تريد ، لقد اشترت شقة سكنية وتعلمت السياقة واشترت سيّارة وأنها الآن تقيم مستقلة في شقتها بعد أن تزوّج شقيقها ورحل والداها الى العالم الآخر . قالت له ربما  يكون من أسباب سلوك زوجتك هو عدم الانجاب ، لعلمها أنه مضى على زواجه أكثر من عشر سنوات دون أن يرزق بالأطفال ، لكنه قال لها ربّما يكون ذلك لكن من ناحيتي أثبت الفحص الطبّي أن وضعي سليم وربما تكون المشكلة من عندها ..لعلّ هذا الحوار أيقظ في نفسه أمنية كم تمناها وهو أن يرزق بمولود وسال  حبيبته أليس من حقي أن يكون عندي أطفال ؟  قالت نعم من حقك ، قال لقد ضيعتك وكان هذا من عشر سنوات وكانت هذه غلطة عمري وأنا أريد الآن تصحيح الوضع وأطلب منك الموافقة على الزواج . تفاجئت بطلبه  …مع انها طالما تمنت ذلك وانتابتها الحيرة ، هي تعلم أنه متزوج لكن رفضها يعني لها النهاية  رقص قلبها فرحا فهي لم تجد انسان ارتاح قلبها له مثله بطيبته وانسانيته ، وقالت في أعماقها ولماذا أرفض ، إنّ هذا من حقه وربما يرزقه الله الخلفة التي يتمنّى وأعوّضه بأيّام أجمل .. لقد كانت فرصة لسامح حين قالت له زوجته  لا ترجع على البيت  .. تبسم وقال نعم سوف أحقق لك رغبتك يا زوجتي العزيزه ..واتفق هو وزميلته على الزواج وتم لهم ذلك وأقام في شقة عروسه مدللا وقضى أجمل أيّامه في قفص الزوجية .. كانت زوجته تنتظر كل ليلة  عودته  وتكابر بعدم السؤال عنه في مكان عمله ، وما كان لها إلا الجار لتسأله عن أخبار زوجها وتستطلع أمره . نعم كان الجار يعلم بما حدث لأنّه كان أحد الشهود على زواجه وأخبرها الجار بالحقيقة ونصحها أن تتعامل مع الوضع الجديد بحكمة إن هي أرادت عودة زوجها إليها ، نزل عليها الخبر كالصّاعقة واحتارت فيما تصنع ، لكنها أخذت بنصيحة الجار واتصلت بزوجها تطلب منه العودة الى البيت وأنّها علمت بما حصل .. وعاد سامح الى زوجته بعد أن أكدت له بأنها ستعامله باحترام وستحترم رغباته وما يريد ، وتم وضع برنامج لزوجتيه بالتساوي .. وبعد انقضاء عام رزق بولد وفرح وفرحت زوجاته وعندها طلبت منه زوجته الاولى أن يقيما سويا في بيت واحد لأنها خافت أن يأخذه المولود منها وألحّت في طلبها وأكدت من أنها ستعامل زوجته الثانية بكل الود وأنهما سيكونان بوفاق واتفاق . وافق سامح بعد موافقة زوجته الثانية على هذا الاقتراح وعاش هو وزوجتيه وأصبحت كل واحدة منهنّ تتنافس  على إرضاءه ومناجاته بعبارات الود والمحبة ، وفي يوم توعكت صحة زوجته الاولى فذهب بها الى الطبيب وكانت المفاجاه قالها الطبيب مبروك زوجتك حامل ، يا الله كم انتظر هذه اللحظه وكم هي انتظرتها لكنّها مشيئة الله .. ومرّت السنين وأصبح بيت سامح يعج بالأولاد والأطفال وضجيجهم . وكان يصيح على زوجتيه عندما يريد النوم أو سماع الاخبار - كل وحدة تسكّتْ أولادها واذا ما بتسمعو الكلام بتزوّج الثالثه … 

نشرت في جريدة القدس بتاريخ 5/4/2013

*******

 

صَرْخِةْ نَدَمْ ..

     جميلة تعيش مع زوجها وإبنة وولد في بيت مليئ بالحب والسعادة ، تنتظر زوجها جميل كل مساء حين عودته من العمل بابتسامة وكلمات تزيح عن كاهله معاناة يومه ، هي الايام تمر تحلم مع زوجها بتعليم أبنائهم ويرسمان أروع صورة للأيام الآتيه ، وفي يوم ليس كباقي الأيام جاءها من يخبرها بأن زوجها تعرض لحادث عمل وأنه نقل إلى المستشفى وعلى عجل ذهبت جميلة لترى ما حل بزوجها لكن الأقدار شاءت أن تصل وقد فارق الحياة … وتمر الأيام وجميلة تعاني لفقد زوجها ، أصبح البيت بارد والأشياء بلا معنى كل شيء كئيب حتى نظرات أطفالها المليئة بالحزن لفقد والدهم . كانت تهرب من واقعها ألأليم بالنظر إلى صورة زوجها المرحوم جميل معلقة في صدر الغرفة ، تحاكيه وتناجيه وتشكو له عن الحال وكيف أنّ صاحب العمل الذي كان يشتغل عنده لم يعوضها إلا القليل الذي تلاشى خلال بضعة شهور ، وكان لا بد لها أن تتّحذ قرار حيث تقدّم لها أكثر من واحد طالبا الزّواج منها لأنها ما زالت في مقتبل العمر ، أو أن تبحث عن عمل حتى تعيل أطفالها وتشق طريقها في الحياة ، هي لم تتردّد في الاختيار ، لأنها رفضت الزواج مع مغرياته وفضّلت أن تعمل وتكافح معتمدة على ذاتها ، سلاحها ألاصرار حتى تستطيع تربية أبنائها .. وكان لها أن عملت فراشة في مدرسة واستطاعت بتحدّيها ودخلها المحدود أن تعيل أسرتها وتعلم أبنائها وتتغلب على مصاعب الحياة .. كبر الأولاد وتزوجت  البنت وما بقي لجميلة من حلم هو أن تزوج إبنها وتعيد شيئا من البهجة الى بيتها بعد أن غادرتهم من سنين .. كان يوما جميلا أن اشتغل إبنها بعد تخرّجه من التعليم لحظتها شعرت بالأمان لكن طموحها واصرارها بتنفيذ حلمها بزواج إبنها دفعها الى أن تستمرّ في عملها رغم تقدّمها في العمر  إلى أن جاء اليوم الموعود الذي انتظرته طويلا .. كانت السعادة تغمرها وهي تنظر إلى إبنها وعروسه ودموع الفرح تغمر وجهها ، كم تمنّت لو أن زوجها المرحوم جميل كان موجود بينهم ليشاركهم الفرحة ، وفي الحفلة أخرجت من منديل  تحمله بيدها عقدا من الذّهب كانت قد ورثته عن والدتها واحتفظت به لهذه اللحظة ، تقدّمت من عروس إبنها وقلدتها العقد متمنّية لها ولولدها السعادة … وتمر الأيام ويأخذ المرض طريقه إلى جسد جميلة المنهك من عذاب السنين ولم يستطع الطب تخفيف آلامها لأن جرحها ليس له دواء ، كانت تقضي أغلب الأحيان طريحة الفراش وبدأت زوجة الإبن بالشكوى لزوجها عن حال والدته وأنّها غير قادرة على خدمتها وزادت الشكوى الى أن خيّرته في يوم من الايام بينها وبين والدته . كان الابن يحب زوجته واحتار في أمره وما هو مصير أولاده إن هي تركته ، الى أن اقترحت عليه أرسال أمّه إلى دار للمسنين وزيّنت له الوضع بأنها ستلقى العناية والرّعاية وتعيش مع من هم في سنّها ، أعجبت الفكرة زوجها وبهذا يرتاح من المشاكل وإلحاح زوجته ألمستمر .. وفي يوم طلب من والدته أن تعدّ نفسها للذهاب إلى المستشفى ، لكن العنوان كان دار لرعاية المسنّين ، هنالك وضعها ووقّع على المعاملات طالبا من أمه أن لا تقلق  لانّهم سيعملون لها بعض الفحوصات الطبية وما هي إلىّ أيام وبعدها ستعود إلى البيت ، طبعا فهمت الأم الحكاية وما كان لها غير الدّموع والنّظر إلى إبنها بنظرة عتاب لم يفهم الإبن معناها لأنّ صورة زوجته وتنفيذ رغبتها كانت المسيطرة على تفكيره ووجدانه … مرّت الأيام على جميلة وهي نزيلة الملجئ تعاني من الوحدة وكيف وصل بها المقام إلى هذا ، كم تمنّت أن تحتضن  أحفادها وتحكي لهم القصص وأن تشعر بدفء العائلة التي ضحّت وعانت وأفنت زهرة شبابها من أجلها ، وعندما كان يشتدّ بها الشّوق والألم تنساب دموعها لتغسل وجنتيها وتمتد يداها الهزيلتان تكفكف الدّمع بمنديلها التي كان يحوي في يوم من الأيام ذاك العقد الذهبي الذي أهدته  لزوجة إبنها . كانت تنظر إلى السّماء طالبة الهداية لولدها مقرونة له بالدّعاء وكل الخير والتوفيق . هذا هو قلب الأم يسمو على الجراح ليعطي . أمّا إبنها فلقد شغلته الأيام حتى أنه نسي أن له أم تنتظره كل صباح ومساء ، كم تمنّت أن يزورها برفقة أولاده لكن رجاءها كان يتلاشى لتعاودها الدّموع والدّعاء من جديد .. عاد جميل من عمله وكانت زوجته في الانتظار ..= بشوفِك لابسة لوين رايحة .؟ أكيد في حفلة عند الجارات ..= لا كنت ناطرتك لحتى نروح عند أمّي ..= خير شو مالها أمّك عيّانة .؟  ..= لا سلامتها مهو اليوم عيد الأم وأنا إشتريت للماما هديّة وأكيد هي ناطرتنا حتى إنروح لعندها … تذكر جميل والدته وشعر كأنّه يهوي في حفرة عميقة  و قال لزوجته- منيح إذهبي إنتي لوالدتك وأنا رايح لعند أمي حتى أشوفها ..= شو مالها أمك مهي بخير بتروح عندها غير يوم علشان أمي ناطرتنا .. ولأوّل مرّة يشعر جميل بالضّيق من حديث زوجته وقال بصوت مرتفع – لا أنا بدّي أروح لعند أمي وخرج مسرعا إلى خارج البيت قاصدا دار المسنين وفي طريقه توجّه إلى محل بائع الحلويات واشترى علبة من النوع الذي تحبّه والدته وهرول مسرعا إليها وهو نادم لأنّه لم يذهب لزيارتها منذ عدّة شهور.. نعم هذه هي الغرفة التي تقيم فيها والدته دخل الغرفة ونظر إلى السّرير لكنّها لم تكن موجودة ، حسب أنّ والدته في الحمام أو في زيارة لغرفة أخرى وانتظر طويلا لكنها لم تعود ، حينها توجّه إلى الممرّضة ليسالها عن والدته..= أنا جميل إبن أم جميل وين أمي .؟ ..= للأسف جيت متأخّر …= شو قصدك  يعني أمّي جرالها حاجة …= البقية في حياتك أمّك مبارح في الليل توفيت …= وليش ما خبرتوني عن حالتها كان المفروض تخبروني لحتى أجي أشوفها …= لكن إحنا ما منعناك من زيارة أمّك طول هذي المدّه وإحنا كنّا بنّفذ رغبتها ، أمك مبارح كانت تعبانة كتير وقلنالها نحكي مع إبنك لحتى يجي ايشوفك ، لكنها رفضت وقالت في هذا الوقت بكون جميل راجع من الشّغل وتعبان خليه مبسوط ولا تزعجوه واحنا نفذنا رغبتها … وارى جميل والدته التّراب ونام تلك الليلة على قبرها وهو يبكي ، لعل الدموع تغسل ندمه وشعوره بالذنب باهماله لوالدته ومن ضحّت لأجله دون أن تطلب في يوم من الأيام الثمن أو المقابل .. غادر جميل المقبرة وهو يتمتم رحمة الله عليكي يا أمي أعلم أن قلبك كبير سامحيني .. وكان يزورها كل يوم خميس مع باقة من الزّهور بصحبة أولاده  وإبنها يحدّثها وكأنها تنظر إليهم من مرقدها وتبتسم قائلة  – أنا لم أحقد عليك يا ولدي في يوم من الأيّام  حتى أسامحك ، الله يحميك ويحنّن قلب ولادك عليك  …

نشرت في جريدة القدس بتاريخ 23.3.2012

 

         كان طارق يلعب مثل باقي الأطفال بالحجاره وما يتوفر من ألعاب أخرى كانوا يصنعونها بأنفسهم ، وكانت الحجاره تشد طارق إليها يمسكها ويتأملها بأشكالها وألوانها لقد أحبّها كأنها زهور منثوره تزيّن جبال مدينته ، ورغم إستغراب أهله من تصرفه هذا إلا أنه جمع مجموعة من الحجاره مختلفة الألوان والأشكال كان ينظر إليها وكأنها توحي له بأشياء كثيرة ، كان يعتبرها أصدقاء له يضعها مصفوفه على رف خزانته بعنايه يقف كل يوم يتأملها وربّما يهمس لها بأشياء ، يتفقّدها ويبتسم مطمئننا عليها .. كبر مازن وأتمّ التعليم الثانوي بتفوّق وحبّه للصخور والحجاره جعله يكمل تعليمه الجامعي بدراسه الجيولوجيا كي يجد تفسيرا لأسئله كثيره كانت عالقه في ذهنه عن الصخور ومكوناتها وعمرها وكيفيه نشأتها والأرض وطبقاتها وما تحويه من معادن وأشياء أخرى ، كان هذا عالمه وما أحب . وتفوق طارق في دراسته وتخرج بإمتياز وأقام له الأهل إحتفالا ضم الأقارب والجيران والأصدقاء ومثل باقي الخريجين تقدّم بطلب وظيفه للدوائر المعنيه وطال إنتظاره ، كان يحاول التذكير بطلبه لكن دون جدوى لقد مرّ عامان ولم يأتيه الرّد أو كتاب التعيين الذي كان ينتظره بفارغ الصّبر، كان طارق يحلم بأن يكون من ضمن فريق للتنقيب عن المعادن حتى يستخرج خيرات بلاده ويساهم في تطويرها وخلق فرص عمل للعاطلين عن العمل وفي أقل تصور له العمل في دائرة تكون الأقرب إلى تخصّصه . وفي يوم طرق باب دارهم ساعي البريد وأعطاه مغلف إستبشر طارق وأهله خيرا وقرأ الرساله التي تقول أن عليه مقابله المسؤولين ليتم تعيينه في وظيفه في دائره البيطره الكائن في مدينه بعيده عن مدينتهم ، نزل الخبر كالصاعقه على رأسه وتعجّب وصاح بأعلى صوته محتجا كيف يريدون منّي أن أعمل في البيطره وهذا ليس تخصّصي أو مجال دراستي حتّى أعمل به . حاول والده تهدئته طالبا منه محاولة مراجعة المسؤولين وإقناعهم بوجهة نظره مأكدا له أن خطأ ما قد حصل .. أفاق طارق من النّوم مبكرا إستعدادا للذهاب إلى المقابلة معللا النفس بأنه سيعمل جاهدا في أن يختاروا له وظيفة أخرى تتناسب مع مؤهلاته ودراسته حيث قام بارتداء حلته الجديدة بعد أن حلق ذقنه وتوجه إلى مكان المقابلة مصحوبا بصور عن شهادته ودعاء والديه له بالتوفيق وبعد طول إنتظار دخل إلى الموظف وبعد التحية كان بينهم هذا الحوار ..= يا حضرة المسؤول أنا دارس جيولوجيا وما عندي اي فكره عن البيطره وهذي صورة شهادتي ..= يا بني إحمد ربك على شان أجاك تعيين غيرك صارله ناطر سنيين أي حظك حلو من السّما ..= لكن أنا مجال تخصّصي الجولوجيا وما بعرف شي عن البيطره يا ريت لو تشوفولي وظيفه تانيه بكون شاكر لجهودكم حتى أستطيع أن أخدم بلدي في مجال تخصصي ..= الظاهر إنك مش وجه نعمه غيرك مستعد يشتغل زبّال وحضرتك رافض وظيفه بتمناها الجميع..= يا حضرة أنا قصدي وظيفه أقدر أقدم خدمه من خلالها لبلدي في شغل أنا فهمان فيه مثل ما قلتلك أنا ما بعرف شي عن البيطره ..= باين عليك شاطر كثير وبلاش كثرة كلام وتنظير واسمع نصيحتي هذا القرار صدر من فوق وما هو انا المسؤول عنه والمثل بيقول أربُط لحمار حسب طلب صاحبه  وبيقول اللي بتجوّز إمك هوّ عمّك ..= لا يا سيدي ما بدّي أربط لحمار واللي بتجوّز أمّي ما هو عمّي بكل أسف بقول اللي أصدر هذا القرار غلطان وحرام يكون مسؤول ..= يا بني بلاش أعملك قضيه شتم للمسؤولين إذا مو عاجبك الباب مفتوح مع السّلامه .. خرج طارق من الدائره وهو يقول  كيف بدنا نبني وطن وأن نكون مثل باقي الأمم ..؟ حقا إن  (حالنا عجب ..! ) كتب طارق إلى المسؤولين أكثر من رسالة طالبا السّماح له بمقابلتهم وشرح شكواه لكن دون جدوى ، لقد تبدّدت أحلامه وتحطمت على صخرة الإداره الغبيّه وما شاء القدر بأن يكون بيدهم القرار . ومع إستمرار الحال عرض عليه والده العمل في أي شيئ متاح حتّى يستطيع أن يكسب رزقه لكن كان عنده ترتيب آخر فلقد قرّر الهجره من الوطن إلى أي دوله تقدّر العلم والكفاءات ، واستطاع الحصول على تأشيرة دخول إلى إحدى الدول مستعينا بشهادته وماضيه الجيد … سافر طارق إلى تلك الدولة وعمل في شركة تنقيب عن المعادن وكان مثال اللانسان المكافح والمثابر واستطاع في مدة عشر سنوات أن يكون من بين المهندسيين والمديرين في الشركه لأنه أثبت كفاءته ولأنه كان يحب عمله ولما كان يقوم به من أبحاث أفادت الشّركه والدّوله التي يعمل بها … وفي سنه قرّر المسؤولين في وطنه الأم دعوة شركات إستثماريه أجنبيّه كي تقوم بعمل دراسات والعمل  في مشاريع لديهم . وشاء القدر أن يكون طارق المندوب عن شركته والبلاد التي يعمل بها ، حيث توجه ألى وطنه الأم ولكن هذه المره وللأسف بجنسيه أخرى ومندوب عن دوله أخرى . استقبل على سلم الطائره بالورد والترحيب كمندوب للدوله التي يحمل جنسيتها وكخبير له سمعته وتقديره . الدموع انسابت من عيونه فرحا بعودته ألى أرض الوطن وحزنا على أن وطنه لم يستثمر كفائته حين كان بين أحضانه وكذلك الآلاف الكثيرين أمثاله ممن اضطرهم سوء التخطيط للرحيل والبحث عن فرص أخرى في أصقاع الأرض حيث يجدون من يقدرهم ويتيح لهم العمل والإبداع ..

 

شمعتان ..

ما أجمل مدينتنا والنّاس في حارتنا يعيشون كأسرة  واحده يشاركون بعضهم في الأفراح والأتراح وكل واحد يتمنّّى لجاره الخير والسعاده .. هما طفلان من أبناء الحاره يسيران دوما معا ويلعبان معا حتى أنّهما يدرسان في نفس المدرسه ونفس الصّف ويجلسان على مقعد واحد ، كثيرون يعتقدون أنّهما شقيقان توأم ، حتى عند مشاجرة الصّبيه كانا يدافعان عن بعضيهما .. ومرت الأيام وكبر الصّديقان وأكملا تعليمهم الثانوي وأرادا الإلتحاق بالتّعليم الجامعي ، الأول كانت ميوله أن يلتحق بالجيش كي يتخرج ضابط يدافع عن سياج الوطن ، والثاني كان يهوى الفيزياء والمواضيع العلميه ، وتقدم كل منهما بطلب للالتحاق بما يتمنّى ، لكن طلبهما رُفض مع أن معدّل كلّ منهما يؤهله لذلك ، حاولا أكثر من مرّه وفي كل مرّه كان الجواب لا يوجد مكان ، إلى أن همس أحدهم في آذانهم – يبدوا أن الحزب غير راض عنكما  أنصحكما بمعالجة الأمر بالهتاف للحزب والإنتساب إليه أو دفع رشوة معتبره لمن بيده القرار .. قال أحد الصّديقان – أآآآآه يا وطن ولكن نحن نحب بلادنا وننتمي لترابها ولا نريد ان نحشر فكرنا وعطاءنا في إطار حزب بمفهوم ضيّق ويصبح همّنا هو التسبيح والمديح لمن هو فوق ، لماذا يريدون حشرنا في داخل قفص ..ويكمّمون أفواه الآخرين ، ويسلبون حلمنا وطموحنا ويغتالون إنسانيتنا على مذبح الشعارات الجّوفاء والوعود الرّعناء والنظريات الخرقاء . نظام هكذا يفكّر حتما مصيره إلى زوال  …  هبّت رياح الحريّة  على أرض تونس الخضراء فتفتّحت أزهار البرتقال ، وتفتحت أزهار الفل على ضفاف النيل ، وأزهار الورد في ربوع ليبيا ، وأزهار الرّمّان في سفوح اليمن . الرّبيع العربي قد بدأ ، وينتشر عبر المدى بكل ثقه وشموخ وها هي براعم الياسمين تتفتّح في أرض الشّام ، تبسّم الصديقان كلّ للآخر فكم حلما أن يمارسا حرّيتهما وأن يتحدّثا بصوت  مرتفع دون رقيب أو حسيب ، وأن يعبّرا عن أرائهما دون خوف ، حلمهما متواضع يتجلى في كلمه واحده – الحرّيه – قال أحدهم للآخر الحريّه لا تُمنح بل تنتزع وتأخذ عُنوه ، لماذا ننتظر فلا قيمه لحياة وفكر مُكبّلان بالقيود ، لقد بدأت الخطوه الأولى وعلينا أن نلحق بالرّكب وهذا واجب  … الوقت مساء ودوريات الجيش تجوب الشّوارع والشباب يظهرون ويختفون فجأه يهتفون و يرفعون الأعلام ،  يطالبون بالحرّيه والعداله ومحاربة الفساد ، هذه الشّعارات لا تستهوي زُلم النّظام كيف للمارد أن يستيقظ  ؟ كيف للجاهير التي تعوّدت الهتاف للزعيم مجبرة أن تهتف لغيره ؟.. قوافل الشهداء تتوالى لتروي  تراب حمص العديّه وخالد ابن الوليد يراقب من مثواه ، يبتسم قائلا أحفادي لا يرضون الدنيّه .. الصّديقان كانا بين المنتفضين أحدهم يحمل بيده علبة دهان أسرع إلى واجهه وكتب عليها نريد الحريه وال  كان صديقه يراقب الوضع صاح بأعلى صوته  إرجع الدّوريه قادمه الشبّيحه قادمون .. لكن رصاص الغدر إستقر في جسد من يكتب وهوى يقبّل الأرض التي عشقها . صاح صديقه محمود محمود وسارع في نجدته نظر إلى عيون صديقه وقرأ بهما ما يريد ، كان وجهه مبتسما حاول إعطاء علبة الدهان ألى صديقه ليكمل الجمله وتناول صديقه العلبه ، لكن رصاص الغدروالنّذاله عاجل الآخر وهوى بجوار صديقه ، وامتزجت دماؤهما لترسما على صفحة الأرض خارطه لسوريا الحبيبه .. الليل أسدل جفونه والظلام يلف المدينه لأنّ الكهرباء مقطوعة عنها .. تجمهر من بالشارع لأخذ الجثث قبل حضور الدوريّه ولفوهما بالأعلام وفي بستان قريب واروهما التّراب في حفرة واحده بعد أن صلوا عليهم  … تأخّر محمود ولم يرجع إلى البيت ، أمّه كانت قلقة عليه فلقد عملت له الكبّه التي يحبها كما طلب منها قبل مغادرته البيت ، ذهبت ألى جارتها لتسألها عن إبنها لعله يكون عند صديقه ، كانت جارتها أيضا قلقه  على إبنها وتنظر عبر الشارع المعتم ولا ترى إلا الأشباح وتستمع ألى صليات الرّصاص الأتية من البعيد ، أجابتها الجاره بعد السؤال – كمان جورج ما رجع للبيت والله أنا قلبي عليهم الاثنين العذرا تحميهم ، قالت ام محمود لا تخافي عليهم انشا الله بيرجعوا بالسّلامه ، وخلّي جورج يجي يتعشّى مع محمود لأنّي اعملت كبّه وأكيد موجودين مع الشّباب إسم الله حارسهم ..انتصف الليل ولجنة الحي مجتمعه لقد سقط شهيدان في حيهم وكانا من سكان الحاره المجاوره كان أحدهم قد أخذ ما بجيوب الصّديقان ، وكان بين المحتويات بطاقاتهما الشخصّيه ، وبعد أن تعرّفا عليهما أرسلوا مندوب ليخبر ذويهما بما حصل ، وفي اليوم التّالي أقيم بيت للعزاء  في وسط الحاره وفي مكان واحد .. وبعد أسبوع  جاء الى ام جورج وام محمود من يقترح عليهما نقل جثمان جورج الى مقبرة العائله وجثمان محمود ايضا ،والتفريق بينهما ، رفضت ام جورج قائله محمود خي لجورج وما بيصير إنفرّق الإخوه عن بعض ومتل ما عاشوا في الحياه مع بعض لازم يبقوا مع بعض لأبد الآبدين . وكان هذا رأي ام محمود أيضا وبقي الصديقان كما شيعهما الشباب على عجل . وما يميّز مثواهما عن اللآخرين زراعة غرستان من الياسمين تسلقتا الفضاء بشموخ  وكبرياء متعانقتان رغم مؤامرات الأعداء وقسوة الجبناء …

 

 نجاح نجاح

        عيناها كعيون المها لونهما كلون الربيع المبلل بقطرات الندى ووجهها كالبدر يحاكي انغام قيثارة حين بدا. اما شعرها فهو كخيوط الشمس تشع انواره لتضيء الوجود .. كانت تلملم تلك الخيوط بجديلة تنساب على ظهرها بدلال دون حدود. هي صبية كروضة بدأت ازهارها بالتفتح لترسل اريجها عبر المسافات تدغدغ احلام الاخرين المراهقة .. هكذا كانت ، الا انها لم تتقبل هذا الواقع ولم تر في ذاتها الا صورة رسمتها لنفسها مليئة بالشك وعدم الثقة .. كانت نجاح تقضي معظم وقتها في غرفتها تغلق الباب على نفسها تختلي بذاتها امام مرآتها وتبدأ بالبكاء .. تحدث مرآتها عن احزانها ورغباتها المكبوتة. تشكو اليها حالها. كانت تثق في مرآتها وتعلم انها تحفظ كل اسرارها ولم تبح لها لاحد. كانت تقول لها انت صديقتي الوحيدة في هذا العالم. انت من تقولين لي الحقيقة دون زيف او شفقة او مجاملة او خداع. انت من احب والاخرون هم اشكال ملونة ومشاعر متلونة. في عيونهم الكثير من الاستغراب واحيانا المبالغة.كم حاولت والدتها بان تندمج بالحياة بأن تخرج للناس تشارك الصبايا اهتماماتهن. ان تتمرد على عزلتها. الا انها كانت تزداد عزلة واصرارا مع الوقت. حتى الافراح والمناسبات رفضت ان تشارك بهما مثل من هن في سنها. ولم يكن لها شلة من الصديقات كالاخريات ولا حتى احلام او فارس يمتطي حصانا ابيض عدا قطة صغيرة كانت تؤنس وحدتها. كانت تغتال كل رغبة وتقول لنفسها اين انا من هذا .. لا اريد ان اضع نفسي في هذا الامتحان. لاني اعرف النتيجة مسبقا وهي الرسوب. حتى في المدرسة كانت تعزل نفسها وتنطوي على ذاتها باصرار. وحينما تذهب الى المدرسة صباحا كانت تستيقظ مبكرا لتضمن عدم وجود اناس كثيرين ينظرون اليها. وتمشي في طرف الشارع وكأنها تريد اخفاء نفسها عنهم. عيونها مصوبة نحو الارض وكأنها تريد اخفاء نفسها عنهم. عيونها مصوبة نحو الارض وكأنها تقول للمارة انا لا اريد ان اراكم فلا تحاولوا رؤيتي. انا اتضايق من نظراتكم ولا اقبلها. انا اسخط عليكم ولا اريد شفقة من احد. او نظرة فيها من العطف والتمني وربما المجاملة والتشجيع. هي لا تعلم ان نظرات الناس اليها فيها من الاعجاب الشيء الكثير هي لا تعلم ان الكثيرين يحبونها كما هي. كيف تدرك ذلك وهي لا تحب ذاتها وتجلد نفسها كل لحظة بأن تعزلها عن العالم المتحرك. تلتجىء الى الغربة والسكينة والدموع ومرآتها العزيزة .. الايام تمر. ونجاح كما هو حالها الا انها ازدادت رونقا وتألقا واشراقا. بعد ان تفتحت زهراتها واخذت شكلها الطبيعي. مما زاد في احراجها وصراعها مع ذاتها وانكارها لما حباها اياه الخالق من جمال وذكاء وخفة روح. كثيرا ما تمنت في لحظات يأسها لو لم تأت الى هذا الوجود. لانها لم تشعر ولو للحظة بوجودها او اندماجها بهذا العالم، كيف تقبله وهي لم تتقبل ذاتها ولو للحظة. وفي يوم ليس كباقي الايام وحينما كانت عائدة من مدرستها وهي في المرحلة الثانوية. دخلت الى دكان مكتبة لم تعلم لماذا ولاي هدف. لكن القدر شاء ان تدخل تلك المكتبة. واخذت تتأمل الكتب المعروضة. انها كثيرة جدا وباحجامها واشكالها والوانها وعناوينها تغازل الناظر اليها برجاء. مواضيعها من كل صنف ولون. لكن ما شد انتباهها هو كتاب ليس كباقي الكتب او هكذا شعرت حينها. وقفت تتأمله وكأنها في صلاة. شعرت برغبة ملحة في قراءته. حينها شعرت بقشعريرة تسري في عروقها وكأنها ايقظت في اعماقها شيئا هي تفهمه جيدا .. واشترت ذلك الكتاب واسرعت عائدة الى البيت تحتضن كنزها الثمين متلهفة الى فك كل اخباره واسراره وطلاسمه ورموزه. لم تلتفت في ذاك اليوم الى مرآتها. ولم تجلس اليها كعادتها. كان كل همها الكتاب الذي تحمله وتتأمل عنوانه بلهفة. لقد انتابها في ذاك اليوم شعور غريب لم تشعر بمثله من قبل. كان عنوان الكتاب )الايام( – طه حسين عميد الادب العربي – وصورة الاديب الكبير تزين الغلاف كأنها تنظر الى الناس بثقة وتحد. وبدأت نجاح بتقليب صفحات الكتاب صفحة صفحة. كانت تقرؤها بخشوع كصلاتها في المكتبة عندما نظرت عيناها الجميلتان الى ذاك الكتاب لاول مرة. هي سمعت عن طه حسين. وتذكر يوم كانت طفلة صغيرة انها شاهدت قصة حياته في مسلسل على التلفاز. لكنها كانت في ذاك الوقت صغيرة ولم تدرك المعنى او المحتوى او القيمة المعنوية والادبية في تلك الرواية. اما اليوم فالوضع مختلف. انها تقرأ الرواية بشغف ولهفة. حتى تعرف ما رفضت ان تعرفه في سنين عمرهاالسابقة. وكأنها كانت تتمرد على ذاتها وواقعها محاولة تحطيم الاغلال وتمزيق الشرنقة التي حشرت نفسها بداخلها .. كانت بدايات الصراع بين مخزون الذاكرة وما انارت لها تلك القصة من وعي . وبدأت نجاح الجديدة تخاطبها. وتأكد لها ان على الانسان ان يتقبل نفسه شكلا كما هو وليس بالضرورة ان يكون كالاخرين. لانه يكون بذلك نسخة مزيفة. ولان لكل انسان شكلا ومزايا مختلفة او هكذا يجب ان يكون وان لا تكون الحياة بما تحتويه الاشكال مكررة ومملة وكانت كلما قرأت المزيد يزيد شعورها بالتمرد ومعرفة الذات وقبولها اكثر لانها تأثرت بما قرأت. حتى عيناها كانتا تشاركانها الاستغراب والاعجاب بالدموع حتى طرزت صفحات الكتاب وكأنها حبات اللؤلؤ منثورة على شاطىء الزمن.. هو كان صغيرا ومعدما ويعيش في قرية نائية ليس فيها من متاع الدنيا الا القليل وهي ظروفها افضل بكثير .. هو كان يسير في الطريق متحديا اعاقته يتلمس الاشياء ببصيرته .. هي ترى العالم بكل الوانه واطيافه . هو قاس من الكتاب في دراسته الاولى وهي تدرس في مدرسة يتوفر فيها كل شيء .. هو انتقل الى مدينة كبيرة لا يعرفها ولا يعرف تضاريسها او حتى ناسها . وهي تعيش بين اهلها وناسها ومدرستها لا تبعد كثيرا عن المنزل . هو كان دائم الحضور في حلقات الدراسة .. هي تعزل نفسها حتى عن اهلها ومن احبوها .. هو تحدى وانتصر وسافر للخارج كي يكمل دراسته وتزوج وحصل على اعلى الشهادات وعاد الى وطنه مرفوع الرأس وشغل اعلى المناصب . الرواية هزتها من العمق وزرعت في نفسها روح التحدي. وهنا بدأت نقطة التحول حيث سألت نفسها بعد ان وقفت امام مرآتها. نظرت فوجدت انسانة اخرى، رأت نجاح جديدة واقعية مبتسمة متفائلة. وخاطبتها قائلة – لماذا انا لم اكون كذلك ..؟ لماذا لم اكن؟ الحياة مفروضة علي ويجب ان احياها. ويجب ان الغي شعوري بالنقص واتحدى اعاقتي البسيطة التي لا تشكل اي فارق في جوهري .. لان القيمة بالجوهر وليس بالشكل او المظهر. ماذا يضير اذا كانت قدمي اليمنى اقصر من الاخرى قليلا .. يقولون عني عرجاء. نعم انا عرجاء انا قبلت بذاتي وتصالحت معها انا اعترف ولاول مرة اني نجاح العرجاء .. وهذا الاسم واللقب اصبح من الان لا يضايقني انا احبك يا طه حسين واترحم على روحك لانك زرعت في نفسي الامل .. ومن الان اقول للناس جميعا اني احب ان تنادوني بنجاح العرجاء لان نجاح ستثبت لكم مع الايام من ستكون  …

دُنيا…!

        هو حدّادٌ يحبّ الحياة والعمل . زنوده مفتولة يطوّع الحديد بلا ملل . حنطيّ لونه كلون التّراب مع السّبل . شرقيّ الملامح شامخ كالجبل . يحلم ببيت صغير ويعمل بلا كلل أو ملل . ليداري فقر الحال سهر الليالي يتحدّى التّعب والكسل . يحلم بعشّ صغير يجمعه بصاحبة النّصيب إذا ما المهر في جيبه إكتمل . ألبنات في الحيّ كثيرات كأنهنّ الظباء في الحقل وفراشات الورد و العسل . لكنّ ليلى كانت كالقمر في السّماء إذا اكتمل . خطواتها واثقه تختال كطيور الحجل . وشعرها المنساب كالليل إذا أقبل وطل . أحبّها ماجد من البعد صابرا ًكالجمل . إلى أن كان يوماً إستعداده فيه قد إكتمل . فاتح والدته بالأمر وطلب منها أن تخطبها له على عجل . فرحت الأم وزغردت وأمطرته بالقبل . ولبست يومها ثوبا جديدا وأجمل الحُلل . وتوجّهت ألى بيت ليلى وكلها رجاءٌ وأمل . كان ماجد ينتظر قلقا ما قد حصل . قلبه يخفق حبا ًوقلقا يستعجل الجواب علّه حبيبته ينل . آه يا ليلى كم أُحبك وكم حلمت الليالي بك وكم فكري إليك إرتحل . وكم ضممتك إلى صدري من البعد وارتشفت من ثغرك العسل . وناجيت طيفك في الليالي ولملمت عن وجنتيك الخجل . أقبليني فأنا متيّم بك كي أكون فارسك البطل . وأحملك على جناح الحب أطوف بك العالم وكلّ محل . أتوّجك أميرة على الوجود ما أبها وما أجل … قالوا لأمّه بعد أسبوع سنردّ اليك الجواب . فشاع الخبر في الحيّ وخاصة بين الأصحاب . وكان من بينهم وائل أبن صاحب وكالة السيّارات ثريّ وطلبه دوما مّجاب . ذهب وائل إلى أبيه طالبا منه أن يخطب ليلى له مهما كان الحساب . ولأنّ وائل المدلل لأبويه إستجابوا لطلب أعزّ الأحباب . فرح أبا وائل وأمّه وعلقوا الزّينه على الأبواب بعد أن وافق أبا ليلى على الخطبه طمعا وأن ينال من الكرم والعطاء كيسا وجراب .بعد أن وافقت ليلى وتنازلت عن حلمها بشابّ وسيم أسمر . فارسا لأحلامها حلوٌ جميل المظهر . وفضلت الفيلا والسيّاره ومليونا بل أكثر . وأن تجوب العالم وأن تشتري الثّياب والماس والذّهب الأصفر . وتتباهى بين الفتيات بالغنى والحرير والمرمر . وكان وائل بالنسبه لها الهروب من الفقر وإلى الغنى معبر … إلى هنا وتبدوا الحكايه وكأن كلّ شيئ قسمة ونصيب . ولكل إنسان ألحريه في إختيار الحبيب . لكن الحياة دولاب فيها من هو مخطئ ومن هو مصيب … مرّت الأيّام والسّنين وماجد يكدّ ويجتهد وكأنه يريد تفريغ كل غضب به وطاقته لعدم الزواج بمن أرادها بالعمل . أو لينتقم من الفقر الذي كان عائقا بينه وبين حبيبته وعاش على ألأمل . وتوسّع عمله مع الأيام وأصبع يملك شركة كبيره فيها ألعديد من العمال والكثير من العمل . وأصبح من كبار المقاولين في البلد وإلى مسعاه قد وصل .. أمّا وائل منافسه من تزوّج بحبيبته فلقد تغيّرت بهم ألحال . وما كانوا عليه من الغنى صار إلى زوال . حيث خسر والده جميع ثروته وأصبح على وشك السّؤال . أمّا المحروس وائل فلقد باع ما بقي له من متاع بعد وفاة والده من ألقهر . وصرفه دون أن يعمل حسابا للدّهر . وأصبح هائما في الشّوارع يلفه الضّياع والفقر… اااااااه كم تحمل الحياه من مفاجأت أمّا ليلى فأصبحت تندبُ حظها وما قد فات . حين علمت أن خطيبها الأوّل قد صار من أصحاب الثروات . وأنّ زوجها وائل لا يملك حتى ثمن الضروريات . وأنه لم يتعوّد العمل لأنه كان من أبناء من يملكون الثروات . والحاله قد أصبحت عدم يوم لا ينفع الندم . وكان لابد لها من أن تخطو خطوه إلى الأمام وتبحث عن عمل بعد أن رفض العمل زوجها الهمام . وفي يوم قرّرت أن تذهب إلى شركة ماجد علها تجد عملا كتابيا عنده وكان أملها أن تجد المساعده كي تقدر أن تعيل طفلها . ولعلها بذلك تريد التكفير عن ذنبها والإعتذار وأن تسوق اللوم على الأقدار . وأيضا لتطلب عملا لزوجها وهذا ما قد صار … عيونهما إلتقت كان ماجد يجلس إلى مكتب فخم وهي تنظر إليه بين الحياء والرّجاء لم تقدر على النّطق ولم تسعفها الكلمات وهو أيضا تفاجئ بما رآه نعم إنها ليلى تقف قبالته وفي مكتبه . لم تغيّر ملامحا السّنين بل زادتها جمالا . وقف مرحبا ومدّ يده مصافحا . كانت يده ترتعش وهي أيضا . تلامس أيديهما وكأنهما يستعرضان الماضي . لقد عادت الدّماء تسري في عروقه . وأينعت ورحه الذابلة وهي أيضا . كم ندِمت ولامت نفسها وشعرت بضعفها أمامه . جلست على أريكه قبالته مطرقة ألرأس . كان يعلم بما آلت إليه حالهم . نظرت إليه ثانيه ونظر أليها وكأنّه يسألها لماذا .؟ وهي تجيب لستُ أدري إنّه القدر . وهو يرد ليس للقدر ذنب أنّه الطمع . وتجيب ربّما كنتُ أحلم أحلام المراهقه ولم أُقدّر الأمور كما يجب . وهو يرد الذي يحب دوما يغفر . دموعها كانت تنساب كحبات الؤلؤ علها تغسل عذابات السّنين . وقلبه كان يعزف لحنا إفتقده وعاد إليه ليوقظ إحساسه الدّفين . أراد أن يختصر عليها المسافه ويعفيها من الإحراج لأنه عرف بإحساسه عن سبب قدومها إليه . تبسّم في وجهها قائلا . كنت أبحث عن سكرتيره كي تساعدني في أعمالي ألكثيره وحظي جيّد هذا النّهار لأنّي إلتقيتُك فهل تقبلين العمل عندي .؟ تبسّمت وتمنّت أن تحضنه وتطبع على جبينه قبلة تمحو من مخيّلتها سنين مرحلة قد خلت وهمست إليه أُوافق يا … مديري ماجد .

سميحه و ربيحه   

    صباح الخير يا أبو محمود ، قوم افطر اعملت لك بيضتين من بيض الجاجات وزيت وزعتر ورغيف طابون محمر ومقمر .. –  يسعد صباحك يا أم محمود .. ما انتي عارفة أيام المحمر والمقمر  راحت .. مهمة اتفرقوا الجماعة ، والأذن لازمها سماعة .. -  اي سلامتك قوم وبلاش دلع .. اي صدقني من صباحك قلبي انخلع ..  الله ايخليك تاج على راسي ، وتظل كبير حتى على اهلي وناسي .. –  طول عمرك اصيلة ، وحبك في قلبي معشش او ما باليد حيلة .. –  الحمد لله على الفطور، تسلم ايديكي .. –  صحتين وعافية وبعد ما تشرب الشاي شو رأيك اتروح اتشوف البنات .. سميحة وربيحة .. والله اني مشتاقة الهم ،  صار زمان ما زرناهم ولا زارونا ويا ريت اتروح اتشوف اخبارهم واحوالهم . .-  معك حق يا أم محمود .. لكن كل وحدة منهم ساكنة في بلد ،  وانا عالتعب ما عاد عندي جلد .. –  بيعينك الله وصدقني كل خطوة ابتمشيها الك ثواب ، وأنا حضرت هدية للبنات كل  وحدة منديل وبابوج مع جلباب . .-  حاضر يا ستي والله المعين وكلامك عالراس والعين ….  حمل ابو محمود صرتين تحتويان الهدايا وخرج من منزله متوجهاً الى بيت سميحة  احدى بناته  ، حيث كانت تسكن في بلدة مجاورة .. وبعد نزوله من الحافلة توجه الى منزلها  ودخل مغموراً بالترحاب ، والعتب لطول الغياب .. -  كيف حالك يا سميحة ، وكيف حال جوزك والاولاد  ..؟. -  الحمد لله احنا بخير ومشتاقين .. -  وجوزك شو احوال شغله اليوم ..    -  مهوه جوزي كان اموفر اشويّة مصاري ، وانا كمان بعت الذهب  واشترينا الارض اللي بحد الدار ، ارض كبيرة عمرناها وحرثناها وزرعنا فيها حب وناطرين المطر ، قول يا رب يجي المطر علشان الزرع يطلع ، او مجهودنا ما يضيع  وينفع ، واذا ما نزل المطر كل تعبنا بيروح خسارة وبيزيد علينا الدين .. وبنخسر كل باره .. وهذا احنا قاعدين وناطرين .. وبنقول يمكن تفرح في يوم يا حزين  .. -  اعملتوا عين العقل ، والله يرزق جوزك ويجيب المطر علشان رزق العيال ،  والغلة اتصيرعالجرون جبال . وبعد ان قامت ابنته بتحضير طعام الغذاء اكل وحمد الله  وقام بالوضوء  والصلاة والدعاء .على ان يكون المطر مدراراً وان يجنب الله ابنته  وزوجها الخسارة ، وبعد ذلك عزم على المسير .. -  خليك عندي اليوم يا يابا .. -  لا بيكفي يا بنتي، لازم اروح ازور اختك ربيحة كمان لان بال امك مشغول عليها من زمان . سلمي على جوزك ، وبخاطرك ولا تنسوا اتزورونا . …    كانت ابنته ربيحة تسكن بالبلد المجاور ولا يفصل تلك البلدتين غير جبل ، وفضل  انه يقطع المسافة سائراً على قدميه ، وبعد جهد وصل الى منزل ابنته ربيحة ،  ونال من الاستقبال  والترحاب ما ناله من ابنته سميحة ، وجلس مستفسراً عن الاحوال، وبادرها بالسؤال .. – شو اخبارك واخبار جوزك والاولاد .. -  احنا ابخير والحمد لله ، وجوزي شغال ليل نهار .. -  يعني صار يشتغل ناطور بالليل ..؟ – لا.. مهوه احنا اعملنا بطرف الارض مشغل لعمل الفخار وهوه حزين قاعد ابيعمل اباريق ومواعين والعجل دوار، وحزين ما بينام ليل ولا نهار .. ما انا بعت الذهب ومع المصاري اللي كانوا مع جوزي راح اتعلم كيف يعمل الفخار واشترى العدة والمونة المطلوبة  وصار يصنع الفخار ليل مع نهار.. قول يا يابا يا رب اتظل الدنيا شمس او ما يجي المطر  علشان الفخار ما يخرب  من المطر، مهو لازم ايظل تحت الشمس اسبوعين قبل ما ايحطه بالطابون  ويشويه .. واذا امطرت على الفخار كل تعبنا بروح خسارة، او كل جهدنا بيضيع او  ما بيسوي باره،  ادعي معي يا يابا يا رب ما يجي المطر علشان الفخار ما ينكسر..!. وبعد ان تناول طعام العشاء .. قام وصلى المغرب وأخذ بالدعاء بألا ينزل المطر،  وودع ابنته بالثناء ، ودعت له بطول البقاء ، وخرج عائداً الى بيته وهو يهمس مين فيهم  اللي على حق ..!؟ وليش حالنا مشقلب والزمن واقف وعايز زق.  اي والله من اللي شفته وسمعته عقلي في راسي طق.. وبعد ساعة من الزمان دخل منزله وهو لا يجد تفسيراً او جواباً لما كان …، وكانت زوجته بانتظاره لتعرف اخبار البنات .. وسألته بلهفة  .. -  كيف حال البنات وولادهم .. خبرني الله يعطيك العافية . .-  شو بدي اخبرك يا ام محمود .. البنات بخير وولادهم كويسين والدنيا حلوة وابيقولوا انها بتلف وانا عقلي من اللي سمعته رايح ايخف . . -  قول يا رجال .. شو سمعت؟ ..- اسمعي يا مستورة .. اذا الدنيا صيفت او بتظلها شمس ابتخرب الحال ..  واذا الدنيا امطرت .. كمان ابتخرب الحال .. ارضينا بالبين والبين ما رضي فينا  صدقيني من اللي شفته وسمعته ما ني داري مين اللي معانا او مين اللي علينا..!  قولي الله يلطف بالعباد ويرحم برحمته هذي البلاد…!

         نشرت في جريدت القدس بتاريخ 23-11-2008

خديجه العبد      

   في حضن ذاك الجبل . تلاصقت  بيوت البلدة  وبدت  من   البعيد  كأنها لوحة  سريالية  لما  تحتويه من  الوان و عشوائية … اهل  البلدة طيبون وادعون . رضوا من  الحياة  بما تجود به عليهم  الارض  والسماء  والجهات   المسؤولة  ، ومع ان  الخدمات  كانت شبه معدومة  في تلك البلدة . والسبب  انه  لم يكن من  سكانها احد من المسؤولين  الا ان اهلها  كانوا يتعايشون مع الحال . بعد  ان ملوا من السؤال …!  كان المقهى  الذي يتوسط تلك البلدة مكان اللقاء في  المساء .  الرجال يتسامرون ويتشاورون ويقضون  بعض ليلهم . وكان  الحوار احياناً يشتد بين جزر ومد . لان ابرز ابطاله كانوا يخوضون صراعاً خفياً يزيد  عند الحدة ويكون الخصام ولو لمدة . كل واحد يريد ان يكون الاول   والمميز وسيد المكان   واولهم كان  الشيخ نعمان  امام المسجد بالبلد . حيث كان يعتبر نفسه العالم العلامة والبحر الفهّامة . لا يجاريه احد  بالعلم من الموجودين . فهو مفتي الديار وعالم الحديث والاخبار، فهو الاساس والمعبر عن صوت  الناس .  وبهذا يكون الاجدر بالحوار بكل معرفة واقتدار. هو القادر وعنده الحل والربط يزوج ويطلّق ويكثر من  الاستغفار. وكأن بيديه مفاتيح الجنة والنار!!      وثانيهم الاستاذ احمد معلم المدرسة الابتدائية بالبلد . كان يرى بنفسه العلم  والمعرفة والفنون وكأن الاخرين جهلاء اميون . كيف لا وهو مربي الاجيال . واكثرهم ثقافة واعتدال . ويلقي الخطب في كل احتفال . وخاصة عند  زيارةالمسؤولين  وقت الانتخابات . واذا دعت الضرورة في الاحتفالات والمناسبات . اذاً فهو الفهم والاصل  ومن حقه الحوار والقرار والفصل ..! وكان قد فتح الله عليه بشهادة المترك ، معلقة في صدر منزله كي   يراها كل داخل للمكان ، وبجوارها عبارة صلي على النبي العدنان ..!!   اما ثالثهم فهو التمرجي يوسف، حيث كان عنوان كل بائس وعليل ، لان له بالطب باع طويل ، ويرضى من  مراجعيه  بالاجر القليل . يقوم بالحجامة ويطهر  الاولاد ويعطي الحقن ويعالج الاوجاع والاصابات للعباد ،  يرتادونه في الليل والنهار وحامي الناس من الامراض كسياج الديار، حيث كان يعتبر نفسه  الاهم باقتدار،   ويوسف هذا عمل سابقاً في مستوصف المدينة القريبة .  فهو جهبذ مستقل بوصفاته الغريبة ، وله في الطب  امور عجيبة !!   اما الرابع فهو حسام . شاب فشل في الثانوية العامة . دائماً يتأبط صحيفة تحت يده اليسرى. لم يشاهده احد  يقر أ بها ابداً،  ويضع في جيب معطفه  العديد من الاقلام للدلالة على علو شأنه . وانه من الطبقة المثقفة .   وكان يعتبر نفسه سوسولوف عصره بالتنظير، كيف لا وهو نصير العامل والفلاح والفقير. والصحفي البارع  بالمقالات والتحرير . اما عمله فهو شبه مراسل  لصحيفة محلية . وكل ما كان يقوم به ارسال صور واسماء  الموتى لتنشر في  صفحة الوفيات وكتابة الصكوك العشائرية للمصالحات ، وكان له في كل عرس  قرص .  عيناه تتراقصان مثل عيني ثعلب ، وكان اذا ما احتدم النقاش حول  موضوع ما يمسك بالجريدة بيسراه  ليضرب بها الطاولة . مهدداً بنشر الاخبار، واذاعة كل الاسرار، اذا لم يوافقوه بالحوار!!    هذا ما كان من امر من يدعون انهم جيران واخوان ، وللاسف كان لكل واحد منهم مرجع وعنوان . والعنوان عجباً  خارج البلدة وحتى الاوطان  ..!!   عم الحزن الشديد البلدة بعد انتشار نبأ وفاة الحاجة خديجة العبد . والحاجة خديجة هذه كانت صديقة لجميع  نساء القرية واحترام رجالها . لقد كان بيتها عنواناً لمن يلم به الم او مرض فلقد كان بيتها صيدلية شعبية  لما يحتويه من ادوية تصنعها من الاعشاب ، وتعطي الوصفات لمن يقصدها مجاناً طمعاً بالثواب ، الا ان  جميع من  بالقرية كانوا يكرمونها وبيوتهم دوماً مفتوحة لها . وتنال من العطايا والتكريم ما تستحق ، لقد  عاشت عمرها  صابره ، ويضرب بها المثل بالاخلاص والوفاء . حيث هجرها زوجها وهي عروس في عامها  الاول ،  وسافر الى امريكا ، وكان ذلك قبل حوالي اربعين عام ، واستقر به المقام في  بلاد العم سام ، ونسي  زوجته وبلده الى ان جاء نبأ وفاته قبل اعوام ،  لقد تركها عروساً لم تنجب بعد ، وبقيت دون زواج على امل  عودة  زوجها  المهاجر، مع ان العديد من رجال القرية تقدموا لها يطلبون الزواج بعد اجراء معاملات  الطلاق بسبب غيابه ان هي قبلت ،  وكانت في كل مرة ترفض وتقول انه سيعود ، وانها قانعة بالموجود .  وعاشت عمرها وهي تنتظر .  الى ان جللها التراب والقبر، بيتها يقع في طرف البلد وهو عبارة عن كوخ   بأعمدة خشبية ، مسقوف بالقصب المغطى بالطين وكذلك جوانبه ، ومن حوله  قطعة ارض كبيرة  ورثها  زوجها عن اجداده . بها بعض اشجار الزيتون وتينة  كبيرة وارفة الظلال . وشجرة لوز بجوار الكوخ ، وبما  ان الحاجة خديجة  لم يكن لها وريث ، فلقد اوقفت تلك الارض لمنفعة اهل البلد بعد وفاتها ،  لانها  كانت  الوريثة الوحيدة لزوجها.  كثيراً ما كان الاولاد يلعبون في تلك الارض .  وهي تراقبهم وتحنو عليهم  وتعرف كل واحد منهم بالاسم  وكأنهم ابناؤها او اعز الاحباب الى ان توارت بالتراب .    وفي ليلة من الليالي وكالعادة . اجتمع فرسان البلد الاربعة في المقهى . واخذ الحوار يتشعب في كل قضية  ومذهب. الى ان قال احدهم .  - شو رأيكم يا جماعة  في ارض الحاجة خديجة العبد .الله يرحمها يعني شو لازم نعمل فيها, خلي روح  الحجة خديجة تكون راضية .. ما لازم تظل فاضيه هذه الارض  لجميع اهل البلد قالها الاستاذ احمد . ولازم  نستغلها لمنفعتهم . انا بقول نبني مدرسة، والعلم اساس التقدم ،.. فتصدى له الشيخ نعمان قائلاً – كلامك   يا استاذ عالعين والراس .. لكن انا بقول نبني مسجد لانه هو الاساس ،  علشان المسجد اللي في البلد  صغير، والحل نبني جامع كبير في الارض  والاجر والثواب من الله ولكل انسان ما ابتغاه… - يا شبح نعمان انت والجامع  على راسي من فوق لكن المسجد الموجود ابيكفي اهل البلد . ونصفه بيكون  فاضي حتى في صلاة الجمعة ، واذا افتضت الضرورة بنوسعه من الناحية القبلية، اما المدرسة ضرورية  حتى انعلم اولادنا وبناتنا لان  مدارس البلد مليانه او فيها طلاب ازياده . وكمان العلم عباده ..- اي هذا الناقص ،    عايز تعمل مدرسة مختلطة ، وتحط الحطب جنب النار، اعوذ بالله من الواحد القهار،  يا استاذ هذا كلام حرام ، ولازم تنظر دائماً لقدام ..   – لا يا سيدي ما هو حرام ، اذاكانت الغاية المنفعة العامة ، وعلشان اتكون رضيان يا شيخ نعمان ابنبني  مدرستين بحد بعض وبينهم  سور. وحده  للاولاد ووحده للبنات .   – بشوفكوا اخذتوا الكلام على كيفكوا كأنه احنا غير موجودين قالها الصحفي حسام ا سمعوا يا جماعه الرأي  السديد هو عندي . صحيح التعليم مهم لكن في هذه المرحلة في الأهم ، انا بشوف كل الي بيخلصوا التعليم من  المدارس  والجامعات قاعدين من غير شغل والبطالة موجوده ولهذا السبب انا بقول  نستثمر الارض في  الزراعة والصناعة ، ليش ما نعمل تعاونيه بنجيب بقر  وغنم وبنعمل مزرعه حديثه  فيها مصنع للالبان هذا  بالاضافة لحليب حلال اهل البلد وبنبيع المنتوج للمدن المجاوره بنكون اوجدنا فرص عمل للشباب واهل البلد  بيستفيدوا كل واحد حسب عدد الاسهم . يعني ابنعمل  فرصة للجميع حتى ايشاركوا بالمشروع وممكن يتوسع  المشروع ونعمل  زراعة حديثه يعني بيوت بلاستك وري بالتنقيط … - قال نعمل مشروع.. يا محترم نطنط  ونقط في غير هالموضوع .  مهيه البلد مليانه بقر وغنم ، اي حتى انتاج الحليب ما بيكفي حق العلف  اللي  ابياكلوه،. انا شايف انكم في واد والعالم في واد ثاني قالها  التمرجي  يوسف انا بقول نبني مستشفى استثماري ويكون فيه كل التخصصات  المهمة. بتكون البلد استفادت وافادت المناطق اللي  حواليها، ومن  حصتنا في  دخل المستشفى بنفيد البلد في عمل الخدمات الضرورية .. - يا زلمه هذا خراف لا بنقرا ولا بنشاف .. قال مستشفى قال ، مهيه المستشفيات امعبيه البلد ، والفقرا ما معهم يوكلوا حتى يتحكموا.   – يا محترم انا بعد ما خلصت كلامي برجوك لا تقاطعني وتنط قدامي ، انتوا عارفين انه في اكثير من المرضى  في البلد وغيرها ما بيقدروا  يتحكموا في مستشفيات القدس المعروفة بدون تصريح ،  يعني الواحد ايقول  للمرض وقف عندك لاجل اعمل تصريح ، هذا اذا وافقوا  عالتصريح .. الفكرة بتكون احنا بنقدم الارض  لشركة  استثمارية وبناخذ نسبة من الربح او اجره للارض، وكل شيء حسب الاتفاق وانا  بطرح الفكرة على مستشفيات القدس ليش ما ايكون الهم فروع خارج الجدار وبنهون على الناس من الحصار.    – ايسلم تمك .. مهوا المثل بيقول .. اول ما شطح نطح .. قال مستشفى وبمصاري كمان .. ايا زلمه الناس  اتعودت على  حكمة الحجه خديجه الله يرحمها .   – يا محترم في ناس معهم مصاري مثل الرز وبيسافروا للعلاج في بلاد بره وبيخسروا آلاف الدولارات ..    – هذا كلام ما الو اساس او  ما بيفوت في الراس . المستشفيات الموجودة ما معهم حتى ايقبضوا موظفيهم،  او بيقولوا ما باليد حيله ، لانهم ناطرين التحويلة .  والتحويله بأيد السلطان  والسلطان همه كبير عنده مشاكل  بالقناطير…ابيدفش المركب لحتى اتسير، لكن الطريق كله مطبات والكل فاتح بطنه جيب وهات او بتقولي  نعمل  مستشفيات ؟ قالها الصحفي حسام .   -يا سيدي هذا رأيي وانا مؤمن فيه وانا مستقل بآرائي البناءه .. واحنا كمان عنا رأي احنا كمان موجودين  بالبلد مثلك .   – يعني لازم نتهاوش مثل كل مره.. واحد بتنازل للثاني ،والهدف مصلحة  البلد وبتحل المشكلة . حل المشكلة  بنروح بكره عالارض حتى انعاين حدودها وبنكمل الحوار…   جلس الفرسان الاربعة في الكوخ الموجود بوسط الارض يتناقشون وكل واحد منهم مصر على رأيه ، ويعتقد  انه ممثل البلد وحامي حماها ومن انشأها ومن بناها . وانه هووحده على صواب والآخرون يسعون  للهدم  والخراب . وان مأيديه من الباب حتى المحراب..!! والكل للآخر معارض مثل العادة في الصعاب !  . ا لرياح تعصف بالخارج وكأن القدر كان لهم بالمرصاد كي يتعلموا  ويصبحوا مثل العباد ، الرياح تشتد  واعمدة الكوخ الاربعة تهتز وهم  في الداخل كل بنظر للآخر. ويتساءل ما العمل ، توجه كل واحد منهم   الى زاوية يمسك بالعامود المثبت في الارض، وبكل قوته كي لا ينهار الكوخ عليهم . حينها ادرك كل واحد  منهم انه بحاجة للآخر وتمنى له السلامه وبذلك تكون سلامته …. انتهت العاصفة واقبلوا على بعضهم كل يحضن الآخر ، واتفقوا ان يحيطوا الارض بأشجار الزيتون كي  تكون سياحاً  يحميهم ويحمي  الارض من الرياح وبعدها يكون الحكم للناس بعمل انتخاباًت ، ويكون  لكل واحد الحق في طرح رأيه  بين الناس بكل حريه..  قال احدهم .. ومن يضمن ان يقبل الآخرون بالنتيجة اذا لم تناسبهم..  قالوا جميعاً(كلمة شرف)…

         قولوا يا رب تطرح السنابل حب.. …والقمح عالبيدر ايصير قناطير

         واسترنا من كل اعصار ومطب……خلي هالمركب يا ربي اتسير…

  

  (عائشه)

 

جلست تطل برأسها عبر نافذة بيتها العتيق . تضع على رأسها وشاحا اسود . علها بذلك تخفي ما صنعت بشعرها السنين . لم يجدِ الحناء نفعا فشعرها امتزج به اللونان الاحمر والابيض كعناق العاشقين. وعيونها الغائرة تحاول جاهدة استكشاف ما يجري بالشارع الممتد الى ما لا نهاية بلا ارقام ولا عناوين . ابتلعت ريقها وضمت شفتاها الباليتين كي لا يسقط طقم الاسنان من فمها تستره بوجنتيها مرسوم عليهما حزنها الدفين . اقبل الحاج عواد مع عربة يجرها حماره عبر الشارع . محملة بالخضار مناديا – حمره يا بندوره . لوابي يا خيار  .. بلدية الكوسايه  .. خطاه كانت متثاقلة . كأنه يحمل على كاهله اوزار السنين . وحماره ايضا كان تعبا. أذناه متدليتان كأنه يرفض سماع الصوت الاتي من سماعة بائع الاشرطة . حيث كانت احداهن تردح بصوتها الذي يشبه نقيق الضفادع . نظرت اليهما من الشباك هامسة  – آه كم كان هذا الحمار جميلا عندما كانت اذناه منتصبتان ..! اما الحاج عواد فلا يعني لها شيئا . انها تنتظر مرور شخص آخر … اسراب من الصبية والفتيات يحملون على ظهورهم حقائب منتفخة اثقل من اوزانهم . هزت برأسها متمتمة – انهم ذاهبون الى المدارس .. تذكرت يوم كانت طفلة صغيرة حين اصطحبتها والدتها الى الشيخة مريم لتتعلم في الكتاب . كل ما كانت تحمله يومها كان لوحا اسود مع حجر من الجير للكتابه . تعلمت حينها العربية والحساب وحفظت اجزاء من القرآن . آه ما اجمل ذاك الزمان .. كانت ضفائرشعرها تتمر د على منديلها الصغير لترى النور منسدلة خلف ظهرها . كان شعرها طويلا لونه تماما كلون الخروب .. هذا ولد يتعثر بحفرة حيث سقط على الارض وتناثرت كتبه وهو يصيح باكيا حظه العاثر . تذكرت يوم كان الشارع ترابيا والناس قلة . كان كل واحد يعرف الاخر ويبادله التحية ..اما الان فالناس مثل الجراد . وكأن كل واحد منهم يسير في واد . الشارع اصبح معبدا . لكنه مليء بالحفر. مع انه اعيد تعبيده بالزفت قبل سنة . وما ان حل الشتاء حتى عادت الحفر من جديد .. قالوا ان المتعهد دفع رشوة للمسؤولين .. تمنت ان يعود الشارع ترابيا كما كان . وتعود تلك الايام من جديد . انها تنتظر حبها الاول . يوم خفق قلبها من نظرة شاب وسيم . يح

Be Sociable, Share!