“حماس والقيادة الدونكشوتيه والقراقوشيه”

حماس والقيادة الدونكشوتيه والقراقوشيه”

 

بقلم الأسير المقدسي: حسام زهدي شاهين

 سكرتير العلاقات الدولية لشبيبة فتح

 رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في القدس

 سجن إيشل/ بئر السبع

9/9/2007 تاريخ الإراسل من السجن 

نشر في صحيفة القدس بتاريخ 3/10/2007

 

إن الصراع الدائر بيننا وبين الإحتلال الإسرائيلي بلغ عمره الستين عاماً، فالكل الفلسطيني من أقصى يسار المجتمع إلى أقصى يمينه، والكل الإحتلالي الإسرائيلي من أقصى يسار الإحتلال حتى أقصى يمينه منخرطان في عملية الصراع الدائره وإن كان بنسب وأدوات مختلفة، والقول بأن الإنقلاب الدموي الأخير في قطاع غزة قد يؤجج نار الصراع قول خاطئ بالمطلق، لأن الحقيقة المؤلمة تفيد بأن قوة الإنقلاب الحمساويه على الأرض حرفت مسار الصراع المركزي باتجاه الصراع الثانوي وأدخلتنا في إتون التآكل الذاتي وهّشمت وحدتنا الوطنية التي طالما فاخرنا انفسنا امام الأمم بأنها صخرة صلبة ولن تتحطم.

 

فبعد كل ما يجري على الأرض الغزاويه الطاهرة من أحداث متسارعة تتزاحم فيها الممارسات البشعة والإعتداءات الوحشية على مصراعي بوابة السقوط نحو الهاوية.  فذراع البطش الحمساوية “التنفيذية” هدمت دَفتي البوابة وتركتنا مكشوفين أمام العالم غير محصنيين لا بالأخلاق السياسية ولا بالقيم الدينية، هذا من جانب، إلا أنها من جانب آخر ساعدتنا على تعرية مفهوم نظام الحكم الحقيقي لدى حركة حماس، في الوقت الذي أبطلت فيه مفعول حجة “نظرية المؤامرة” التي كانت تتستر من ورائها قيادة حماس لتبرير كل ما ارتكب ولا يزال يرتكب من جرائم بحق ماضي وحاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني.

 

أما القراءة الحديثة لمعطيات الواقع المعاش فتقودنا إلى تشخيص مرحلة جديدة من حياة حركة حماس أشبه ما تكون بالمرحلة “الدونكشوتيه” التي تتراوح بين صانع البطولات الوهمية الخيالية “دونكشوت هنيه” ولا واقعية خادمة الحكيم “سانشويوسف” الذي من المفترض أن تكون إرادة واقعية وحكيمة، ولكي لانقذف بتهمة التبلي على أحد مع أن ذلك وارد، نسوق بعض الإستشهادات المشفوعة بلسان حال أصحابها، فبتاريخ 8/6/2007 ومن على متن الصفحة التاسعة عشر في جريدة القدس قال السيد اسماعيل هنيه في مقالة له جاءت تحت عنوان ” يجب الإعتراف بحقوقنا” موضحاً المخارج من المأزق الناجم عن الحصار الإقتصادي المفروض على حكومة الوحدة الوطنية في حينه، وقد قال:- “وكان هدف الكارثة الإنسانية في الضفة الغربية وغزة تخريب عمل الحكومة المنتخبة لخلق سلطة عميلة مستعدة للتنازل إلى رغبات المحتل”.

 

إن التأريخ الذاتي والحزبي للقضية الوطنية الفلسطينية هو أول إعتداء عليها بالإضافة إلى أنه تزوير للحقيقة، فتجميد أموال عائدات الضرائب لدى سلطات الإحتلال الإسرائيلي والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني لم يبدأ بدخول حماس إلى السلطة بل سبقها بأربع سنوات، عندما اجتاحت قوات الإحتلال الإسرائيلي كل مدن الضفة الغربية في آذار 2002 وحاصرت الرئيس الفسلطيني، الشهيد ياسر عرفات في مقره بمدينة رام الله، حيث وقفت الدبابة الإسرائيلية على بعد أمتار معدودة من قلعة ياسر عرفات راشقة بقذائق حقدها على بوابة الشرعية الفسلطينية لإنتزاع الإرادة منها ولم تسقط كوفية أبو عمار التي داستها أقدام أفراد القوة “التنفيذية” بعد الإنقلاب.  صعد ياسر عرفات ورفاقه في القيادة الفلسطينية في مواجهة الحصار السياسي والإقتصادي والعسكري في اصعب مراحل التاريخ الفلسطيني ولم يستطع الإحتلال “خلق سلطة عميلة مستعدة للتنازل إلى رغباته”، فالوطنية والصمود في مواجهة التحديات لم يبدآن بعهد حكومة السيد هنيه ولن ينتهيان مع نهايتها، فكل الحكومات الفسلطينية التي سبقت عهد حماس والتي تلته حكومات وطنية مادامت متمسكة بالثوابت الوطنية الفسلطينية في الوقت الذي لن يتوقف فيه الإحتلال عن محاولة تخريب حياة الفلسطينيين مالم يزل عن الأرض الفلسطينية، ومن المعيب على أي طرف فينا كلما اختلف مع الآخر في القضايا السياسية أن يرفع نفسه على محراب النقاء ويضع الآخرين في قفص الخيانة.

 

مغالطة أخرى ساقها السيد هنيه متعمداً ذلك في مقالته آلا وهي قول “تخريب عمل الحكومة المنتخبة” فالحكومة لاتنتخب بل تكلف من قبل الرئيس ويصادق على شرعيتها المجلس التشريعي المنتخب، فالشعب الفلسطيني لم ينتخب حكومة، ولكنه انتخب رئيساً ومجلساً تشريعياُ، ومن خلال التوافق بينهما وبين الكتل البرلمانية المنتخبة يصار إلى تشكيل الحكومة، والرئيس هو أعلى سلطة تنفيذية في البلاد وليس رئيس الحكومة المكلف من قبل الرئيس، هذا هو النظام السياسي الفلسطيني الذي دخلت حماس الإنتخابات على أساسه ولم تعد تحترمه.

 

ومن على صفحات جريدة القدس بتاريخ 13 آب يقول السيد أحمد يوسف في مقالة له تحت عنوان “التحديات تستدعي وقفة وطنية….” (قديماً قالوا:- “من النقاش ينبثق النور” فنحن كفلسطينين أحوج من أي وقت مضى لهذا النقاش اليوم، من هنا جاءت استعداداتنا للحوار، ومددنا أيدينا بيضاء، من غير سوء) كنت أتمنى لو أن هذا الكلام يعكس الحقيقة، فتفاصيل الحياة اليومية لضحايا الإنقلاب أصعب وأمّر مما يبسط السيد يوسف، فتجاهل الواقع لن يخلق واقعاً جديداً فالسوء استبق الأيادي البيضاء، ونور النقاش أطفأته بنادق الموت، والحوار يحتاج إلى مقدمات صائبة حتى نستنبط منه نتائج سليمة معافاه، فالإستعداد للحوار لايجب أن تدفعه الحاجة الظرفيه بقدر ما يجب أن يرتبط بقناعات راسخة مبنية على فريضة الواحدة الوطنية، وعليه فالإعتذار عن الخطأ يصب في مصلحة الصواب، وإلا فلن يبنى على الباطل إلا باطل مثله.

 

وفي فقرة أخرى يقول السيد يوسف:- “إن الوطن أكبر منا جميعاً ولايمكن أن يخضع للمشاعر والعواطف قد يكون من حق البعض ان يغضب وينتفض بعد ان احتضنت حماس قطاع غزة بالكامل، ولكن في حدود لاتجرح ولاتخرج عن السيطرة”. كلام غريب عجيب، فأول إرتباط يوحدنا مع الوطن هو حب الوطن، ولولا خضوع الوطن لمشاعر الإنتماء وعاطفة الحب لما تمكنا من شق الطريق النضالية التي مر عبرها آلاف المناضلين الفلسطينيين نحو تحقيق مشروع حرية الوطن وإستقلاله، فالوطن الذي هو أكبر منا جميعاً لايمكن أن يُصغر بحجم حِجْر حماس، وصدقني لن يغضب منا احد لو أن حماس “احتضنت قطاع غزة” بل سنبتهج لذلك فرحاً، ولكننا نجتر الألم يوماً بعد يوم لأن حماس اغتصبت قطاع غزة، وجرح الإنقلاب لازال مفتوحاً ينزف فتنة وإنشقاقاً وانقسامات، وبدلاً من أن تضع الحدود على ردود الأفعال كان الأجدر بك أن تضعها على الأفعال الجارحة والخارجة عن السيطرة. 

 

وبالنظر إلى الأحكام القراقوشيه التي افتتحها امين سر كتلة حماس في المجلس التشريعي مشير المصري الذي قال لمراسل “القدس” بالقاهرة يوم 18 حزيران عندما سئل عن رأيه فيمن قتلتهم حركة حماس من قيادات “فتح” حيث جاء على لسانه “نحن لم نقتل أي بريء بل قتلنا من يستحق القتل شرعاً وكان واجباً وطنياً علينا أن نقتله لأنه كان يعمل ضمن تيار خياني وينفذ قرارات أمريكية ضد إرادة الشعب الفلسطيني”، لم أسمع في حياتي عن نائب في البرلمان حتى في أعتى الأنظمة ديكتاتورية يبيح القتل في الشوارع، فالسيد المصري يتبجج بذلك وكأن أرواح الناس رخيصة والأدهى من ذلك أنه يزج الشرع في القضية، إذا كان هذا الرجل انتخب في المجلس التشريعي ليمثل الشعب الفلسطيني ويصون حقوق المواطنين، وها هو يبرر القتل بكل هذه البشاعة الفضة متجاوزاً سلطة القانون وسلطة القضاء ولازال يتمتع بالحصانة البرلمانية، كيف سنقنع العالم بأننا سلطة قانون تستحق الإحترام؟ وما هو المصير الذي ينتظرنا إذا ما سيطرت حماس على نظام الحكم في فلسطين إذا استمرت بهذه العقلية؟ وكيف سنثق في مؤسسة يتجول بين أروقتها قاتل طليق؟؟ 

 

وفي مؤتمر صحفي عقده السيد هنيه في مدينة غزة بتاريخ 14 حزيران رد خلاله على المرسوم الرئاسي القاضي بإقالته وإعلان حالة الطوارئ صرح قائلاً:-(” وجودنا في الحكومة جاء بإرادة شعبية وديمقراطية وإن هذا الوضع في الساحة الفلسطينية لاتصلح معه قرارات منفردة وبعيداً عن أي توافقات وطنية”، فالمستنكر هو مسلكيات الوجود، أما الوجود نفسه لم ينكره أحد وفي مقدمتها حركة “فتح” التي سلمت السلطة بكل سلالة، ولكن إرادة الشعب انتخبت حماس لتحكم الناس بالقانون لا بالبندقية، ولجوء حماس إلى لغة الإنقلاب العسكري إنقلاب على الديمقراطية، والإنقلاب بحد ذاته جاء منفرداً بعيداً عن التوافقات الوطنية، فلا يمكن أن يأتي الرد عليه باستئذان من قام فيه إلا إذا اختلطت الأمور لدرجة عدم وضوح الرؤية وهذا مالم يحدث بعد. 

 

وبالإنتقال من موقف غريب إلى موقف أغرب نستذكر ما ورد على لسان السيد اسماعيل هنيه في الرابع من تموز 2007 حيث اعتبر أن “الدعوة للإنتخابات المبكرة هي قفزة في الهواء، والظروف المحيطة بالمجتمع الفلسطيني لن تسمح بذلك، والوضع الفلسطيني لن يسمح بقفزات في الهواء” فعندما تصل الأزمة السياسية إلى أبواب مغلقة بين مختلف الأحزاب السياسية في مجتمع ما والتوافق لم يعد ممكناً، تكون حينها الإنتخابات المبكرة هي الحل وهذا هو حال الأنظمة الديمقراطية بهدف الحفاظ على وحدة الشعب وعدم شّلْ مؤسساته، مع العلم أن الظروف المحيطة بالمجتمع الفلسطيني هي ذات الظروف التي كانت إبان الإنتخابات التشريعية في 25/1/2006، وإذا كان الوضع لايسمح بتقديم الإنتخابات التي هي من وجهة نظر حماس “قفزة في الهواء” حسب تعبير هنيه، فهل الوضع كان يسمح بالإنقلاب الذي هو “قفزة في النار” والشيء الوحيد الذي تغير هو الظروف المحيطة بحركة حماس التي تراجعة شعبيتها بالنظر لسوء مسلكيتها. 

 

وبإضافة صورة أخرى للمشهد الفلسطيني المشوه بأيدي حمساوية نستعيد تعقيب ممثل حركة حماس في لبنان أسامة حمدان على خطاب الرئيس أمام المجلس المركزي بتاريخ 20 حزيران، حيث اعتبر أن “قطع الحوار مع حماس هو خضوع للضغوط الأمريكية الإسرائيلية” حتى وصل به الأمر أن قال:-”إن عباس يحاول أن يسلخ غزة عن الضفة، حيث طلب من الإسرائيليين بقطع الغاز والماء والكهرباء عن القطاع”. 

 

إن شماعة أمريكا وإسرائيل بهذا الخصوص شماعة باتت مكسورة، فالذي قطع الحوار مع حماس هو القتل والدمار الذي مارسته قوتها (التنفيذية) ضد أبناء فتح والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفسلطينية في قطاع غزة، وقبل الرد على الشق الذي يخص الرئيس الفلسطيني نستحضر بعض المواقف والآراء الأخرى الصادرة عن قيادة حماس بحقه، ففي 15 تموز قال محمود الزهار “نحن نعلم أن الرئيس عباس هو المسؤول عن استمرار إغلاق المعبر بهدف تضييق الخناق على حماس واستبداله بمعبر كرم أبوسالم الإسرائيلي”. وفي 21 حزيران وجه موسى أبومرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إتهاماً بالمؤامرة للرئيس الفلسطيني أبومازن حول قراره بنقل جميع الوزارات إلى الضفة الغربية، حيث قال:-”هذا يظهر أن هناك مؤامرة تنفذ من قبل الفلسطينيين بطريقة غير مسؤولة وغير مسبوقة بفصل غزة عن الضفة”.  إن قلب الحقائق من خلال جعجعة التصريحات الإعلامية التي تمتهنها قيادة حماس يمكنها أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت ولكنها لن تغير من مجريات الوقائع وبشاعتها على الأرض، فالذي سلخ غزة عن الضفة هو انقلاب حماس، والذي اعتدى على الواقع السياسي الفسطيني هي حماس، واذا كانت حركة حماس وهي لازالت توغل في غيها تنتظر أن يكافؤها الرئيس الفلسطيني على جرائمها فهي مخطئة تماماً، إن أبو مازن اليوم يدفع ثمن ثقته المفرطة بقيادة حماس، وإذا كانت هذه هي الصورة التي يوصف بها الرئيس الفسلطيني من قبل هذه القيادة وهو الذي لم يبخل يوماً على حركتهم بما من شأنه أن يعزز عمقها الإقليمي والدولي، وهو الذي دافع أمام العالم عن حقها في المشاركة السياسية من منطلق واجبه كرئس للشعب الفلسطيني بكل أطيافه، لذلك يبقى السؤال هنا كما الجرح مفتوحاً ويحتاج إلى من يجيب عليه فإذا كان هذا الرجل خائن وعميل ومتورط مع الإحتلال كما تدعي حماس، فلماذا التحاور معه؟؟ وعلى ماذا؟؟ لم نعد ندري ماذا تريد حماس! ولا أحد يعرف إلى أين تريد الذهاب بنا؟؟ فمن أبشع ما شاهدت عيناي وسمعت أذناي حتى خِلتُ نفسي في كابوس، كان ما خرج علينا به في الثلث الأخير من آب مدير تلفزيون حماس (محطة الأقصى الفضائية) فتحي حماد الذي هدد وتوعد بموجة عمليات استشهادية تستهدف مكاتب ومقرات الأجهزة الأمنية للسلطة الوطنية في الضفة الغربية متعهداً بأن لايبقى لنا موطئ قدم خلال سبعة شهور، فإذا كان هذا هو حال رب الأسرة الأعلامية لدى حماس فما هو حال باقي أفرادها؟! أوليس من المخجل أن تعرضون فلماً كرتونياً للأطفال عبر قناتكم الإعلامية تشبهوننا فيه بالفئران وانفسكم بالأسد، كل هذا المستوى الإعلامي المنحط وتستكثرون علينا الرد. 

 

ومع ذلك عندما تكونون قادرين على قتل وحش ميدوزا Medousa  المستتره في نفسياتكم وفي طريقة تربيتكم للنشئ لكي يولد من دمها حصاني Pegasos بيغاس ويمتطيه سانشو الحكيم والواقعي، حينها ستجدون كل فتحاوي فينا بمثابة بيليروفون Bellerophone يروض ويساعد على تأديتكم للمهمة. لذلك كفاكم إحتكاراً للدين ولله، فالعبث بعواطف البسطاء بإسم الدين وإن حقق نجاحاً مؤقتاً على المدى القصير سيخلق تشويهاً للإسلام على المدى البعيد، فالله سبحانه وتعالى خالق كل البشر وهو لهم أجمعين، لأن الله ليس حزباً دينياً دنيوياً، وتسيس منابر المساجد ينقل الصراع إلى أماكن العبادة وهذا ليس في مصلحة الدين والدنيا، فخطبة الجمعة التي القاها اسماعيل هنيه في المسجد الكبير بمدينة غزة بتاريخ 10 آب وذكر فيها “لن نستسلم أبداً ولن يمزق الحصار إرادتنا لأنهم يعتمدون على أمريكا ونحن نعتمد على الله، يلتحفون بقوى الأرض ونستعين بقوى السماء، وهناك فرق كبير بين الجانبين”، فمنذ اليوم الأول للحصار وحتى اليوم وكل الشعب الفلسطيني يعاني منه وأكثر المتضررين جراء ذلك هم ابناء حركة فتح لإيمانهم بالعملية الديمقراطية ونتائجها وحرصهم على حاية الوحدة الوطنية الفسلطينية، ففي تحقيق مصالح ديننا نعتمد على الله وحده لاشريك له، وفي تحقيق مصالح دنيانا نتوكل على الله ونستعين بكل القوى البشرية التي من شأنها أن تساعد على تحصيل حقوقنا الوطنية بعيداً عن الإفراط والتبخيس.

 

إذاً هذه هي الحالة المرتبكة التي أضحت عليها حماس اليوم، ولكن من يشجع حماس على الإستمرار بهذه المغالطات، ولماذا؟ من دون شك أن أول المشجعين هم جماعة الأخوان المسلمين الحليف الأيدلوجي لحركة حماس وذلك لإعتقادهم بأن نجاح التجربة الأخوانية على الحكم في فلسطين تعتبر بمثابة العتبة الرئيسية لإجتياز حاجز الممانعة الذي يواجههم في العالم العربي ويشكك بقدرتهم على التعاطي مع مختلف ألوان الطيف السياسي والإجتماعي في المجتمعات العربية، لذلك فالتوجه العام وخاصة بعد القراءة المغلوطة لنتائح الإنتخابات الفلسطينية أصبح الدفع باتجاه فرض مقومات نجاح التجربة بعيداً عن دفع استحقاقاتها بغض النظر عن ميكافيلية الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك الهدف، وهذا يعبر عن عجزهم في فهم أصول الحكم، ولكي نؤكد هذا الإستنتاج دعونا نطلع على مواقف هذه الجماعة وتحديداً المتواجد منها في رئتي فلسطين (مصر، والأردن)، ففي السادس من تموز صدر بيان عن جماعة الأخوان المسلمين في الأردن تدين فيه قرارات ومواقف حكومة الطوارئ الفلسطينية، بدلاً من إدانة الإنقلاب، حيث جائت تلك الإدانة ضد ما أسمته “التمييز بين الموظفين من أبناء شعب فلسطين، ففصل عشرات الألوف منهم أو تحرمهم من رواتبهم، أو تسقط الضرائب عن جزء من أبناء الشعب، لإسقاط حكومةالوحدة الوطنية ومحاصرتها مالياً” ولا أعلم هنا أين هي حكومة الوحدة الوطنية خاصة بعد الإنقلاب الذي وأدها، فهي سقطت لحظة الإنقلاب الذي قامت به حماس، ولكن كيف يمكن خداع الجمهور الأردني الشقيق والجمهور الفلسطيني في الأردن إذا لم تستخدم هذه اللغة المدلسة للحقائق، وبتاريخ 26/ تموز من على الصفحة 31 في جريدة القدس، تحدثت الباحثة رنا الصباغ حول تهديد وحدة المعارضة الأردنية نتيجة إنقلاب غزة وانقسامها إلى خندقين، وتطرقت إلى بيان أصدره حزب “جبهة العمل الإسلامي الأردني” –المنبثق عن حركة الأخوان المسلمين- عن الأحداث الفلسطينية عبر فيه عن تفهمه لخطوة “حماس” وما سماه “إضطرارها لإنهاء حالة الفوضى التي عانى منها الشعب الفلسطيني طويلاً وحالت دون تقدم المشروع الوطني في البناء والمقاومة” أي تبنت نفس الموقف الذي أعلنته حماس وكأنهم جزء من الأزمة الفلسطينية الداخلية وليس طرفاً محايداً. أما في مصر فقد قال نائب المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين محمد حبيب بتاريخ 15/ حزيران لوكالة فرانس برس أن قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بحل حكومة الوحدة الوطنية التي كانت تقودها حركة حماس وتشكيل حكومة الطوارئ بأنها “تصعيد لامبرر له وسوف تزيد الأمور تعقيداً وتوتراً” في الوقت الذي عبر فيه عن الإنقلاب الدموي الذي قامت به حركة حماس بجملة أنه “ليس سعيداً بتمكن حماس من السيطرة عسكرياً على قطاع غزة”. 

وعليه فإنني لم أستغرب أن تقف قيادة الأخوان المسلمين وتحديداً في كل من مصر والأردن إلى جانب الإنقلاب وتبريره، ولكن ما أستغربه أنا والكثيرين بحق ويثير الحفيظة هو كيف تفسر هذه الجماعة التناقض القائم بين ما تدعي من قمع الأنظمة العربية لها وتقييد حرياتها ومحاربة توجهاتها ومؤسساتها، في الوقت الذي لم تكن تحكم فيه قطاع غزة قوة تابعة لها حتى تجاوزت كل ما تسميه أنتهاكات الأنظمة العربية لحقوقها بعشرات المرات، فالناس تقتل وتسجى في الشوارع، ومئات الشباب أطلقت النار على أرجلهم بهدف الإعاقة كنوع من العقاب، والأعراس تقتحم وتصادر فرحة اصحابها، والمسيرات والإعتصامات السلمية تمنع بالقوة ويقمع من يشارك فيها والصلاة لرب العزة تمنع إذا لم تكن بمواصفات حمساوية، والإعلام مكمم الأفواه ومهدد باستمرار، والجامعات تقتحم والجوامع تسيس، والغرامات المالية تفرض على النشطاء السياسيين، وقيادة العمل الوطني تهان وتعتقل، والإعتقالات بالجملة، بربكم أجيبوني كيف ستقنعونا بأنكم الأقدر على الحكم في العالم العربي وهذه صورة نظامكم “زمن المرحمه” على مساحة لاتتجاوز 364كم2 وقد تجاوز ظلمكم فيها كل القوانين الدينية والدنيوية وحصيلة القمع العربي في الخمسين سنة المنصرمة بالإضافة إلى أنه بعثر منظومة القيم والأخلاق الفلسطينية. وأخيراً نستشهد بالإضراب الشامل الذي دعت اليه فصائل العمل الوطني كافة بتاريخ 9/9/2007 والذي يظهر بأن حماس أوصلت الشعب الفلسطيني إلى حالة من الإنقسام العمودي بحيث أصبحت كل قوى الشعب الفلسطينية الوطنية والإسلامية في جهة وحركة حماس في الجهة المقابلة، فهل من المعقول أن تكون حماس وحدها على صواب وباقي الشعب الفسلطيني كله على خطأ؟؟؟

Be Sociable, Share!
هذه المقالة كُتبت في التصنيف Uncategorized. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash