إلى كافّة فعاليّات الشّعب التّونسي

نحو فضاء رئاسي جديد

الهــادي شقـــرون

___________________________________________________

خلاصة:

لقد طال خداع الشعوب والتلاعب بمصائرها شرقا وغربا بما فيها التي تتمتع بالديمقراطية. والآن وبعد ثورة 14 جانفي المجيدة كيف نقطع مع هذا الماضي فنضمن رئيسا يتمتع بمصداقية عالية ولياقة نفسية جيدة ؟

لحلّ هذا الإشكال يقترح الكاتب وضع صيغة في الدستور تشترط إخضاع المرشحين للرئاسة إلى اختبار نفسي يقيس ذكاءهم العاطفي قبل عملية انتخابهم من الشعب.

___________________________________________________

1- “هذا هو الإنسان يشكو من حذائه والعلّة في قدمه”

بيكيت

2- “غالبا ما يأتي الخراب من باب تركناه مفتوحا بإرادتنا”

3- “لم يزل الأستاذ يُقدّم له العلم أوّلا بأوّل وكلّما احتمل زيادة زاده”

إنّ ما أنجزه الشّعب التّونسي بقيادة نخبة من شبابه بديع جدّا لم يحلم به أحد. مكّن من دحر الاستعمار الدّاخلي وفضح الدّيمقراطيّات الغربيّة التي لم يتورّع بعضها عن تصدير السّلاح لقتل المدنيّين المطالبين بشكل سلمي بالحرّية.

سيسجّل التّاريخ أنّه حوّل تونس والبلاد العربيّة ولِمَ لا العالم من خراب شامل إلى فضاء فكري واجتماعي وسياسي جديد سيمزّق ما كان فيه الإنسان من عدم ولامعقول وبلاهة وفساد وإفساد ويجعلنا نردّد مع الشّاعر التّركي ناظم حكمتْ: “أجمل الأيّام هي التي لم نعشها بعد”.

ولكن علينا الانتباه أنّه بقدر الانجاز يكون حجم المخاطر وأنا لا أقصد المخاطر الحاليّة وعلى رأسها الفوضى والتخبّط وقلّة الأمن إذ هي مخاطر مؤقّتة وجانب منها صحّي ذلك أنّ سيّئات الحرّية أفضل بكثير من محاسن الاستبداد. وعلى كل فمهما طالت الفوضى سنجد أنفسنا في الأخير أمام دستور جديد وأمام دولة قانون وحرّية إعلام ومؤسّسات حقيقيّة مستقلّة ومع كل هذا سيستمر الخطر قائما ذلك أنّ عائقا أساسيا وبنيويا سيبقى وأنّ الانتصار عليه أو تحجيمه هو الذي سيضع سدّا منيعا بيننا وبين العودة إلى الماضي البغيض ماضينا نحن وحاضر الدّول الدّيمقراطية وينقلنا وينقل العالم إلى إبستيمي (فضاء فكري) جديد فما هو هذا الخطر البنيوي؟ وبأيّ وسائل يمكن التّصدّي له؟ وبعبارة أخرى مباشرة: بعد الخروج من هذه المرحلة الانتقاليّة التي نعيشها ونصل إلى مرحلة اختيار رئيس الجمهورية كيف نختار هذا الرّئيس لينفّذ بإخلاص وأمانة وشفافية البرنامج الذي وعد به الشّعب حتّى نخرج من ديمقراطية شكلية يقول فيها الشّعب كلّ ما يريد ويفعل فيها النّظام فيما بعد كلّ ما يريد إلى ديمقراطية حقيقية يتطابق فيها القول بالعمل دون تراجع أو مراجعة أو التفاف؟

وهنا أتقدّم بهذا الاقتراح وسأحاول بكلّ جهدي أن أكون واضحا ومباشرا.

السّياسي يطرح نفسه دوما للإنقاذ ونادرا جدّا ما يفعل ذلك بإخلاص والمتابع للحملات الانتخابية في كلّ الدّول الدّيمقراطية والتي تتظاهر بالدّيمقراطية يشاهد مباراة ساخنة في الكذب وتختفي الحقيقة أمام الصّوت العالي وأمام الصّياح بالوطنية أو بالعدالة أو بالتّديّن والسّياسي يقدّم في خطبه وفي برامجه ما يريده الشّعب وعندما يصل إلى السّلطة ينفّذ ما يريده هو رغم أنف حزبه أو بتواطئ مع حزبه وقد أصاب جدّا من قال “إنّ السّياسي يبني جسورا فوق أنهار لا وجود لها” فهو لكي يصل إلى سدّة الحكم يعِد بالكثير متماهيا مع وعوده ويبيع الأوهام ويتمسْكن وغالبا ما يسير عندما يتمكّن من السّلطة عكس ما وعد به منحازا إلى مصالحه الضيّقة. ومصالحه هذه تشمل طموحاته الشّخصية وطموحات زوجته وأهله وعشيرته والمسيّرين لحزبه. ويتفاقم الأمر عندما تكون الرّقابة هزيلة أو متلاعِبة أو مُتلاعَب بها. وتصدق هذه الوضعية حتّى على الفضاء السّياسي الأوروبي والأمريكي وإن بصور أكثر تخفّيا ولم يخطئ من عرّف السّياسة في هذه الوضعيّة بأنّها “فنّ ممارسة الكذب”.

طبعا لا أحد يتمنّى للثّورة التّونسية هذا المآل ولكن لنضع التمنّيات جانبا لنؤكّد أنّنا بهذه الآليّات الدّيمقراطية الغربيّة سنجد أنفسنا نخرج من الحالة الثّورية إلى الحالة السّياسية كما حصل في كلّ ثورات التّاريخ البشري. وعلى كلّ فالطّريق إلى جهنّم مملوء بالنّوايا الطيّبة كما بيّن ماركس ومملوء بخيبات الأمل وبالمنقلبين على وعودهم. وعلى القارئ أن يسرح بذهنه قليلا في عالم السّياسة وسيجد مئات الأمثلة تؤكّد ما ذهبت إليه.

إنّ أقصى إحساس بالقهر شعور الإنسان أنّه كان مخدوعا وقد تكرّرت الخدعة وطالت ولهذا علينا تفهّم المنتفضين والمتجاوزين والمدمّرين للغير ولذواتهم فقد ملّوا الانتظار وملّوا الوعود الكاذبة وتلاعب السّياسيّين الذين بدؤوا ثوريّين وانتهوا سياسيّين مخادعين. وفي تاريخنا القريب تكرّر هذا الخداع وعلينا أن نتذكّر أنّ بورقيبة الذي غيّر الدّستور ليجثم على قلوب الشّعب مدى الحياة بدأ حياته السّياسية في بداية الاستقلال ثوريا يرفض ترؤّس الوزارة قائلا: “أنا رجل كفاح وسجون لا رجل حكم ومناصب” وأنّ مبارك بدأ حياته قائلا: “الكفن ليس له جيوب” وانتهى بأن أصبح في مقدّمة أثرياء العالم. وأنّ ابن علي بدأ رئاسته قائلا: “قولوا تحيى تونس” ردّا على من هتف باسمه وانتهى إلى جعل تونس بقرة حلوب له ولعائلته ولأهله وحاشيته.

إنّي أرى أن نتعامل مع السّياسي على خلاف القاعدة الحقوقية بأنّه متّهم ومُدان إلى أن يظهر ما يخالف ذلك بعد مغادرته الحكم بسنوات (وسلوك شيراك دليل على ذلك). ويكفي أن نعرف أنّ جلّ السّياسيّين ينامون وتحت وساداتهم كتاب “الأمير” فهُم يتعلّمون الانتهازية والوصولية والنّفاق والجشع والتّكالب والتّآمر وهُم كثيرا ما يضحكون على شعوبهم بدموع التّماسيح كما كان يفعل بورقيبة في كثير من خطبه (كان ينصّ على هذا في خطبه المكتوبة فيضع كلمة بكاء بعد بعض الفقرات على حدّ ادّعاء بعض المقرّبين إليه) ومثلما فعل ابن علي على أستار الكعبة في بداية رئاسته للدّولة.

إذن علينا أن نضع هذه المراوغات نصب أعيننا ونحن نتعامل مع السياسيين الجدد وليكف الشعب عن أن يكون كريما ومغفلا ولنضع أمامنا الكلمات الذهبية التالية “السلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة” ولا نريد الاكتفاء بالتحول من الحالة الثانية إلى الحالة الأولى كما هو حاصل في الدول الديمقراطية الغربية.

إن السياسي يعِد ويكذب ويزيف ويتجمل والشعب الكريم يصدق وينخدع وينسى ويعود ليؤيد بحماس الجدد من السياسيين ويلدغ باستمرار من نفس الجحر والحاشية تبارك وتثمن وتداهن وتغير جلودها كالأفاعي مع القادم الجديد وتفرز حاشية جديدة وهكذا دواليك والضحية في كل هذا هو الشعب والمشروع النهضوي والقيم الإنسانية والحقيقة. وفي الأخير ينتشر اليأس من التغيير والإصلاح ويضيع الأمل ويتفاقم الانحراف وتنتشر الجرائم ويتكون رأي عام ينظّر قائلا: “هذا هو الإنسان وهذه هي السياسة وما عدا ذلك مُثُل جوفاء وأوهام وسراب”. ويترسب كل هذا في وجدان الناس وتُستبطن قيم الفساد والفقر والجهل باعتبارها ظاهرة بشرية منذ آدم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إن بدايات كل هذه النتائج حاكم فاسد له المواصفات التي ذكرت وهو يماثل أبا أسرة فاسدا مستهترا بواجباته تجاه عائلته ولا نعجب إذا عم الفساد والانحراف والإجرام أفراد العائلة إذ لا يستقيم الظل والعود أعوج.

قد يرى البعض أني رسمت لوحة سوداء للسياسيين ولكني أجيب إنها سوداء فعلا ولم أقم بتسويدها وقد كشف موقع ويكيليكس تلاعب السياسيين وازدواجية خطاباتهم وقد شمل هذا حتى الذين قطعت دولهم شوطا كبيرا في الديمقراطية والشفافية مثل الدول الاسكندينافية.

عندما كشّر القدافي عن أنيابه وضرب شعبه بالمدافع والطائرات مستعينا بالمرتزقة الأجانب دفاعا عن عرشه اعتبره الكثير شاذا ومجنونا ولكن عندما نتأمل التاريخ البشري قديما وحديثا نجد سلوك القدافي بين الحكام هو القاعدة وليس الاستثناء وفي ذهني بعض الأمثلة الصارخة:

في سنة 63 هـ انتفض أهل المدينة المنورة وخلعوا [هكذا] يزيد بن معاوية لفساده وظلمه فما كان منه إلا أن انتقم ونهب المدينة لمدة ثلاثة أيام وقد وصف ابن حرب هذه الفاجعة قائلا: “هي من أكبر مصائب الإسلام قُتل فيها الآلاف من الخلق ومات فيها كل من شارك أو شاهد غزوة بدر وداست الخيل مسجد الرسول وبالت ثم انتقل الجيش إلى مكة فضُربت الكعبة وأحرقت ستائرها…”. وفي الفترة الحالية لولا أن ابن علي ومبارك خُذلا من الجيش لفعلا بتونس وبمصر ما فعله يزيد بالمدينة وبمكة وما فعله القدافي بليبيا.

لقد استشهدت بهذه الأحداث لأبرز شيئين اثنين. الأول: إنّ ما تمثله المدينة المنورة ومكة في قلوب المسلمين وما يمثله الصحابة الذين شاركوا في غزوة بدر أو عاصروها لم تردع الطاغية يزيد عن غيّه. الثاني: رغم تشبع العصر الحديث بقيم حقوق الشعوب وحقوق الإنسان وبالديمقراطية فإن الكثير من الحكام لم يُردع عن ارتكاب فظائع تماثل ما فعله يزيد وكأن الزمن لم يفعل فعله.

وهكذا فالتاريخ قديما وحديثا يعلّمنا أن السياسي لكي يحافظ على عرشه على استعداد للإجرام وتشمل جرائمه حتى أقرب الناس إليه مما يدفعنا إلى القول أن عمر بن عبد العزيز وغاندي ومانديلا استثناء وأن نيرون وهتلر وبوش والقدافي هم القاعدة.

لقد لخّص سارتر كل هذا بقوله: “السلطة شر كلها ولهذا لا بد من ضوابط كفيلة بلجم جماحها وتجريدها من إمكانية التغوّل وشهوة الطغيان”. ولكن يظهر أن الديمقراطية والدساتير الحديثة وفصل السلط والتداول على السلطة لم تنجح في تحقيق نقلة نوعية إذ سرعان ما وقع الالتفاف على هذه الإجراءات وعادت حليمة إلى عادتها القديمة ولكن بأسلوب أكثر تخفيا وخداعا إلى درجة تشبيه بعضهم السياسي بحفّاظة الأطفال (couche) فقال: “السياسي وحفاظة الأطفال كلاهما يجب تغييره باستمرار ولنفس السبب”.

فما هو الحل إذن ؟ وكيف السبيل للخروج من هذا المأزق البنيوي الذي طال أمده؟

طبعا لا يمكن العودة إلى مجتمعات ما قبل الدولة أو إلى الطرح الشيوعي فضلا عن الطرح الذي يريد النكوص إلى الدولة الدينية وبلائها أو الخلافة وفتنها إذ كل هذه الأطروحات تجاوزها الزمان ولكن يمكن أن نستلهم من بعضها سلبا أو إيجابا بعض خيوط الحل.

عندما نعود إلى جمهورية أفلاطون نلاحظ وصفا دقيقا أتبعه باقتراح ولكن المناخ المعرفي لأفلاطون عجز عن تفعيله. يرى أفلاطون أن رئيس الجمهورية المثالي هو الذي يشبه في طباعه جوانب من طباع الكلب (لإعطاء هذا التشبيه أهميته وجديته لا بد من التحرر من هيمنة النظرة السلبية المتحيزة عن الحيوان) فالكلب وفيّ لصاحبه حتى ولو أساء معاملته ويكره العدو حتى ولو أحسن معاملته. وقد رأيت هذا الوفاء مجسما في قولتين إحداهما لغسان كنفاني ناقدا انحراف السلطة الفلسطينية: “إذا فشل المدافعون عن القضية علينا أن نغير المدافعين لا القضية” والثانية لعبد الحميد بن باديس: “واللّه لو قالت لي فرنسا قل لا اله إلا الله لما قلتها”. من البديهي أن صفة الوفاء هذه تستدعي معها صفات أخرى ايجابية نجدها في ما أصبح يسمى لدى علماء النفس بالذكاء العاطفي (Emotional Intelligence).

فما هو الذكاء العاطفي ؟

باختصار شديد -وكل اختصار مخلّ- أقول: لقد ساد الاعتقاد منذ أرسطو وحتى نهاية القرن العشرين أن الذكاء هو قدرة العقل على التحليل المنطقي وقد وضع پيناي Pinet مقياسا له ساد عقودا. وفي النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت محاولات عديدة تشكك في هذه النظرة للإنسان وتشكك في كثير من مقولات فرويد مما أثمر علما جديدا على يد رئيس الجمعية الأمريكية لعلم النفس مارتن سليڤمان Martin Seligman سنة 1998 سمّاه علم النفس الايجابي (Positive Psychology) وهو علم على خلاف تصورات فرويد عن الإنسان يهتم أساسا بــ”قيم وفضائل الإنسان وقواه ويعمل على تطويرها وتنميتها ليصبح فائقا وكفءا في معظم سياقات الحياة”. وقد أدى هذا التعريف إلى الانتباه لدور العاطفة في حياة الإنسان فهو يفكر ويتخذ قراراته بدافع من انفعالاته العاطفية ومهما كان ذكاؤه العقلي (Mental intelligence) فإن ذكاءه العاطفي هو الذي يقود خطاه بوعي منه أو بدون وعي مع اكتشاف أن لهذا الذكاء العاطفي أساس تشريحي في المخ مثل الذكاء العقلي وأنه لدى النساء أقوى منه لدى الرجال (لنتصور كم يخسر المجتمع عندما يحرم المرأة من بعض النشاطات الفعالة مثل الرّئاسة أو القضاء) وأن البيئة والتربية والتعليم تنمّيه أو تحط من شأنه. ثم تمكن سليڤمان من وضع مقياس لهذا الذكاء وتبين له أن الشخصيات التي غيرت التاريخ البشري في الاتجاه الايجابي مثل الأنبياء وكبار المصلحين والكثير من الفلاسفة يتميزون بتفوق في الذكاءين معا العاطفي والمنطقي. ومن خلال دراساته لهذه الشخصيات وضع مقياسا للذكاء العاطفي ومن بين السمات التي سجلها: الميل للتفاؤل والأمل – القدرة على ضبط النفس – القدرة على التحكم في الغضب – القدرة على قراءة مشاعر الآخرين – القدرة على فهم حقيقة الذات – القدرة على إظهار المشاعر الايجابية – ارتفاع درجة الصحة العامة – ارتفاع درجة الرضاء عن النفس – القدرة على التعلم من الخبرات السابقة – القراءة البناءة لأفكار ومشاعر الآخرين – رقة المشاعر وسموها – الميل القوي للعمل في روح الفريق…

ونتيجة لهذا الانجاز العلمي الضخم وقعت دراسة المواضيع القديمة بمنهج ونظرة علم النفس الايجابي مثل الشجاعة والحب والإنسانية والعدالة والقيادة وحقوق الإنسان وحقوق الشعوب والانحراف والجرائم والشذوذ…

بعد هذه الإضاءة المقتضبة حان الوقت لطرح السؤال المركزي: ما علاقة كل ما سبق ذكره باختيار رئيس الدولة؟

إن بذور الإجابة نجدها لدى المحللة النفسانية المتميزة ميلاني كلاين Melanie Klein (ت. 1960) إذ هي أول من طالب بإجراء اختبار نفسي يعقبه تحليل نفساني إن لزم الأمر لأي مترشح لرئاسة الدولة حتى يقع استبعاد أو علاج الشخصيات الدموية والمتعطشة للسلطة والدغمائية… قبل إجراء عملية الانتخاب وهو إجراء يماثل الإجراء المتخذ مع من اختار مهنة التحليل النفساني. مع التأكيد أن السلطة لا تخلق هذه العيوب النفسية بل تضخمها فقط والاختبار النفسي يمكّن على يد خبراء نفسانيين من اكتشافها قبل أن تتضخم أو تتفاقم نتيجة جسامة مسؤولية الرئاسة ونتيجة الإغراءات التي تصبح متاحة للرئيس ونتيجة النفوذ الذي أصبح يتمتع به.

ولم تقع الاستجابة لهذا الاقتراح بل وقع الهجوم عليه بحجة أن الحروب والظلم والفقر يعود لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية لا لأسباب نفسية. وليس المجال هنا الرد على هذا النقد. فقط أقول إنّه ينطوي على شيء من الحقيقة ولكنها حقيقة تحجب عن الأنظار الأسباب الحقيقية للرفض وهي في نظري:

أ- عدم معرفة الحقوقيين بالعلوم الإنسانية وبالتحليل النفساني بالذات فهذه المعرفة غير مدرجة أصلا في برامجهم الدراسية وفي ممارسة مهنة القضاء في هذه الفترة وما بعدها.

ب- معاناة هذه العلوم من الانقسام المذهبي ومن عدم الدقة.

ج- التوظيف السلبي لهذه العلوم وهو توظيف أطاح بسمعته والأمثلة في هذا الصدد عديدة جدا ولكني سأذكر أشدها بشاعة وهي تدريب طيارين أمريكيين على يد علماء نفس على قصف المدنيين في حرب فيتنام دون الشعور بالذنب.

ومن المفروض الآن تجديد طرح هذا الاقتراح على المشرفين على صياغة الدساتير.

أوّلا: لهذه الثورة المعرفية التي عرفتها العلوم الإنسانية وعلم النفس الايجابي وتطور مقاييس الذكاء العاطفي والدقة العالية التي أصبح عليها “جهاز قياس الكذب” وهو جهاز مر على اختراعه أكثر من نصف قرن شاهد خلاله تطورا ضخما متزامنا مع تطوّر علم النفس الفيزيولوجي إلى درجة إقرار المحاكم الأمريكية بكفاءته في الكشف عن المجرمين والاعتماد عليه في أحكامهم.

ثانيا: ظهور زعماء لم يقع اكتشاف جنونهم إلا بعد سنوات طويلة من حكمهم مثل زعماء أكلوا من لحوم خصومهم أو زعماء استعملوا الرصاص الحي ضد تلاميذ المدارس أو زعماء تمسكوا بعروشهم رغم وصولهم إلى درجة الشيخوخة والخرف أو زعماء أراقوا دماء شعوب أخرى بدم بارد أو زعماء يتحولون إلى تجار مخدرات وتجار أسلحة.

لقد تأخر القانونيون كثيرا في الدول الديمقراطية في إدراج هذا البند في الدساتير كشرط للترشح قانعين بشروط أصبح العلم يراها غير كافية إذ لا يكفي مثلا أن يكون المترشح حاملا لجنسية بلده أو بدون سوابق عدلية حتى يؤمن شره وأذاه وخياناته. لقد حان الوقت للاستجابة لهذا المقترح لأنه لم يعد مقبولا إجراء اختبارات نفسية في شؤون فردية وجزئية مثل الزواج والالتحاق بمهنة معينة ويُهمل إجراؤها في أم المناصب وهي رئاسة الدولة.

لقد بينت الأحداث أن رئيسا قويا وألمعيّا ويتمتع بذكاء عاطفي مرتفع يمكن أن ينهض بأمّة مواردها محدودة وأن رئيسا قويا وألمعيا ولكنه منخفض الذكاء العاطفي يمكن أن يهدّم أمة تتمتع بموارد ضخمة وبكفاءات بشرية عالية.

والآن وتونس تعيش هذا الانجاز الثوري العظيم علينا بكل الوسائل تجنيب مجتمعنا أية عوائق أو هزّات جديدة خاصة وأن ثغرات عديدة تشوب هذه المسيرة مثل ارتفاع نسبة الأمية عموما والأمية الثقافية على وجه الخصوص (دعكم من وصف الشعب أو الشباب بصفات هي أقرب إلى الغزل منها إلى الواقع) وإليكم أمثلة من هذه الأمية الثقافية: إثارة الصخب حول الحجاب واللباس والأذان والذقن والشوارب واللوذ بالصمت حول ظلم الحاكم وحول تزييف الانتخابات والقسوة على النساء وتشغيل الأطفال والتعذيب.

إن المواطن المصاب بهذه الأمية الثقافية لا يدرك أن الكلام بصوت عال لا يدل دوما على الصدق والقدرة على الخطابة لا تدل دوما على صواب الرؤية وقوة التفكير والدموع لا تدل دوما على الإخلاص والإكثار من الصلاة في المسجد وكثرة التسبيح لا تدل دلالة قاطعة على ارتفاع درجة التدين والاتصاف بالأمانة والانخراط في رابطة حقوق الإنسان لا يدل دلالة قاطعة على الإيمان بها أو تطبيقها في الممارسة اليومية والدعوة الحارة للديمقراطية قد تخفي سلوكا مستبدا وهذا كله في نظري يحتم توسيع لجنة إصلاح الدستور لتشمل خبراء في علوم النفس إلى جانب القانونيين والسياسيين والحكماء لـوضع صيغة في الدستور تشترط النجاح في اختبار نفسي يقيس الذكاء العاطفي للمترشح حتى يقع استبعاد المخادعين واللابسين لباس الوطنية والتدين كذبا منذ البداية كما يقع استبعاد الدمويين واللابسين لباس السلام أو الإصلاح وبصورة أولية أقول إن العلماني المتطرف في علمانيته والإسلامي المتطرف في إسلامه والقومي المتطرف في قوميته والاشتراكي المتطرف في اشتراكيته والرأسمالي المتطرف في رأسماليته لا يصلحون للرئاسة وهم حتما سيسقطون في هذا الاختبار النفسي لأنهم عاجزون عن تفهم وجهة نظر الآخر أو اخذ مواقفه في الاعتبار.

قد يرى البعض أن الفساد موجود في الحاشية وفي الأحزاب وقياداتها وفي أعضاء البرلمان وفي كل المهن… ولكن علينا الانتباه أن اختيار رئيس صالح له ذكاء عاطفي مرتفع سيكون قدوة ولا يقرّب منه إلا الصالحين ويشع صلاحه على محيطه فعُمر بن عبد العزيز مثلا هو من هذا النوع ولكنه لم يحكم إلا أشهرا قليلة وتم اغتياله. وعلينا تذكر ما فعله في هذه الأشهر القليلة. كان كما روى المؤرخون: “حريصا جدا على مال المسلمين لا يثيب الشعراء المداحين (إذن هو أمين على المال العام وغير نرجسي) وكان لا يبخل على الفقراء والمساكين ولا على الأرامل والمساجين (إذن هو رحيم ويتفهم مشاعر الآخرين ويتجه للإصلاح لا للانتقام) وهو الذي منع سب علي بن أبي طالب على المنابر (إذن هو ينبذ التعصب العشائري والديني والإساءة للغير) وعندما استأذنه والي خراسان في استخدام العنف ضد أهلها قائلا له: انه لا يصلحهم إلا السيف والسوط أجابه عمر قائلا له: كذبت، يصلحهم العدل والحق (إذن هو صاحب رؤية إنسانية عالية) فابسط ذلك فيهم (إذن هو يريد أن يكون قدوة حسنة) واعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين (إذن هو يؤمن أن الشر تصلحه القدوة الحسنة).

إن هذه الإجابة الذهبية لعمر بن عبد العزيز ضاعت في التاريخ بينما كان من المفروض أن تُكتب بماء الذهب وتعلق في إطار وراء مكتب كل مسؤول وعلينا مقارنة سلوك هذا الخليفة بسلوك قادة عرب نعتوا المعارضة أي نخبة المجتمع بالكلاب الضالة والكلاب المسعورة والأحذية البالية والجراثيم والحرامية والأوباش والخونة وأخيرا الجرذان والمقمّلين. إنّ كلّ هذه الصّفات في الحقيقة تدل على من صدرت عنه وأقل ما يمكن أن يقال فيهم أن ذكاءهم العاطفي يقترب من درجة الصفر وهم بحمقهم وجهلهم وغرورهم دمروا شعوبهم وجلبوا الأعداء بدل تحرير الأوطان.

إذن فبإدراج هذا الشرط (الاختبار النفسي) في الدستور نكون قد تخلصنا من عيب بنيوي في الشروط التي يجب أن تتوفر في رئيس الجمهورية.

وقبل أن أختم لا بد من تقديم الملاحظات التالية لأزيل بعض الغموض وسوء الفهم بالنسبة للبعيدين عن ميدان هذه المعرفة النفسية.

1) إن الاختبار النفسي للذكاء العاطفي لا يتناول إطلاقا أفكار المترشح وإيديولوجيته ومعتقداته وبرنامجه الانتخابي فالاختبار ليس محكمة تفتيش. انه لا يتناول إلا ذكاءه العاطفي أما الأفكار والرؤى والبرنامج فالموقف منها هو مهمة الناخب يوم الاحتكام إلى صندوق الاقتراع.

2) إن إخضاع المترشحين للرئاسة لهذا الاختبار ليس اعتداء على خصوصياتهم وأسرارهم ذلك أن أي مواطن بمجرد أن يطرح نفسه لهذا المنصب يتحول إلى شخصية عامة من حق الشعب أن يعرف عنها ما يرغب في معرفته فضلا عن أن محتوى نتائج الاختبار النفسي يخضع لسرية المهنة.

3) على الحقوقيين وعلى لجنة صياغة الدستور أن تدرك أن معظم السياسيين يناصبون علماء النفس العداء وعلينا تذكر، على سبيل المثال، أن لينين سخر منهم وأن ستالين قتل أعضاء اللجنة التي شخصت حالته النفسية وأن القدافي منذ سنوات قليلة شن خطابا ناريا على فرويد ولهذا فمن المتوقع أن يلقى هذا الاقتراح هجوما عنيفا من هؤلاء السياسيين لأن “المِجْرَابْ تَاكْلُو مْنَاكْبُو ” كما يقول المثل الشعبي.

4) قد يعترض البعض أن خطر الفساد والإفساد والانحراف لا تحتكره الرئاسة فهو موجود في الحاشية وفي كل مؤسسات المجتمع وفي الأحزاب السياسية وفي الجمعيات وأجيب على هذا الاعتراض بأنه علينا الانتباه إلى دور القدوة فعندما يكون لدينا رئيس ذو ذكاء عاطفي مرتفع فان صفاته النفسية هذه الايجابية تنتشر في محيطه وفي كل مسارب المجتمع. ثم ما هو المانع أن يقع فيما بعد الاحتكام إلى هذا الاختبار في الوظائف ذات الصبغة العامة وذات الصبغة القيادية وخاصة في فئة رجال الأمن إذ هي على احتكاك يومي بأفراد معظمهم يعاني من غياب القدوة الحسنة. إن شركة التأمينات العملاقةMet Life لجأت إلى مارتن سليڤمان الذي سبق ذكره لكي ينقذها من الإفلاس فأخضع 15000 وكيلا لاختبار الذكاء العاطفي واختار الناجحين فارتفعت مبيعات الشركة بنسبة 21% في السنة الأولى و57 % في السنة الثانية وإذا كان هذا الأمر على هذا النحو بالنسبة لشركة تجارية فكيف لا نلجأ إليه بالنسبة لوطن ألم توشك تونس على الإفلاس.

5) لا أريد من القارئ أن يفهم أني أقصد من كل ما ذكرت الاختبار النفسي العلاجي إني بالتحديد أقصد الاختبار النفسي الاستفهامي أي أن غير الناجحين فيه لا يمكن اعتبارهم من المرضى إلا في الحالات المتطرفة.

6) لا أريد أن يُفهم مما قدّمت أني أطرح صياغة جديدة لنظرية نهاية التاريخ واني ابشر بتحقق الجنة على وجه الأرض ذلك أني أدرك أن الواقع مكثّف ومتداخل وغير شفاف وزئبقي والإنسان بمصالحه الضيقة وبنرجسيته وبغروره وبعقله المنطقي قادر على اختراع مناورات جديدة للالتفاف على المكاسب. لكن هذا الاعتراض ليس من شأن هذا الجيل التفكير فيه إنها إشكالية قد تواجه الإنسان بعد أجيال وليس من الحكمة مناقشتها الآن وليس من الحكمة أيضا رفض ما هو متاح وليكن سلوكنا شبيها بسلوك الكاتب والطبيب الروسي تشيكوف عندما قال: “لا أريدكم أن تبكوا عندما تقرؤون قصصي وإنما أريدكم أن تفعلوا شيئا لتشفوا آلام الناس”. كان تشيكوف عظيما في قصصه وعظيما وهو يطبب الفقراء مجانا وعظيما وهو ينشر السعادة أينما حل إذ تحكي عنه زوجته انه قبل وفاته بساعات ورغم شدة آلامه روى لها نكتة جعلتها تضحك من الأعماق. وهو نفسه يحكي عن أمه فقال: “كانت حالمة وديعة وعطوفة”. إن حياة تشيكوف تقدم لنا نموذجا للذكاء العاطفي العملي وما أحوجنا لمثل هذا النموذج ونحن نختار شخصا لأهم وأخطر منصب في الدولة.

إن الإنسان وهو يبحث طويلا يرتكب في مسيرته أخطاء قد تكون فادحة ليصل في الأخير وليس في الآخر إلى فكرة بسيطة ولكنها حاسمة وفعالة كانت بادية للعيان ولكنه لا يراها إذ من شدة الظهور الخفاء. وإني أعتبر أن وضع علم النفس الايجابي والذكاء العاطفي هو الأهم فيما توصّل إليه الإنسان عبر مسيرته العلمية وهما لا يقلان شأنا عن إنتاج الخلايا الجذعية في ميدان البيولوجيا. واعتقد أن السياسيين سيستمرون في الضحك على شعوبهم إلى أن تأخذ هذه الفكرة طريقها إلى التطبيق.

****

بعد هذه التوضيحات أتمنى أن يثير ما قدّمت القدر الكافي من النقاش من قبل أهل الذكر ومن قبل أعضاء المجلس التأسيسي المرتقب ومن كل فعاليات المجتمع المدني فيُنقد ويُعدّل ويضاف إليه ويُقنّن بروح ايجابية بناءة.

واني في الأخير أتطلع إلى اليوم الذي أجد فيه هذا الاقتراح مجسّما في الدّستور التونسي وعندها نحصل على رئيس (أو رئيسة) بقطع النظر عن إيديولوجيته وبرنامجه الانتخابي يُحب شعبه بكل طبقاته وفئاته وتناقضاته كما تحب أم حنون وثرية العواطف أبناءها، رئيس يعالج أمراض شعبه لا رئيسا يعالِج الشعب أمراضه، رئيس في قامة الشهيد فرحات حشاد بصيحته الخالدة “أحبّك يا شعب”.

Be Sociable, Share!