جغرافيا وديمغرافيا ياسر عرفات

جغرافيا وديمغرافيا ياسر عرفات

 

بقلم الأسير المقدسي:  حسام زهدي شاهين

سكرتير العلاقات الدولية لمنظمة الشبيبة الفتحاوية

رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في القدس

سجن عسقلان المركزي

6/10/2006

 

تحل علينا الذكرى الثانية لرحيل المعلم والقائد ياسر عرفات ونحن لازلنا في أسوأ حال، ذلك الرجل الذي خطفه منا القدر في غير موعد، وقبل أن يُتم ترتيب البيت الفلسطيني، وتتلخبط أوراق الأجندة الوطنية التي طالما اعتلت سلم أولوياته واحتلت جل وقته، لينفتح من بعده باب الإجتهاد السياسي الخاضع للأجندات الخارجية والحزبية والفئوية والعشائرية والفردية، ليكون آخر الحاضرين في البيت الفلسطيني الأجندة الوطنية ومصلحة المواطن، إن ما جرى على الأرض الفلسطينية وما يمكن أن يجري من أحداث اقتتال داخلي يندى لها الجبين، يؤكد بما لا يترك مجالاً للشك أن القادم أسوأ إذا لم نتدارك الموقف جماعات وأفراد ويتحمل الكل المسؤولية الملقاة على كاهله من خلال فهم تضحوي وإلا ستصبح وحدة هذا الشعب في ذمة الله والتاريخ. إن ما يحضرني في هذه الذكرى الأليمة على النفس، هو ذلك الأسلوب المبدع الذي كان يتبعه ياسر عرفات لإيصال رسائله السياسية والإجتماعية لمختلف فئات الشعب على إختلاف مستوياتهم الفكرية بابسط تعبيرات اللغة وأوضح تشبيهاتها، بعيداً عن اللجوء إلى المصطلحات السياسية المعقدة والتي يطول شرحها، طريقته البسيطة المتواضعة قد يساء فهمها إذا تم التعامل مع الكلمات مجردة من أية مضامين، ولتفسير ما أرمي إليه اسمحوا لي أن استعين بهذه القصة القصيرة التي كانت حاضرة في معظم الإجتماعات والجلسات التي كنا نحضرها برفقة قائدنا الشهيد أنا واقرابي في قيادة منظمة الشبيبة الفتحاوية حيث فاجأنا الرجل عندما سالنا في أول لقاء لنا معه بعد عودته إلى أرض الوطن بأشهر قليلة وبلهجته المصرية الجميلة “مين منكم متزوج ومين لأ” فأجبناه بأن نصفنا تقريباً متزوج وقد كان عددنا حينها خمسة عشر شخصاً، عندها نظر ناحية المتزوجين منا واستطرد تساؤله قائلاً:- ” كم عَيل عندك؟” موجهاً كلامه لكل واحد منهم على انفراد، وحصل على ردودهم بالتوالي “واحد، واحد، إثنان، ثلاثة” وهكذا دواليك، لحظتها قال الرئيس رافعاً يده اليمنى محذراً الجميع بسبابته” مش كفاية، إلي منكم مش متزوج لازم يتزوج ويخلف، وكل واحد فيكم لازم يِخلف اطنَعشَر عَيل، عارفين ليه؟” التزمنا الصمت للحظات ننظر في وجوه بعضنا البعض غير مدركين لطبيعة السؤال، ليكسر الصمت علينا والإبتسامة العرفاتية ترتسم على مُحياه وهو يقول:-” عَيل لكل واحد فيكم وأحَد عشَر لِيَة، علشان يكملوا مسيرة الثورة مَعايَة”، فتعلوا ضحكات الجميع. 

 

انظروا ماذا حدث، للوهلة الأولى بعد خروجنا من الإجتماع الأول كنا نحدث بعضنا مستهترين، وباندفاعة الشباب نقهقه ونحن نتسائل، كيف يريد الختيار أن يعمل مع أبنائنا بعد كل هذا العمر؟ ألهذه الدرجة يحب الحياة ويريد أن يعيش خمة وستون سنة أخرى؟ من أين له الضمانات بأنه سيعيش لكل هذه المدة؟ يريد أن يَخلَص منا ليعمل مع أولادنا!!.  عندما تكرر هذا الكلام في اللقاءات المتعاقبة مع حياة الرئيس اكتشفنا كم كنا سطحيين في التحليل، خاصة بعد أن أعدنا قراءة رسالة “أبو عمار” وانتقلنا بوعي من رؤية القشور لفهم الجوهر، والذي تأكدنا فيما بعد بأن المقصود من وراء إستحضاره الدائم لنفس القصة في العديد من اللقاءات اللاحقة هو الآتي:-

أولاً:  إن معركة التحرير وإقامة الدولة بحاجة إلى إعداد الأجيال القادمة لتكون قادرة على إستكمال المشوار من خلال الإلتزام بـ”مسيرة الثورة” وهذا يعني تعزيز الإيمان لديهم بعدالة القضية والإستعداد للتضحية، فعبئ القضية الوطنية الفلسطينية أبعد من أن يُحسم أمره في حل سياسي مؤقت، وهذه نظرة قائد ثاقبة وبعيدة المدى مفادها بأن عرفات الفكر والثورة هو الذي يجب أن يستمر وليس عرفات الإنسان.

ثانياً:  الإستقرار الذي يؤدي إليه الزواج، فتشجيعه لبناء الأسرة واستعداده للمساعدة المادية في ذلك يعني استقرار الإنسان في وطنه، وبالتالي توفير السكن المناسب للحياة الزوجية، الذي سيقام بطبيعة الحال على قطعة من هذه الأرض الطيبة ويحافظ على الهوية الفلسطينية لجغرافيا هذا الوطن من خلال إنغراس الإنسان فيها، فالمساعدة على الزواج في فهم ياسر عرفات تعني الحفاظ على الجغرافيا وهذا يفسر سبب زواجه في سن متأخرة جداً عندما تأكد فيها من تحقيقه لحلم العودة إلى أرض الوطن.

ثالثاً: الحث على الإكثار من الإنجاب يحمل في طياته فهماً دقيقاً لطبيعة الصراع والذي يعتمد في أحد أهم جوانبه على تعداد السكان في كلا طرفي الصراع، فاليودي أياً كانت جذوره وأياً كان سكنه في هذا العالم يمتلك الحق بالإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بموجب أنه يهودي، وإسرائيل دولة اليهود، أما الفلسطيني والذي أُبعِدَ قسراً عن وطنه في الماضي القريب لا يمتلك حق العودة إلى بيته والذي أقرته له كل المواثيق والشرائع الإنسانية والدولية، فسلاح الإنجاب هو الوسيلة الممكنة التي تمكنه من مواجهة إعتداءات موجات الهجرة الصهيونية المتتالية، وهنا تكمن عبقرية الفهم العرفاتي لقوة الديمغرافيا الفلسطينية في مواجهة الديمغرافيا الصهيونية.

 

من خلال هذه القصة البسيطة يمكننا أن نستشف حجم الكارزما القيادية التي فقدناها مع غياب رمز هذا الشعب ولازلنا نفتقدها في شخص آخر، فإذا ما استمرت الحالة الفلسطينية المرتبكة كما هي عليه الآن فإننا لن نفقد القدرة على المواجهة فقط، بل سنفقد عنصر المقاومة أيضاً ألا وهو الإنسان، وما يحدث على الأرض اليوم يساهم في فقدان الإستقرار الداخلي ويدفع دفعاً الشباب الفلسطيني على الهجرة إلى خارج الوطن بحثاً عن الأمن والحياة الكريمة، فعلى المدى البعيد سيلعب عدم العلاج الفوري لمسببات ونتائج الأزمة الراهنة إلى تقديم خدمة مجانية غير مباشرة للهدف الرئيسي للإحتلال والمتمثل بالسيطرة على الأرض والقضاء على الإنسان، وهنا تكمن المفارقة الكبرى بين الحفاظ على الجغرافيا والديمغرافيا بطريقة ياسر عرفات وبين القضاء عليهما بمرض الإقتتال الداخلي، فالصحوة الصحوة أيتها القيادة السياسية قبل فوات الأوان.

Be Sociable, Share!
هذه المقالة كُتبت في التصنيف Uncategorized. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash