من قال بأن أيامي بلا طعم أو لون أو رائحة؟ وكل أيامي لها طعم ولون ورائحة… .

       فالطعم، طعم المرارة القاسية!! كالسم الفتاك الذي يفتك بأشد الأسود شراسة، فكيف إن كنت أنا الكائن البشري الضعيف الذي  يُفتك به ؟

      أما لون أيامي، فهو لون السواد !!ولون الحداد والليل والحلكة في وضح النهار!! حتى بت لا أرى في الأشياء إلا ظلمتها وسوادها!!!

     أما رائحة أيامي فنتنة!! كرائحة الجيفة، كرائحة جثة متحللة عفنة إن لم تكن أكثر!! حتى لو كانت حولي بساتين الأرض أجمعها!!!

     ما السبيل للخلاص؟ لست أدري؟ ما عدت قادرا على التفكير!! وما عاد جسدي يتحمل كل تلك الطعنات، فقد نزفت.. ونزفت.. حتى فاضت الأرض بدمائي!!

     في كل صباح أستيقظ على أمل أن يحمل نهاري تغييرا ينشلني، يُخلصني!! نهارًا يبثُ في روحي شيئا من الهواء ، علّه يطرد الهواء الفاسد الذي بات يسكن ويتربع في جسدي رغم إرادتي، حتى كرهت أنفاسي ونفسي!!

    كل يوم أستيقظ على أمل ملاقاة الأمل، ولكن المجهول، بجبروته، ينتصر على الأمل ويقضي عليه ويسحقه بضربة واحدة قاضية كل صباح!! دون أدنى فرصة لمصارعة المجهول!! دون أن يختبر الامل قواه أمام جبروت المجهول، فينسحب ويتلاشى الأمل كل صباح، ويتركني لقدري!! وحيدا بين أحضان المجهول الذي يطارد أحلامي كمطاردة الثعلب لفريسته!!.

    لذا, كل صباح وقبل أن يفترسني ثغلب المجهول، ألعنه وألعنني!! كيف لا وأنا من سلمت الراية بعد موت أمالي وأحلامي !! تركته ينتصر عليّ كل يوم!! ينهشني كل يوم!!! ، ويوما بعد آخر أخذ ثعلب المجهول يزيد في إضعافي ووهني وانكساري!! يُكبلني، يُحطمني.، ويزيد في إغراقي بوحل المعاناة!! ويقولون لي “شده وبتزول”!!

    متى ينتهي ما أنا فيه ، فقد باتت الأيام تأكلني ، تنهشني ..تمزقني ، قطعة بعد أخرى. إلى أن إنتهيت!! أضاعتني الأيام في دروبها، ولا أمل لي حتى في حقي بدفن بقاياي!! ما أحلكها من حالة!! وما أصعبها من ظروف!! أكره كل ما أنا فيه!! أكره مستنقع الوحل هذا، وأكرهني معه!!.

      كم هي طويلة طريق المعاناة ، درب باتجاه واحد، طريق بلا نهاية!! طريقٌ، الظلمة فيها من أولها إلى آخرها، طريق أكرهها!! واحتقرها!! وألعنها!! آه كم تحتاج نفسي  ولو لنسمة أمل!!!.

     صورة تعبي وإرهاقي جليّة على ملامحي، التي أرهقتها حالة موتي السريري منذ سنوات!! فعلا تعبت… فمن أراد أن يقرأني.. ما عليه إلا أن يتمعن في ملامحي، فخيوط البؤس موشومة على جبيني!! كل خطّ يحكي حكاية نهايتي..!! يكفي أن ترو كيف إحتل الشعر الأبيض رأسي.. كما استوطن الهم جسدي!! فهجرت الدماء عروقي ، يكفي أن ترو كيف إنحنى ظهري واستسلم للزمان وللتيه في كل الطرقات رغم وقوفي !! حتى غدت صورتي باهتة كأيامي!! كم تعبت وأتعبتني الأيام!! كرهت المعارك كلها.. وكرهتني معها!!

        فرغم وجود صورتي في لوحة هذا الزمان.. إلا أنني فعليا غير موجود…فأنا خارج الأطار وخارج الكون والوجود معا!! وحتى إن وجدتوني، فإنني في غيبوبة أبدية!! وحتى إن وجدتموني فإنني أتبرأ من الزمان والمكان معا..فالناس غير الناس..

    كم هو مخنوق صوتي،  وكم روحي ضائعة تائهة مني !! أبحث عنها فيّ بلا جدوى!! يال حالي!!! ما عدت أعرف دربي!! وماعدت اعرفني!!!كم اِشعر بمرارة الضيق والتضييق.. آه كم يُنخر في جسدي مما أعانيه من ضيق وتضييق، حتى ما عدت حتى وجودي أطيق!!

  فصول وفصول من المعاناة، فيلم ممل طويل، لست البطل فيه ولاحتى “الكومبرس “!! لست سوى ضحية ملقاة في زقاق مظلم بعيد.. في مشهد قصير منعت عرضه الرقابة لألف عام!!

   أي حالة هي حالتي!

   أي هدوء أنتظره وأنا من تحيط بي كل العواصف، وكل أعاصير الدنيا؟ 

   أي صمود أنتظره وتنتظرونه مني؟وأنا لست نبيا يصبر على الظلمة وهو في بطن الحوت!! وكيف أصبر وروحي ما عادت تطيق صبري حتى وإن كنت في بطن سمكه!!

  فقد صبرت وصبرت إلى أن فاضت روحي!!

  أتنتظرون إنكساري؟؟ أولم أكسر بعد؟!! أولم أهزم بعد؟! أولم أمت بعد؟!

  ما عدت أكترث لموتي ، فلم أكن يوما حيّا!!!

Be Sociable, Share!