أستاذ العياش و القائد القسامي الذي استعصى على سياط الجلادين

في سجون الاحتلال الصهيوني أقمار غائبة خلف القضبان .. ما نسيناها و لكن غيّبها السجّان ، لكن أسوار السجن هي أعجز من أن تحجب ضوء الأقمار إذا ما خطّت طريقها باتجاه شعوبها خارج تلك الأسوار ..

ميلاد قائد :

في 18/9/1968 كانت بلدة سلفيت على موعد مع ميلاد واحد من أبرز رجالات العمل العسكري الفلسطيني المقاوم … زاهر علي موسى جبارين ليكون أحد أفراد عائلة مكونة من (9) أفراد ، بين شقيقين من الذكور و أربعة شقيقات .

نشأ زاهر النشأة الإسلامية قويمة فتلقّفته المساجد ليتربى في جنباتها و يترعرع في أكنافها ، و قد حرص على ارتيادها حتى شهد له جميع من عرفه بالتقوى و الإيمان ، و قد تأثّر زاهر بتربيته الإسلامية في جميع مراحل دراسته الثلاث التي أنهاها بتفوّق في مدارس سلفيت قبل أن يحصل على شهادة الثانوية العامة و يلتحق بجامعة النجاح الوطنية لدراسة الشريعة الإسلامية فيها .

و ما إن التحق زاهر بجامعة النجاح حتى سارع بالانخراط في صفوف الكتلة الإسلامية التي كانت في ذلك الوقت تشقّ طريقها بكلّ ثقة نحو القمة و كان هو أحد الأوائل الذين تحمّلوا أعباء البداية الصعبة بهمة عالية و صمود كبير ليواجه أفكار التشويه و دعوات التغريب و صيحات الساذجين الذين أنكروا عليه و رفاقه إحياء دينهم في جامعة كانت في تلك الفترة معقلاً حصيناً لكلّ التوجّهات العلمانية و الشيوعية .

و مع انطلاق الانتفاضة المباركة الأولى في العام 1987 و انطلق معها المارد الحمساوي و صوته المدوّي .. كان أحد رجالها المشهود لهم بالجرأة و الشجاعة يقود الكمائن و ينظّم المواجهات و يتصدّر المظاهرات و المسيرات و بيده الحجارة إلى أن أصيب برصاصة في ساقه و اعتقل و هو ينزف و مكث في السجن لمدة (10) شهور في العام 1988 .
خرج زاهر من سجنه أصلب عوداً و أكثر إصراراً ليعاود نشاطه كقائد ميداني للسواعد الرامية في حماس في سلفيت فأعيد اعتقاله مرة أخرى في العام 1991 حيث لم تتمكّن سياط الجلادين من إجباره على الاعتراف فحوكم بوقف التنفيذ الذي أصدر بحقّه في اعتقاله الأول ليقضي (10) أشهر أخرى في سجون الاحتلال .

في قيادة الكتائب :

بعد انقضاء الشهور العشرة في سجون الاحتلال خرج زاهر من سجنه مصمّماً على مواصلة الطريق الذي اختطه لنفسه و لكن بأسلوب أكثر عنفاً و ضراوة ، و قد كان يؤمِن أن الجرائم الصهيونية المجرمة لا بد من تلقينها الدرس تلو الدرس فاختار الانخراط في العمل المنظّم في صفوف خلايا كتائب الشهيد عز الدين القسام الأولى العاملة في شمال الضفة الغربية و أصبح هو المسؤول التنفيذي عن الجناح العسكري الضارب لحماس هناك فبدأ بتجنيد المجاهدين و بإعداد مجموعات العمل المسلح التي أخذت تخوض العمليات و الاشتباكات البطولية مع الاحتلال .

و من أبرز ما أنجزه زاهر خلال تلك الفترة هو تنظيمه للشهيد المهندس يحيى عياش الذي تحوّل فيما بعد إلى أسطورة رائعة في تاريخ فلسطين مبتكر فكرة الأجساد المفخخة و القنابل البشرية التي غدت الأسلوب الأنجع لكلّ المجاهدين من كافة القوى المقاوِمة .

كانت عملية “رامات افعال” النوعية أولى التجارب الجهادية التي أشرف عليها زاهر و تلميذه يحيى عياش و شارك في الإعداد لها و تنفيذها ، و قدّر الله أن تكتشف السيارة المفخّخة و هي في طريقها لميدان العملية فحاول خبراء المتفجرات الصهاينة إبطال مفعول العبوة الموجودة فيها غير أن بصمات المهندس عياش و أستاذه زاهر كانت بادية عليها الأمر الذي منعهم من ذلك فلم يكن أمامهم سوى تركها تنفجر وحدها محدثة خسائر ضخمة فشل المحتل في تفاديها آثارها رغم ضبطه للسيارة .

عملية أخرى تضاف إلى سجل زاهر الحافل هي عملية التلة الفرنسية في القدس و التي نفّذها المجاهد محمد بشارات و قتل فيها جندي صهيوني و أصيب آخران و كانت من تصميم زاهر . كما يعتبر زاهر المسؤول عن عملية برقين التي نفّذها المجاهد سلامة مرعي و قتل فيها جنديان و جرِح آخران .

و تنسب إلى الأسير زاهر المسؤولية عن الوحدة القسامية الخاصة المسؤولة عن اختطاف و تصفية الجندي نسيم طوليدانو عام 1992 و تزويدها بالسلاح حيث نفّذت عدة عمليات أدّت إلى مقتل شرطيين صهيونيين ، تلك العملية التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر الكيان المحتل فسارع على إثرها إلى إبعاد 415 من قياديي حركتي حماس و الجهاد الاسلامي إلى مرج الزهور .

في قبضة الشاباك :

كان لعلاقة زاهر بكتائب القسام و حركة حماس دور في ملاحقة الأجهزة المخابراتية الصهيونية له و مراقبته و تتبع تحركاته ، و رغم ما عرف عنه باتخاذه الاحتياطات الأمنية العالية و حرصه على سرية عمله العسكري ، غير أن انكشاف أمره أجبره على الاختفاء و الغياب عن الأنظار ليصبح مطارداً للاحتلال .

و بعد ثمانية أشهر على مطاردته توجّه زاهر برفقة زميل السلاح المجاهد سلامة مرعي (من قراوة بني حسان قرب سلفيت) للمبيت في أحد المنازل بمدينة نابلس ، غير أن ذلك المنزل كان تحت المراقبة من قبل عملاء الاحتلال بعد أن تم اعتقال أحد نشطاء حماس منه دون أن يعلم زاهر بذلك الأمر .

و ما إن دخل زاهر و رفيقه سلامة المنزل حتى كانت قوات الاحتلال تطوّقهم بقوات كبيرة و آليات عسكرية مزوّدة بالسلاح الثقيل و القذائف الصاروخية التي ظهرت لأول مرة داخل المدن الفلسطينية قبل انتفاضة الأقصى بينما زاهر و سلامة عزّل من السلاح ، فقد كان زاهر يتنقل بين المدن و القرى الفلسطينية بهوية مزوّرة و هو الأمر الذي يتطلّب بقاءه بالصورة المدنية و دون حمل سلاح .

و أخذت مكبرات الصوت تنادي على المجاهدين و تطالبهما بالخروج أو أنها ستنسف المنزل على رأسيهما ، و لم يكن أمام بطلين أعزلين من السلاح من خيار سوى الخروج ليعتقل زاهر و سلامة و يدخلان ميداناً جديداً من الجهاد و مرحلة أخرى من صراع الأدمغة .

نقل زاهر إثر اعتقاله إلى سجن طولكرم المركزي الذي كان مشهورا باسم (المسلخ) لقسوة التعذيب فيه ، ليتعرّض هناك لتعذيب جسدي و نفسي قاسٍ ، و حرموه من النوم ، و منعوا عنه الطعام ، و مارسوا كلّ أشكال الشبح و التنكيل بحقّه .. ضُرِب و سالت الدماء من كلّ أنحاء جسده مرات عديدة و لكن سياط الجلادين – على جبروتها – كانت أضعف من أن تنال منه أو من إصراره على كسر شوكة المحتلين .

و تشتد محنة زاهر و تتعاظم آلامه ، و كانت الأيام تمضي و هو لا يزداد إلا شموخاً و صموداً و رفضاً للاعتراف ، ليقضي ثمانية أشهر في التحقيق و في العذاب ، حتى صار مثالاً يحتذى لكلّ المجاهدين .. و صورة حية لتضحيات الصحابة في عهد النبوة الأولى .

جهاد من وراء القضبان :

في كثير من الحالات ينتهي دور القائد باعتقاله أو مقتله لتنتقل القيادة إلى تلاميذهم ، أما زاهر فهو نوع مختلف ، فقد جسّد بروح الإصرار أروع صور التحدّي للمحتلين ، فأخذ يعمل من داخل سجنه على إطلاق سراحه و رفاقه الأسرى بيديه فأعيد إلى التحقيق مجدّداً في العام 1995 بعد أن ضبطت أجهزة المخبرات السجون رسائل من زاهر إلى الشهيد القائد يحيى عياش وإلى المجاهد عبد الناصر عيسى لاختطاف جنود و ضباط صهاينة بهدف مبادلتهم بأسرى فلسطينيين .
في عام 1998 أعيد زاهر للتحقيق مجدّداً لمدة (3) شهور بعد اكتشاف علاقته بخلايا (شهداء من أجل الأسرى) القسامية التي كانت تعدّ للعمل لنفس الهدف ، و بعد إنهائه التحقيق معه كان الفشل من نصيب المحقّقين الذين يئسوا من إمكانية تركيعه أو استخراج أي معلومة من داخله فنقلوه إلى زنازين العزل الانفرادية ليقضي فيها عامين كاملين و لم يخرج منها إلا في العام (2000) بعد الإضراب الشهير للأسرى الذي طالب بإخراج الأسرى المعزولين و إعادتهم إلى إخوانهم و رفاقهم داخل الأقسام و كان من بينهم زاهر الذي اختاره أسرى عسقلان ليكون ممثلاً عن أسرى حركة حماس في لجنة حوار أسرى الفصائل الفلسطينية مع إدارة السجن ، حيث عرف بحرصه على وحدة الموقف الاعتقالي و صلابته و جرأته في انتزاع حقوق الأسرى من براثن المحتلين .

في سجون الاحتلال اليوم يمضى الأسير زاهر جبارين حكماً بالسجن المؤبد و (35) عاماً أخرى كواحدٍ من قدامى المعتقلين الذين لهم دين كبير في رقابنا لن ينقضي إلا بخروجهم مرفوعي الرؤوس ليأخذوا مواقعهم في قيادة شعبهم إلى النصر بإذن الله .

فأين وفاء حماس لهذا البطل وأمثاله الأسود خلف القضبان ؟؟؟؟؟؟؟؟

Be Sociable, Share!


واحد تعليق

  • 1. محمد خريشة قال في 27 يناير, 2012 5:39 م :

    ثقافة الهزيمة.. ملفات البقرة الضاحكة

    و بعدما ترك مبارك فعليا الحكم أبتداء من عام 2000 و ذهب ليعيش بالمنفى فى شرم الشيخ، وهناك لا توجد حتى كتيبة حرس جمهورى لحراسته لكنه كان مطمئن و يقول أنا فى حراسة إسرائيل هنا، و علاقته كانت مع إسرائيل قوية جدا و كانوا يأتون بالهيليكوبتر يأخذوه فى زيارات لإسرائيل يتناول العشاء مع شارون و يرجعوه ، و زار إسرائيل مرات بصورة غير معلنة.

    و يضيف اللواء شفيق البنا مبارك هو رجل إسرائيل و هو الذى منع تنمية سيناء، و أن الرئيس السادات عمل على نقل مياه النيل من تحت قناة السويس لبناء 800 قرية فى سيناء بحيث يسكن فيها الجنود المصريين الذين أنهوا خدمتهم العسكرية و مجهزة بمخابى خرسانية، و حسنى مبارك أوقف كل شئ أرضاءا لإسرائيل…باقى المقال ضمن مجموعة مقالات ثقافة الهزيمة ( بقلم غريب المنسى ) بالرابط التالى http://www.ouregypt.us

أضف تعليق

XHTML: يمكنك استعمال الاكواد: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <blockquote cite=""> <code> <em> <strong>

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash