ثورة البراق الملف كامل

   

فهرس المحتويات

المـوضـوع رقم الصفحة

المقـدمـة 1
الفصـل الأول 3
مدينة الخليل الأهمية التاريخية الدينية 3
تاريخ اليهود في المدينة ورؤيتهم الدينية لها 3
الخليل من مطلع القرن العشرين إلى سنة 1929م 5
الوضع السياسي في المدينة سنة 1929م 6
يهود الخليل من مطلع القرن الحالي إلى سنة 1929م 8
الفصـل الثـاني 12
السياسة البريطانية في فلسطين 12
تصاعد الاضطرابات في فلسطين من عام 1917 – 1929 15
الفصـل الثالـث : مجريات الأحداث 16
بين يدي ثورة البراق 16
الأحداث في القدس 17
الأحداث في الخليل 18
الفصـل الرابـع 22
ردود الفعل حول الأحداث 22
دور الإنجليز في الأحداث 25
الأحداث والقيادة التقليدية 27
نظرات في تقرير (لجنة شو) 28
الخـاتمة 31
المـلاحق 33
قائمة المصادر والمراجع 41

شـكر وتقديـر

وأنا على أبواب التخرج ، وفي لحظات الوداع لموقع احتل محبة كبرى في القلب ، ورجال حفروا في الذاكرة الحياة .

فلا يسعني إلا التقدم بكل الشكر والعرفان
إلى إدارة جامعة الخليل مشكورة
والى الهيئة التدريسية في الجامعة وأخص
أساتذتي المحترمين في قسم التاريخ وعلى رأسهم
رئيس القسم الدكتور عبد القادر الجبارين

كما أتقدم بكل المحبة والتقدير إلى كل العاملين في الجامعة
إلى كل الطلاب والطالبات الذين زاملوني رحلة دراستي الطويلة في الجامعة .

مع كل الاحترام

طـارق الجعـبري
حرّر بتاريخ
الجمعة : 9 / 7 / 1999

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين …
الحديث عن أحداث سنة 1929م والتي عرفت بثورة البراق وتطور الاضطرابات في مدينة الخليل بشكل خاص يقودنا إلى ضرورة وضع هذه الثورة ضمن سلسلة تطور الصراع العربي الفلسطيني اليهودي من بداية هذا القرن . خاصة ان ثورة البراق قد حازت من الأهمية الكبرى استناداً لوقائعها الضخمة والمميزة مما عمل على اعتبارها بحق إحدى المفاصل الرئيسية في الصراع العربي الصهيوني .
وبالرغم أن تاريخ القضية الفلسطينية قد عمد إليه الباحثون دراسة وتمحيصاً ، حتى كادت أن تقتل بحثاً معظم أحداث الصراع ، إلا انه مازال هناك الكثير لبحثه ودراسته ، حتى يتم إدراكه في الوحي الوطني ، ونحن في ذروة الصراع، حيث يلقي كل طرف ظلال رؤاه ومنطقه ومفهومه في تاريخ النزاع وأحداثه.
من هنا رأيت من الأهمية دراسة أحداث سنة 1929م ، متتبعاً وقائع اضطرابات مدينة الخليل التي جاءت تباعاً لأحداث البراق في القدس . ولا يخفى على الباحثين والدارسين أهمية هذا الحدث الذي حوى على وقائع جسام حيث قتل في الخليل وحدها 60 من اليهود ، واعدم ثلاثة فلسطينيين اثنين من مواطني الخليل . حاملة في طياتها مواقف دراماتيكيه ، سواء كان الانقلاب العنيف من قبل أهل الخليل على الجالية اليهودية التي منحته الأمان طوال قرون من الزمن أو أحداث القتل التي طالت اليهود بشكل قاسي مع مقابلة لموقف الكثير من أهالي المدينة الذين قاموا بدفاع وحماية اليهود المجاورين لهم ، مما حال من إبادة اليهود بشكل كلي في المدينة.
لم تعن المراجع والمؤلفات التاريخية العربية بأحداث مدينة الخليل سنة 1929م ، بشكل جدي وتفصيلي وثم التطرق إليها فقط كملحق ثانوي لأحداث البراق في القدس . صيغة بالإجمال والعموم ، وباستقراء العديد من المراجع العربية . لم أكد أجد تأصيلاً وتاريخاً للأحداث وطبيعة سيرها ، ولا نجد تحليلاً لتلك الاضطرابات بشكل يروي ظمأ الدارس رغم ما تضمنته من الأحداث التي تستفز المهتم بشكل كبير . أما على الجهة الأخرى فان الروايات التاريخية اليهودية وتوثيقها والترويج لها قد وجدت عناية فائقة ومتابعة لأدق التفصيلات أهمها كتاب (سيفر حبرون) للمؤلف اليهودي (عوديد أبيشار) ، فقد عني بتحليل وسرد تفصيلات الأحداث حسب الرواية اليهودية والحق انه عني بكتابته بشكل ممتاز باذلاً جهداً جباراً حتى انه استفاد من روايات أهل الخليل وبعض وثائقهم في تدعيم آراؤه والجالية اليهودية بوجه عام .
تكمن الأهمية السياسية في وقتنا الحاضر لهذه الأحداث أنها مرتكز لسياسة الإسرائيلية نحو الخليل في العمل الحثيث نحو تهويدها ، وفيها المبرر لأعمال القتل بالاضطهاد التي يقوم به مستوطنو الخليل اليوم ضد أهل البلد كانتقام لذبح أجدادهم في المدينة ورد اعتبار الجالية اليهودية التي طردت بعد مقتل الكثير من أفرادها في تلك السنة . متوجين اعتداءاتهم الجبانة بمجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف 25/2/94 ، والله وحده يعلم ماذا بعد وما يحمله لأهل المدينة الغد.
وقد استعرضت في هذا البحث ما أوردته المراجع التاريخية حول الأحداث -رغم قلتها- مستفيداً من روايات المعمرين من أهل المدينة إضافة لرواية اليهودي (سيفر حبرون) باذلاً الجهد في عرض الأحداث وتطورها وربط بعضها البعض بصورة سلسلة ، متحرياً الدقة والموضوعية في تحليل الأحداث وسرد مجرياتها ، غير مستبق النتائج والأحكام . منتهج ربط وتحليل العناصر والعوامل المتشابكة في الحدث ، متوقف عند بعض الآراء والروايات مفنداً بعضها ومدعماً أخرى حسب ما توافر لدي من مادة تاريخية .
وحتى نستطيع قراءة أحداث سنة 1929م بصورة صحيحة وواضحة ، كان لزاماً التعرف على مفردات الحياة في ذلك الوقت ، فرأيت أن أبدأ بتعريف مدينة الخليل وأهميتها التاريخية والوجود اليهودي فيها وروايتين الدينية والتاريخية لها . ثم عرجت على وصف أحوال المدينة ما قبل الأحداث وصولا إلى بداية الاضطرابات شامل الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية للمدينة . مع ذكر الحياة اليهودية الوادعة في المدينة قبل الأحداث ، حتى تتضح لنا صورة التفاعلات اللاحقة وتفكيك عناصرها وتبيان رموزها الناتج عن التشابك المعقد لتلك العوامل معاً . ثم تطرقت بالتفصيل لتسلسل الأحداث المبتدأه في القدس والمنتهية بالخليل مع وصف مطول لمجريات قتل وملاحقة اليهود في المدينة . ثم تتبعت سياسة الانتداب البريطاني في فلسطين الداعم بلا حدود للحلم الصهيوني مما أدى إلى خلق أجواء التوتر والصراع والصدامات . أما دور الإنجليز المباشر في أحداث الخليل فقد جمعت الروايات وقارنتها وقلبتها يميناً وشمالاً ، حيث ظهرت بعض ملامح والنتائج خطيرة لكنها لست يقينية باعتبار أن الكثير من الأحداث السياسية رغم تقادم الزمن تبقى في طيات الكتمان .
والحق يقال أن خوض مثل هذه الأحداث يعرض الباحث إلى رياح العاطفة أحيانا ما بين الالتزام الوطني والديني للقضية الوطنية ، وما بين الحقد والتحامل على العدو الغاصب ، ولهذا نؤكد اجتهادنا بالموضوعية والدقة قدر استطاعتنا، لكننا حرصنا على أن تخلو الدراسة من التنظير السياسي أو الإسقاط الفكري للأحداث برؤيتنا المعاصرة بحيث لا نحمل الأمور فوق ما تحتمل مما يعكس صورة مشوهة ممجوجة للتاريخ ، وهذا لأسفي ما تعرضت له الكثير من الدراسات التاريخية التي فقدت مصداقيتها بتميز الكاتب وتنظيره الحزبي في هذا العصر الذي يشهد حالة استقطاب حزبي وفكري شديدين ، بالذات حول العملية السلمية والسلام مع أعداء الأمس ، ولن يكون بأي حال هذا البحث اعتذاراً لليهود أو تبريراً لما فعله الأجداد ، إنما هو التاريخ عبر وحقائق .
وفي نهاية هذا الجهد المقل فإن احسنا فذلك توفيق من الله ومنّه ، وإن أسأنا أو أخطأنا فمن أنفسنا. ولله الأمر من قبل ومن بعد .
 وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون 
طارق الجعبري
1 / 7 /1999م
الفصل الأول
الأهمية الدينية والتاريخية
مدينة الخليل من أقدم وأهم المدن الفلسطينية تاريخياً ، حيث يمتد عمرها إلى الألف الخامس قبل الميلاد ، عندما سكنها الكنعانيون وأطلقوا عليها اسم (قرية أربع) ، وبدأ نجم المدينة يسطع عندما سكنها نبي الله إبراهيم عليه السلام ومن ثم دفن فيها . بعدها تواكبت القبائل العربية لسكن فها كبني عدي ومن ثم لخم وجذام(1).
حازت المدينة على مكانة مرموقة بعد الفتح الإسلامي ، ونالت قدسية كبيرة لدى المسلمين باعتبارها تحتضن قبر سيدنا إبراهيم عليه السلام وقبور زوجاته . إضافة لمقامات الأنبياء اسحق، ويعقوب، ويوسف، ولوط، ويونس ، وبعض مقامات الصحابة كتميم الداري رضي الله عنه وبعض التابعين والصالحين . أما ما يدعيه اليهود وبعض المستشرقين أن الخليل اصلها وجذورها يهودية ، وإن حبرون القديمة مدينه داود هي أصل وبداية الخليل ، فإنه لم يصمد أمام ردود علماء الآثار والمؤرخين الذين ردوا على اليهود بشكل قاطع هذه الآراء(2).
تقع مدينة الخليل – التي سميت على اسم ساكنها إبراهيم الخليل عليه السلام – على بعد 36كم جنوب القدس ، وهي ذات علاقة استراتيجية متينة مع القدس بوابة الخليل سواء من الناحية الدينية أو الاقتصادية أو الاجتماعية . والمدينة جبلية التضاريس تشتهر بالكثير من المزروعات أهمها العنب والزيتون . وهي ذات أهمية استراتيجية ، جغرافياً كبيرة .

تاريخ اليهود في المدينة ورؤيتهم الدينية لها:
يعتبر اليهود الخليل توأم القدس تاريخياً ودينياً ، فقد تم ذكرها في التوراة – الإصحاح الأول – بل إن التاريخ اليهودي يبدأ من الخليل مع أبي اليهود إبراهيم (3). ورد ذكر الخليل في الكتاب المقدس 87 مره باسم حبرون أو قرية أربع أو ممرى أو بلوطات ممرى حيث تجلى الله لإبراهيم .
يحاول اليهود على الدوام ربط الخليل بالتاريخ اليهودي ربطاً عضوياً ملازماً ، وذلك بتفصيل سرد الوجود اليهودي في المدينة منذ بدء تاريخها وحتى وقتنا الحاضر – كمثيلتها القدس – حتى لو اضطروا إلى اختلاق الأكاذيب وسرد الروايات المعوجة ، حتى يبرروا احتلالهم وتهويدهم للمدينة ، مسندين مواقفهم السياسية الحالية إلى تلك الأساطير ، وهذا ما ينتهجه المؤلف اليهودي (ابيشار) في تتبعه لتاريخ الجالية اليهودية في الخليل .
من المعلوم أن الوجود اليهودي في فلسطين هو وجود طارئ ، ارتبط بداية بالأنبياء – خاصة داود وسليمان عليهما السلام – ثم كان لموازين القوى الدور البارز بالوجود اليهودي في فلسطين سلبياً أو إيجابيا ما بين الروم والفرس . ولم يكن اليهود يوماً من الأيام اغلبيه في هذه البلاد وإنما أتوها غزاة على أهلها الأصليين العرب الكنعانيين حوالي الألف قبل الميلاد .
يعترف المؤرخون اليهود أن الفتح الإسلامي لفلسطين زمن سيدنا عمر – رضي الله عنه – أوقف اضطهاد اليهود من قبل البيزنطيين وتم السماح لهم بالعودة إلى القدس والخليل(1) بشكل تدريجي . وفي القرن الثامن والتاسع والعاشر الميلادي يعترف مؤرخيهم انهم لا يملكون بيانات تؤيد الوجود اليهودي في الخليل . وباستيلاء الصليبيون على الخليل سنة 1100م تم طرد اليهود أيضا من المدينة .ولم يبدؤوا بالعودة حتى تحرير الخليل سنة 1260م على يد السلطان المملوكي بيبرس(2). ثم يعود يؤكد المؤلف اليهودي ابيشار أن اليهود تواجدوا في الخليل بصورة متقطعة وجزئية خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين سواء بالسكن أو الزيارة . إلى أن بدأ تواجد يهود الأندلس في المدينة يكبر بعد رحيلهم من الأندلس .
بدأ التواجد اليهودي في الخليل ينشط بشكل جدي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ففي سنة 1870م جاء إلى الخليل اليهودي الثري (حاييم رومانو)واشترى أرضا بنى عليها عمارة فخمه ، بينما بدأ تطور الجالية اليهودية في المدينة يتضح سنة 1890م حيث بدؤوا بإنشاء بعض المدارس ، وإرسال بعض طلاب اليهود إلى القدس للتعلم . أما في سنة 1895م فقد أقيم مستوصف طبي خاص بهم ، وشرع اليهود في هذا العام بتعلم الحرف والمهن وإنشاء دكاكين صغيرة . حيث بلغ عددهم في هذا العام حوالي 1429 شخص منهم 810 من يهود الأندلس ، و 619 من الاشكناز(3).
في مطلع القرن العشرين بدأ اليهود ينشطون بشكل واضح حيث أرسلوا وفوداً متعددةً إلى أوروبا لجمع التبرعات لجالية الخليل . وفي سنة 1909م أقام يهودي من بغداد مستشفى لليهود ، أقام (يعقوب ساسون) مدرسة دينية أيضاً سنة 1910م وهو عام شهد تطور مشاركة اليهود في صناعة الأحذية والتجارة والخياطة والحدادة وتصليح الساعات والصياغة والمنسوجات الصوفية ، الإ أن هذه الصناعات لم تصمد طويلاً في المدينة ، فتدهورت معظمها وهاجر معظم حرفيي اليهود من المدينة(4).
الخليل من مطلع القرن العشرين إلى سنة 1929م
عاشت المدينة خلال هذه الفترة حياة بائسة في معظم شؤون حياتها ، مثلها مثل باقي المدن الفلسطينية وذلك انعكاساً للأوضاع السياسية والاقتصادية المتراكمة التي تعاقبت على فلسطين(1). إلا أن الخليل وغزه ونابلس وبعض المدن الأخرى ، كان مستوى المعيشة فيها أدنى مما في القدس ويافا . ويعود ذلك إلى عدم تأثرها بالأسباب التي أدت إلى ارتفاع مستوى المعيشة من هجرة يهودية وحركة سياحية وزيادة عدد سكان(2).
التعليم في المدينة كان في ابسط صوره ، وهو امتداد لنظام الكتاتيب ، وبدخول الإنجليز سنة 1917م بدأت المدارس بالظهور مثل مدارس المعارف والرشديه إضافة لبعض المدارس الخاصة الصغيرة ، وتظهر الصورة لنا واضحة ربما عندما تعرف عدد الطلاب في المراحل النهائية في المدارس (ثاني ثانوي) سنة 1932م كانوا تسعة طلاب فقط(3). في حين أنه سنة 1922م اقتصر عدد المدارس على أربع فقط ، ثلاثة منها ابتدائية ضمت 387 طالباً ، بينما اليهود في المدينة والبالغ عددهم آنذاك (430 يهودياً) مقارنة بالمسلمين البالغ عددهم العام 53689 نسمه . فقد كان لليهود في تلك الفترة أيضاً أربع مدارس ضمت 42 طالباً(4).
والإقبال على المدارس لم يكن بشيء الكثير ، لأن غالبية السكان تحيا حياة تعجز فيها عن توفير الأقلام والدفاتر ناهيك عن الرسوم (5). فالحالة الاقتصادية من السوء بحيث أعوزت الناس وبلغ منهم الفقر مبلغاً عظيماً . وهذا الوضع البائس يبدوا واضحاً بمراجعة بعض ملفات المحكمة الشرعية التي تذكر البيع والشراء فتقارن الأسعار مع دخل الفرد.
غالبية السكان كانت تعتمد على الزراعة بطرقها البدائية ، تحيا وتعتاش على المحاصيل المشهورة في البلد كالعنب والزيتون والقمح والخضار واللوزيات ، إضافة إلى بعض الصناعات والحرفيات الخفيفة ، أما التجار كانت نسبتهم قليلة ولم يكن بمقدورهم منافسة تجار المدن الأخرى بالغنى الفاحش ، أما المواصلات فكانت سيئه ، تعتمد على الدواب ولم تدخل السيارات إلى المدينة إلا في سنة 1923 حيث كان أول دخول سيارة إلى المدينة من قبل أهلها(6).

الوضع السياسي في المدينة سنة 1929م
تناما الشعور الوطني والانتماء والوعي السياسي بتطور القضية الفلسطينية منذ مطلع القرن . ومع أن البداية مع الإنجليز كانت ترحيبية ، كحال التوجه العربي العام ، فإننا نلحظ أن ممثلي أهل الخليل قد علقوا الآمال العظام على بريطانيا ، بل حتى أنهم بالغوا مبالغة غير معهودة .
وفي كتابهم إلى الشريف حسين بتاريخ 8/2/1918م يعلن ممثلي الخليل الولاء له ، ويثنون بالشكر إلى جلالة ملك بريطانيا العظمى بل يزيدوا “فلقد يعلم الله أننا صادقون في محبتها –بريطانيا- متهالكون في خدمتها، أطال الله أيامهما ، وحف بالنصر أعلامهما “(1). إلا أنه أمل مبالغ فيه سرعان ما بدأ بالتلاشي مع أول صدمه من قبل الحليف بريطانيا وذلك بإصدار وعد بلفور سنة 1917م ، الذي لفت الأنظار إلى جدية الصراع مع الحركة الصهيونية .
فقد كان من أهل الخليل من وقعوا على عريضة احتجاج الفلسطينيين إلى هيئة مؤتمر السلم العام ووزارة الخارجية البريطانية محتجين على الحركة الصهيونية والحالة السيئة في فلسطين وذلك بتاريخ 12/2/1918م ، فمن الخليل كان الموقعون داود شكري وموسى شكري وخليل عزت(2).
وأثناء عقد المؤتمر السوري العام في دمشق 2/6/1919م ، كانت مشاركة من الخليل ممثلة بالدكتور أحمد قدري ورفيق التميمي . وفي سنة 1921م شارك من الخليل ممثلين في المؤتمر الفلسطيني الرابع ، وكان من أعضاء اللجنة التنفيذية المنتخبة من الخليل الحاج سليم شنيتر . وعقب تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى سنة 1922م وانقسام الفلسطينيين ما بين حسيني ونشاشيبي سرت هذه العدوى في الخليل وقراها وخلقة جو من الخصومات وشجار ما بين العائلات والقرى بعضها البعض .
أما المؤتمر الفلسطيني السابع سنة 1928م فقد كان وفد كبير من الخليل مشاركاً ، وضم كل من : الشيخ طالب مرقه، وأمين الحموري، والحاج سليم حجازي، ومحمد يوسف بدر، وناصر عبد الفتاح، وطالب عبد المجيد، وراشد عرفة، وعبد زيتون، وعبد الله طهبوب، والشيخ صبري عابدين، وعلي العويوي، وعبد الله بشير عمرو، وأمين الجعبري، وعبد الفتاح العزة، ويونس زلوم، والحاج إبراهيم أبو خلف، ومحمد علي الجعبري، وراتب الناظر، وعبد الله الشعراوي . وقد تم انتخاب بعضهم لعضوية اللجنة التنفيذية كلاً من : الشيخ طالب مرقه وناصر الدين ناصر الدين(3).
ويتصاعد التوتر حول حائط البراق بسبب استفزازات اليهود حيث شكل العرب جمعية حراسة البراق الشريف بمشاركة واضحة من أهل الخليل .حيث تلاها تشكيل جمعية الشبان المسلمين لدفاع عن البراق الشريف وكان رئيس فرعها في الخليل الشيخ طالب مرقة(1).
اشتد الصراع حول حائط البراق أواخر سنة1928م، مما دعا المسلمين إلى عقد مؤتمر عربي لدفاع عن حائط البراق الشريف بتاريخ 1/11/1928م في مدينة القدس ، حضر المؤتمر 700مندوباً من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ، قرر المجتمعون فيه تشكيل منظمات لحماية الأقصى المبارك بصورة جمعية أسموها “جمعية حراسة الأقصى والأماكن الإسلامية المقدسة وقد مثل الخليل في المؤتمر كلاً من :الشيخ طلب مرقة ، والشيخ صبري عابدين، ومحمود الحموري ، وأمين الحموري ، وعبد الله طهبوب ، وعبد الحي الخطيب ، ومحمد علي الجعبري ، وسليم حجازي ، وحميدان كاتبة ،وطاهر دعنا ، ورضوان دويك ، وراشد دعنا ، وعيسى حسن(2).
أما عند استطلاع الأحزاب الفلسطينية في العشرينات ومؤسسيها وأعضائها تبدو مدينة الخليل بعيدةً كثيراً عن الجو الحزبي الفلسطيني ، وان مشاركة أهل الخليل في هذه الأحزاب يكاد لا يذكر(3).

يهود الخليل من مطلع القرن الحالي إلى سنة 1929م
تصف الروايات التاريخية يهود الخليل في هذه الفترة بأنهم متدينين ورعين(1). جاءوا للعبادة في جوار قبر إبراهيم علية السلام . وقد عاش يهود الخليل طوال عدة قرون مع أهل الخليل المسلمين بكل راحة وطمأنينة. رغم ذلك يبدوا توجه يهود الخليل نحو الصهيونية قبيل الأحداث – كما سنوضح لاحقاً – قد ساهم من خلال التوجه الصهيوني العام نحو فلسطين والاستيطان فيها لإنشاء الوطن القومي مساهمة فعالة في تأجيج العداء وإبرازه ضد اليهود بمن فيهم يهود الخليل .
هنا يعترضنا سؤال كبير ، فيهود الخليل عشية أحداث سنة 1929م كانت صفتهم واضحة بأنهم من المتدينين تخلوا أطماع الصهيونية من تصرفاتهم . بل إن علاقاتهم مع أهل الخليل فيها كثير من التعاون والقبول(2). فما الذي حدى بأهل الخليل التنكر لهذه الجيرة التي منحوها لليهود ، وارتدادهم عليهم والقيام “بأعمال قتل وحشية بشعة ومذبحة عامة ضد يهود المدينة ” حسب وصف المندوب السامي .
بدأت المخاوف والاحتجاجات الفلسطينية ضد استيطان اليهود تتوالى مع بدء عمليات الاستيطان الأولى من قبل اليهود أواخر القرن التاسع عشر . واعترفت المصادر اليهودية بوجود “احتكاكات واصطدامات منذ بداية العمليات الاستيطانية”(3).
من جهة أخرى كانت الخليل مسلميها ويهودييها تحيا حياة مطمئنة تخلوا من الصراع العربي الصهيوني الواضح على الساحل الفلسطيني . الذي ركز الاستيطان اليهودي علية مستبعداً المناطق الداخلية الفلسطينية .
فمثلا يصف الرحالة (القساطلي سنة 1875م) أهل الخليل أنهم “مسلمون ويهود” ، المسلمون عددهم 15000 نسمة ، واليهود 2000 جميعهم من السكناج(4). أما الباعة المتجولون من تجار اليهود من الخليل فقد كانوا يبيعون منتجات الخليل والزجاج في سائر أنحاء فلسطين ذلك الوقت .
تمتع يهود الخليل وصولاً إلى مطلع القرن العشرين بحماية مزدوجة ، أولها : من سكان المدينة الذين منحوهم الجوار والأمان ، وثانيها : الحماية الأجنبية من بريطانيا والنمسا . تذكر الروايات التاريخية أن اليهود قاموا بالشكوى ضد عبد الرحمن عمرو الذي تمرد على الدولة العثمانية ، وأخذ بجمع الضرائب لصالحه مما مس مصالح يهود الخليل ، فقاموا بالشكوى إلى القنصلين الإنجليزي والنمساوي اللذين ذهبا إلى الخليل ليتفقدا أحوال يهود المدينة المتمتعين بحمايتهم(5).

أمسى الأمان المعطى لليهود من المعلوم الذي لم يخرج عليه أحد ومن الشرعية المتفق عليها ، والذي ما فتئ وجهاء المدينة يحرصون ويؤكدون على تأمين وأمان اليهود المجاورون . عند انسحاب ومجيء الإنجليز إلى البلاد سنة 1917م حيث أصبحت مدينة الخليل بدون حكومة وأحكام ، وقد كان من الممكن أن يتعرض اليهود فيها إلى خطر حقيقي ، حينها عمد وجهاء المدينة إلى الحاخام “سليمان ماني” مؤكدين له بأنهم سيدافعون بأنفسهم عن حيات اليهود وأموالهم ريثما يدخل اليهود المدينة ، وأكثر من ذلك فإن وجهاء المدينة ولمدة أسبوعين متواصلين عملوا على الاجتماع ليلاً في ساحة اليهود حتى دخول الجيش البريطاني الخليل(1).
فسح حكم الإنجليز للخليل المجال للحركة الصهيونية بالتسلل إلى يهودها بشكل أكثر عملي كبناء مدارس والمستوصف ، إنشاء فرع انكلو فلسطينية ، وبعض المنشآت الداعمة لوجود اليهود في المدينة . غير أن أحداث النبي موسى سنة 1920م كانت إحدى محطات الرئيسية والتي أسفرت عن اصطدام المدينة بالحركة الصهيونية و يهود القدس على الأخص ومنها كانت بذرة الصدام والانتقام من اليهود .
اعتاد سكان أهل الخليل وقراها المشاركة السنوية في احتفالات النبي موسى ، الواقع على طريق القدس أريحا . وعادةً ما يكون وفد الخليل من أكبر الوفود المشاركة حيث ينطلق من الحرم الإبراهيمي في المدينة متوحهاً إلى القدس ، ليكون في استقباله سائر الوفود .
تحرك وفد الخليل في نيسان 1920م إلى القدس حيث كان في استقباله وفد القدس ووفد نابلس ، الذين قابلاه بالأناشيد الدينية والتي سرعان ما تحولت إلى أناشد وخطب سياسية ، ألقى خلالها موسى كاظم الحسيني -رئيس بلدية القدس آنذاك – كلمة ترحيبه بوفد الخليل هاجم فيها السياسة البريطانية مما أدى إلى عزله لاحقاً (2).
من هنا بدأ الصدام الأول بين العرب واليهود ، عندما بسق أحد اليهود على المحتفلين واعتدى بعض اليهود على أحد مواطني الخليل المحتفلين ، واشتبك بعدها الطرفان في أحداث استمرت عدة أيام قتل فيها عدة أشخاص .
وصلت أخبار صدامات القدس إلى الخليل مساء يوم الاصطدامات ، بأن الصهاينة هاجموا علم الخليل في القدس فقتلوا رجال الموكب ومزقوا العلم . فهب أهل الخليل واستعدوا للسفر إلى القدس لنجدة إخوانهم، إلا أن الحاكم العسكري البريطاني (الكابتن تشامبيون) أغلق طريق القدس في وجههم مانعهم من السفر . إلا أنه سمح لهم بعد إلحاح طويل بتنظيم مظاهره ضد الصهاينة تخرج من الحرم الإبراهيمي(3).
يظهر هنا بوضوح أن أهل الخليل في احتجاجهم ضد الصهاينة لم يشملوا يهود الخليل بصورة مباشرة، فلم يمسوا يهود الخليل بسوء ، رغم أن مشاعر الحقد والانتقام كانت تتفاعل في النفوس . وهذا ما حمل الألوف من أهالي الخليل بتجمع حول ساحة اليهود صبيحة اليوم التالي ، ولم ينفضوا إلا بمجيء القوات البريطانية المساندة من القدس(1). ثم إن وجهاء الخليل ذهبوا بعد فض المظاهرة إلى بيت الحاخام ماني مؤكدين له أنهم لن يمسوا يهود الخليل بسوء وأن مظاهرتهم ضد الصهيونيين الأجانب(2).
لم تكن أحداث سنة 1920م مستنده إلى تخطيط ، إنما هي ردة فعل وانفجار شعبي على خطر اليهود المتزايد ، وهم البادئين بالتحرش . وتبدو سياسة متبناة من بل اليهود والحركة الصهيونية في توتير الأجواء وتسخين الحالة السياسية في فلسطين للفت أنظار العالم وكسب تأييده . مما دفع بعض المؤرخين المعاصرين للأحداث بالتلميح أن هذه الأحداث “ربما كانت مدبره من اليهود أو الحكومة”(3).
وهنا لابد من التوقف ملياً حول حقيقة تدخل الإنجليز في هذه الأحداث ، والى النهج المتعمد من قبل اليهود الحركة الصهيونية بتوتير الأجواء وتفاعل الصدامات مع العرب ، وربما تتقارب الصورة حول إحداثيات أحداث النبي موسى بأحداث سنة 1929م ، فلا تعد إلا امتداداً لتلك السياسة وتطوير للرؤية اليهودية والاستراتيجية في سيطرتهم على فلسطين .
أيضاً من النقاط الأساسية لأحداث النبي موسى سنة 1920م تفاعل أهل الخليل مع الأحداث بصورة مباشرة وسريعة فور سماعهم أخبار الاصطدامات في القدس ، أما التقاطع مع الحركة الصهيونية والوقوف موقف الصدام معها فكان واضحاً بمسيرة الخليل ومظاهرتهم ضد الصهاينة . إضافة أن أهل الخليل كانوا عنصراً أساسياً في الصراع والأحداث مع اليهود سنة 1920م ، حيث أن رواية فوج معاصر للحدث تشير أن تحرش اليهود كان بجماهير أهل الخليل القادمة إلى القدس للاحتفال بموسم النبي موسى ، فما كان من أهل الخليل إلا أن هاجموهم وقتلوا منهم –اليهود- مقتلة عظيمة(4).
فلا غرو من أن يتناما شعور العداء ما بين أهل الخليل واليهود عامه ، فقد حقنت هذه الصدامات النفوس بالضغينة والحقد الذي أخذ يكبر يوماً بعد يوم .
إضافة إلى ما سبق فإن تلاصق الأحداث أسهم في إزالة القناع عن يهود الخليل المتصفين بالتدين غير الصهيونية ، فوفودهم المتكررة إلى أوروبا نهاية العشرينات لجمع التبرعات ليهود الخليل وتعاونهم مع الوكالة اليهودية التي بنت لهم مدرسة ومرافق أخرى . أيضاً فإن الاعتداءات المتكررة من قبل اليهود طوال العشرينات على الحرم الإبراهيمي . حيث اعتاد المسلمون أن يسمحوا لليهود والأجانب بالصعود إلى درجة السابعة من المسجد ، وكانوا في كل يوم جمعة يبكون وينوحون _كما في حائط البراق- ، إلا أنهم لم يقتنعوا بذلك وبدءوا بمحاولة الصعود أكثر من الدرجة السابعة المسموح لهم بها ، بل إنهم جلبوا أدوات إبادتهم معهم في محاولة لخلق واقع جديد لهم في الحرم الإبراهيمي ، مما جلب نقمة المسلمين عليهم(1).

الفصـل الثـاني
السياسة البريطانية في فلسطين 1917-1929
دخلت القوات البريطانية إلى فلسطين متظاهرة تحالفها مع العرب ،و أنها ما جاءت إلا لتحرر العرب من طغيان الدولة العثمانية ، ساعية جهدها أن يتقبلها العرب بدون معارضه والتي وثقت مع الشريف حسين واعدة إياه بإقامة خلافة عربية مستقلة تحت إمرته ، وفي هذا السياق يأتي كتاب ممثلي أهل الخليل الى الشريف حسين معلنة الولاء له وبريطانية وقد أشرنا إليه سابقا .
إلا أن هذه السياسة المتلونة لم تصمد طويلا أمام الوقائع والحقائق التي أخذت تثبت على الأرض ، في دعم الحركة الصهيونية ومنحها كل المساندة في عملية الاستيطان الصهيوني لفلسطين وأبرزها وأهمها وعد بلفور في 2-11-1917م معلنا التزام بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين(1) .اتخذت بريطانيا والحركة الصهيونية فيما بعد وعد بلفور سندا قانونيا في جميع الإجراءات والخطوات التي قاموا بها على طريق نشاطهم لإنشاء الدولة اليهودية في فلسطين (2). بل أن بريطانيا ما فتأت تعلن التزامها بالوعد وأنها مصممة على ألا توضع أي عقبة في تحقيق هذا الأمل(3).
ومن ثم توالت خطوات الشراكه والتحالف البريطاني والصهيوني في فلسطين ،ففي مؤتمر الصلح في باريس 1919م، بدت مطالبة الوفد الصهيوني في المؤتمر كعملية غزو يهودي صهيوني مخطط ومنظم للسيطرة على فلسطين، وقد أستجيب مطالب الوفد الصهيوني بإجراءات واضحة أهمها قرار المجلس الأعلى للحلفاء 1920م فصل جنوب سوريا –أي فلسطين – عن بقية سوريا كحجر أساس للدولة الصهيونية . ثم تعيين اليهودي هربرت صموئيل – في ما بعد – مندوبا ساميا على فلسطين الحارس الأمين على مشروع الحركة الصهيونية(4).
أما الانتداب البريطاني على فلسطين 1922م ، فقد جاء كأحد الخطوات المتممة للمشروع الصهيوني، فتأثير الصهيونية في بنود الانتداب واضح جلي . ابتداء الاعتراف بالصلة التاريخية التي تربط اليهود بفلسطين والاعتراف بالوكالة اليهودية وشرعية التعامل معها . بالإضافة الى تسهيل الهجرة ومنح اليهود امتيازات خاصة في الإدارة والأشغال العامة في فلسطين ، وأيضا منح الجيش الفلسطيني لليهود واعترافها باللغة العبرية وبالأعياد اليهودية(5).
أصبحت سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين تبدو اكثر وضوحا يوما بعد يوم في انحيازها ودعمها للحركة الصهيونية ، كما يؤكد المسؤولين البريطانيون “أن السياسة البريطانية في فلسطين خلال السنوات الخمس الأخيرة مرتكزة الى تصريح بلفور(1). بل انهم لا يتحرجون من سياستهم السافرة وأفعالهم الظالمة للفلسطينيين فيعلنوا أن”قد يكون مبالغا فيه أن نأمل إرضاء الفلسطينيين”(2).
ومن جهة أخرى يقرن الساسة البريطانيون القول بالفعل تجاه مساندة اليهود ، فقد حدد تشر شل السياسة البريطانية في فلسطين في كتابة الأبيض الأول موضحاً أن سكان فلسطين من اليهود ليس عليهم أن يتخوفوا من أن تنحرف حكومة بريطانيا عن التزامها بتصريح بلفور بل يؤكد تشر تشل من جديد أن من الضروري مرة أخرى أن نؤكد بأن هذه المخاوف ليس لها أساس أو أن التصريح “أي تصريح بلفور غير قابل للتبديل(3).
في ظل هذه السياسة البريطانية المساندة على طول المدى للحركة الصهيونية على حساب أهل البلاد الفلسطينية والتي شملت فلسطين طولاً وعرضاً ومنها الخليل في محاولة لوضع قدم في البلد حيث قامت حكومة الانتداب والحركة الصهيونية بإنشاء حزب الزراع بالتعاون مع بعض العملاء الفلسطينية في خطوة مساندة لخططهم . وتتكلم إحدى الوثائق البريطانية بوضوح أن هذا الحزب – الزراع – الذي أنشأه اليهود ووضعوا عليه آل هديب خاص موسى هديب ، الذي كان من المرتزقة المتعاونين حيث تم اغتياله فيما بعد(4).
ولابد من الوقوف ملياً على هذا الحزب ، واستراتيجية إنشائه التي ارتكزت على تأجيج العصبية وإظهار الزراع الفلاحين كأنهم عدو لأهل المدينة ، وللأسف أن بقايا أفكار وترسبات هذا الحزب عاشت حتى يومنا هذا ، بل أن اليوم تبدوا محاولات دنيئة في إرجاع تلك السياسة وإذكاء نارها ، وهذا ما يعطي الانطباع أن سياسة الانتداب كافة ترتكز على إستراتيجية واضحة المعالم مرسومة الخطوات ، وفي المقابل كانت الأوضاع العربية والحركة الوطنية الفلسطينية في ضعف وعجز مقتصرة أفعالهم على ردة الفعل العاطفي والمتشنج بصورة عامة.
وفي سنة 1925م أثناء قيام وزير المستعمرات البريطاني ، قابلته وفود عربية يتقدمها اللجنة التنفيذية والحزب الوطني ، وقد تكلموا خلال اللقاء عن تظلمات الفلسطينية وقدموا الى الوزير تقريراً عما يعانون ويلقونه وأن العرب في فلسطين وهم يطلبون حقهم في الحكم الشرعي ، وأنهم يريدون أن يتمتعوا بحقهم باعتبارهم أكثرية ساحقة في العدد والمصلحة(5). لكنها آمال ومطالب لم تجد آذاناً صاغية بل على العكس فقد كان اليهود بالإدارة البريطانية في فلسطين يتعاملون على أن البلاد بلادهم وما على العرب إلا أن يرحلوا عنها(1).
وقد خلصت الهيئات الفلسطينية الى نتائج السياسة البريطانية في فلسطين ، في الوثائق التي أعدتها أمام لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية سنة 1946م ، مجملين هذه الخطوط العريضة للسياسة البريطانية من 1917- 1939م بأنها مرتكزة على الحيلولة دون أن يصبح العرب أو اليهود أقوى مما ينبغي ، مع الحرص على منع الفريقين من أن يتفقا معاً، وبذلك يظلان كلاهما معتمدين على بريطانيا(2).
وأن أسباب حوادث سنة 1919م وسنة 1920م وسنة 1929م وسنة 1936م لم تكن ناجمة عن أسباب مؤقتة أو من مظالم إدارية بل إنها نجمت عن معارضة وطنية لجميع السياسة الصهيونية التي اتخذتها السلطة المنتدبة(3).
وفي الخلاصة يمكننا أن نصف سياسة الانتداب البريطاني في فلسطين في كلمتين بأن ” حكومة فلسطين يهودية اكثر من اليهود”(4).

تصاعد الاضطرابات في فلسطين 1917- 1929
في ظل هذه السياسة البريطانية الواضحة في فلسطين لصالح الحركة الصهيونية كان من الطبيعي أن يواجه بشعور السخط والغضب الفلسطيني ، وان تبدأ الصدامات ما بين الفلسطينيين من جهة وما بين اليهود والقوات البريطانية من جهة أخرى .
وقد كان أول الاضطرابات بين العرب واليهود ، في القدس في نيسان 1920م ، وذلك أثناء احتفال المسلمين بزيارة النبي موسى ، واستمرت هذه الاضطرابات عدة أيام قتل فيها خمسة يهود وأصيب ثمانية عشر إصابات خطرة و 193 إصابات بسيطة ، وتم جرح سبعة جنود بريطانيين وقتل أربعة من العرب وجرح ثمانية وعشرون.
وفي أيار سنة 1921م حدثت صدامات بين العرب واليهود في يافا وتل أبيب ، امتدت الى مستعمرة ملبس وطولكم ووادي الحوارث وعرب أبى كشك ، ودامت الأحداث قرابة خمسة عشر يوماً قتل فيها 48 شخصاً وجرح 73 من العرب و47 قتيلاً و146 جريحاً من اليهود .
وفي آذار سنة 1924م حصلت اضطرابات ايضاً في يافا ، سقط فيها عدد من القتلى من الطرفين وايضاً في آذار سنة 1927م جرى اضطراب عام وظهر في القدس احتجاجاً على زيارة بلفور الى القدس لافتتاح الجامعة العبرية(1).
دلت هذه الأحداث المتقطعة أن جمر الصراع بدأ ينفد تحت الرماد ، وكانت هذه الاضطرابات مجتمعة كانت ارهاصات أحداث ثورة البراق سنة 1929م .
إلا أن هذه الأحداث سوى أحداث سنة 1920م كانت ضعيفة ومتقطعة وغير شاملة ، حيث تميزت هذه المرحلة من سنة 1922 – سنة 1929م بالركود والضعف في المقاومة انعكاساً على حياة الفلسطينيون ، كما يذكر المندوب السامي في تقريره بأنه “يستمر الركود في الدوائر العربية بسبب قلة الأموال والنزاع الداخلي”(2).
ولن تستطع الأحزاب والجمعيات الفلسطينية التي تشكلت في العشرينات الصمود طويلاً أو النهوض بالمقاومة الوطنية ، لما كانت تحياه من صراعات داخلية عملت على حصرها شعبياً وجغرافياً ومن ثم زوالها ، فالجمعيات الوطنية الإسلامية لم تعش سوى ثلاثة سنوات أما الحزب الوطني والحزب الزراعي انتهيا سنة 1927م(3).

الفصـل الثـالث : مجريـات الأحداث
بين يدي ثورة البراق :
كان من الطبيعي أن تصل الأوضاع في فلسطين إلى الانفجار والصدام العنيف ، في ظل الأطماع الصهيونية نحو تهويد البلاد واستلابها ، تحت رعاية الحكومة البريطانية وانحيازها الكامل للحركة الصهيونية واليهود ، وبتصاعد الضغوطات الاقتصادية والسياسية على فلسطين كان مرجل الثورة والغضب قد وصل ذروته في أحداث سنة 29 ، وقد عمدت الحركة الصهيونية واليهود الى قدح زناد الأحداث والاضطرابات عندما طالت أطماعهم المقدسات الإسلامية وتطلعوا نحو المسجد الأقصى وحائط البراق مما أوقعهم في تماس مباشر مع مسلمي فلسطين وهذا ما يفسر ضخامة وقوة الأحداث في ثورة البراق .
بدأت بوادر أحداث ثورة البراق في عام 1918م عندما حاول اليهود شراء ووقف أبو مدين بجانب حائط البراق وذلك بقصد السيطرة على حائط البراق ، ثم توالت استفزازات اليهود بجلبهم أدوات الصلاة الخاصة بهم من طاولات وكراسي وفاصل بين النساء والرجال إلى جانب حائط البراق ، مما أثار سخط المسلمين وغضبهم ، فقاموا بتشكيل ” جمعية حراسة البراق الشريف ” ورد عليهم اليهود بتشكيل ” جمعية أنصار حائط المبكى “(1).
بدأ تهديد اليهود لحائط البراق جدي، مما عمل على استنفار المسلمين فشكلوا جمعية أدنى مساندة وهي ” جمعية الشبان المسلمين ” التي انتشرت فروعها في معظم فلسطين ، وبالرغم أنها لم تكن ذات توجه سياسي واضح فقد كان لها دور كبير في الوعي الديني وإثارة المشاعر الإسلامية فكان يترأس فرعها في الخليل الشيخ طالب مرقة والذي اتهم بقيادة أحداث الخليل(2).
ثم قرر المسلمون بعقد مؤتمر عربي إسلامي عام للدفع عن حائط البراق وتم عقده بتاريخ 1/11/1928م في القدس حيث حضر المؤتمر 700ً مندوبا من سوريا و لبنان و الأردن وفلسطين ، وتم الاتفاق في المؤتمر على تشكيل ” جمعية حراسة الأقصى والأماكن الإسلامية المقدسة لتتولى الدفاع عن الأقصى وحائط البراق وسائر المقدسات الإسلامية في فلسطين من مطامع اليهود، وقد مثل الخليل في المؤتمر كل من ” الشيخ طالب مرقة ، والشيخ صبري عابدين ، ومحمود الحموري ، و د. أمين الحموري ، وعبد الله طهبوب، وعبد الحي الخطيب ، ومحمد علي الجعبري وسليم الغصين ، وسليم حجازي ، وحميدان كاتبة ، وظاهر دعنا ، ورضوان الدويك ، وراشد دعنا ، وعيسى حسن(3) وهو وفد كبير مثل معظم عائلات الخليل تعبيرا عن الاهتمام بما يدور في القدس.

الأحداث في القدس
بدأ الصراع الجدي بين المسلمين واليهود يتبلور ، متمركزاً ومنطلقا من الصراع حول حائط البراق ، وقد انطلقت شرارة الأحداث الأولى في 14/8/1929م عندما قام اليهود باستفزاز المسلمين بتنظيم مظاهرة ضخمة في تل أبيب بمناسبة ذكرى تدمير هيكل سليمان ، ثم أعقبها في اليوم التالي مظاهرة كبيرة في شوارع القدس، وصل اليهود فيها قرب حائط البراق حيث رفعوا العلم الصهيوني وأخذوا ينشدون النشيد القومي الصهيوني ( الهاتكفا : الأمل ) . وقد صدر من بعض اليهود الشتائم والاستفزازات للمسامين مطالبين باستعادة الحائط باعتباره (حائط المبكى) ، وانه الجدار الباقي من هيكل سليمان .
تزامنت هذه المظاهرات في اليوم التالي 16 آب ، وقد كان يوم جمعة ، ذكرى المولد النبوي الشريف حيث جرت العادة احتفال أهالي القدس والقرى المجاورة الاحتفال بالمسجد الأقصى ، فخرج المسلمون بعد صلاة الظهر آلافاً ناقمين على اليهود فتوجهوا نحو حائط البراق محطمين منضدة اليهود ، وأحرقوا بعض الأوراق التي تخص اليهود ، ثم حدث في اليوم التالي –17 آب – اشتباك بين مجموعة من العرب وأخرى من اليهود ، أدت إلى جرح 11 شخصا من الجانبين ووفاة يهودي ،مما دفع بالقوات البريطانية لاعتقال عدد كبير من الشباب العرب وبعض اليهود .
أخذت هذه الأخبار بالانتشار سريعا في سائر المدن الفلسطينية ،وان اليهود يعملون على احتلال حائط البراق . فما كان إلا أن تدفق آلاف الأهالي من القدس وما جاورها الى الصلاة المسجد في المسجد الأقصى يوم 23 آب ، حاملين العصي والهراوات متحدين اليهود الذين كانوا مجتمعين في انتظارهم ، ووقع الصدام بين الطرفين ، وتدخلت الشرطة البريطانية فأطلقت النيران على العرب وحلقت الطائرات فوق القدس ودخلت المصفحات البريطانية شوارع القدس لإعادة الهدوء إلى المدينة عصراً(1).
أخذت هذه الأحداث العنيفة والتي أسفرت عن قتل وجرح العديد من الجانبين تصل الى باقي المدن الفلسطينية مثل نابلس والخليل وصفد وغيرها ،حاملة نداءات الاستغاثة ودعاوى الثأر والانتقام من قبل اليهود المتعدين على حرمات المسلمين ومقدسا تهم ،وقد كانت الردود واضحة وقوية في اليوم التالي في كل من صفد والخليل .

الأحداث في الخليل
وصلت أخبار الصدامات والأحداث من القدس الى الخليل ،التي كانت تحيا حالة من الهدوء المعيشي المتقبل لليهود في ذلك الوقت . خاصة أن الجالية اليهودية في المدينة امتد وجودها الى مئات السنين كأهل ذمة ، ولم يلق وجودهم أي معاملة تسئ إليهم بل على العكس فوجهاء المدينة ” تكفلوا دوما بأن يتمتع يهود الخليل باليهود التام ولا يساء إليهم(1).
وبما أن العلاقات الاجتماعية والروابط الاقتصادية ما بين الخليل والقدس من القوة والترابط بمكان ، حيث عملت على الاحتكاك اليومي باتصال مباشر بين المدينتين ، فمن المعلوم أن أعداد كبيرة من أهل الخليل كانت قد سكنت القدس ، وان الخليل كانت حلقة وصل ما بين القدس وبئر السبع وغزة . إضافة لصلاة الجمعة في الأقصى الشريف الذي يحرص عليه الكثير من أهل المدينة ، فمن الطبيعي اذاً أن تمس أحداث القدس أهل الخليل مباشرة ،وتتفاعل معها تفاعلاً قوياً ،خاصة إذا ما طالت المقدسات الإسلامية التي تمس قلب كل مواطن من المدينة المعروف عنهم التدين الواضح(2).
ومع وصول أحداث الصدامات من القدس أخذ كلا من أهل المدينة واليهود بالتحفز والاستعداد للمواجهة ، فقد وصل في يوم أحداث القدس مجموعة من شباب الهاغاناه المدججين بالسلاح الى الخليل حيث أودعوا أسلحتهم في مقر بنك (انكلو- فلسطين) عند مديره اليهودي (اليعيزر دان سلونيم)(3)، كما أن خوف اليهود دفعهم الى زيارة حاكم الخليل المسيحي (عبد الله كردوس) يطالبون بحمايتهم ،فأجابهم أنهم في مأمن وان هناك قوات ضخمة علنية وسرية تقوم بالحراسة وقادرة على ضبط الأمور . كذلك قام بعضهم (شنيرسون والحاخام فرانكو) بالاتصال تلفونيا بلجنة (القدس اليهودية) ، طالبين النجدة ، فردت عليهم النجدة بأن يطمئنوا وانهم ” بمنأى عن الأحداث ، خاصة أن أهل الخليل مشهورون بمعارضتهم للمجلس الإسلامي الأعلى “(4).
بقيت المدينة تحيا حالة من الهدوء حتى الساعة الثانية والنصف من يوم الجمعة 23 آب ، حيث بدأت أخبار الأحداث الدامية تتوالى ، مبتدئها سائق دراجة أخذ يطوف في السوق يخبر الأهالي أن المئات من المسلمين قد قتلوا ، وبعدها شرعت السيارات تصل الى المدينة من القدس تؤكد أخبار الأحداث ،وتدعو إلى الانتقام والثأر . وقد بلغ التأثر والهيجان العاطفي للسكان ، مبلغا عظيما ،فكانت ردة الفعل سريعة بقذف كل يهودي يرونه أمامهم بالحجارة ، وقام بعض الأهالي بمهاجمة ثلاثة شبان يهود كانوا بجوارهم فطعن أحدهم وهرب الاثنان(5).
بدأت جماهير المدينة تتجمع وتتوالى بالقرب من منزل نائب قائد الشرطة ،وبدأت مسيرة صاخبة تتحرك نحو التجمع اليهودي الذين كانوا يراقبون عن كثب .حاول الحاخام سلونيم التوجه إلى قائد الشرطة لطلب الحماية فتعرض له البعض الضرب، فتوجهت إحدى اليهوديات إلى قائد الشرطة البريطاني (كفراتا) طالبة منه حماية الحاخام واليهود من العرب المتظاهرين أمامه، إلا أن قائد الشرطة رد عليها بفظاظة طالبا منها إغلاق منزلها عليها، وأضاف يقول على مسامع العرب المتظاهرين بان اليهود هم المسؤولون عن كل هذا الأمر باللغة الإنجليزية التي فهمها بعض الأهالي المتواجدين ، فشجع الجماهير العربية الساخطة على مواصلة الاحتجاج(1).
أما (كفراتا)هذا ، قائد الشرطة الإنكليزي وممثل السياسة البريطانية في المدينة، فقد أكد الكثير من مواطني المدينة انه قام بتحريض العرب على اليهود(2)، كما أن اليهود ذاتهم يؤكدون ذلك وان “قائد الشرطة كان يقف وراء الجماهير الصاخبة”(3) .بل انه قاد جماهير المدينة الصاخبة الى بيوت اليهود بيتاً بيتاً ليقتلوهم(4).
لسماع الجماهير العربية أقوال “كفراتا” عن مسؤولية اليهود للأحداث تشجعوا في الإقدام والتظاهر، فتوجهوا نحو منزل (غرودمينسكي)الذي يصف الأحداث قائلاً “اقتحمت ساحة البيت عشرات العرب وحاولوا تحطيم الأبواب ثم بدءوا بتكسير النوافذ وقذف الحجارة ، مع أن فرسان الشرطة العرب هبوا لمساعدتنا إلا أن الجماهير الغاضبة لم تأبه بوجودهم من البداية واستمر الاحتجاج حتى تمكنت الشرطة من تفريقهم بعدما أصيب طالب من المدرسة الدينية(5).بعدها توجهت الجماهير نحو المدرسة الدينية التي قذفت بالحجارة وأسفرت عن مقتل حارس المدرسة(6) طعنا بالخناجر، بعدها تفرقت الجماهير العربية بحلول المساء متوجهين الى بيوتهم.
خيم الليل بسكون مشحون ، هدوء ما قبل العاصفة ، حيث كانت حبلى بأحداث جسام ، ليلة لها ما بعدها ، وأهل المدينة بات ليلهم يؤجج مشاعر الثأر والغضب وأخذت أحاديثهم تذكي روح الانتقام لدماء الشهداء وكرامة المقدسات، الثأر من هؤلاء الغزاة مغتصبي الأرض والمقدسات، وقد أذابت مرارة الأحداث الميزة المعطى لليهود والأمان في المدينة ، مما أحال يهود الخليل الى واجهة الانتقام من اليهود والحركة الصهيونية، فتمثل رد الجماهير فيهم في اليوم التالي .

مرت ليلة السبت (24/8/1929م) على اليهود كدهر ، وقفت فيها أنفاسهم ، وسكنت أشباح الصمت بيوتهم، في انتظار ما تسفر عنه صبيحة اليوم التالي، وفي غضون هذه الليلة قام الضابط البريطاني (كفراتا) باستدعاء ابن المدرسة اليهودية (ابشتاين) ، وأخبره بضرورة التزام اليهود منازلهم وعدم مغادرتها، وتكفل (كفراتا) بصون حياتهم (1).
نهض اليهود صباحاً حالي الساعة الخامسة محاولين الاتصال بالقدس بأي طريقة ، وذلك لشرح حالتهم في المدينة التي اصبح أهلها يشكلون خطر دائم وحقيقي على الجالية اليهودية في الخليل ، إلا انهم لم يتمكنوا من الاتصال سوى الساعة الثامنة صباحاً.
بينما أصبحت الخليل على الجماهير الغاضة تتوافد من المدينة وقراها وجبل الخليل اجمع ، حيث وصلت أخبار الأحداث إلى كل قرية وخربة ، وبدأت الجموع بالاحتشاد من كل اقصاع الخليل وجبالها ملوحين بالسيوف، مردين الأهازيج والأناشيد الحماسية (2).
في هذا الوقت ذهب زعماء اليهود الى قائد الشرطة(كفراتا) للاحتجاج على إجبارهم ملازمة بيوتهم،بينما الجماهير العربية تجوب الشوارع ، حيث تقابل وفد اليهود بالمواطن “عيسى عرفة” طالبين منه أن يسعى وجهاء الخليل لحماية اليهود ، فوعدوهم خيراً ، مؤكداً عليهم ضرورة تسليم الغرباء المسلحين الذين وصلوا أمس حتى يستطيعوا حماية أنفسهم من الجماهير الغاضبة ، إلا أن اليهود أنكروا هذا الطلب معتبرين انه ليس في اليهود غرباء وانهم شعب واحد ولن يسلموا تلك القوات المسلحة التابعة للهاغاناه . وهذا يعكس بوضوح نخوف أهل المدينة من وجود قوات الهاغاناه بين يهود الخليل الذين فتحوا لهم منازلهم ، بحيث اصبحوا قنابل موقوتة داخل المدينة(3).
على اثر هذه الحشودات الضخمة، بدأت هذه الجماهير الغاضبة تتجه نحو بيوت اليهود تداهمها ، فتقتل من تجد أمامها ناهبة البيوت أو تدمرها ، وقد عمت الفوضى هذه الا ضطرابات فاختلط الحابل بالنابل فحرقت بعض البيوت وقتل من اليهود بعض النساء والكهول ، فتشابكت مشاعر الثأر والانتقام من اليهود المعتدين ، متداخلة الى سلب البيوت وتدميرها من سالبي البلاد ومغتصبي الأرض . بالرغم أن معظم يهود الخليل كانوا من متوسطي المعيشة ولم تكن بيوتهم تحوي الشيء الكثير ، لكنها أفعال في جو فوضوي عارم ثوري بلا قيود ، فإذا الحاجة والعوز تدفعهم الى نهب ما يستطيعون(4).
وقد أحاطت مئات من الجماهير منزل الخواجا “سلونيم”، حيث كان قد لجأ إليه حوالي سبعين من اليهود، وكان “سلونيم” يحظى بتقدير من أهل المدينة وله أصدقاء كثيرين منهم ، ويدعي بعض اليهود المختبئين في ذلك المنزل انهم هوجموا بالأسلحة النارية ، بينما ينفي أهل المدينة ذلك بشدة وان المتظاهرين لم يكن معهم أي سلاح ناري(1).
لقد كانت دوافع الانتقام ومشاعر الحقد اكبر من أن تقف أمامه بيت ” سلونيم ” واقتحم الثائرون البيت فأطلق “سلونيم ” عليهم النار ، لكن سرعان ما نالت أيدي الجماهير التي زادت درجات غليانها بعد إطلاق النار ، وهنا جاست الجماهير البيت منطلقه من عقالها ، فأطاحت السيوف والهراوات على كل ما في البيت التي تداخل فيها النساء بالرجال بالكهول بالأطفال ،و أسفرت أحداث بيت سلونيم عن مقتل 24 شخصاً و 13 جريحاً ، استمرت حوالي نصف ساعة(2).
ثم تحولت الجماهير العريقة الثائرة الى الشوارع والى بيوت أخرى لليهود ، لكنها جوبهت بمعارضة بعض اليهود منها منزل مدير المدرسة الدينية(3).
وقد ادعى بعض اليهود أن الشيخ طالب مرقة كان يقود الجماهير محرضا وخطيبا فيهم قائلا: “يا معشر المسلمين اذبحوا اليهود، اشربوا من دمائهم فاليوم يوم الإسلام ، انتقموا لدماء إخوانكم المسلمين الذين ذبحوا في القدس “الله وأكبر” ،وقد أدت دعاوي اليهود هذه الى اتهام الحكومة الشيخ طالب مرقة وحبسه فيما بعد(4).
وفي نفس الوقت يقر اليهود أن أبا شاكر عمرو (قد كان من الذين ساعدوا اليهود وعملوا على إنقاذهم من غضب الجماهير، حيث انه توجه الفندق الذي يخفي فيه الكثير من اليهود ، وتقدمت جماهير الخليل الغاضبة نحو الفندق وتصايحت مع أبي شاكر الذي أصر انهم لن ولم يدخلوا الفندق إلا على جثته(5).
والحقيقة التي يقر بها اليهود أن الكثير من العائلات العربية قد عملت على حماية جيرانها اليهود والدفاع عنهم أمام أفواج الجماهير الغاضبة ، وهذا مثبت وموضح بالقوائم الموجودة في الملاحق والتي بينت أسماء العائلات العربية وأسماء الذين حمتهم من اليهود ، وقد اصدر حاخام الخليل فيما بعد وثائق لهؤلاء العائلات يعترف فيها بموقفهم في حمايتهم ، وما زال الكثير من الأسر الخليلية اليوم تحتفظ بهذه الوثيقة أو بسبب ما نحياه اليوم من حساسية في الوضع الأمني خاصة تجاه اليهود آثرنا عدم متابعة هذه الوثائق الأكيدة الوجود .
وفي نهاية اليوم مع حلول الظلام تفرقت الجماهير العربية ، وبدأت قوات الشرطة بجمع سيارات المدينة حتى تنقل الجرحى الى القدس ، ثم شرعت الشرطة واليهود يدفن القتلى اليهود ليلاً ، وبعدها تجمع باقي اليهود في المخفر ، وبعدها عملت القوات البريطانية على إجلاء اليهود من الخليل ، حيث خلت من اليهود المدينة حتى عام 1967م وقامت الشرطة بتعزيز قواتها من سائر فلسطين . وقد اتبعنا البحث ملاحق تحوي أسماء القتلى اليهود وأسماء العائلات العربية التي عملت على حماية اليهود إضافة إلى أسماء شهداء الخليل في الأحداث .

الفصل الرابع
ردود الفعل حول الأحداث
قتل في أحداث الخليل 60 يهودياً وجرح 50 آخرون ، وتم تدمير الكثير من أملاك اليهود ، واختفت الجالية اليهودية من المدينة حتى سنة 1967م . بينما استشهد 18 شخصاً من أهل والخليل وجبلها ، وتم لاحقاً إعدام اثنين من أبناء المدينة على خلفية الأحداث وهما عطا الزير وفؤاد جمجوم .
لقد كان لأحداث سنة 1929م في القدس والخليل وصفد أثراً واضحاً في سير القضية الفلسطينية وصراعها ضد الحركة الصهيونية ، وقد أحدثت هزه محلية وضجة عالمية سلطة الأضواء على المنطقة من جديد. وذلك بسبب أحداثها الجسام وسقوط عدد كبير من القتلى والجرحى ، فقد قتل في الأحداث عامة 133 يهودياً و339 جريحاً من اليهود ، أما العرب فقد استشهد 116 شهيد ، وتم اعتقال 1000 شخص غالبتهم العظمى من العرب(1).
أعقبت الأحداث إجراءات عسكرية بريطانية قاسية تجاه الفلسطينيين والمشاركين بالاضطرابات ، حيث تم تطبيق أحكام قانون العقوبات المشتركة بشكل جماعي على سكان المدن والقرى التي أدينت بالاشتراك في الهجوم على اليهود في الخليل وصفد ، وتم فرض غرامات ضخمة وإجراءات انتقامية شديدة(2).
فقد تم فرض غرامة مالية جماعية قدرها (12000 جنيه فلسطيني) جمعة من السكان بالقوة ، وكل من يمتنع أو يعجز عن الدفع يضرب بالسوط في وسط المدينة ، وقد تم أيضاً اعتقال عدد كبير من الرجال حيث حكم على أربعين منهم ما بين السجن المؤبد إلى 15 سنة وأحكام أقل(3).
وجاء الرد البريطاني عن طريق المندوب السامي الذي قطع زيارته في لندن ، مصدراً منشوراً وزع على الفلسطينيين أعلن فيه عن صدمته ودهشته “للأعمال الفظيعة التي اقترفتها جماعات من الأشرار ، سفاكي الدماء عديمي الرأفة” ، وقد وصف أحداث الخليل بأنها “أعمال همجية لا توصف”(4).
وفي حين أن اللجنة التنفيذية الوطنية ردت على منشور المندوب السامي ، فندت فيه افتراءات المنشور الذي أدان العرب وبرأ اليهود من تبعة الأحداث ، مستذكرين أن أكثر اليهود كانوا مسلحين وأنهم البادئون في الأحداث ، وأنه لم يوجد في قتلى اليهود تمثيل أو تشويه حتى قتلى الخليل ، مؤكدين أن اضطرابات فلسطين السابقة والحالية ناشئة عن السياسة البريطانية الصهيونية(5).
كذلك المحامون العرب احتجوا على منشور المندوب السامي منوهين للألفاظ القاسية التي استخدمها المنشور ، وقد تسائلوا في بيانهم إن كان المندوب السامي اعتمد على تقارير رسمية من إدارة الصحة حتى يصف أعمال القتل في الخليل بأنها أعمال همجية لا توصف ، متحدين المندوب إظهار أي حادثه تفظيع ارتكبت من قبل العرب سواء في الخليل أو غيرها(1).
كما أن الأطباء والصيدلية العرب في فلسطين احتجوا أيضاً على منشور المندوب السامي ، مؤكدين أنه لم يحدث أي تمثيل أو تشويه في قتل اليهود حتى في الخليل ، وقد أشاروا إلى أن الصحف اليهودية اعترفت بأن عشرات من اليهود كانوا في حماية العرب ، وخلصوا بنتيجة واضحة أن اليهود كانوا هم المسببين لهذه الفتنة(2).
ومن الملاحظ أن أحداث الخليل قد استقطبت الجزء الأكبر في ردود الفعل ، وقد تم وصف الأحداث في الخليل الأحداث في الخليل بتعبيرات قاسية ، فالمندوب السامي وصفها “أحداث وحشية لا توصف” ، أما لجنة شو فوصفتها بـ”هجوم وحشي” ، بينما يصفها الكتاب الصهيونيون بأنها مذبحة (بوغروم). وأشاع اليهود أن أهالي الخليل قد مثلوا بقتلاهم ، مما استدعى الحكومة أن ترسل لجنة طبية مؤلفة من ثلاثة أطباء من العرب وثلاثة من اليهود وثلاثة من الإنجليز ، وعملت اللجنة في 12 أيلول على إخراج 24 جثة يهودية من قبورها وفحصها فلم تجد أثراً للتمثيل ، مما فند افتراءات اليهود(3).
إلا أن الدعاية اليهودية وهي التي تحسن مخاطبة العالم والرأي العام ، أخذت تركز على قتل النساء والأطفال والشيوخ في الخليل بالذات ، بينما الإعلام والتاريخ العربي الفلسطيني يكاد أن يلوي وقائع التاريخ ، والتهرب من خوض هذا الموضوع ، مما يعزز دعاوى اليهود بأن الأعمال همجية وحشية افتعلها العرب .
ورغم أن الأحداث أسفرت عن مقتل 7 نساء وطفل يهودي ، فهي لا تغير بحال أن الأحداث كانت عفوية في معظمها رداً على استفزازات اليهود والحركة الصهيونية ، حتى أن الكثير من الأهالي استنكر قتل النساء ، وعلى الأغلب جاء قتل النساء في بيت سلوينم الذي تجمع فيه عدد كبير من اليهود مما خلق حالة من الفوضى .
وحتى ولو قتلت امرأة أو أكثر عمداً من قبل بعض الجماهير التي لم تكن لها قيادة واضحة أو سياسة مرسومة ، بل إن الأحداث كانت عفوية عاطفية رسمت أحداثها جماهير من شتى جبل الخليل ضمت كل شرائح المجتمع الفلسطيني ، وفي أحوال عاشتها المدينة وقراها من الجهل والفقر صعبة للغاية أمام ازدهار الحركة الصهيونية ، فإذاً من الصعب بمكان ضبط هكذا أحداث . ومن جهة أخرى كان قتل النساء والأطفال متعمد من قبل اليهود في القدس وصفد(1).
أما أعمال السلب والنهب التي رافقت مقتل اليهود في الخليل ، فلا معنى لنكرانها وقد حدثت حقيقة وتهافت الكثير من السكان العرب (المدينة وجبلها) على محتويات وأثاث منازل اليهود للاستيلاء عليها ، فالأحداث في ذروتها من فوضى عارمة إلى روح متقدة للانتقام إلى حالة اقتصادية سيئه للغاية ، فاختلط الانتقام والثأر بالمصلحة معتبرها البعض غنائم ، وأسماها آخرون (النهيبة) . ولسنا هنا في موقع الدفاع عن عمليات السلب فالوضع الاقتصادي الذي عاشه العرب في الخليل بل في فلسطين عامة يشرح نفسه بنفسه ، واضعاً همه بقوة على الواقع ، ولربما كان ردة فعل طبيعية على سلب اليهود للأراضي والبلاد الفلسطينية .
كذلك الجموع الغفيرة التي شاركت في الأحداث من منطقة جبل الخليل مثل دورا ويطا وبين نعيم وشيوخ وسعير جنباً إلى جنب مع أهالي الخليل ، كان قد ساعد على الإقدام تجاه اليهود بأقل حساسية التي اعترت بعض سكان المدينة بسبب المجاورة والمعاملة الوثيقة والحسنة ما بينهم وبين اليهود .
في حين يعترف قادة الحركة الصهيونية أن قوات الهاجاناه إبان أحداث سنة 1929م كانت في وضع مخز(2)، وأن جهاز الهاغاناه كان في ضعف كبير ، وافتقرت فروع الهاغاناه ووحداتها إلى التنظيم الجيد والى الأسلحة الكافية ، وهو ما أدى إلى أن تدفع التجمعات اليهودية النائية مثل الخليل الثمن من أرواحهم ودمائهم(3).
وهنا لابد إعادة التأكيد على حقيقة أن هجوم جماهير الخليل استهدف في الدرجة الأولى بيوت اليهود الصهيونيين أي “المهاجرين الجدد” ، في حين أن يهود الخليل القدامى قد أجارهم جيرانهم وحموهم في بيوتهم وقد كانوا أكثرية يهود الخليل(4).

دور الإنجليز في أحداث الخليل
يبدو أن السياسة البريطانية في فلسطين كان لها دور كبير في تأجيج أحداث سنة 1929م ، فسياسة الإنجليز المنحازة تماماً للحركة الصهيونية كان لها دور أساسي في تفاعلات اغضب والسخط لدى الجماهير العربية ، وإضافة لهذه السياسة المعلنة يبدو أن هنالك خطوات وإجراءات خفية للحكومة البريطانية في أحداث سنة 1929م، وعلى الأخص في الخليل أوصلت الوضع إلى ما آل إلية .
لكن سؤالاً كبيراً يقف أمامنا ، كيف يعقل أن تتآمر بريطانيا وتسهل عملية قتل واسعة لليهود في الخليل وهم الحلفاء الحميمون ، وكيف نفسر الإجراءات العنيفة المتخذة في المدينة عقب الأحداث ، مع الإصرار على إعدام ثلاثة فلسطينيين .
نفتقد إلى بيانات دامغة وتحليلات أكيدة في إثبات الدور الإنجليزي في أحداث مدينة الخليل بشكل مباشر، لكن من جهة أخرى تلوح إشارات ليست بالقليلة أن القوات الإنجليزية في المدينة إن لم تكن ساعدت بشكل واضح وفعال في ذبح اليهود مع أهل مدينة الخليل ، فعلى الأقل وقفت موقف سلبي من حماية اليهود من الجماهير العربية الثائرة عليهم ، وهذا ما تؤكده الروايات التاريخية للأحداث أشبه بالإجماع .
فقد أكدت روايات كثيرة من معاصرين الأحداث في المدينة أن الإنجليز كان لهم دور مباشر وسبب رئيسي في الأحداث ، وهم الذين سهلوا الطريق للجماهير العربية في قتل اليهود ، وأن مدير الشرطة البريطاني (كفراتا) شجع العرب على ملاحقة اليهود قائلاً أن هذه فرصتكم ، ومع هذا فقد أطلق النار لاحقاً على العرب قاتلاً حوالي 15 شخصاً من العرب(1).
بينما تشير لجنة شو أن (كفراتا) قد أبدى البسالة ما حال من تحويل الاضطرابات إلى مجزرة عامة(2) ، لكن أهل المدينة يؤكدون الدور المباشر للقائد الإنجليزي ، حيث قتل بعض اليهود على مرآه وأمان من قبل العرب ، وهو ما شجع الجماهير العربية على قتل اليهود ، بل حتى أن حاكم المدينة المعين من قبل الإنجليز كان يصرخ بالجماهير “اذبحوا اليهود” على مسامع الإنجليز المتفرجين(3).
كذلك وقف اليهود موقف الاتهام للسلطات البريطانية ، التي تهاونت في حماية اليهود وساهمت في تسهيل قتلهم ، فتذكر المراجع اليهودية أنه “عمد اليهود بتحميل المسؤولية للبريطانيين مسؤولية خاصة في الخليل ، التي لم تتخذ احتياطات كافية” ، بل أن هنالك من حمل المسؤولية للحكومة في لندن مباشرة مشيراً “إلى تآمر بعض المسؤولين البريطانيين مع الهيئة العربية العليا”(4).
فيما أكد بعض القادة اليهود أن الإنجليز لم يتخذوا الرد المناسب حينها ، خاصة في البداية مشجعين العرب الثائرين ، حتى صاروا يهتفون بأن (الحكومة معنا … الحكومة معنا)(1). ومن هنا فإن الوثائق البريطانية تشير أن الإنجليز أوقفوا اعتداءات المسلمين على اليهود سواء بالسياسة أو التهديد ، وأن معظم الجرحى والقتلى العرب كانت من البوليس البريطاني(2). أضف إلى ذلك فإن (كفراتا) قد قام بنقل الأخبار عن أحداث القدس إلى أهالي الخليل بطريقة توحي بالتحريض والدعوة للانتقام(3).
ويرى البعض أن الدور الإنجليزي في أحداث سنة 29 هو إستمرار النفس الدور والنهج سنة 1920م، بل يذكرها بعض اليهود صراحة “فكانت حكومة بريطانيا التي دبرت هذه الاضطرابات الدموية الأولى من نوعها في تاريخ البلاد منذ الفتح العربي”(4).
إلا أن الدور الإنجليز لم يكن بمعزل عن الحركة الصهيونية ، فقد قامت الحركة الصهيونية بإقامة الوكالة اليهودية العالمية وتوسعة نشاطاتها سنة 1929م ، في محاولة لاستنفار يهود العالم وخاصة الأغنياء منهم لمد يد العون لإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين ، مما ساعد على استفزاز الشعب الفلسطيني ، وإذاً ليس من قبيل الصدفة أن تعتبر المصادر البريطانية والصهيونية حوادث عام 1929م رداً على قيام الوكالة اليهودية(5).
هذا ناهيك على أن أحداث سنة 1929م جاءت بالفرج المادي للوكالة اليهودية ، التي كانت تعلم أنه ليس كنشوب الاضطرابات سبيل إلى دفع عجلة التبرعات والإعانات اليهودية من شتى أنحاء العالم ، خاصة بعد الضائقة الاقتصادية التي ألمـّت بالمستوطنين اليهود في فلسطين أواسط العشرينات(6).
وقد استطاعت الحركة الصهيونية دعايتها العالمية حول أحداث سنة 1929م أن تجلب عطف وتأييد معظم يهود العالم ، يذكر (اسحق شامير) رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بأن اللحظة الحاسمة التي دعته للانضمام إلى الشبيبة الصهيونية في (وارسو) كانت أنباء أحداث سنة 1929م ، ولم يكن يتجاوز عمره بعد 14 عاماً ، ويستطرد بأنه أصيب بذهول شديد وبصدمة عنيف لدى سماعه الأحداث خاصة “قتل وجرح الرجال والنساء والأطفال في الخليل”(7). وهو نفس شعور وحال (موشه ديان) وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق . الذي أثر فيه انقضاض العرب على المدارس الدينية في الخليل وقتل الرجال والنساء والأطفال والحاخامات والطلاب اليهود(8).

الأحداث والقيادة التقليدية
تأثر الصراع العربي الفلسطيني ضد الحركة الصهيونية والإنجليز فترة العشرينات ، بعوامل متعددة ساعدت على توفير الأجواء وخلق أحداث سنة 1929م ، أهمها العامل الديني وسيادة الثقافة الإسلامية ، إضافة إلى طبيعة القيادة الوطنية ، والمجتمع العشائري ، وكذلك الحالة الاقتصادية السيئة .
تميز أهل فلسطين بالتدين والتمسك بتعاليم الدين الإسلامي والمقدسات بشكل عام ، وامتاز أهل الخليل بهذا التدين القوي والتمسك الواضح بتعاليمه ، وقد كان لرجل الدين مكانة مرموقة ومحترمة بين الناس، ومنهم من شارك بفعالية مع القيادة السياسية في الصراع ضد الصهاينة ، منهم في الخليل مثلاً الشيخ طالب مرقه في أحداث الخليل ، وقد كان للثقافة الإسلامية دور بارز في الصراع معانة النضال أنه “جهاد” وقد كانت زاد الجماهير ، فلا غرو أن تكون أحداث 29 التي تمحورت حول القدس الشريف وحائط البراق أقدس مكان للمسلمين في فلسطين ، قد استفزت الشعب الفلسطيني بقضّ وقضيض ، دافعة إياهم لبذل الغالي والنفيس دفاعاً عن هذه المقدسات(1).
اعتبرت أحداث سنة 1929م نقطة تحول في العلاقة الفلسطينية الإنجليزية(2)، وأن هذه الأحداث عبرت عن رفض الجماهير للانتداب البريطاني حليف الحركة الصهيونية ، وكذلك كانت تفويض لسياسة المؤتمرات والاحتجاجات التي أنتجتها اللجنة التنفيذية . بل إن هذه الأحداث رأى البعض الحكم على اللجنة التنفيذية بالانتهاء وضرورة الخروج عليها(3).
لقد اختلف في دور اللجنة التنفيذية ومسؤوليتها من الأحداث ، فالمعارضة الوطنية تنفي أي علاقة لهم بالأحداث(4). وهو ما يؤكده البيان الذي أصدره المفتي مع بعض التيارات الفلسطينية عقب الأحداث حيث يدعو “حقن الدماء وصيانة الأنفس ، نطلب منكم أيها العرب باسم مصلحة البلاد التي تهمكم قبل كل اعتبار أن تعملوا جميعاً بإخلاص لحسم الفتنة وحقن الدماء وصيانة الأرواح ، ونرجو منكم جميعاً الإخلاد إلى السكينة والهدوء”(5). حتى أن المفتي الحسيني قد أرسل جمال الحسيني إلى لندن بعد الأحداث للتفاوض مع بريطانيا ، وتبريد موقف المغني ورد الاتهامات الموجه إليه على خلفية أحداث سنة 29(6).
بينما نجد وجهة أخرى مؤيدة للحاج أمين الحسيني ، وترى أن الحاج أمين له مسؤولية تاريخية كاملة عن الأحداث ، بالرغم من البيانات الأربع التي تدعوا السكان للهدوء وقطع الاضطرابات ، مستشهدين بالعديد من الرجالات الذين كانوا حول المغني وذكروا مشاركتهم في الأحداث ، وأن اتهام لجنة شو للمغني ثم تبرئته بعد ذلك لعدم توفر الأدلة ، دليل واضح على مسؤوليته(1).

نظرات في تقرير – لجنة شو –
على أثر هذه الأحداث قانت الحكومة البريطانية بتعين لجنة تحقيق برئاسة قاضي السابق المستر “شو” ومعه ثلاث نواب بريطانيين ، وقد سميت اللجنة باسم رئيسها . وقد أوكلت الحكومة البريطانية لهذه اللجنة التحقيق في الأسباب المباشرة التي أدت إلى الاضطرابات ووضع التواصي والتدابير الواجب اتخاذها لمنع تكرار مثل هذه الحوادث(2).
وتشكيل هذه اللجنة يأتي ضمن سياسة اللجان التي اتبعتها بريطانيا نحو القضية الفلسطينية ، وذلك لامتصاص الغضب واحتواء الأحداث ضمن الستراتيجية البريطانية ، وقد مكثت اللجنة 66 يوماً في فلسطين ، قضت معظم أيامها في القدس مع زيارات قصيرة لبعض المدن ، استمعت خلالها إلى 160 من الشهود العرب والإنجليز واليهود ، إضافة للشهادات السرية التي لم تنشر(3).
اتخذ اليهود موقفاً عدائياً من تقرير اللجنة التي خلصت إليه ، باعتبار أن التقرير قد تعدى حدود اختصاص اللجنة ، في المقابل استقبل التقرير بارتياح من قبل العرب إلا أنه لم يدم طويلاً(4).
وفي تصفح مواد التقرير المطول ، نرى نقاط عديدة للتوقف عندها بإمعان ، يشير التقرير أن الهجمات الأعنف ضد اليهود لم تكن موجهة نحو المستعمرات الجديدة ، بل إلى الجماعات اليهودية القديمة العهد في القسم الجبلي العربي من البلاد في الخليل وصفد(5).
أكد تقرير أن التصريحات الصهيونية السياسية الشديدة الغلو كانت مبعث المخاوف لدى الفلسطينيين، الذين أصبحوا يرون في المهاجر اليهودي والمشروع الصهيوني خطراً يهدد مستقبلهم ، وبالتالي الكره للصهيونية من العوامل التي أدت إلى مهاجمة اليهود بشدة(6). مما يؤكد ذلك وقوع ثلاثة هجمات ضد اليهود خلال العشرينات ، “بينما لم تسجل أي حادثة مماثلة خلال الثمانين سنة التي سبقت وقوع تلك الهجمات” ، والتقرير أيضاً أكد “أن اليهود والعرب ما قبل الحرب العالمية الأولى كانوا يغيشون جنباً إلى جنب ، من خلال التسامح وهي صفة تكاد تكون نادرة اليوم في فلسطين(6). بمعنى أن ظهور الحركة الصهيونية وتوجهها نحو سلب الأراضي وطرد أهلها منها هو السبب الرئيسي لهذه الأحداث ومثيلاتها .
وهنا نرى أن اللجنة أرجعت السبب الأساسي للأحداث “الذي لولاه لما وقعت الاضطرابات هو شعور العرب بالعداء والبغضاء نحو اليهود ، شعوراً نشأ عن خيبة أمانيهم السياسية والوطنية وخوفهم على مستقبلهم الاقتصادي” ، ورأت الجنة أن الأسباب المباشرة هو تظاهر اليهود بجانب حائط البراق في 15 / 8 / 1929م ، إلى جانب المقالات المهيجة في الصحف والحملات التحريضية المهيجة للأهالي(1).
أما مشكلة الأراضي التي تستولي عليها الحركة الصهيونية ، فستبقى مصدراً دائماً للاستيلاء الحالي ، وسبب يحتمل أن يفضي إلى الاضطرابات ما لم يوجد حل له(2). في حين أن العامل الديني _ كما رأت _ أنه لعب دوراً هاماً في الحوادث والاضطرابات وكذلك الأوضاع السياسية والاقتصادية التي طال عهدها ، قد أحدثت حالة هيجان عند العرب حتى ثار العرب ضد من اعتبروهم سبباً لمشاكلهم السياسية والاقتصادية(3).
أما المسؤولين عن الأحداث ، فقد اتجه رأي الجنة على أن اضطرابات عام 29 افتقرت إلى التنظيم ولم تكن متعمدة ، مما يعني عدم مسؤولية أي زعيم وطني محدد ، أو أي جهة وطنية معينة ، فقد جاءت الأحداث عفوية تعبيراً عن مشاعر الغضب الناجمة عن تطور الصراع والأحداث مع الحركة الصهيونية(4).
بينما لجنة الانتداب الدائمة التابعة لعصبة الأمم التي اجتمعت سنة 1930م لتناقش أحداث سنة 29 ، فهذه اللجنة اختلفت مع لجنة شو ، ورأت أن الاضطرابات لم تكن عفوية وتلقائية ، بل موجهة إلى الحركة الصهيونية وبريطانيا على سواء . واعتبرت لجنة الانتداب أن حكم لجنة شو على الزعماء الفلسطينيين بالتبرئة كان “لين ليس له ما يبرره”(5).
ويبدو أن لجنة الانتداب هذه أقل موضوعية من لجنة شو ، وحكم تقريرها رؤى سياسية خاصة غير التي حكمت لجنة شو ، ويبدوا أن كلامها سباق بحيث لم ينصف الشعب الفلسطيني المعتدى عليه والمغصوبة أرضه ، من قبل غريمه الحركة الصهيونية التي عوملت كشريك شرعي في هذه البلاد .
أما عن دور الصحافة في الأحداث والذي أشار التقرير بأنه دور هام ، فإن اللجنة ترى أن الخلاصات المأخوذة عن الصحف العربية مهيجة أكثر من تلك المأخوذة من الصحف العبرية في أسبوع ما قبل الأحداث ، بينما ترى اللجنة في تقريرها أن الصحف العبرية أخذت تشيع إشاعات اضطرابات بين اليهود والعرب منذ 20 آب ، وأن جريدة (دور هايوم) ذات المقالات المتطرفة فترة الاضطرابات ، قد عمدت إلى نشر كراس قبل أسبوع من الاضطرابات حوى على “الكثير من المعلومات المغلوطة” تجاه الاضطرابات والخلاف على حائط البراق(6).
إلا أن التقرير يخلص أن الصحف العبرية التزمت بأوامر المندوب السامي بعدم تهيج المشاعر سوى “دور هايوم” ، ينما الصحف العربية استمرت في التحريض العام(1).
مفارقة غريبة أن يحمل التقرير الصحف العربية مسؤولية أكبر بكثير من الصحف العبرية في تحريض وتهيج المشاعر ، ولا عجب في ذلك وخاصة بعد نرى رأي المختصين والباحثين في الصحافة الفلسطينية آنذاك بأنها كان لها تأثير بالغ على الجمهور ، وساهمت مساهمة فعالة عن طريق الافتتاحيات الحماسية والأسلوب الحاد في أن تغذي العداوة والحقد ، كما ساهمت دعايتها ومواعظها في التحول من أساليب الاحتجاج بواسطة العرائض والمؤتمرات إلى الاضطرابات والمظاهرات وأعمال العنف(2).
ومع ذلك فإن صح هذا التقييم لدور الصحافة العربية بالذات في أحداث سنة 1929م ، فإنه من الصعب بمكان أن يعمم دور الصحافة الفلسطينية على قيادة الجمهور وتوجيهه ، خاصة في مدينة الخليل التي كانت تحيا حالة سيئة من الجهل وقلة التعليم ، إضافة إلى ندرة وصول الصحف إلى المدينة ، وعدم اهتمام أو قدرت الأهالي اقتنائها وقراءتها(3).

الخاتمــة
الصراع العربي الإسرائيلي صراع وجود ، ولن ينهيه رسم حدود أو رفع ما بين الشعبين من سدود ، واليهود المتمثلين بدولة إسرائيل اليوم والقائمة على بلاد الأجداد وجماجم الآباء ، ولن تستطيع هذه الدولة بكل جبروتها أن تتجاوز بحر الدماء العربية الفلسطينية التي أحاطت نفسها به .
ونحن اليوم إذ نتذاكر مقاومة أهلنا في هذه البلاد المقدسة من أول لحظة لمست أحلام الصهيونية هذه البلاد ، فجادوا بدمائهم قبل أموالهم في سبيل هذا الوطن ، وبرغم ضعف الإمكانيات وقلة الحيلة ، لكنهم صبروا وصابروا وجاهدوا ، وهنا يشدنا حبل الوصال من الأجداد أن نستمر على الطريق .
وإن كانت ثورة البراق إحدى معالم مقاومة الشعب فلسطيني للأطماع الصهيونية والاستعمار العالمي، فإن أحداث الخليل الموافقة لثورة البراق لم تحد عن هذا الخط ، وإن اعتراها بعض الشائبات التي لا تخلو منها ثورة ، سواء قتل بعض النساء والأطفال أو نهب بعض الحاجيات .
لكننا من جهة أخرى يعود بنا التاريخ مؤكداً أن عدونا ذو علم وعمل ، ومستقرئ للتاريخ بصورة صحيحة وفعالة ما جعله يستثمر أوضاع العالم لصالحه ، حتى كاد البعض أن يعتقد هيرتزل وتنبؤاته بإقامة الدولة كانت قراءة في عالم الغيب . إنها الدراسة والعمل الدؤبين وتوافق مصالح الحركة الصهيونية والاستعمار العالمي الذي يلغي كل مصلحة أو قيمة إنسانية تعارض مصالحه ، وهو ما كان صفة الشعب الفلسطيني وخطه العاثر ، وأن تكون بلاده ركن استراتيجي للاستعمار لا غنى عنه .
ومع ارتباط المصلحة والأهداف ما بين الاستعمار والحركة الصهيونية منذ القرون سلفت ، فإن أحداث عام 1929م وخاصة في الخليل كانت إحدى المحطات التي تزودت بها الحركة الصهيونية واستثمرتها بشكل جيد في ترسيخ الأطماع الصهيونية والاستعمار ، ومع الإشارة القوية التي تتهم الشرطة البريطانية في الخليل في تشجيع قتل اليهود ، تبدو لنا صورة في رسم المستقبل الصهيوني ، حتى ولو على دماء بعض اليهود التي أريقت من قبل العرب الساخطين بإخلاص .
فأحداث الخليل وإن كانت قد طالت 60 يهودياً ، فإن ذمة ووفاء أهل الخليل أيضاً قد تعالت على الجراح وقامت بحماية أكثر من 500 يهودياً آخرون ، في وقت طغت أطماع واستفزاز اليهود كل منطق وجوار وتسامح ، فكان الانفجار طبيعياً ، وما أروعه من نضال وما أعظمه من إصرار على حماية الجيران اليهود الذين لم يظهر ارتباطهم بالحركة الصهيونية .
أن أحداث مدينة الخليل عام 1929م تكأة للأعمال الوحشية والمجازر من قبل الإسرائيليين ضد شعب الخليل ، الذي يزداد تمسكه بالأرض مع كل ضغط واضطهاد ، لقد شهدت مدينة منذ احتلالها عام 1967م إجراءات عسكرية صهيونية قاسية وعنيفة ضد الشعب وضد الأرض ، ومازالت هذه السياسة الصهيونية تأكل الأرض وتهودها وتذبح الأهالي وتريق الدماء .
وليس غريباً أن تكون مجزرة جامعة الخليل ومجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف في اعتبار الصهاينة رداً على أحداث 1929م وانتقاماً لدماء آبائهم ، وما يؤكده قادتهم قولاً ينفذه جندهم فعلاً ، فالرئيس الإسرائيلي عيزر وايزمن يخطب في الكنيسة الإسرائيلي عام 1980م وهو وزيراً لدفاع قائلاً (عدنا إلى الخليل وسنبقى هناك ، … لأن من حقنا أن نعيش في تلك الناحية وهو حق متأصل في تراثنا الديني والقومي)(1).
إن مدينة الخليل اليوم تحيا صراعاً مريراً مع اليهود ، وهو صراعاً في ذروته رغم قناع السلام الذي تلبسه إسرائيل اليوم ، وبذا تكون المدينة مهيأة لمزيد من أعمال العنف ، وهي قنبلة موقوتة ربما يكون انفجارها شرارة الصدام الذي لن ينتهي إلا بنهاية أحد الطرفين .
وإن كانت أعناق الصهاينة تشرأب نحو الخليل و”عيونهم –الشعب الإسرائيلي- ترنو من إسرائيل والعالم الخارجي إلى بعث مدينة الخليل الإسرائيلية من جديد باعتبارها مدينة آباء الأمة اليهودية”(2). فإن أبناء الخليل وفلسطين والعرب من خلفهم سيكونون زاد الصراع ووقوده حتى يأذن الله بالفرج .
ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا

حرر بتاريخ
الجمعة 9 / 7 / 1999

ملحق رقم (1)
قتلى اليهود في الخليل

1 - سيجل نحمان هاليفي صاحب فندق 35 سنة
2 - زئيف غرينبغ طالب مدرسة دينية
3 – البعيزر دان سلونيم مدير بنك انكو فلسطين في الخليل 30 سنة
4 - يسافر ايلي ساندروف طالب مدرسة دينية
5 - اسرائيل كابلينسكي طالب مدرسة دينية
6 - اربين ليب حايكل
7 - سححا يدويدا طالب مدرسة دينية
8 - موشيه غزلان 18 سنة
9 - شموئيل روزنهولتس طالب مدرسة دينية
10 - حنا سلونيم ضيف من القدس
11 - الحاخام ينتل اورلينسكي من منطقة زخرون يعقوب 47 سنة
12 - استير غرسون غسالة
13 - فيدا ييني
14 - كلارا حسون زوجة الحاخام
15 - دوبينكوف زوجة مدير مدرسة في تل أبيب
16 - زوجة وزوج مجهولان يهوديان
17 - اسحق ابو حنا
18 - الحاخام حسون
19 - الحاخام ميلاميد بصاليل مساريك
20 - الحاخام موشيه غولد شميد
21 - شلومو سلونيم طالب مدرسة دينية
22 - هارون دفيد ابشتاين يهودي امريكي وطالب مدرسة دينية
23 - هارون دافيد سينبرغ يهودي امريكي وطالب مدرسة دينية
24 - اونفر ميكانيكي
25 - اسرائيل مردخاي كبلان طالب في المدرسة الدينية
26 - ريزمان يعقوب فيس ذباح في المسلخ
27 - تسفي فرويمان امريكي وطالب في المدرسة الدينية
28 - زئيفي هاليفي برمان امريكي وطالب في المدرسة الدينية
29 - دوف ليين طالب في المدرسة الدينية
30 - اسحق ابو شديد خياط 23 سنة
31 - ايلي ابو شديد خياط 23 سنة
32 - نوح ايرمان فران
33 - غرشون بن حيون صيدلي من استنبول 63 سنة
34 - الحاخام تسفي دوبكين
35 - الحاخام ابرهام بيني من استنبول 70 سنة
36 - يعقوب غزلان صائغ
37 - التر شارل طالب في المدرسة الدينية 24 سنة
38 - يعقوب برودزنسكي صاحب فندق
39 - يعقوب وكسلر طالب في المدرسة الدينية 19 سنة
40 - اليميلخ لختنشاين 70 سنة
41 - التر فلتسي دهان 35 سنة
42 - الحاخام ابرهام يعقوب اورلينسكي من زخرون يعقوب
43 - ايزيك برنشتان طالب في المدرسة الدينية 26 سنة
44 - بصاليل ليزرونسكي صاحب فندق ومن يهود روسيا
45 - موشيه رايزمن طالب في المدرسة الدينية
46 - بنيامين هورفيتش امريكي وطالب في المدرسة الدينية
47 - زلمان غرشوف نيلانسكي سكرتير المدرسة الدينية
48 - دوف حايكل طالب في المدرسة الدينية
49 - ريغاش موشيه طالب في المدرسة الدينية 16 سنة
50 - حيم كريستر امريكي وطالب في المدرسة الدينية
51 - اهرون غوتلفسكي من هرتسليا
52 - ابراهيم شابير من القدس وطالب في المدرسة الدينية
53 - اسرائيل لزروتسكي من القدس وطالب في المدرسة الدينية 16 سنة
54 - الحاخام موشيه غردوزينسكي
55 - سوكولوف من تل ابيب
56 - شمعون بن دافيد حلاق من يهود ايران
57 - مناحيم سيجل ابن صاحب الفندق
58 - دبورا لزروفسكي طفله
59 - ليئا غرود زينسكي 28 سنة
60 - اهرون سلونيم طفل 5 سنوات
61 - ليئا اونفر 25 سنة

أسماء الجرحى الذين توفوا ي القدس ودفنوا فيها
1- نحاما اونفر .
2- ليئا غرودجينسكي .
3- زهاف غرشون .
4- تسفي هرش هيد .
5- استير فريدا حنون .
6- ديورا لزروفسكي .
7- شرف فايبل ميتا نسكي .
8- اهرون سلونيم (5 سنوات) .

ملحق رقم (2)
أسماء عائلات أهل الخليل الذين قاموا بحماية اليهود في الأحداث

أسماء عرب الخليل أسماء العائلات اليهودية عدد أفراد الأسرة اليهودية
1 - عبد شاكر عمرو عائلة سلونيم 15 شخصاً
2 - عيسى كردية عائلة شينرسون كتيامين 24 شخصاً
3 – أحمد الزرو عائلة ليبا ، اسرائيل زيل 7 أشخاص
4 - جويحان أبو هيكل عائلة بجايوترجمان 17 شخصاً
5 - يحيى مرقة عائلة حاينسون يورونسكي 19 شخصاً
6 - أحمد عريض عائلة دانيال مزراحي 66 شخصاً
7 - فهيمة أم سليم حسيب عائلة شليم 7 أشخاص
8 - الشيخ محمود الحموري عائلة غزلان 8 أشخاص
9 - عمر بدير عائلة مزراحي غزلان 14 شخصاً
10 - محمد حسن بدر عائلة سلونيم 14 شخصاً
11 - موسى يعقوب شاهين عائلة مزراحي ولهبان اليعيزر 14 شخصاً
12 - شاكر القواسمي عائلة معش معط 6-7 أشخاص
13 - فؤاد طهبوب عائلة قمر ليفي 11 شخصاً
14 - محمد أبو زينة عائلة فرنكو وغرودجنسكي والدكتور القنا 8 أشخاص
15 - توفيق شاهين عائلة حسون، غباي، ابو زوغلو 15 شخصاً
16 - الحاج دياب أبو حطاب عائلة غزلان ابو شديد 7 أشخاص
17 - رجب حسن بدر عائلة عزرا 5 أشخاص
18 - محمد أخرس عائلة حسون 3 أشخاص
19 - حسن حمد حسن بدر عائلة شلومو قسطل 4 أشخاص
إذن مجموع ما قام أهل الخليل بحمايته حوالي  263 يهودياً .
 وإنا نشهد أن هذه القائمة هي القائمة الكاملة بأسماء العرب الذين دافعوا عن عائلات يهودية في الخليل أبان الاضطرابات .
التاريخ : 20 / 1 / 1930م
التوقيع : الحاخام مئير فرانكو (الحاخام الأكبر)
يعقوب يوسف سلونيم

ملحق رقم (3)
أسماء شهداء الخليل في أحداث سنة 1929م
- شهداء الخليل وضواحيها -

1 - نمر شحادة الجمل الخليل
2 - داود عيس عاشور الخليل
3 – محمد صلاح حسن الخليل
4 - عبد الحفيظ حسن القاعود الخليل
5 - مرشد الحشاش الخليل
6 - عبد الفتاح عبد الحفيظ اري الخليل
7 - عصفور شاكر أبو دان الخليل
8 - عيسى الشريف الخليل
9 - محمد حسن أبو زهره يطا
10 - خليل عيسى الحاج يطا
11 - حسن عليان الخلاطه السموع
12 - عبد الحميد عبد الحليم التلحمي قبا (الخليل)
13 - ابراهيم اسماعيل الدبالسة قبا (الخليل)
14 - ابراهيم الجسر ابو عرقوب دورة (الخليل)
15 - ابراهيم اطنيفة ترقومية
16 - سليم ابو سليم بئر السبع
17 - علي محمود العزة تل الصافي
18 - خليل الجسر دورة
19 - عيسى ابو سقط بين نعيم

نقلاً عن : أكرم زعيتر

ملحق رقم (4)
أحكام الإعدام التي صدرت في أثر اضطرابات آب 1929
في تاريخ : 31 / 4 /1930م (مخطوط عن الأصل)

أحكام الإعدام يستعاض عنها بالسجن المؤبد مع استثناء ثلاثة
بلاغ رسمي رقم 14
يعلن رسمياً أن الأشخاص الآتي ذكرهم قد حكم عليهم بالإعدام لارتكابهم جرائم القتل أثناء الاضطرابات التي وقعت في شهر آب 1929م تأيدت الأحكام الصادرة عليهم من محكمة الاستئناف :
الذين ارتكبوا جرائم القتل في الخليل :
1- عبد الجواد حسن فراح .
2- عطا أحمد الزير .
3- عيسى العراقي .
4- خلف الخطيب .
5- شاكر محمود الحلواني .
6- شكري محمود الحلواني .
7- محمد خليل أبو جمجوم .
8- عباس ناصر الدين .
9- عبد الشكور الشرباتي .
10- عبد الحافظ عبد النبي العجوري .
11- شحادة عويضة .

نقلاً عن أكرم زعيتر : وثائق القضية الفلسطينية ص327 .

- قائمة المصادر والمراجع -

1 – أبيشار ، عوديد
كتاب الخليل ، ترجمة مكتبة بلدية الخليل ، 1970
2 – انغرانز ، دورين
أوراق فلسطين ، دار النهار ، بيروت ، 1972
3 – البديري ، خليل
ستة وستون عاماً مع الحركة الوطنية وفيها ، منشورات صلاح الدين ، القدس ، 1981
4 – توما ، إميل
ستون عاماً على الحركة القومية العربية الفلسطينية ، الطبعة الأولى ، مؤسسة البيادر ، 1978
5 – جباره ، تيسير
مدينة خليل الرحمن ، رابطة الجامعيين مركز الأبحاث ، الطبعة الأولى ، 1987
6 – جريس ، صبري
تاريخ الصهيونية ، ج2 ، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية ، 1986
7 – ادرسون ، حيفري
سياسة الأمر الواقع في الضفة الغربية ، الطبعة الأولى ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، جامعة البحرين ، 1990
8 – حساسيان ، مناديل
الصراع السياسي داخل الحركة الوطنية الفلسطينية ، البيادر ، القدس ، 1987
9 – الحوت ، بيان نويهض
القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين ، الطبعة الثانية ، دار الأسوار ، عكا ، 1984
10 – خلة ، كامل محمود
فلسطين والانتداب البريطاني 1922 – 1939 ، الطبعة الثانية ، المنشأة العامة ، ليبيا
11 – الدباغ ، مصطفى مراد
بلادنا فلسطين ، ج5 ، في ديار الخليل ، الطبعة الرابعة ، دار الطليعة ، بيروت ، 1988
12 – ديان ، موشيه
فارس ذو العين الواحدة ، سيرة موشيه دايان ، مطبعة الجليل ، عكا ، ترجمة مطبعة الجليل

13 – زعيتر ، أكرم
القضية الفلسطينية ، دار المعارف ، مصر 1955
وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918 – 1939 ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، الطبعة الثانية ، بيروت 1982
14 – شامير ، اسحق
مذكرات اسحق شامير ، ترجمة دار الجليل ، الطبعة الأولى ، دار الجليل ، عمان 1994
15 – شولس ، الكزاندر
تحولات جذرية في فلسطين 1852 – 1882 ، الطبعة الثانية ، 1990
16 – عطية ، علي سعود
الحزب العربي الفلسطيني وحزب الدفاع الوطني ، مؤسسة البيادر ، القدس ، 1987
17 – علوش ، ناجي
المقاومة العربية في فلسطين 1917 – 1948 ، دار الأسوار ، عكا ، 1979
18 – عمرو ، يونس
خليل الرحمن العربية ، الطبعة الأولى ، دار القلم ، رام الله ، 1985
19 – العويسي ، عبد الفتاح
جذور القضية الفلسطينية ، الطبعة الثانية ، دار الحسن ، الخليل ، 1992
20 – السفري ، عيسى
فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية ، يافا ، 1937
22 – عبوشي ، واصف
فلسطين قبل الضياع ، ترجمة د. علي الجرباوي ، 1985
23 – كرد علي ، محمد
خطط الشام ، ج3 ، مكتبة النوري ، دمشق ، 1982
24 – الكيالي ، عبد الوهاب
تاريخ فلسطين الحديث ، الطبعة التاسعة ، منشورات المؤسسة العربية ، بيروت 1985
25 – محارب ، عبد الحفيظ
هاغاناه ، اتسل ، ليحي “العلاقات بين المنظمات الصهيونية المسلحة 1927 – 1948″
26 – محسن ، عيسى خليل
فلسطين الأم وابنها البار عبد القادر الحسيني ، الطبعة الأولى ، بيروت ، 1989
27 – مركز دراسات الوحدة العربية
القضية الفلسطينية في أربعين عاماً ، الطبعة الأولى ، بيروت ، 1989
28 – الموسوعة الفلسطينية
القسم الأول ، ثورة 1929
القسم الثاني ، دراسات تاريخية ، ج2 ، د. عبد الكريم رافق والدكتور أحمد طربين
29 – يهوشع ، يعقوب
تاريخ الصحافة العربية الفلسطينية 1919 – 1929 ، جامعة حيفا ، 1981
30 – يوسف ، محمد
المسجد الإبراهيمي

- الوثـــائق -
1 – وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية
2 – نشرات المكتب العربي
مشكلة فلسطين ، مطبعة بيت المقدس ، القدس 1946
3 – تقرير لجنة شو

- المقابلات الشخصية -
1 – الجعبري ، عبد الحفيظ
مقابلة شخصية ، بتاريخ 16 / 4 / 1999 ، وهو أحد المعاصرين للأحدث ويتمتع بذهن صافي
2 – شاور ، الحاج مصطفى
مقابلة شخصية ، بتاريخ 20 / 4 / 1999 ، وهو أحد المعاصرين للأحداث وبصحة جيدة

Be Sociable, Share!