“حماس والقيادة الدونكشوتيه والقراقوشيه”

حماس والقيادة الدونكشوتيه والقراقوشيه”

 

بقلم الأسير المقدسي: حسام زهدي شاهين

 سكرتير العلاقات الدولية لشبيبة فتح

 رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في القدس

 سجن إيشل/ بئر السبع

9/9/2007 تاريخ الإراسل من السجن 

نشر في صحيفة القدس بتاريخ 3/10/2007

 

إن الصراع الدائر بيننا وبين الإحتلال الإسرائيلي بلغ عمره الستين عاماً، فالكل الفلسطيني من أقصى يسار المجتمع إلى أقصى يمينه، والكل الإحتلالي الإسرائيلي من أقصى يسار الإحتلال حتى أقصى يمينه منخرطان في عملية الصراع الدائره وإن كان بنسب وأدوات مختلفة، والقول بأن الإنقلاب الدموي الأخير في قطاع غزة قد يؤجج نار الصراع قول خاطئ بالمطلق، لأن الحقيقة المؤلمة تفيد بأن قوة الإنقلاب الحمساويه على الأرض حرفت مسار الصراع المركزي باتجاه الصراع الثانوي وأدخلتنا في إتون التآكل الذاتي وهّشمت وحدتنا الوطنية التي طالما فاخرنا انفسنا امام الأمم بأنها صخرة صلبة ولن تتحطم.

 

فبعد كل ما يجري على الأرض الغزاويه الطاهرة من أحداث متسارعة تتزاحم فيها الممارسات البشعة والإعتداءات الوحشية على مصراعي بوابة السقوط نحو الهاوية.  فذراع البطش الحمساوية “التنفيذية” هدمت دَفتي البوابة وتركتنا مكشوفين أمام العالم غير محصنيين لا بالأخلاق السياسية ولا بالقيم الدينية، هذا من جانب، إلا أنها من جانب آخر ساعدتنا على تعرية مفهوم نظام الحكم الحقيقي لدى حركة حماس، في الوقت الذي أبطلت فيه مفعول حجة “نظرية المؤامرة” التي كانت تتستر من ورائها قيادة حماس لتبرير كل ما ارتكب ولا يزال يرتكب من جرائم بحق ماضي وحاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني.

 

أما القراءة الحديثة لمعطيات الواقع المعاش فتقودنا إلى تشخيص مرحلة جديدة من حياة حركة حماس أشبه ما تكون بالمرحلة “الدونكشوتيه” التي تتراوح بين صانع البطولات الوهمية الخيالية “دونكشوت هنيه” ولا واقعية خادمة الحكيم “سانشويوسف” الذي من المفترض أن تكون إرادة واقعية وحكيمة، ولكي لانقذف بتهمة التبلي على أحد مع أن ذلك وارد، نسوق بعض الإستشهادات المشفوعة بلسان حال أصحابها، فبتاريخ 8/6/2007 ومن على متن الصفحة التاسعة عشر في جريدة القدس قال السيد اسماعيل هنيه في مقالة له جاءت تحت عنوان ” يجب الإعتراف بحقوقنا” موضحاً المخارج من المأزق الناجم عن الحصار الإقتصادي المفروض على حكومة الوحدة الوطنية في حينه، وقد قال:- “وكان هدف الكارثة الإنسانية في الضفة الغربية وغزة تخريب عمل الحكومة المنتخبة لخلق سلطة عميلة مستعدة للتنازل إلى رغبات المحتل”.

 

إن التأريخ الذاتي والحزبي للقضية الوطنية الفلسطينية هو أول إعتداء عليها بالإضافة إلى أنه تزوير للحقيقة، فتجميد أموال عائدات الضرائب لدى سلطات الإحتلال الإسرائيلي والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني لم يبدأ بدخول حماس إلى السلطة بل سبقها بأربع سنوات، عندما اجتاحت قوات الإحتلال الإسرائيلي كل مدن الضفة الغربية في آذار 2002 وحاصرت الرئيس الفسلطيني، الشهيد ياسر عرفات في مقره بمدينة رام الله، حيث وقفت الدبابة الإسرائيلية على بعد أمتار معدودة من قلعة ياسر عرفات راشقة بقذائق حقدها على بوابة الشرعية الفسلطينية لإنتزاع الإرادة منها ولم تسقط كوفية أبو عمار التي داستها أقدام أفراد القوة “التنفيذية” بعد الإنقلاب.  صعد ياسر عرفات ورفاقه في القيادة الفلسطينية في مواجهة الحصار السياسي والإقتصادي والعسكري في اصعب مراحل التاريخ الفلسطيني ولم يستطع الإحتلال “خلق سلطة عميلة مستعدة للتنازل إلى رغباته”، فالوطنية والصمود في مواجهة التحديات لم يبدآن بعهد حكومة السيد هنيه ولن ينتهيان مع نهايتها، فكل الحكومات الفسلطينية التي سبقت عهد حماس والتي تلته حكومات وطنية مادامت متمسكة بالثوابت الوطنية الفسلطينية في الوقت الذي لن يتوقف فيه الإحتلال عن محاولة تخريب حياة الفلسطينيين مالم يزل عن الأرض الفلسطينية، ومن المعيب على أي طرف فينا كلما اختلف مع الآخر في القضايا السياسية أن يرفع نفسه على محراب النقاء ويضع الآخرين في قفص الخيانة.

 

مغالطة أخرى ساقها السيد هنيه متعمداً ذلك في مقالته آلا وهي قول “تخريب عمل الحكومة المنتخبة” فالحكومة لاتنتخب بل تكلف من قبل الرئيس ويصادق على شرعيتها المجلس التشريعي المنتخب، فالشعب الفلسطيني لم ينتخب حكومة، ولكنه انتخب رئيساً ومجلساً تشريعياُ، ومن خلال التوافق بينهما وبين الكتل البرلمانية المنتخبة يصار إلى تشكيل الحكومة، والرئيس هو أعلى سلطة تنفيذية في البلاد وليس رئيس الحكومة المكلف من قبل الرئيس، هذا هو النظام السياسي الفلسطيني الذي دخلت حماس الإنتخابات على أساسه ولم تعد تحترمه.

 

ومن على صفحات جريدة القدس بتاريخ 13 آب يقول السيد أحمد يوسف في مقالة له تحت عنوان “التحديات تستدعي وقفة وطنية….” (قديماً قالوا:- “من النقاش ينبثق النور” فنحن كفلسطينين أحوج من أي وقت مضى لهذا النقاش اليوم، من هنا جاءت استعداداتنا للحوار، ومددنا أيدينا بيضاء، من غير سوء) كنت أتمنى لو أن هذا الكلام يعكس الحقيقة، فتفاصيل الحياة اليومية لضحايا الإنقلاب أصعب وأمّر مما يبسط السيد يوسف، فتجاهل الواقع لن يخلق واقعاً جديداً فالسوء استبق الأيادي البيضاء، ونور النقاش أطفأته بنادق الموت، والحوار يحتاج إلى مقدمات صائبة حتى نستنبط منه نتائج سليمة معافاه، فالإستعداد للحوار لايجب أن تدفعه الحاجة الظرفيه بقدر ما يجب أن يرتبط بقناعات راسخة مبنية على فريضة الواحدة الوطنية، وعليه فالإعتذار عن الخطأ يصب في مصلحة الصواب، وإلا فلن يبنى على الباطل إلا باطل مثله.

 

وفي فقرة أخرى يقول السيد يوسف:- “إن الوطن أكبر منا جميعاً ولايمكن أن يخضع للمشاعر والعواطف قد يكون من حق البعض ان يغضب وينتفض بعد ان احتضنت حماس قطاع غزة بالكامل، ولكن في حدود لاتجرح ولاتخرج عن السيطرة”. كلام غريب عجيب، فأول إرتباط يوحدنا مع الوطن هو حب الوطن، ولولا خضوع الوطن لمشاعر الإنتماء وعاطفة الحب لما تمكنا من شق الطريق النضالية التي مر عبرها آلاف المناضلين الفلسطينيين نحو تحقيق مشروع حرية الوطن وإستقلاله، فالوطن الذي هو أكبر منا جميعاً لايمكن أن يُصغر بحجم حِجْر حماس، وصدقني لن يغضب منا احد لو أن حماس “احتضنت قطاع غزة” بل سنبتهج لذلك فرحاً، ولكننا نجتر الألم يوماً بعد يوم لأن حماس اغتصبت قطاع غزة، وجرح الإنقلاب لازال مفتوحاً ينزف فتنة وإنشقاقاً وانقسامات، وبدلاً من أن تضع الحدود على ردود الأفعال كان الأجدر بك أن تضعها على الأفعال الجارحة والخارجة عن السيطرة. 

 

وبالنظر إلى الأحكام القراقوشيه التي افتتحها امين سر كتلة حماس في المجلس التشريعي مشير المصري الذي قال لمراسل “القدس” بالقاهرة يوم 18 حزيران عندما سئل عن رأيه فيمن قتلتهم حركة حماس من قيادات “فتح” حيث جاء على لسانه “نحن لم نقتل أي بريء بل قتلنا من يستحق القتل شرعاً وكان واجباً وطنياً علينا أن نقتله لأنه كان يعمل ضمن تيار خياني وينفذ قرارات أمريكية ضد إرادة الشعب الفلسطيني”، لم أسمع في حياتي عن نائب في البرلمان حتى في أعتى الأنظمة ديكتاتورية يبيح القتل في الشوارع، فالسيد المصري يتبجج بذلك وكأن أرواح الناس رخيصة والأدهى من ذلك أنه يزج الشرع في القضية، إذا كان هذا الرجل انتخب في المجلس التشريعي ليمثل الشعب الفلسطيني ويصون حقوق المواطنين، وها هو يبرر القتل بكل هذه البشاعة الفضة متجاوزاً سلطة القانون وسلطة القضاء ولازال يتمتع بالحصانة البرلمانية، كيف سنقنع العالم بأننا سلطة قانون تستحق الإحترام؟ وما هو المصير الذي ينتظرنا إذا ما سيطرت حماس على نظام الحكم في فلسطين إذا استمرت بهذه العقلية؟ وكيف سنثق في مؤسسة يتجول بين أروقتها قاتل طليق؟؟ 

 

وفي مؤتمر صحفي عقده السيد هنيه في مدينة غزة بتاريخ 14 حزيران رد خلاله على المرسوم الرئاسي القاضي بإقالته وإعلان حالة الطوارئ صرح قائلاً:-(” وجودنا في الحكومة جاء بإرادة شعبية وديمقراطية وإن هذا الوضع في الساحة الفلسطينية لاتصلح معه قرارات منفردة وبعيداً عن أي توافقات وطنية”، فالمستنكر هو مسلكيات الوجود، أما الوجود نفسه لم ينكره أحد وفي مقدمتها حركة “فتح” التي سلمت السلطة بكل سلالة، ولكن إرادة الشعب انتخبت حماس لتحكم الناس بالقانون لا بالبندقية، ولجوء حماس إلى لغة الإنقلاب العسكري إنقلاب على الديمقراطية، والإنقلاب بحد ذاته جاء منفرداً بعيداً عن التوافقات الوطنية، فلا يمكن أن يأتي الرد عليه باستئذان من قام فيه إلا إذا اختلطت الأمور لدرجة عدم وضوح الرؤية وهذا مالم يحدث بعد. 

 

وبالإنتقال من موقف غريب إلى موقف أغرب نستذكر ما ورد على لسان السيد اسماعيل هنيه في الرابع من تموز 2007 حيث اعتبر أن “الدعوة للإنتخابات المبكرة هي قفزة في الهواء، والظروف المحيطة بالمجتمع الفلسطيني لن تسمح بذلك، والوضع الفلسطيني لن يسمح بقفزات في الهواء” فعندما تصل الأزمة السياسية إلى أبواب مغلقة بين مختلف الأحزاب السياسية في مجتمع ما والتوافق لم يعد ممكناً، تكون حينها الإنتخابات المبكرة هي الحل وهذا هو حال الأنظمة الديمقراطية بهدف الحفاظ على وحدة الشعب وعدم شّلْ مؤسساته، مع العلم أن الظروف المحيطة بالمجتمع الفلسطيني هي ذات الظروف التي كانت إبان الإنتخابات التشريعية في 25/1/2006، وإذا كان الوضع لايسمح بتقديم الإنتخابات التي هي من وجهة نظر حماس “قفزة في الهواء” حسب تعبير هنيه، فهل الوضع كان يسمح بالإنقلاب الذي هو “قفزة في النار” والشيء الوحيد الذي تغير هو الظروف المحيطة بحركة حماس التي تراجعة شعبيتها بالنظر لسوء مسلكيتها. 

 

وبإضافة صورة أخرى للمشهد الفلسطيني المشوه بأيدي حمساوية نستعيد تعقيب ممثل حركة حماس في لبنان أسامة حمدان على خطاب الرئيس أمام المجلس المركزي بتاريخ 20 حزيران، حيث اعتبر أن “قطع الحوار مع حماس هو خضوع للضغوط الأمريكية الإسرائيلية” حتى وصل به الأمر أن قال:-”إن عباس يحاول أن يسلخ غزة عن الضفة، حيث طلب من الإسرائيليين بقطع الغاز والماء والكهرباء عن القطاع”. 

 

إن شماعة أمريكا وإسرائيل بهذا الخصوص شماعة باتت مكسورة، فالذي قطع الحوار مع حماس هو القتل والدمار الذي مارسته قوتها (التنفيذية) ضد أبناء فتح والأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفسلطينية في قطاع غزة، وقبل الرد على الشق الذي يخص الرئيس الفلسطيني نستحضر بعض المواقف والآراء الأخرى الصادرة عن قيادة حماس بحقه، ففي 15 تموز قال محمود الزهار “نحن نعلم أن الرئيس عباس هو المسؤول عن استمرار إغلاق المعبر بهدف تضييق الخناق على حماس واستبداله بمعبر كرم أبوسالم الإسرائيلي”. وفي 21 حزيران وجه موسى أبومرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إتهاماً بالمؤامرة للرئيس الفلسطيني أبومازن حول قراره بنقل جميع الوزارات إلى الضفة الغربية، حيث قال:-”هذا يظهر أن هناك مؤامرة تنفذ من قبل الفلسطينيين بطريقة غير مسؤولة وغير مسبوقة بفصل غزة عن الضفة”.  إن قلب الحقائق من خلال جعجعة التصريحات الإعلامية التي تمتهنها قيادة حماس يمكنها أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت ولكنها لن تغير من مجريات الوقائع وبشاعتها على الأرض، فالذي سلخ غزة عن الضفة هو انقلاب حماس، والذي اعتدى على الواقع السياسي الفسطيني هي حماس، واذا كانت حركة حماس وهي لازالت توغل في غيها تنتظر أن يكافؤها الرئيس الفلسطيني على جرائمها فهي مخطئة تماماً، إن أبو مازن اليوم يدفع ثمن ثقته المفرطة بقيادة حماس، وإذا كانت هذه هي الصورة التي يوصف بها الرئيس الفسلطيني من قبل هذه القيادة وهو الذي لم يبخل يوماً على حركتهم بما من شأنه أن يعزز عمقها الإقليمي والدولي، وهو الذي دافع أمام العالم عن حقها في المشاركة السياسية من منطلق واجبه كرئس للشعب الفلسطيني بكل أطيافه، لذلك يبقى السؤال هنا كما الجرح مفتوحاً ويحتاج إلى من يجيب عليه فإذا كان هذا الرجل خائن وعميل ومتورط مع الإحتلال كما تدعي حماس، فلماذا التحاور معه؟؟ وعلى ماذا؟؟ لم نعد ندري ماذا تريد حماس! ولا أحد يعرف إلى أين تريد الذهاب بنا؟؟ فمن أبشع ما شاهدت عيناي وسمعت أذناي حتى خِلتُ نفسي في كابوس، كان ما خرج علينا به في الثلث الأخير من آب مدير تلفزيون حماس (محطة الأقصى الفضائية) فتحي حماد الذي هدد وتوعد بموجة عمليات استشهادية تستهدف مكاتب ومقرات الأجهزة الأمنية للسلطة الوطنية في الضفة الغربية متعهداً بأن لايبقى لنا موطئ قدم خلال سبعة شهور، فإذا كان هذا هو حال رب الأسرة الأعلامية لدى حماس فما هو حال باقي أفرادها؟! أوليس من المخجل أن تعرضون فلماً كرتونياً للأطفال عبر قناتكم الإعلامية تشبهوننا فيه بالفئران وانفسكم بالأسد، كل هذا المستوى الإعلامي المنحط وتستكثرون علينا الرد. 

 

ومع ذلك عندما تكونون قادرين على قتل وحش ميدوزا Medousa  المستتره في نفسياتكم وفي طريقة تربيتكم للنشئ لكي يولد من دمها حصاني Pegasos بيغاس ويمتطيه سانشو الحكيم والواقعي، حينها ستجدون كل فتحاوي فينا بمثابة بيليروفون Bellerophone يروض ويساعد على تأديتكم للمهمة. لذلك كفاكم إحتكاراً للدين ولله، فالعبث بعواطف البسطاء بإسم الدين وإن حقق نجاحاً مؤقتاً على المدى القصير سيخلق تشويهاً للإسلام على المدى البعيد، فالله سبحانه وتعالى خالق كل البشر وهو لهم أجمعين، لأن الله ليس حزباً دينياً دنيوياً، وتسيس منابر المساجد ينقل الصراع إلى أماكن العبادة وهذا ليس في مصلحة الدين والدنيا، فخطبة الجمعة التي القاها اسماعيل هنيه في المسجد الكبير بمدينة غزة بتاريخ 10 آب وذكر فيها “لن نستسلم أبداً ولن يمزق الحصار إرادتنا لأنهم يعتمدون على أمريكا ونحن نعتمد على الله، يلتحفون بقوى الأرض ونستعين بقوى السماء، وهناك فرق كبير بين الجانبين”، فمنذ اليوم الأول للحصار وحتى اليوم وكل الشعب الفلسطيني يعاني منه وأكثر المتضررين جراء ذلك هم ابناء حركة فتح لإيمانهم بالعملية الديمقراطية ونتائجها وحرصهم على حاية الوحدة الوطنية الفسلطينية، ففي تحقيق مصالح ديننا نعتمد على الله وحده لاشريك له، وفي تحقيق مصالح دنيانا نتوكل على الله ونستعين بكل القوى البشرية التي من شأنها أن تساعد على تحصيل حقوقنا الوطنية بعيداً عن الإفراط والتبخيس.

 

إذاً هذه هي الحالة المرتبكة التي أضحت عليها حماس اليوم، ولكن من يشجع حماس على الإستمرار بهذه المغالطات، ولماذا؟ من دون شك أن أول المشجعين هم جماعة الأخوان المسلمين الحليف الأيدلوجي لحركة حماس وذلك لإعتقادهم بأن نجاح التجربة الأخوانية على الحكم في فلسطين تعتبر بمثابة العتبة الرئيسية لإجتياز حاجز الممانعة الذي يواجههم في العالم العربي ويشكك بقدرتهم على التعاطي مع مختلف ألوان الطيف السياسي والإجتماعي في المجتمعات العربية، لذلك فالتوجه العام وخاصة بعد القراءة المغلوطة لنتائح الإنتخابات الفلسطينية أصبح الدفع باتجاه فرض مقومات نجاح التجربة بعيداً عن دفع استحقاقاتها بغض النظر عن ميكافيلية الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك الهدف، وهذا يعبر عن عجزهم في فهم أصول الحكم، ولكي نؤكد هذا الإستنتاج دعونا نطلع على مواقف هذه الجماعة وتحديداً المتواجد منها في رئتي فلسطين (مصر، والأردن)، ففي السادس من تموز صدر بيان عن جماعة الأخوان المسلمين في الأردن تدين فيه قرارات ومواقف حكومة الطوارئ الفلسطينية، بدلاً من إدانة الإنقلاب، حيث جائت تلك الإدانة ضد ما أسمته “التمييز بين الموظفين من أبناء شعب فلسطين، ففصل عشرات الألوف منهم أو تحرمهم من رواتبهم، أو تسقط الضرائب عن جزء من أبناء الشعب، لإسقاط حكومةالوحدة الوطنية ومحاصرتها مالياً” ولا أعلم هنا أين هي حكومة الوحدة الوطنية خاصة بعد الإنقلاب الذي وأدها، فهي سقطت لحظة الإنقلاب الذي قامت به حماس، ولكن كيف يمكن خداع الجمهور الأردني الشقيق والجمهور الفلسطيني في الأردن إذا لم تستخدم هذه اللغة المدلسة للحقائق، وبتاريخ 26/ تموز من على الصفحة 31 في جريدة القدس، تحدثت الباحثة رنا الصباغ حول تهديد وحدة المعارضة الأردنية نتيجة إنقلاب غزة وانقسامها إلى خندقين، وتطرقت إلى بيان أصدره حزب “جبهة العمل الإسلامي الأردني” –المنبثق عن حركة الأخوان المسلمين- عن الأحداث الفلسطينية عبر فيه عن تفهمه لخطوة “حماس” وما سماه “إضطرارها لإنهاء حالة الفوضى التي عانى منها الشعب الفلسطيني طويلاً وحالت دون تقدم المشروع الوطني في البناء والمقاومة” أي تبنت نفس الموقف الذي أعلنته حماس وكأنهم جزء من الأزمة الفلسطينية الداخلية وليس طرفاً محايداً. أما في مصر فقد قال نائب المرشد العام لجماعة الأخوان المسلمين محمد حبيب بتاريخ 15/ حزيران لوكالة فرانس برس أن قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بحل حكومة الوحدة الوطنية التي كانت تقودها حركة حماس وتشكيل حكومة الطوارئ بأنها “تصعيد لامبرر له وسوف تزيد الأمور تعقيداً وتوتراً” في الوقت الذي عبر فيه عن الإنقلاب الدموي الذي قامت به حركة حماس بجملة أنه “ليس سعيداً بتمكن حماس من السيطرة عسكرياً على قطاع غزة”. 

وعليه فإنني لم أستغرب أن تقف قيادة الأخوان المسلمين وتحديداً في كل من مصر والأردن إلى جانب الإنقلاب وتبريره، ولكن ما أستغربه أنا والكثيرين بحق ويثير الحفيظة هو كيف تفسر هذه الجماعة التناقض القائم بين ما تدعي من قمع الأنظمة العربية لها وتقييد حرياتها ومحاربة توجهاتها ومؤسساتها، في الوقت الذي لم تكن تحكم فيه قطاع غزة قوة تابعة لها حتى تجاوزت كل ما تسميه أنتهاكات الأنظمة العربية لحقوقها بعشرات المرات، فالناس تقتل وتسجى في الشوارع، ومئات الشباب أطلقت النار على أرجلهم بهدف الإعاقة كنوع من العقاب، والأعراس تقتحم وتصادر فرحة اصحابها، والمسيرات والإعتصامات السلمية تمنع بالقوة ويقمع من يشارك فيها والصلاة لرب العزة تمنع إذا لم تكن بمواصفات حمساوية، والإعلام مكمم الأفواه ومهدد باستمرار، والجامعات تقتحم والجوامع تسيس، والغرامات المالية تفرض على النشطاء السياسيين، وقيادة العمل الوطني تهان وتعتقل، والإعتقالات بالجملة، بربكم أجيبوني كيف ستقنعونا بأنكم الأقدر على الحكم في العالم العربي وهذه صورة نظامكم “زمن المرحمه” على مساحة لاتتجاوز 364كم2 وقد تجاوز ظلمكم فيها كل القوانين الدينية والدنيوية وحصيلة القمع العربي في الخمسين سنة المنصرمة بالإضافة إلى أنه بعثر منظومة القيم والأخلاق الفلسطينية. وأخيراً نستشهد بالإضراب الشامل الذي دعت اليه فصائل العمل الوطني كافة بتاريخ 9/9/2007 والذي يظهر بأن حماس أوصلت الشعب الفلسطيني إلى حالة من الإنقسام العمودي بحيث أصبحت كل قوى الشعب الفلسطينية الوطنية والإسلامية في جهة وحركة حماس في الجهة المقابلة، فهل من المعقول أن تكون حماس وحدها على صواب وباقي الشعب الفسلطيني كله على خطأ؟؟؟

كُتب في Uncategorized | إرسال التعليق

جغرافيا وديمغرافيا ياسر عرفات

جغرافيا وديمغرافيا ياسر عرفات

 

بقلم الأسير المقدسي:  حسام زهدي شاهين

سكرتير العلاقات الدولية لمنظمة الشبيبة الفتحاوية

رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في القدس

سجن عسقلان المركزي

6/10/2006

 

تحل علينا الذكرى الثانية لرحيل المعلم والقائد ياسر عرفات ونحن لازلنا في أسوأ حال، ذلك الرجل الذي خطفه منا القدر في غير موعد، وقبل أن يُتم ترتيب البيت الفلسطيني، وتتلخبط أوراق الأجندة الوطنية التي طالما اعتلت سلم أولوياته واحتلت جل وقته، لينفتح من بعده باب الإجتهاد السياسي الخاضع للأجندات الخارجية والحزبية والفئوية والعشائرية والفردية، ليكون آخر الحاضرين في البيت الفلسطيني الأجندة الوطنية ومصلحة المواطن، إن ما جرى على الأرض الفلسطينية وما يمكن أن يجري من أحداث اقتتال داخلي يندى لها الجبين، يؤكد بما لا يترك مجالاً للشك أن القادم أسوأ إذا لم نتدارك الموقف جماعات وأفراد ويتحمل الكل المسؤولية الملقاة على كاهله من خلال فهم تضحوي وإلا ستصبح وحدة هذا الشعب في ذمة الله والتاريخ. إن ما يحضرني في هذه الذكرى الأليمة على النفس، هو ذلك الأسلوب المبدع الذي كان يتبعه ياسر عرفات لإيصال رسائله السياسية والإجتماعية لمختلف فئات الشعب على إختلاف مستوياتهم الفكرية بابسط تعبيرات اللغة وأوضح تشبيهاتها، بعيداً عن اللجوء إلى المصطلحات السياسية المعقدة والتي يطول شرحها، طريقته البسيطة المتواضعة قد يساء فهمها إذا تم التعامل مع الكلمات مجردة من أية مضامين، ولتفسير ما أرمي إليه اسمحوا لي أن استعين بهذه القصة القصيرة التي كانت حاضرة في معظم الإجتماعات والجلسات التي كنا نحضرها برفقة قائدنا الشهيد أنا واقرابي في قيادة منظمة الشبيبة الفتحاوية حيث فاجأنا الرجل عندما سالنا في أول لقاء لنا معه بعد عودته إلى أرض الوطن بأشهر قليلة وبلهجته المصرية الجميلة “مين منكم متزوج ومين لأ” فأجبناه بأن نصفنا تقريباً متزوج وقد كان عددنا حينها خمسة عشر شخصاً، عندها نظر ناحية المتزوجين منا واستطرد تساؤله قائلاً:- ” كم عَيل عندك؟” موجهاً كلامه لكل واحد منهم على انفراد، وحصل على ردودهم بالتوالي “واحد، واحد، إثنان، ثلاثة” وهكذا دواليك، لحظتها قال الرئيس رافعاً يده اليمنى محذراً الجميع بسبابته” مش كفاية، إلي منكم مش متزوج لازم يتزوج ويخلف، وكل واحد فيكم لازم يِخلف اطنَعشَر عَيل، عارفين ليه؟” التزمنا الصمت للحظات ننظر في وجوه بعضنا البعض غير مدركين لطبيعة السؤال، ليكسر الصمت علينا والإبتسامة العرفاتية ترتسم على مُحياه وهو يقول:-” عَيل لكل واحد فيكم وأحَد عشَر لِيَة، علشان يكملوا مسيرة الثورة مَعايَة”، فتعلوا ضحكات الجميع. 

 

انظروا ماذا حدث، للوهلة الأولى بعد خروجنا من الإجتماع الأول كنا نحدث بعضنا مستهترين، وباندفاعة الشباب نقهقه ونحن نتسائل، كيف يريد الختيار أن يعمل مع أبنائنا بعد كل هذا العمر؟ ألهذه الدرجة يحب الحياة ويريد أن يعيش خمة وستون سنة أخرى؟ من أين له الضمانات بأنه سيعيش لكل هذه المدة؟ يريد أن يَخلَص منا ليعمل مع أولادنا!!.  عندما تكرر هذا الكلام في اللقاءات المتعاقبة مع حياة الرئيس اكتشفنا كم كنا سطحيين في التحليل، خاصة بعد أن أعدنا قراءة رسالة “أبو عمار” وانتقلنا بوعي من رؤية القشور لفهم الجوهر، والذي تأكدنا فيما بعد بأن المقصود من وراء إستحضاره الدائم لنفس القصة في العديد من اللقاءات اللاحقة هو الآتي:-

أولاً:  إن معركة التحرير وإقامة الدولة بحاجة إلى إعداد الأجيال القادمة لتكون قادرة على إستكمال المشوار من خلال الإلتزام بـ”مسيرة الثورة” وهذا يعني تعزيز الإيمان لديهم بعدالة القضية والإستعداد للتضحية، فعبئ القضية الوطنية الفلسطينية أبعد من أن يُحسم أمره في حل سياسي مؤقت، وهذه نظرة قائد ثاقبة وبعيدة المدى مفادها بأن عرفات الفكر والثورة هو الذي يجب أن يستمر وليس عرفات الإنسان.

ثانياً:  الإستقرار الذي يؤدي إليه الزواج، فتشجيعه لبناء الأسرة واستعداده للمساعدة المادية في ذلك يعني استقرار الإنسان في وطنه، وبالتالي توفير السكن المناسب للحياة الزوجية، الذي سيقام بطبيعة الحال على قطعة من هذه الأرض الطيبة ويحافظ على الهوية الفلسطينية لجغرافيا هذا الوطن من خلال إنغراس الإنسان فيها، فالمساعدة على الزواج في فهم ياسر عرفات تعني الحفاظ على الجغرافيا وهذا يفسر سبب زواجه في سن متأخرة جداً عندما تأكد فيها من تحقيقه لحلم العودة إلى أرض الوطن.

ثالثاً: الحث على الإكثار من الإنجاب يحمل في طياته فهماً دقيقاً لطبيعة الصراع والذي يعتمد في أحد أهم جوانبه على تعداد السكان في كلا طرفي الصراع، فاليودي أياً كانت جذوره وأياً كان سكنه في هذا العالم يمتلك الحق بالإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بموجب أنه يهودي، وإسرائيل دولة اليهود، أما الفلسطيني والذي أُبعِدَ قسراً عن وطنه في الماضي القريب لا يمتلك حق العودة إلى بيته والذي أقرته له كل المواثيق والشرائع الإنسانية والدولية، فسلاح الإنجاب هو الوسيلة الممكنة التي تمكنه من مواجهة إعتداءات موجات الهجرة الصهيونية المتتالية، وهنا تكمن عبقرية الفهم العرفاتي لقوة الديمغرافيا الفلسطينية في مواجهة الديمغرافيا الصهيونية.

 

من خلال هذه القصة البسيطة يمكننا أن نستشف حجم الكارزما القيادية التي فقدناها مع غياب رمز هذا الشعب ولازلنا نفتقدها في شخص آخر، فإذا ما استمرت الحالة الفلسطينية المرتبكة كما هي عليه الآن فإننا لن نفقد القدرة على المواجهة فقط، بل سنفقد عنصر المقاومة أيضاً ألا وهو الإنسان، وما يحدث على الأرض اليوم يساهم في فقدان الإستقرار الداخلي ويدفع دفعاً الشباب الفلسطيني على الهجرة إلى خارج الوطن بحثاً عن الأمن والحياة الكريمة، فعلى المدى البعيد سيلعب عدم العلاج الفوري لمسببات ونتائج الأزمة الراهنة إلى تقديم خدمة مجانية غير مباشرة للهدف الرئيسي للإحتلال والمتمثل بالسيطرة على الأرض والقضاء على الإنسان، وهنا تكمن المفارقة الكبرى بين الحفاظ على الجغرافيا والديمغرافيا بطريقة ياسر عرفات وبين القضاء عليهما بمرض الإقتتال الداخلي، فالصحوة الصحوة أيتها القيادة السياسية قبل فوات الأوان.

كُتب في Uncategorized | إرسال التعليق

الديمقراطية الفلسطينية في مواجهة الديمقراطية الإسرائيلية

الديمقراطية الفلسطينية في مواجهة الديمقراطية الإسرائيلية

 

بقلم الأسير المقدسي: حسام شاهين

سجن عسقلان المركزي

19/5/2006

 

من الملاحظ في الآونة الأخيرة كثرة التحاليل السياسية والتقارير الإعلامية حول الديمقراطية الفلسطينية الناشئة، وخاصة بعد إجراء الإنتخابات التشريعية التي أسفرت عن فوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، تلك النتيجة التي فاجأتنا نحن الفلسطينيين – من حيث فارق المقاعد- قبل غيرنا من المراقبين لمجريات الأحداث السياسية على الساحة الفلسطينية، إلا أنها تبقى وبالرغم من التباين في وجهات النظر حول الأسباب التي أدت إليها، ثمرة الديمقراطية الفلسطينية التي تجاوزت بنزاهتها وشفافيتها معظم الديمقراطيات الغربية والأوروبية وعلى رأسها النموذج الديمقراطي الأمريكي المزعوم.

 

ومع تجاوز التجربة الديمقراطية الفلسطينية لكل الحواجز والمعيقات التي وضعت في طريقها بفعل الإحتلال الإسرائيلي وغطرسة قواته، حيث أن التحرر الوطني يعتبر ركيزة مهمة لتحقيق الديمقراطية، إلا أن قوة الديمقراطية لازالت ضعيفة داخل التنظيمات السياسية الفلسطينية بالرغم من تحقيقها هذا النجاح الطفري على الصعيد الوطني، خاصة وأنه جاء بهذا الزخم والتماسك بسبب المواجهة المباشرة مع قوات الإحتلال الإسرائيلي، لأن النجاح في هذه الحالة يعتبر وسيلة مقاومة أجمعت عليها كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، وبالتالي لا يمكننا أن نعتمد هذا النجاح وكأننا حققنا الديمقراطية الفلسطينية التي نصبوا إليها، بقدر ما يقع على كاهلنا من مسؤوليات مباشرة كأحزاب وتنظيمات سياسية لتعزيز وتقوية هذه التجربة من خلال تفعيل الحياة الديمقراطية الحزبية داخل كل تنظيم على حده وبذلك نضمن النمو السليم والطبيعي لهذا الوليد الديمقراطي الذي انبثق عن عملية سياسية قيصرية.

 

وفي مواجهة الديمقراطية الفلسطينية يقف الرفض الإسرائيلي المدعوم أمريكياً ومن حذى حذوهم بعدم الإعتراف بالنتائج الشرعية لهذه الإنتخابات النزيهة والحرة، تحت حجج وذرائع واهية تستند في شكلها الخارجي إلى عدم إعتراف حركة حماس بإسرائيل ونبذ العنف، أما في جوهرها الداخلي فتنطلق من تركيبة العقلية السياسية الأمريكية القائمة على محاصرة وقمع كل الديمقراطيات التي تتعارض نتائجها مع التبعية الأمريكية وإعلان الولاء للإمبراطورية الأمريكية الحديثة، وخير دليل ذلك ما شهده الماضي القريب خلال العقد المنصرم من أحداث لازالت ملتصقة بالذاكرة، ويقف في مقدمتها الإحتجاجات الراهنة على نتائج إنتخابات بيلاروسيا التي أفرزت الزعيم “الكسندر لوكاشينكا” المناهض للسياسة  الأمريكية، وحصار الرئيس الفلسطيني الراحل والمنتخب ديمقراطياً ياسر عرفات رحمه الله وذلك بعد رفضه الخضوع لشروط السلام وبشكل أدق الإستسلام الأمريكية الإسرائيلية، مروراً بالمؤامرة القذرة والفاشلة للإنقلاب العسكري على الرئيس الفنزويلي “هوجو شافيز” وصولاً إلى رفض نتائج الإنتخابات النمساوية التي أفرزت “هايدر” رئيساً للوزراء وغيرها الكثير من النماذج الحية، أما المفارقة الكبرى فتكمن بالترحيب المنقطع النظير بنتائج الديمقراطيتين الأفغانية والعراقية المجبولتين بدماء عشرات الآلاف من القتلى المدنيين الأبرياء، والمفروضتين تحت قوة السلاح الأمريكي، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى الاحتفال بنتائج الديمقراطية الإسرائيلية التي انتجت عدداً لابأس به من الجنرالات الملطخة أياديهم بدماء مئات الفلسطينيين، وبمن يدعون إلى القضاء على الفلسطينيين وترحيلهم عن أرضهم أمثال “أفيغدور ليبرمان”.

 

ولكي نتمكن من حماية ديمقراطيتنا والحفاظ عليها وتحصينها بشبكة من الشرعية الدولية الصديقة على الأقل، بعد أن رسخناها بالشرعية الوطنية الشعبية، يتوجب علينا عدم إعطاء أية فرصة لأعدائنا للنفاذ من خلالها إلى قلب بيتنا الداخلي ومحاولة العبث به، أو توفير الذرائع لهم للتمكن من محاصرتنا على الصعيد الدولي، حيث أننا لا نعيش في كوكب آخر بعيداً عن هذا العالم، وهذا يستدعي منا مراعاة المواقف التالية في خطابنا السياسي وأدائنا الرسمي.

 

أولاً:  الحفاظ على مبدأ التداول السلمي للسلطة، حيث أن من يؤمن بشرعية صندوق الإنتخابات هو من يحترم نتائجه، وهذا بالفعل ما التزمت به حركة فتح بكل مؤسساتها الرسمية والتنظيمية محققة بذلك نصراً جديداً لصالح الوحدة الوطنية الفلسطينية، متجاهلة كل الضغوط الخارجية لصالح إرادة صناعة الديمقراطية الفلسطينية على أسس وطنية متينة، ليضاف إلى سجلها النضالي العريق المساهمة المهمة في بناء اللبنة الأساسية ووضع حجر الأساس للدولة الفلسطينية المنشودة بالتعاون مع باقي القوى الوطنية والإسلامية على الساحة الفلسطينية.

 

ثانياً:  تفعيل دور المعارضة السياسية البناءة في إطار المؤسسة الرسمية الفلسطينية وتحت شرعية القانون، فمن حق حماس أن تشكل الحكومة الفلسطينية ومن حق فتح أن لا تشارك في هذه الحكومة ما دامت كل العملية تتم تحت قبة البرلمان الفلسطيني، فالمعارضة الإيجابية هي روح الديمقراطية الناجحة.

 

ثالثاً:  على حماس مراجعة موقفها الرافض للإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، حتى وإن كان لديها بعض التحفظات التي نتفق معها فيها على طبيعة دور مؤسسات منظمة التحرير ووجوب الإتفاق الوطني على إعادة تفعيلها بما يتلائم والواقع الفلسطيني الجديد، فعدم الإعتراف بشرعية المنظمة كون حماس غير ممثلة فيها يعتبر مقدمة خطيرة في العمل السياسي الفلسطيني، وإعطاء الشرعية لأي حزب سياسي يتشكل في المستقبل بأن يسير على خطى حماس وأن لا يعترف بشرعية المنظمة ما دام غير ممثلاُ فيها، بالإضافة إلى أن نزع الشرعية التمثيلية للشعب الفلسطيني عن منظمة التحرير يساهم في نزع الشرعية الدولية عن السلطة الوطنية وهذه خطوة خطيرة يجب الإنتباه إلى تبعاتها، مع العلم أن المنظمة هي الدرع الحامي لديمقراطية المنفى حتى يحين قيام الدولة.

 

رابعاً:  في المستقبل لا يمكن تحقيق الديمقراطية بعيداً عن شرط توفير الدولة العلمانية التي يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، ويعيش الجميع في كنفها أحراراً، حيث أن الذي يحكم الجميع هو القوانين التشريعية التي مصدرها ممثلو الشعب المنتخبون ديمقراطياً، فالشعب هو مصدر السلطات وهذا يتنافى مع الدولة الدينية الشمولية التي تعتمد على القوانين الشرعية فقط والتي مصدرها الدين وحده.

 

إن التمسك بهذا المستوى من وتيرة العمل الديمقراطي الفلسطيني وعدم السماح له بالتراجع مع الأخذ بعين الإعتبار كل الملاحظات السابقة، يعد نصراً سياسياً وديمقراطياً ساحقاً على ما يسمى بالديمقراطية الإسرائيلية وتسجيل الهدف الذهبي على ملعب ديمقراطية الشرق الأوسط أمام جمهور المراقبين الدوليين، وهذا الإنجاز يتطلب جهداً جماعياً من أجل الحفاظ عليه.

 

 

كُتب في Uncategorized | إرسال التعليق

الدولة الفلسطينية على أرض الوطن الفلسطيني

الدولة الفلسطينية على أرض الوطن الفلسطيني

 

بقلم الأسير المقدسي:  حسام زهدي شاهين

رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في القدس

سكرتير العلاقات الدولية لشبيبة فتح

سجن الرملة المركزي

11/12/2006

 

منذ اللحظة الأولى التي تبنّت فيها منظمّة التحرير الفلسطينية في العام 1974 البرنامج المرحلي، والذي حدّد بموجبه المجلس الوطني الفلسطيني الثوابت الوطنيّة الفلسطينيّة، والسّاعي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أي جزء يتم تحريره أو تنسحب منه إسرائيل، مروراً بمؤتمر مدريد الدولي للسلام في العام 1991، والداعي إلى إقامة الدولة الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدوليّة وتحديداً القرار 242، وصولاً إلى توقيع إتفاقية إعلان المبادئ “أوسلو” في العام 1993، وامتداداً من ذلك التاريخ حتى يومنا الحاضر ولا زالت حركة فتح تتبنى رؤية سياسية وبرنامج عمل واضح المعالم، تقود من خلاله الشعب الفلسطيني حتى يتمكن من تحقيق جزءاً من حلمه الوطني بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، رؤية سياسية ميّزت فيها فتح بشكل دقيق بين مفهوميّ الدولة والوطن، فالقراءة الواقعيّة لكل المعطيات السياسية على مختلف الساحات المحلية، الإقليمية والدولية، كانت نتيجتها الوحيدة تفيد بإمكانية إقامة دولة فلسطينية على جزء من الوطن الفلسطيني، بما يضمن حدوداً سياسية معترف بها لهذه الدولة ولا يلغي الحدود الجغرافية التاريخية للوطن الفلسطيني. 

وهذه هي نفس النتيجة التي توصلّت إليها فصائل المعارضة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس التي اعتلت سدة الحكم للسلطة الوطنية الفلسطينية من خلال إنتخابات حرّة ديمقراطيّة بعد ستّة عشر عاماً من المعارضة الشرسة لهذا المشروع، وبدأت تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود الأراضي المحتلة عام 1967. 

وللوصول إلى مشروع الدولة وفق ما ينسجم مع محدّدات السياسة الدوليّة وتحديداً مؤسساتها الرسمية صاحبة التأثير المباشر في مجريات الحل للصراع العربي-الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية، منحت منظمة التحرير الفلسطينية اسرائيل تحت رعاية العالم “هدنة أوسلو” المرتبطة بالحل السياسي للصراع وليس الإنساني فقط، فكلمة هدنة وحسب منجد اللغة العربية تعني لغة واصطلاحاً “وقف الحرب إلى حين، لأجل وضع شروط الصلح”، وكانت هدنة أوسلو لمدة خمس سنوات، والكل فينا يذكر جيداً موقف الرئيس الشهيد ياسر عرفات الذي دعى خلاله إلى إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة من طرف واحد عندما شارفت الهدنة الممنوحة فلسطينياً على نهايتها في العام 1999، ذلك الموقف الذي حرك كل أقطاب السياسة، حتى كادت “مادلين أولبرايت” وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت، لا تغادر المقاطعة مقر الرئاسة الفلسطينية في مدينة رام الله حتى تعود إليها، باذلةً كل جهد ممكن ومستخدمة كل الوسائل للضغط على الرئيس الراحل، حاشدة معها أطرافاً عربية للتأثير على موقف أبوعّمار، حتى تّم الإتفاق في نهاية المطاف على تأجيل الإعلان لمدة عام واحد وليس إلا، على أن يحمل العام الذي يليه مؤتمراً دولياً يتم التوصّل خلاله إلى الإتفاق على كل قضايا الحل النهائي، وتعلن الدولة الفلسطينية المستقلة تحت مظلة الإعتراف الدولي، وبالفعل جاءت مفاوضات “كامب ديفد الثانية” التي جمعت بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، والتي وصلت الى طريق مسدودة نتيجة التعّنت الإسرائيلي، وأثبتت في ذات الوقت بما لم يعد فيه مجالاً للشك ولا للتشكيك بالنوايا الوطنية لحركة فتح وبالمصداقيّة السياسية لياسر عرفات وبمدى حرصه على الثوابت الوطنية الفلسطينية واستعداده لدفع الثمن مهما كان ذلك مقابل الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني وحماية مشروعه الوطني. 

عاد ياسر عرفات إلى أرض الوطن، ولدى إعتلائة للمنصّة وسط الحشود التي اجتمعت لإستقباله قال قوله المشهور “ليس فينا، وليس منّا، وليس بيننا من يفرط بذرة من تراب القدس الشريف”، معلناً بذلك حقبة سياسية جديدة، وروى للشعب الفلسطيني بكل شفافيّة ما الذي حدث في كامب ديفيد، وباشر اجتماعاته مع كل الفعاليات الجماهيرية والوطنية الفلسطينية للأعداد لإعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد في ذكرى إعلان الإستقلال بتاريخ 15/11/2000، وبدأ الكل في المؤسسة الرسميّة الفلسطينية الإستعداد لذلك الإعلان وكان لسان حال الختيار يقول: خضنا الإنتفاضة الأولى لمدة سبع سنوات، والآن لنشطب الصفحة ونبدأ من جديد.  إلا أن آرئيل شارون استبق الموعد المحدد لإعلان الدولة باقتحامه لباحات المسجد الأقصى مخلفاً وراءه مجزرة نكراء ساهمت في تسريع إشعال فتيل الإنتفاضة الحالية “إنتفاضة الأقصى” والتي شكّك البعض منذ بدايتها في صدق أهدافها، حيث جاءت عند نهاية مدّة هدنة أوسلو، باختصار عادت حركة فتح إلى خيار المقاومة، الذي لم تسقطه من خياراتها وكان لها الدور والفعل الأكبر في صناعة أحداث الإنتفاضة الحالية. 

اليوم وفي تفاعل المستجدات السياسية الجديدة على الساحة الفلسطينية وتحديداً في ظل الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة حماس، يكثر القول عن مفهوم الهدنة طويلة الأمد لعشر سنوات أو حتى عشرون عاماً، بعيداً عن أي غطاء سياسي لهذه الهدنة، اللهم كما جاء على لسان رئيس الوزراء الفلسطيني الأخ إسماعيل هنيّة بالسماح لوزراء حكومته الإلتقاء مع نظرائهم الإسرائيلين في إتصالات ذات صبغة حياتية لتسيير حياة الناس في إطار التعامل مع الواقع والذي لايعني الإعتراف به. 

هذا الكلام الذي يعني تلاعباً في الفهم السياسي لمعنى اللقاء بين وزراء حكومتين لشعبين، الذي يربط بينهما هو حالة من الصراع الدامي، ولا يستطيع أن يتصوّر أحداً لقاءً بين وزيريّ الصحة مثلاً، ومصافحة أحدهما للآخر أمام وسائل الإعلام المحلية والدولية، وفي خلفية الصورة يوجد العلمين الفلسطيني والإسرائيلي، ويُغفل الجانب السياسي لهذا اللقاء على إعتباره أنه إستمرار للمقاومة!  فاللقاء الرسمي حتى وإن كان لمجرد تنسيق بعض القضايا الحياتيّة يحمل اسمه من صفة المجتمعين فيه، عدا عن أن هدفه هو الحوار والتفاهم على بعض الأمور وليس الصراع والملاكمة، فإفراغ اللقاء من محتواه السياسي أشبه بإعطاء الجندي بندقيّة فارغة من الرصاص وارساله إلى ساحة المعركة للمشاركة في القتال، ففي هذه الحالة تصبح البندقية مجرد دمية لا أكثر ولا أقل بين يدّي الجندي، وهنا نصبح نواجه خطر تطبيع الإرادة مع الواقع وليس التعامل معه. الإستنتاج المبني على المعطيات السابقة الذكر، يشير بشكل واضح على أن اشتداد حدّة المعارضة الحمساويّة لإتفاقية إعلان المبادئ “اوسلو” منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994 وحتى بداية إنتفاضة الأقصى في العام 2000 لم تكن تهدف الى تحرير حيفا ويافا وعكا بقدر ما كانت تهدف الى إسقاط مشروع السلطة الوطنية على طريق إستبدالها بسلطة حمساويّة، والدليل على ذلك تراجعها عن موقفها السابق بتحريم المشاركة في الإنتخابات التشريعيّة عام 1996 على القاعدة الشرعية “ما بني على باطل فهو باطل”، فاوسلو باطلة وبالتالي الإنتخابات المترتبة عليها باطلة، والوقائع السياسية الجديدة تؤكد صحة ما نرمي اليه حيث أصبحت حماس تجلس على مقاعد الحكم للسلطة الفلسطينية وانتقلت فتح إلى مقاعد المعارضة إنطلاقاً من مشروع اوسلو بغض النظر عن كل التبريرات الضعيفة التي قيلت أو ستقال، وهذا شاهد حيّ على أن إنتخابات حماس جاءت على خلفيّة برنامج عمل إجتماعي وليس برنامج عمل سياسي مبني على إنهاء السلطة الفلسطينية، لذلك فعلى حركة حماس التي مارست معارضتها الغير قانونية خلال الفترة الماضية خارج المؤسسة الحكومية والرسمية الفلسطينية، أن تتقبل اليوم برحابة صدر معارضة حركة فتح القانونية داخل أروقة المؤسسة الشرعية الفلسطينية، وعلى كلا الطرفين تقع مسؤولية الحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية بالإستناد إلى معرفتهما التامّة للمأساة التي يمكن أن تنجم عن البديل لذلك. وحسب رأيي الشخصي والمتواضع، فإن الإنتخابات الرئاسيّة المبكرة على أساس برامجي تمثّل مخرجاً مقبولاً للأزمة الراهنة، وتعبّر عن الحل الأقل خسائراً على الصعيد الوطني العام وليس الحزبي الخاص، وتضع حداً لإدعاءات الإنقلاب السياسي الباطلة، بشرط أن يتم توقيع وثيقة عهد فلسطينية بين كل الفصائل ملزمة للجميع على إحترام نتائج الإنتخابات، فإن فاز برنامج فتح الإنتخابي ومرشحها فعلى حركة حماس أن تقبل الدعوة للإنتخابات التشريعية المبكرة، وإذا فاز برنامج حركة حماس ومرشحها، فعلى حركة فتح وكما عوّدت الشعب الفلسطيني دائماً أن تكون صاحبة الدرع الحامي للإدارة الشعبية الفلسطينية والمدافع عن الشرعية الفلسطينية، وبالتالي نكون قد حدّدنا استراتيجيّة العمل الفلسطينيّة التي سنخاطب بها العالم.

كُتب في Uncategorized | إرسال التعليق

اخلاق السلاح الفلسطيني

أخلاق السلاح الفلسطيني

 

بقلم الأسير المقدسي:  حسام زهدي شاهين

رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية في القدس

سجن عسقلان المركزي

25/2/2007 (مجلة العودة)

نشرت في صحيفة القدس

 

حجم المناظر السيئة التي أصبحت تحتل مساحة واسعة على شاشات الفضائيات العربية والأجنبية لمجموعات المسلحين وهم يقتحمون ويحتلون مراكز السلطة الوطنية أو يختطفون ضيوف الشعب الفلسطيني من الأجانب، أصبحت تسيئ لتاريخ النضال الوطني الفلسطيني بغض النظر عن الدوافع التي أدت إلى هكذا تصرفات، فمن غير المعقول أو المقبول أخلاقياً بأن يعتدي فرد أو جماعة من الناس على حقوق الآخرين وعلى حق الوطن –الحق العام- بهدف تحصيل حقوقهم الفردية الخاصة.

 فالمقاتل الفلسطيني بشكل عام، هو ذلك الإنسان المسلح بقوة الأخلاق قبل أن يكون مسلحاً بقوة السلاح، وبالتالي فإن معظم المعارك التي خاضها المقاومين الفلسطينيين على كافة الميادين، كانت بوصلة القتال فيها خاضعة لقوة روح المبادئ التي يتحصن من خلفها المقاتل، والتي يكون من خلالها الإستعداد للتضحية يشكل مادة روحية مبدئية لتحقيق النصر إلى جانب الوسائل القتالية الأخرى ومن ضمنها السلاح.  ومن هنا فإن المقاتل صاحب القضية الوطنية والمبدئية –ولكي نميز بينه وبين قاطع الطريق- هو الشخص الذي يصنع نفسه في دائرة حدود المبادئ العامة لا حدود الرغبات الخاصة، فهذا هو الإنسان الذي يحترم القانون، وعندما يوجه سلاحه للقتال يكون قد دفعه إلى أوج المعركة محصناً بكتلة الأخلاق، وإذا شعر بأن منظر هذا السلاح يثير أحياناً فزع العامة وخاصة الأطفال منهم، تفرض عليه أخلاقه الوطنية حين ذاك إخفاء السلاح عن ناظرهم، فكيف هو الحال عند استخدامه، فلا مكان لإستخدامه إلا وسط المعركة، ولا هدف لحمله إلى لحماية الوطن والمواطن، وعندما يتحول السلاح الثوري للدفاع عن مصالح حامله فقط، يفقد قيمته الأخلاقية ويتحول إلى سلاح عصابات.

 

لهذه المسلكيات الشاذة عن تراث الشعب الفلسطيني انعكاسات سلبية متعددة الجهات بالإضافة إلى الخسائر التي تسببها على عدة أصعدة، وأول من يدفع ثمنها هم مرتكبوها أنفسهم، وذلك على صعيد إضعاف وضعهم الإجتماعي، ودفع المجتمع الفلسطيني المحيط بهم إلى النظر إليهم بعين الرفض والإقصاء وعدم القبول، كما أن التنظيم السياسي الذي يتبعون له وخاصة حركة فتح حيث ان معظمهم ينتمون إليها، باتت تدفع ثمناً باهظاً على الصعيد الجماهيري، نتاج هذه الفوضى الغير مسؤولة، لهذا يقع على عاتق قيادتها المسؤولية الأولى والأكبر في حل مشاكل هؤلاء الشباب وإعطائهم حقوقهم داخل البيت الفتحاوي، ولايحق للقيادي بأي شكل من الأشكال تجاهل مطالبهم التي فيها وجه حق، كما لايحق لهؤلاء الشباب اللجوء إلى هكذا أساليب للمطالبة بحقوقهم، فإذا كانوا حريصين على مستقبلهم ومستقبل تنظيمهم، فعليهم أن يزودوه بأسباب النجاح لا بأسباب الفشل. 

والأخطر من كل ذلك، يكون عندما يدفع الوطن الثمن ببعده الدولي، فالأجانب في فلسطين هم أصدقاء وضيوف الشعب الفلسطيني، فمهمة حمايتهم والدفاع عنهم واجب وطني وديني واخلاقي على كل فلسطيني، والمس بهم أو تهديد أمنهم يشكل إعتداء على المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، فكيف يمكن لأحد على وجه هذه الأرض أن يفهم أو يتفهم إحتجاز الأصدقاء الأجانب الذين يمثلون سفراء للدفاع عن القضية الفلسطينية في بلدانهم، أليس الجدير بنا توسيع دائرة الأصدقاء على حساب دائرة الأعداء، أم العكس هو المطلوب!!! وما الذي يمكن أن يقوله صحافي أجنبي للعالم، ذهبت لتغطية أحداث القضية الفلسطينية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، فقام الفلسطينيون باختطافي، أليس هذا من سخريات الحياة!!! لا مدوية وبصوت مرتفع، هذه ليست ثقافة الشعب الفلسطيني، فثقافة الإختطاف والإحتجاز واقتحام المؤسسات العامة، بريئ منها الشعب الفلسطيني براءة الذئب من دم يوسف. 

فحركة فتح قائدة النضال الوطني الفلسطيني، ومنذ نشأتها وضعت على رأس ملكياتها الثورية مبدأ “البندقية الغير مسيه قاطعة طريق”، وعلى هذا المبدئ دأبت بتربية عناصرها، حيث لم يكن رفعها لهذا الشعار والعمل على تنفيذه من فراغ، بقدر ما كان الهدف منه حماية شرعية السلاح الفلسطيني المقاوم والحفاظ على أخلاقه في ظل الهجمة الصهيونية والإمبريالية الشرسة التي كانت تستهدف كل ما هو نضال فلسطيني، وتسعى لتشويهه والإساءة إليه، وصبغه بصبغة الإرهاب، وبالفعل ومع مرور الزمن حدث ما كانت تخشاه حركة فتح بمسها الثوري لعثرات الزمن، وجاءت إساءة البعض الفلسطيني إلى شرعية هذا السلاح، وخير دليل على ذلك، الكتاب الذي ألفه الكاتب البريطاني المشهور “باتريك سل” صديق القضايا العربية والذي جاء تحت اسم “البندقية المأجورة” وتطرق فيه لمخاطر السلاح المأجور على مسار القضية الوطنية الفلسطينية ومستقبلها، فلنحرص جميعاً، أفراداً وتنظيمات، على حماية بنادقنا بأخلاقنا، رأفه بعدالة قضيتنا وحفاظاً على دماء شهدائنا وضماناً لمستقبلنا الفلسطيني الزاهر.

أما المشهد المضحك المبكي في نفس الوقت، هو ما حدث في قطاع غزة مؤخراً، من المظاهر المسلحة لرجال الشرطة الفلسطينية واقتحامهم لبعض مؤسسات السلطة الوطنية وإغلاقهم الطرق العامة بذريعة المطالبة برواتبهم المتأخرة شهراً واحداً عن موعدها، فمن يفترض بهم كرجال قانون العمل بالحفاظ على الأمن العام والمؤسسات العامة والخاصة، هم من يخرقون القانون، ويعتدون على المؤسسات، وينتزعون من الأمن قيمتيه المادية والمعنوية، فعندما يتظاهر الشرطي في الشارع، فعلى عاتق من يقع الحفاظ على الأمن؟! وعندما يوظف رجل القانون السلاح الذي بين يديه لغير ما خصص له، وجبت محاسبته، وإلا فإن الذي سيتحكم في مستقبلنا سيكون قانون الغاب لا قانون المؤسسات، فإلى جميع أخوتنا وأحبتنا في الشرطة الفلسطينية وإلى صناع القرار السياسي الفلسطيني بشكل عام، نقول: عندما ينحصر القانون في يد أصحابه في صياغة الحق يصبح قانوناً أعرج، ولكي يكون سليماً معافى يسير على قدمين اثنتين يجب أن يصاغ في إطار الحق والواجب معاً، نحن نعلم بأن لديكم حق في تلقي رواتبكم من قبل السلطة التي تعاني من أزمة مالية حادة في الظرف الراهن، وفي نفس الوقت يقع عليكم واجب بمقتضى القانون نفسه، بأن تحافظوا على النظام، لكي لا يلغى الشعب حاضره متحسراً على ماضيه!!!

 

كُتب في Uncategorized | إرسال التعليق