الدولة الفلسطينية على أرض الوطن الفلسطيني

الدولة الفلسطينية على أرض الوطن الفلسطيني

 

بقلم الأسير المقدسي:  حسام زهدي شاهين

رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في القدس

سكرتير العلاقات الدولية لشبيبة فتح

سجن الرملة المركزي

11/12/2006

 

منذ اللحظة الأولى التي تبنّت فيها منظمّة التحرير الفلسطينية في العام 1974 البرنامج المرحلي، والذي حدّد بموجبه المجلس الوطني الفلسطيني الثوابت الوطنيّة الفلسطينيّة، والسّاعي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أي جزء يتم تحريره أو تنسحب منه إسرائيل، مروراً بمؤتمر مدريد الدولي للسلام في العام 1991، والداعي إلى إقامة الدولة الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدوليّة وتحديداً القرار 242، وصولاً إلى توقيع إتفاقية إعلان المبادئ “أوسلو” في العام 1993، وامتداداً من ذلك التاريخ حتى يومنا الحاضر ولا زالت حركة فتح تتبنى رؤية سياسية وبرنامج عمل واضح المعالم، تقود من خلاله الشعب الفلسطيني حتى يتمكن من تحقيق جزءاً من حلمه الوطني بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، رؤية سياسية ميّزت فيها فتح بشكل دقيق بين مفهوميّ الدولة والوطن، فالقراءة الواقعيّة لكل المعطيات السياسية على مختلف الساحات المحلية، الإقليمية والدولية، كانت نتيجتها الوحيدة تفيد بإمكانية إقامة دولة فلسطينية على جزء من الوطن الفلسطيني، بما يضمن حدوداً سياسية معترف بها لهذه الدولة ولا يلغي الحدود الجغرافية التاريخية للوطن الفلسطيني. 

وهذه هي نفس النتيجة التي توصلّت إليها فصائل المعارضة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس التي اعتلت سدة الحكم للسلطة الوطنية الفلسطينية من خلال إنتخابات حرّة ديمقراطيّة بعد ستّة عشر عاماً من المعارضة الشرسة لهذا المشروع، وبدأت تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود الأراضي المحتلة عام 1967. 

وللوصول إلى مشروع الدولة وفق ما ينسجم مع محدّدات السياسة الدوليّة وتحديداً مؤسساتها الرسمية صاحبة التأثير المباشر في مجريات الحل للصراع العربي-الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية، منحت منظمة التحرير الفلسطينية اسرائيل تحت رعاية العالم “هدنة أوسلو” المرتبطة بالحل السياسي للصراع وليس الإنساني فقط، فكلمة هدنة وحسب منجد اللغة العربية تعني لغة واصطلاحاً “وقف الحرب إلى حين، لأجل وضع شروط الصلح”، وكانت هدنة أوسلو لمدة خمس سنوات، والكل فينا يذكر جيداً موقف الرئيس الشهيد ياسر عرفات الذي دعى خلاله إلى إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة من طرف واحد عندما شارفت الهدنة الممنوحة فلسطينياً على نهايتها في العام 1999، ذلك الموقف الذي حرك كل أقطاب السياسة، حتى كادت “مادلين أولبرايت” وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت، لا تغادر المقاطعة مقر الرئاسة الفلسطينية في مدينة رام الله حتى تعود إليها، باذلةً كل جهد ممكن ومستخدمة كل الوسائل للضغط على الرئيس الراحل، حاشدة معها أطرافاً عربية للتأثير على موقف أبوعّمار، حتى تّم الإتفاق في نهاية المطاف على تأجيل الإعلان لمدة عام واحد وليس إلا، على أن يحمل العام الذي يليه مؤتمراً دولياً يتم التوصّل خلاله إلى الإتفاق على كل قضايا الحل النهائي، وتعلن الدولة الفلسطينية المستقلة تحت مظلة الإعتراف الدولي، وبالفعل جاءت مفاوضات “كامب ديفد الثانية” التي جمعت بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، والتي وصلت الى طريق مسدودة نتيجة التعّنت الإسرائيلي، وأثبتت في ذات الوقت بما لم يعد فيه مجالاً للشك ولا للتشكيك بالنوايا الوطنية لحركة فتح وبالمصداقيّة السياسية لياسر عرفات وبمدى حرصه على الثوابت الوطنية الفلسطينية واستعداده لدفع الثمن مهما كان ذلك مقابل الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني وحماية مشروعه الوطني. 

عاد ياسر عرفات إلى أرض الوطن، ولدى إعتلائة للمنصّة وسط الحشود التي اجتمعت لإستقباله قال قوله المشهور “ليس فينا، وليس منّا، وليس بيننا من يفرط بذرة من تراب القدس الشريف”، معلناً بذلك حقبة سياسية جديدة، وروى للشعب الفلسطيني بكل شفافيّة ما الذي حدث في كامب ديفيد، وباشر اجتماعاته مع كل الفعاليات الجماهيرية والوطنية الفلسطينية للأعداد لإعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد في ذكرى إعلان الإستقلال بتاريخ 15/11/2000، وبدأ الكل في المؤسسة الرسميّة الفلسطينية الإستعداد لذلك الإعلان وكان لسان حال الختيار يقول: خضنا الإنتفاضة الأولى لمدة سبع سنوات، والآن لنشطب الصفحة ونبدأ من جديد.  إلا أن آرئيل شارون استبق الموعد المحدد لإعلان الدولة باقتحامه لباحات المسجد الأقصى مخلفاً وراءه مجزرة نكراء ساهمت في تسريع إشعال فتيل الإنتفاضة الحالية “إنتفاضة الأقصى” والتي شكّك البعض منذ بدايتها في صدق أهدافها، حيث جاءت عند نهاية مدّة هدنة أوسلو، باختصار عادت حركة فتح إلى خيار المقاومة، الذي لم تسقطه من خياراتها وكان لها الدور والفعل الأكبر في صناعة أحداث الإنتفاضة الحالية. 

اليوم وفي تفاعل المستجدات السياسية الجديدة على الساحة الفلسطينية وتحديداً في ظل الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة حماس، يكثر القول عن مفهوم الهدنة طويلة الأمد لعشر سنوات أو حتى عشرون عاماً، بعيداً عن أي غطاء سياسي لهذه الهدنة، اللهم كما جاء على لسان رئيس الوزراء الفلسطيني الأخ إسماعيل هنيّة بالسماح لوزراء حكومته الإلتقاء مع نظرائهم الإسرائيلين في إتصالات ذات صبغة حياتية لتسيير حياة الناس في إطار التعامل مع الواقع والذي لايعني الإعتراف به. 

هذا الكلام الذي يعني تلاعباً في الفهم السياسي لمعنى اللقاء بين وزراء حكومتين لشعبين، الذي يربط بينهما هو حالة من الصراع الدامي، ولا يستطيع أن يتصوّر أحداً لقاءً بين وزيريّ الصحة مثلاً، ومصافحة أحدهما للآخر أمام وسائل الإعلام المحلية والدولية، وفي خلفية الصورة يوجد العلمين الفلسطيني والإسرائيلي، ويُغفل الجانب السياسي لهذا اللقاء على إعتباره أنه إستمرار للمقاومة!  فاللقاء الرسمي حتى وإن كان لمجرد تنسيق بعض القضايا الحياتيّة يحمل اسمه من صفة المجتمعين فيه، عدا عن أن هدفه هو الحوار والتفاهم على بعض الأمور وليس الصراع والملاكمة، فإفراغ اللقاء من محتواه السياسي أشبه بإعطاء الجندي بندقيّة فارغة من الرصاص وارساله إلى ساحة المعركة للمشاركة في القتال، ففي هذه الحالة تصبح البندقية مجرد دمية لا أكثر ولا أقل بين يدّي الجندي، وهنا نصبح نواجه خطر تطبيع الإرادة مع الواقع وليس التعامل معه. الإستنتاج المبني على المعطيات السابقة الذكر، يشير بشكل واضح على أن اشتداد حدّة المعارضة الحمساويّة لإتفاقية إعلان المبادئ “اوسلو” منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994 وحتى بداية إنتفاضة الأقصى في العام 2000 لم تكن تهدف الى تحرير حيفا ويافا وعكا بقدر ما كانت تهدف الى إسقاط مشروع السلطة الوطنية على طريق إستبدالها بسلطة حمساويّة، والدليل على ذلك تراجعها عن موقفها السابق بتحريم المشاركة في الإنتخابات التشريعيّة عام 1996 على القاعدة الشرعية “ما بني على باطل فهو باطل”، فاوسلو باطلة وبالتالي الإنتخابات المترتبة عليها باطلة، والوقائع السياسية الجديدة تؤكد صحة ما نرمي اليه حيث أصبحت حماس تجلس على مقاعد الحكم للسلطة الفلسطينية وانتقلت فتح إلى مقاعد المعارضة إنطلاقاً من مشروع اوسلو بغض النظر عن كل التبريرات الضعيفة التي قيلت أو ستقال، وهذا شاهد حيّ على أن إنتخابات حماس جاءت على خلفيّة برنامج عمل إجتماعي وليس برنامج عمل سياسي مبني على إنهاء السلطة الفلسطينية، لذلك فعلى حركة حماس التي مارست معارضتها الغير قانونية خلال الفترة الماضية خارج المؤسسة الحكومية والرسمية الفلسطينية، أن تتقبل اليوم برحابة صدر معارضة حركة فتح القانونية داخل أروقة المؤسسة الشرعية الفلسطينية، وعلى كلا الطرفين تقع مسؤولية الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية بالإستناد إلى معرفتهما التامّة للمأساة التي يمكن أن تنجم عن البديل لذلك. وحسب رأيي الشخصي والمتواضع، فإن الإنتخابات الرئاسيّة المبكرة على أساس برامجي تمثّل مخرجاً مقبولاً للأزمة الراهنة، وتعبّر عن الحل الأقل خسائراً على الصعيد الوطني العام وليس الحزبي الخاص، وتضع حداً لإدعاءات الإنقلاب السياسي الباطلة، بشرط أن يتم توقيع وثيقة عهد فلسطينية بين كل الفصائل ملزمة للجميع على إحترام نتائج الإنتخابات، فإن فاز برنامج فتح الإنتخابي ومرشحها فعلى حركة حماس أن تقبل الدعوة للإنتخابات التشريعية المبكرة، وإذا فاز برنامج حركة حماس ومرشحها، فعلى حركة فتح وكما عوّدت الشعب الفلسطيني دائماً أن تكون صاحبة الدرع الحامي للإدارة الشعبية الفلسطينية والمدافع عن الشرعية الفلسطينية، وبالتالي نكون قد حدّدنا استراتيجيّة العمل الفلسطينيّة التي سنخاطب بها العالم.

Be Sociable, Share!
هذه المقالة كُتبت في التصنيف Uncategorized. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

*
To prove you're a person (not a spam script), type the security word shown in the picture.
Anti-Spam Image

Powered by WP Hashcash