اخلاق السلاح الفلسطيني

أخلاق السلاح الفلسطيني

 

بقلم الأسير المقدسي:  حسام زهدي شاهين

رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في القدس

سجن عسقلان المركزي

25/2/2007 (مجلة العودة)

نشرت في صحيفة القدس

 

حجم المناظر السيئة التي أصبحت تحتل مساحة واسعة على شاشات الفضائيات العربية والأجنبية لمجموعات المسلحين وهم يقتحمون ويحتلون مراكز السلطة الوطنية أو يختطفون ضيوف الشعب الفلسطيني من الأجانب، أصبحت تسيئ لتاريخ النضال الوطني الفلسطيني بغض النظر عن الدوافع التي أدت إلى هكذا تصرفات، فمن غير المعقول أو المقبول أخلاقياً بأن يعتدي فرد أو جماعة من الناس على حقوق الآخرين وعلى حق الوطن –الحق العام- بهدف تحصيل حقوقهم الفردية الخاصة.

 فالمقاتل الفلسطيني بشكل عام، هو ذلك الإنسان المسلح بقوة الأخلاق قبل أن يكون مسلحاً بقوة السلاح، وبالتالي فإن معظم المعارك التي خاضها المقاومين الفلسطينيين على كافة الميادين، كانت بوصلة القتال فيها خاضعة لقوة روح المبادئ التي يتحصن من خلفها المقاتل، والتي يكون من خلالها الإستعداد للتضحية يشكل مادة روحية مبدئية لتحقيق النصر إلى جانب الوسائل القتالية الأخرى ومن ضمنها السلاح.  ومن هنا فإن المقاتل صاحب القضية الوطنية والمبدئية –ولكي نميز بينه وبين قاطع الطريق- هو الشخص الذي يصنع نفسه في دائرة حدود المبادئ العامة لا حدود الرغبات الخاصة، فهذا هو الإنسان الذي يحترم القانون، وعندما يوجه سلاحه للقتال يكون قد دفعه إلى أوج المعركة محصناً بكتلة الأخلاق، وإذا شعر بأن منظر هذا السلاح يثير أحياناً فزع العامة وخاصة الأطفال منهم، تفرض عليه أخلاقه الوطنية حين ذاك إخفاء السلاح عن ناظرهم، فكيف هو الحال عند استخدامه، فلا مكان لإستخدامه إلا وسط المعركة، ولا هدف لحمله إلى لحماية الوطن والمواطن، وعندما يتحول السلاح الثوري للدفاع عن مصالح حامله فقط، يفقد قيمته الأخلاقية ويتحول إلى سلاح عصابات.

 

لهذه المسلكيات الشاذة عن تراث الشعب الفلسطيني انعكاسات سلبية متعددة الجهات بالإضافة إلى الخسائر التي تسببها على عدة أصعدة، وأول من يدفع ثمنها هم مرتكبوها أنفسهم، وذلك على صعيد إضعاف وضعهم الإجتماعي، ودفع المجتمع الفلسطيني المحيط بهم إلى النظر إليهم بعين الرفض والإقصاء وعدم القبول، كما أن التنظيم السياسي الذي يتبعون له وخاصة حركة فتح حيث ان معظمهم ينتمون إليها، باتت تدفع ثمناً باهظاً على الصعيد الجماهيري، نتاج هذه الفوضى الغير مسؤولة، لهذا يقع على عاتق قيادتها المسؤولية الأولى والأكبر في حل مشاكل هؤلاء الشباب وإعطائهم حقوقهم داخل البيت الفتحاوي، ولايحق للقيادي بأي شكل من الأشكال تجاهل مطالبهم التي فيها وجه حق، كما لايحق لهؤلاء الشباب اللجوء إلى هكذا أساليب للمطالبة بحقوقهم، فإذا كانوا حريصين على مستقبلهم ومستقبل تنظيمهم، فعليهم أن يزودوه بأسباب النجاح لا بأسباب الفشل. 

والأخطر من كل ذلك، يكون عندما يدفع الوطن الثمن ببعده الدولي، فالأجانب في فلسطين هم أصدقاء وضيوف الشعب الفلسطيني، فمهمة حمايتهم والدفاع عنهم واجب وطني وديني واخلاقي على كل فلسطيني، والمس بهم أو تهديد أمنهم يشكل إعتداء على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، فكيف يمكن لأحد على وجه هذه الأرض أن يفهم أو يتفهم إحتجاز الأصدقاء الأجانب الذين يمثلون سفراء للدفاع عن القضية الفلسطينية في بلدانهم، أليس الجدير بنا توسيع دائرة الأصدقاء على حساب دائرة الأعداء، أم العكس هو المطلوب!!! وما الذي يمكن أن يقوله صحافي أجنبي للعالم، ذهبت لتغطية أحداث القضية الفلسطينية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، فقام الفلسطينيون باختطافي، أليس هذا من سخريات الحياة!!! لا مدوية وبصوت مرتفع، هذه ليست ثقافة الشعب الفلسطيني، فثقافة الإختطاف والإحتجاز واقتحام المؤسسات العامة، بريئ منها الشعب الفلسطيني براءة الذئب من دم يوسف. 

فحركة فتح قائدة النضال الوطني الفلسطيني، ومنذ نشأتها وضعت على رأس ملكياتها الثورية مبدأ “البندقية الغير مسيه قاطعة طريق”، وعلى هذا المبدئ دأبت بتربية عناصرها، حيث لم يكن رفعها لهذا الشعار والعمل على تنفيذه من فراغ، بقدر ما كان الهدف منه حماية شرعية السلاح الفلسطيني المقاوم والحفاظ على أخلاقه في ظل الهجمة الصهيونية والإمبريالية الشرسة التي كانت تستهدف كل ما هو نضال فلسطيني، وتسعى لتشويهه والإساءة إليه، وصبغه بصبغة الإرهاب، وبالفعل ومع مرور الزمن حدث ما كانت تخشاه حركة فتح بمسها الثوري لعثرات الزمن، وجاءت إساءة البعض الفلسطيني إلى شرعية هذا السلاح، وخير دليل على ذلك، الكتاب الذي ألفه الكاتب البريطاني المشهور “باتريك سل” صديق القضايا العربية والذي جاء تحت اسم “البندقية المأجورة” وتطرق فيه لمخاطر السلاح المأجور على مسار القضية الوطنية الفلسطينية ومستقبلها، فلنحرص جميعاً، أفراداً وتنظيمات، على حماية بنادقنا بأخلاقنا، رأفه بعدالة قضيتنا وحفاظاً على دماء شهدائنا وضماناً لمستقبلنا الفلسطيني الزاهر.

أما المشهد المضحك المبكي في نفس الوقت، هو ما حدث في قطاع غزة مؤخراً، من المظاهر المسلحة لرجال الشرطة الفلسطينية واقتحامهم لبعض مؤسسات السلطة الوطنية وإغلاقهم الطرق العامة بذريعة المطالبة برواتبهم المتأخرة شهراً واحداً عن موعدها، فمن يفترض بهم كرجال قانون العمل بالحفاظ على الأمن العام والمؤسسات العامة والخاصة، هم من يخرقون القانون، ويعتدون على المؤسسات، وينتزعون من الأمن قيمتيه المادية والمعنوية، فعندما يتظاهر الشرطي في الشارع، فعلى عاتق من يقع الحفاظ على الأمن؟! وعندما يوظف رجل القانون السلاح الذي بين يديه لغير ما خصص له، وجبت محاسبته، وإلا فإن الذي سيتحكم في مستقبلنا سيكون قانون الغاب لا قانون المؤسسات، فإلى جميع أخوتنا وأحبتنا في الشرطة الفلسطينية وإلى صناع القرار السياسي الفلسطيني بشكل عام، نقول: عندما ينحصر القانون في يد أصحابه في صياغة الحق يصبح قانوناً أعرج، ولكي يكون سليماً معافى يسير على قدمين اثنتين يجب أن يصاغ في إطار الحق والواجب معاً، نحن نعلم بأن لديكم حق في تلقي رواتبكم من قبل السلطة التي تعاني من أزمة مالية حادة في الظرف الراهن، وفي نفس الوقت يقع عليكم واجب بمقتضى القانون نفسه، بأن تحافظوا على النظام، لكي لا يلغى الشعب حاضره متحسراً على ماضيه!!!

 

Be Sociable, Share!
هذه المقالة كُتبت في التصنيف Uncategorized. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash