الديمقراطية الفلسطينية في مواجهة الديمقراطية الإسرائيلية

الديمقراطية الفلسطينية في مواجهة الديمقراطية الإسرائيلية

 

بقلم الأسير المقدسي: حسام شاهين

سجن عسقلان المركزي

19/5/2006

 

من الملاحظ في الآونة الأخيرة كثرة التحاليل السياسية والتقارير الإعلامية حول الديمقراطية الفلسطينية الناشئة، وخاصة بعد إجراء الإنتخابات التشريعية التي أسفرت عن فوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، تلك النتيجة التي فاجأتنا نحن الفلسطينيين – من حيث فارق المقاعد- قبل غيرنا من المراقبين لمجريات الأحداث السياسية على الساحة الفلسطينية، إلا أنها تبقى وبالرغم من التباين في وجهات النظر حول الأسباب التي أدت إليها، ثمرة الديمقراطية الفلسطينية التي تجاوزت بنزاهتها وشفافيتها معظم الديمقراطيات الغربية والأوروبية وعلى رأسها النموذج الديمقراطي الأمريكي المزعوم.

 

ومع تجاوز التجربة الديمقراطية الفلسطينية لكل الحواجز والمعيقات التي وضعت في طريقها بفعل الإحتلال الإسرائيلي وغطرسة قواته، حيث أن التحرر الوطني يعتبر ركيزة مهمة لتحقيق الديمقراطية، إلا أن قوة الديمقراطية لازالت ضعيفة داخل التنظيمات السياسية الفلسطينية بالرغم من تحقيقها هذا النجاح الطفري على الصعيد الوطني، خاصة وأنه جاء بهذا الزخم والتماسك بسبب المواجهة المباشرة مع قوات الإحتلال الإسرائيلي، لأن النجاح في هذه الحالة يعتبر وسيلة مقاومة أجمعت عليها كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، وبالتالي لا يمكننا أن نعتمد هذا النجاح وكأننا حققنا الديمقراطية الفلسطينية التي نصبوا إليها، بقدر ما يقع على كاهلنا من مسؤوليات مباشرة كأحزاب وتنظيمات سياسية لتعزيز وتقوية هذه التجربة من خلال تفعيل الحياة الديمقراطية الحزبية داخل كل تنظيم على حده وبذلك نضمن النمو السليم والطبيعي لهذا الوليد الديمقراطي الذي انبثق عن عملية سياسية قيصرية.

 

وفي مواجهة الديمقراطية الفلسطينية يقف الرفض الإسرائيلي المدعوم أمريكياً ومن حذى حذوهم بعدم الإعتراف بالنتائج الشرعية لهذه الإنتخابات النزيهة والحرة، تحت حجج وذرائع واهية تستند في شكلها الخارجي إلى عدم إعتراف حركة حماس بإسرائيل ونبذ العنف، أما في جوهرها الداخلي فتنطلق من تركيبة العقلية السياسية الأمريكية القائمة على محاصرة وقمع كل الديمقراطيات التي تتعارض نتائجها مع التبعية الأمريكية وإعلان الولاء للإمبراطورية الأمريكية الحديثة، وخير دليل ذلك ما شهده الماضي القريب خلال العقد المنصرم من أحداث لازالت ملتصقة بالذاكرة، ويقف في مقدمتها الإحتجاجات الراهنة على نتائج إنتخابات بيلاروسيا التي أفرزت الزعيم “الكسندر لوكاشينكا” المناهض للسياسة  الأمريكية، وحصار الرئيس الفلسطيني الراحل والمنتخب ديمقراطياً ياسر عرفات رحمه الله وذلك بعد رفضه الخضوع لشروط السلام وبشكل أدق الإستسلام الأمريكية الإسرائيلية، مروراً بالمؤامرة القذرة والفاشلة للإنقلاب العسكري على الرئيس الفنزويلي “هوجو شافيز” وصولاً إلى رفض نتائج الإنتخابات النمساوية التي أفرزت “هايدر” رئيساً للوزراء وغيرها الكثير من النماذج الحية، أما المفارقة الكبرى فتكمن بالترحيب المنقطع النظير بنتائج الديمقراطيتين الأفغانية والعراقية المجبولتين بدماء عشرات الآلاف من القتلى المدنيين الأبرياء، والمفروضتين تحت قوة السلاح الأمريكي، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى الاحتفال بنتائج الديمقراطية الإسرائيلية التي انتجت عدداً لابأس به من الجنرالات الملطخة أياديهم بدماء مئات الفلسطينيين، وبمن يدعون إلى القضاء على الفلسطينيين وترحيلهم عن أرضهم أمثال “أفيغدور ليبرمان”.

 

ولكي نتمكن من حماية ديمقراطيتنا والحفاظ عليها وتحصينها بشبكة من الشرعية الدولية الصديقة على الأقل، بعد أن رسخناها بالشرعية الوطنية الشعبية، يتوجب علينا عدم إعطاء أية فرصة لأعدائنا للنفاذ من خلالها إلى قلب بيتنا الداخلي ومحاولة العبث به، أو توفير الذرائع لهم للتمكن من محاصرتنا على الصعيد الدولي، حيث أننا لا نعيش في كوكب آخر بعيداً عن هذا العالم، وهذا يستدعي منا مراعاة المواقف التالية في خطابنا السياسي وأدائنا الرسمي.

 

أولاً:  الحفاظ على مبدأ التداول السلمي للسلطة، حيث أن من يؤمن بشرعية صندوق الإنتخابات هو من يحترم نتائجه، وهذا بالفعل ما التزمت به حركة فتح بكل مؤسساتها الرسمية والتنظيمية محققة بذلك نصراً جديداً لصالح الوحدة الوطنية الفلسطينية، متجاهلة كل الضغوط الخارجية لصالح إرادة صناعة الديمقراطية الفلسطينية على أسس وطنية متينة، ليضاف إلى سجلها النضالي العريق المساهمة المهمة في بناء اللبنة الأساسية ووضع حجر الأساس للدولة الفلسطينية المنشودة بالتعاون مع باقي القوى الوطنية والإسلامية على الساحة الفلسطينية.

 

ثانياً:  تفعيل دور المعارضة السياسية البناءة في إطار المؤسسة الرسمية الفلسطينية وتحت شرعية القانون، فمن حق حماس أن تشكل الحكومة الفلسطينية ومن حق فتح أن لا تشارك في هذه الحكومة ما دامت كل العملية تتم تحت قبة البرلمان الفلسطيني، فالمعارضة الإيجابية هي روح الديمقراطية الناجحة.

 

ثالثاً:  على حماس مراجعة موقفها الرافض للإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، حتى وإن كان لديها بعض التحفظات التي نتفق معها فيها على طبيعة دور مؤسسات منظمة التحرير ووجوب الإتفاق الوطني على إعادة تفعيلها بما يتلائم والواقع الفلسطيني الجديد، فعدم الإعتراف بشرعية المنظمة كون حماس غير ممثلة فيها يعتبر مقدمة خطيرة في العمل السياسي الفلسطيني، وإعطاء الشرعية لأي حزب سياسي يتشكل في المستقبل بأن يسير على خطى حماس وأن لا يعترف بشرعية المنظمة ما دام غير ممثلاُ فيها، بالإضافة إلى أن نزع الشرعية التمثيلية للشعب الفلسطيني عن منظمة التحرير يساهم في نزع الشرعية الدولية عن السلطة الوطنية وهذه خطوة خطيرة يجب الإنتباه إلى تبعاتها، مع العلم أن المنظمة هي الدرع الحامي لديمقراطية المنفى حتى يحين قيام الدولة.

 

رابعاً:  في المستقبل لا يمكن تحقيق الديمقراطية بعيداً عن شرط توفير الدولة العلمانية التي يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، ويعيش الجميع في كنفها أحراراً، حيث أن الذي يحكم الجميع هو القوانين التشريعية التي مصدرها ممثلو الشعب المنتخبون ديمقراطياً، فالشعب هو مصدر السلطات وهذا يتنافى مع الدولة الدينية الشمولية التي تعتمد على القوانين الشرعية فقط والتي مصدرها الدين وحده.

 

إن التمسك بهذا المستوى من وتيرة العمل الديمقراطي الفلسطيني وعدم السماح له بالتراجع مع الأخذ بعين الإعتبار كل الملاحظات السابقة، يعد نصراً سياسياً وديمقراطياً ساحقاً على ما يسمى بالديمقراطية الإسرائيلية وتسجيل الهدف الذهبي على ملعب ديمقراطية الشرق الأوسط أمام جمهور المراقبين الدوليين، وهذا الإنجاز يتطلب جهداً جماعياً من أجل الحفاظ عليه.

 

 

Be Sociable, Share!
هذه المقالة كُتبت في التصنيف Uncategorized. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash