ما سأقدّمه هو مجرّد وجهة نظر آمنت بها ولكنّي أطرحها للنّقاش.

لقد لاحظت من خلال ما قرأته في بعض الصّحف ومن خلال حوارات مع بعض الزّملاء الإشادة بانجازات بورقيبة واعتبار مرحلة زين العابدين بن علي هي نكسة في مسيرة تونس. وأرى أنّ هذه النّظرة خاطئة ويمكن تلخيصها في موقف البعض عندما قال: بورقيبة هو مستنير مستبد.

أبدأ بالقول لو افترضنا أنّنا أمام أب يوفّر لأبنائه كلّ شروط الصّحة والسّلامة والحماية والتّعليم، لكنّه يتعامل معهم بالعصا الغليظة، هل يمكن لنا أن نعتبر هذا الأب مستنيرا ? فما بالك لو كنّا أمام أب جلاّد ولا يوفّر لأبنائه إلاّ الحدّ الأدنى مع استنزاف قدراتهم ولهذا تراني أقول لا أحبّ بورقيبة ولا أعتبره مستنيرا للأسباب التّالية:

1)                لتعاليه على الشّعب فقد وصفه أكثر من مرّة في خطبه و”بياناته الأسبوعيّة” بأنّه مجرّد غبار poussière d’individu وهي نظرة مناقضة للاستنارة ولا تختلف البتّة عن النّظرة الشّعبويّة.

2)                لجهويّته الواضحة والوقحة قولا وفعلا، وقد قال مرّة لأحد الطّلبة بعد أن عرف بأنّه من المنستير: “واصل دراستك واتقن الفرنسيّة فالنّظام في حاجة إليك” [السّفارة التّونسيّة بالقاهرة، 1966].

3)                لعنصريّته، فكثيرا ما استعمل كلمة “أُوصِيفْ” للحطّ من قيمة المخالف له. فأيّ استنارة هذه التي تقبل المساواة بين الجنسين وترفض المساواة بين الشّعوب?

4)                لذاتيّته المقيتة ونرجسيّته الطّاغية المريضة ممّا جعل كلّ أجهزة الدّولة مسخّرة لخدمته. لقد انفجر مرّة في طالب عندما خاطبه “سيّدي الرّئيس” قائلا: “ما قلّة الحياء هذه قل فخامة الرّئيس” وقد أدّى هذا إلى النّفاق والتّزلّف واقتراحه رئيسا مدى الحياة.

5)                لتحدّيه معتقد شعبه فهو الذي شرب الماء في اجتماع عام في رمضان. إنّي أعتقد أنّ العلمانيّين المستنيرين يرفضون مثل هذا السّلوك فالاستنارة الحقيقيّة ترفض إهانة معتقدات الآخرين وهي تدفعهم إلى التّمترس أكثر في مواقعهم.

6)                لانحيازه الأعمى للظّلم والاستبداد وقهر الآخرين بمن فيهم بعض المقرّبين إليه، فهو المادح لسلوك أبشع ولاّته عندما قال: “بودّي لو عندي عمر شاشيّة على رأس كلّ ولاية”. والذين عاشوا هذه المرحلة يعرفون جيّدا الأخلاق المنحطّة لهذا الوالي والذي تحوّل بقدرة قادر بعد خروجه من السّجن إلى إمام يؤم المصلّين فأين الاستنارة في كلّ هذا?

7)                لكونه أوّل رئيس عربي فتح الباب لرئاسة مدى الحياة، بل اتّجه إلى التّوريث لولا أنّ ابنه بسلوكه المنحل قد خذله وقد انتقم منه أشدّ الانتقام إذ أعلن على الملأ في محاضرة بأنّه أنجبه بدون عقد زواج، وهذا يعني الكثير لدى عامّة النّاس وحتّى خاصّتهم.

8)                لتنكيله بخصومه فهو الذي دشّن التّعذيب وانتهاك الحرمات وضرب المعارضين بدون أدنى رحمة منذ بداية حكمه، بل نراه ينكل بمن ينتقده بلطف. لقد قالت له راضية الحدّاد: “أنت بطل الاستقلال فلم لا تكون بطل الدّيمقراطيّة” فما كان منه إلاّ أن أطردها من البرلمان وحرمها من حقوقها الاجتماعيّة.

9)                لأنّه كان يتفرّغ شهرا في السّنة لتلقّي التّهاني بعيد ميلاده من كلّ الولايات متماهيا مع هارون الرّشيد ومتقهقرا بتونس إلى مناخ القرون الوسطى، ويقيم شهرا آخر في سويسرا للاستجمام ولعلاج حنجرته، فأين التّنوير في كلّ هذا يا سي الطّيب البكّوش?

 

طبعا أنا لا أنكر مزايا هذا الرّجل (فحتّى إبليس له مزايا) في التّعليم والصحّة ومجلّة الأحوال الشّخصيّة، ولكن علينا أن ندرك أنّ انجازاته هذه هي أفكار النّخبة التّونسيّة، فبورقيبة الذي نفّذ فكر النّخبة المستنيرة سرعان ما شرّدها، بل اتّجه إلى تدعيم التيّارات السّلفيّة ثمّ عندما شعر بخطرها على حكمه نكل بها مستعملا هذه المرّة زين العابدين بن علي ممّا مكّنه من القفز على السّلطة.

إنّ شخصيّة بن علي الشّرسة والمتخشّبة هي امتداد لشخصيّة بورقيبة المنتفخة والمهرّجة المسرحيّة. لم يكن بورقيبة صادقا في حداثته واستنارته والصّدق مهمّ جدّا في غرس هذه القيم.

إنّ أيّ رئيس إمّا أن يكون قدوة أو عبرة، وبورقيبة اختار أن يكون عبرة لمن يعتبر وكذلك زين العابدين بن علي وإذا أردنا استلهام الماضي والانطلاق إلى آفاق المستقبل فعلينا أن نتطهّر من آثام بورقيبة وبن علي.

Be Sociable, Share!