(مسودة)

شُبهة الامتيازات

والمسافة(الآمنة) بين الصحفي والمسؤول

 

(نسخة غير منشورة – تم جدولتها للنشر غير انها لم تنشر - اضعها بالمدونة فقط للتوثيق)

تقرير: هيثم الشريف

 

تموز 2021

 المقدمة (1)

      يرتاد صحافيون مقاهي ومطاعم يرتادها مسؤولون، علّهم يُقرّبون على طاولاتها مسافات مع”مسؤول”, أو يعيدون وصل خيوط تقطّعت مع آخر، متأملين أن يحظوا بصداقات قد تتيح لهم معلومات حصريّة ومن منابعها، رغم التوجس الدائم والنقاش المستمر، حول الشكل الذي يفترض أن تكونه العلاقة بين الصحافي والسياسي أو من هو في موقع المسؤوليّة.

     ثمة رأي يقول إنّ تطوّر العلاقة الشخصية إلى حدّ اللاحدود الفاصلة، سيؤثر على مهنيّة العمل وحيادية الصحفي الذي قد يحظى أثناء بحثه عن المعلومة ببعض الإمتيازات، الأمر الذي قد يُخضعه لتأثير ما. يدفعنا ذلك في ” مجلـة الصحـافة” لمحاولة  الإجابة على تساؤلات: ألا يجب أن تكون هناك مسافة “أمان” بين الصحفي والمسؤول؟ وما شرعية الإمتيازات إن صحّت؟ وما مدى تأثير العلاقة الإجتماعية المتمثلة(بالصداقة) على تضارب المصالح المحتمل أو المحاباة لصالح المسؤول؟

المقدمة الأصلية

       يتردد بعض الصحفيين على مقاهي ومطاعم يرتادها مسؤولون، غاية بعضهم إزالة أية حواجز أو مسافات مع صناع القرار، وإنشاء صداقات قد تمكنهم من الحصول على المعلومات من مصادرها بشكل حصري وأسرع، ولسان حالهم يقول، لم لا؟ أولم يحظ الكاتب الصحفي الشهير محمد حسنين هيكل، بشهرة كبيرة، نظرا لكونه صديقا مقربا للرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ومن بعض الحكام والرؤساء والملوك العرب؟! قد يكون ذلك مشروعا، فلا بديل عن علاقة تجمع الصحفي بالسياسي أو المسؤول، كون الصحفي باحثا عن المعلومة والسياسي أو المسؤول مصدر هذه المعلومة.

      رغم ذلك، يرى البعض أن تطور العلاقة بين الصحفي والمسؤول وتلاشي المسافات والحدود الفاصلة بينهما لهذه الدرجة، مشكلة عميقة قد تؤثر على مهنية الصحفي وحياده، كيف لا، والصحفيون والنشطاء يتداولون عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الجلسات المغلقة من حين لآخر، أن بعض الزملاء المقربين من مسؤولين باتوا يحصلون إثر هذه العلاقات على امتيازات مختلفة! كحصول البعض على جواز سفر دبلوماسي( أحمر )، أو مرافقة الرئيس في الطائرة، أو تلقي تطعيمات كورونا قبل الآخرين، وغيرها من الامتيازات.

      فما شرعية هذه الامتيازات إن صحت؟ وما مدى تأثير العلاقات الاجتماعية المتمثلة (بالصداقة) على تضارب المصالح المحتمل أو المحاباة لصالح المسؤول؟ ألا يجب أن تكون هناك مسافة “أمان”  بين الصحفي والمسؤول؟ هذا ما تحاول “      ” التطرق إليه.

***

     

   أحد الصحفيين الفلسطينيين العاملين لدى إحدى وكالات الأنباء الأجنبية، أثار موضوع صداقته لعدد من كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية أمام عدد من الزملاء (على هامش دورة صحفية)، ووصل به الأمر حد التباهى والتفاخر بتلك العلاقة، بأن قال: إن صداقته الأسرية تمكنه من الحصول على المعلومات حتى من زوجة أحد المسؤولين إن تطلب الأمر ذلك!.

        فيما قال صحفي آخر فضّل عدم الكشف عن هويته: إنه اضطر للتواصل مع أحد المسؤولين، من أجل تسريع عملية حصول والده على تحويلة طبية عاجلة، ومن أنه قام بذلك مرات، وأقر أنه بادر بإرسال موضوع صحفي لأحد الوزراء قبل النشر!” أرسلته للوزير بهدف إطلاعه عليه دون أن يطلبه مني!  ورغم أنه لم يغير فيه شيئا، إلا أنني شعرت أدركت خطأي، فقررت إثر ذلك أن أحرص على ترك مسافة أمان أو حدود لعلاقتي مع المسؤولين، لذلك لاحقا حين طلب مني مسؤول كبير في السلطة أن أرسل له الموضوع كاملا قبل النشر، رفضت ذلك، وتوقفت عن السلام بحرارة مبالغ فيها مع أحد المسؤولين الأمنيين (حيث كنت أفعل كلما التقيته!)  انطلاقا من شعوري بأن ذلك سيؤثرعلى مهنيتي، بشكل يؤدي إلى تضارب المصالح والمحاباة”.

        الصحفي سامر خويرة من نابلس معد ومقدم البرامج في شبكة وطن الإعلامية في رام الله، شدد على أهمية مسافة الأمان بين الصحفي والمسؤول، والفصل بين العلاقة الاجتماعية والمهنية” الأصل أن  لقاء المسؤول الذي قد يكون قريبا أو جارا أو صديقا أو زميل دراسة سابقا مع الصحفي في مكان العمل، يجب أن تحكمه العلاقة المهنية، وأن يمتنع عن الالتقاء به بصفته الرسمية خارج مكان العمل  سواء بمقهى أو مطعم أو  أثناء زيارة عائلية، غير أن هناك صعوبة في تحقيق ذلك  نظرا لطبيعة مجتمعنا المتداخل “.

          لدرجة أن بعض الصحفيين يتعمدون التواجد في الأماكن العامة التي يتردد عليها المسؤولون، بهدف بناء صداقة شخصية معهم، حتى باتت بالنسبة لبعض الصحفيين بمثابة شكل من أشكال النفوذ، لتحقيق مآرب شخصية، والحصول على امتيازات. يتابع الصحفي خويرة مستعرضا أشكالا  لمثل تلك الامتيازات الخاصة:” منها الحصول على دورة تدريبية في دولة ما، أو ترقية بفعل مهاتفة من المسؤول مع مدير الصحفي في العمل، أو السفر ضمن وفد للخارج (بعد أن يتم اختياره دون غيره)، أو الطلب من المسؤول  تسهيل معاملات شخصية أو توظيف أقارب أو أصدقاء، أو المساعدة بشان ترخيص سيارة أو التغاضي عن تجاوزات في بناء ما، أو عن مخالفة أو حادث سير أو التسبب بعراك قد يكون الصحفي دخل فيه،  كما يمكن للصحفي الذي تربطه علاقة صداقة حميمة مع مسؤولين في المستوى الأمني ، إنهاء موقف حرج لصديق أو قريب أو جار بمكالمة واحدة!”.

         فيما اعتبر معد ومقدم البرامج في شبكة وطن الإعلامية أن الحصول على جواز سفر دبلوماسي أو مرافقة الرئيس أو الحصول على تطعيمات كورونا قبل الآخرين أو غيرها، تقع في خانة استغلال العلاقة مع المسؤول في أقصى صورها:”  شخصيا  أعرف صحفيين أو ثلاثة ممن لديهم جواز سفر دبلوماسي، رغم ذلك أعتقد أن من يحصلون على مثل تلك الامتيازات لا تزيد نسبتهم عن 1% من الصحفيين “.

         وبغض النظر عن أشكال الامتيازات المقدمة، فإن سامر خويرة يرى انها بمثابة قوى ناعمة تؤدي لتكميم أفواه الصحفيين” فلو وصلت لصحفي معلومات عن مسؤول صديق أو قريب، أو تلقى منه امتيازا ما،  بأنه فاسد ، فإنه سيتغاضى  عن تلك المعلومة ولن يقوم بالنشر،  وقد يدافع بعضهم عن المسؤول بطلب منه، في محاولة لقلب المعلومة  (وباستماتة)، حرصا على الروابط التي تجمعه بالمسؤول، واستمرار تمرير المعلومات إليه، ولهذا تجد أن الكثير من المسؤولين يرهنون إعطاء المعلومات للصحفيين بناء على علاقة الصداقة التي تربطهم بالصحفي، سواء أكانت علاقة شخصية أو  وفق التصنيفات التنظيمية، وهو ما يتسبب بظلم بقية الصحفيين الملتزمين بمسافة آمنة من الحدود مع صناع القرار”.

       م…..،  أخذت موافقة مبدأية لإجراء مقابلة مع أحد الصحفيين، الذي عُرف بعلاقته الوطيدة بالمسؤولين، الذين يولي بعضهم أسئلته الأولوية  قبل غيره( كما يعتقد البعض)، غير أنه ماطل وما عاد يجيب على اتصالاتنا.

         رئيس تحرير وكالة معا ومدير قناة الميادين في فلسطين ناصر اللحام كان مثارا للجدل بين الصحفيين والنشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أكثر من مرة،  سواء بسبب حصوله على جواز سفر دبلوماسي، أو مرافقته للرئيس ، أو تلقيه العام الماضي قبل غيره اللقاح المضاد لفايروس كورونا ! فسألناه إن كان ما حصل عليه امتيازا نظير صداقته الحميمة مع المسؤولين كما يتداول البعض” بالنسبة للتطعيم فقد كان لضرورة طبية، حيث كان التطعيم إجراء أساسيا في فترة العلاج الكيماوي بالنسبة لعائلة تعاني من مرض السرطان، وما تم من تنمر حول هذا الموضوع عبر وسائل التواصل الاجتماعي مخجل ومعيب، فغضبت من كل الذين تنمروا وتوحشوا عليّ بشكل غير أخلاقي سواء من حكومة أو من صحفيين و نشطاء، لدرجة أنني رفضت أخذ الجرعة الثانية، لأنني لا أريد أخذها  بهذا المنطق المنحط في التعامل مع المرض”.

        أما حصولي على جواز سفر دبلوماسي يتبع رئيس تحرير وكالة معا :” فالسبب يعود إلى أن السلطة في فترة من الفترات كانت تعطي رؤساء التحرير جواز السفر (الأحمر)، وبحكم أنني أعمل رئيسا لتحرير وكالة مسجلة ومرخصة لدى وزارتي الإعلام والداخلية فقد كان لدي هذا الجواز، وفي كل الأحوال فأنا ومنذ( 5-6) سنوات لا أحمل جواز السفر الدبلوماسي ولا حتى العادي! أما موضوع مرافقة الرئيس في الطائرة، فلم يسبق أن ركبت طائرته وحدي، فعادة ما يكون معنا عدد من الصحفيين، إضافة إلى نقيب الصحفيين، علما بأن ركوب الطائرة بالنسبة لي آخر اهتماماتي، لكنني وبطبيعة الحال حين أود إجراء مقابلة مع أي مسؤول كي أصنع خبري أذهب إليه، حتى لو كان بالطائرة”.

       وعن علاقته الحميمة مع مسؤولين في السلطة قال مدير قناة الميادين في فلسطين” هناك وزراء كنت أعرفهم منذ ثمانيات القرن الماضي، شاركوني الأسر وكانوا معي في نفس الغرفة، بينهم مسؤولون وسفراء، لذا فهم أصدقاء الزنزانة، وإن افترقنا، بالتالي فإن مشكلتي تتمثل في أنه ما بين( 7-8) وزراء من كل حكومة يكونون من أصدقائي الشخصيين، وينطبق ذلك على من هم في التنظيمات والفصائل والكثير من الأمناء العامين، ورغم أن الموضوع بالنسبة لي حساس ومعقد بكل صراحة، إلا أنني تمكنت من المحافظة على مسافة آمنة مع المسؤولين، إذ فرّقت ما بين المعرفة الشخصية وبين المهنة، فحين يشرفني المسؤول في بيتي أو في مكتبي و يقول( Of The Record) فهذا يعني( ليس للنشر)، ولكن إن خرج معي على الهواء، أو كان معي في لقاء صحفي فلا رحمة له عندي، ومن واجبي أن أسأله بمهنية وكأنه خصمي الكبير، فلا حل آخر لديه عندي، فمن واجبي أن أحافظ على مسافتي مع نفسي أولا ومن ثم مع المهنة. وأصدقائي المسؤولون يتفهمون هذا الموضوع، هم قبلوا بذلك وأنا قبلت بهم كمسؤولين وانتهى الأمر”.

        وعلى الرغم من أن الصداقة قد تُسهل الحصول على المعلومة، إلا أنها في نفس الوقت تؤثر على محتوى الخبر، لذلك يقول ناصر اللحام إنه ضدها ولا يؤيدها ويرى أنها بمثابة مشكلة كبيرة، لأن السياسي انتهازي يسعى لاستخدام الصحفي، داعيا الصحفي للحذر وأن يدرك تماما أنه ممثل الجمهور لا الحكومة، وإلا فعليه أن يعمل في مهنة أخرى، لكنه في الوقت نفسه اعتبر أن الصحفيين الانتهازيين أكثر من المسؤولين الانتهازيين.” الولاء اليوم للقناة، أو للمكتب الذي تعمل فيه، وهو ما يعني عدم وجود مرجعية، فمنهم من لا يبحث عن الحقيقة، أضف إلى ذلك أن حقوق النشر لا رقابة عليها ولا ضوابط، ولا يوجد وثيقة أخلاقية من أجل ذلك، ورغم كل هذا فلا أستطيع أن أقول بأن كل حياة الصحافة الفلسطينية خطأ وانتهازية لأن هذا معيب، وفي الوقت نفسه لا أستطيع القول إننا نخلو من السلبيات، لأن هذا مبالغ فيه، كما أن نقابة الصحفيين شبه معطلة، وكلها ولاءات سياسية، فلو حابى أو أخطأ الصحفي فهل تعاقبه النقابة؟ لا، ولو اعتدى الصحفي على مسؤول وشرحه أو اتهمه وعائلته بما ليس فيه فهل تعاقبه النقابة؟ لا،  ولو تعرض صحفي للاعتداء فهل تجلب له النقابة حقه؟ ناهيك عن أنه لا يوجد لدينا قانون للصحافة “.

      ويرى الوزير السابق الكاتب والمحلل السياسي أشرف العجرمي أن السلطة الرابعة  تعاني من الخلل كما هو الحال في أدوار السلطات جميعها، ومن أن الصداقة بين الصحفي والمسؤول في المجتمع الفلسطيني تمثل ظاهرة، كما عقب على الانتهازية المتبادلة بقوله:”إذا كانت العلاقة الاجتماعية مع صناع القرار مجرد علاقة عابرة، فالمسؤول قد يستثمر علاقته بالصحفي من أجل تمرير معلومات تخدمه بشكل شخصي، أما امتناع الصحفي عن النشر لمعلومات تمس أو تضر بصديقه المسؤول، فهي من الأثمان التي قد يدفعها الصحفي نظير العلاقة الهشة، التي يمكن وصفها بعلاقة الاستغلال المتبادلة “.

 

       وشدد  العجرمي على ضرورة  أن تكون العلاقة مبنية على القانون الذي يمنح الصحفي الحق في الحصول على المعلومة وقتما يشاء، دون الحاجة لعلاقة صداقة مع المسؤول،  إذا ما أردنا أن يكون للسلطة الرابعة دور رقابي مهني كاشف للحقيقة ويراعي المصلحة العامة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذا لا يمنع وجود علاقات اجتماعية بين صحافيين ومسؤولين،  شريطة ألا تكون على حساب الموضوعية”.

          وختم العجرمي انه فعلا كانت هناك علاقة تربطه مع بعض الصحافيين، غير أنها انتهت بمجرد خروجه من الوزارة” لا استطيع أن أقول: إنها كانت علاقة صداقة”.

         فيما رفض أحد كبار المسؤولين السابقين في السلطة طلب م…..، ابداء الرأي حول علاقته بالصحفيين، معللا ذلك  بأن حديثه حول ذلك سيتسبب في مشاكل كثيرة، وهو في غنى عنها”.

         الوزير وعضو المجلس التشريعي السابق المحامي زياد أبو زياد وصف العلاقة بين المسؤول والصحفي كمن يسير على حبل مشدود، واعتبر ان مصلحة المسؤول تتمثل في محاولته استغلال الصداقة مع الصحفي للتسويق الشخصي وزيادة شعبيته، إضافة إلى تسويق سياسته التي ينفذها، والتي قد لا تكون سليمة، وتابع: ” بكل أسف نلاحظ الكثير من الصحفيين يقعون في حبال السياسي وينساقون في هذا التيار فيصبحون أداة يجري استغلالها من أجل تضليل أو كسب الرأي العام من خلال الترويج لأفكار وسياسات وأكاذيب، لمصلحة قائد أو حزب سياسي، وبالتالي فإن على الصحفي ألا يسمح بأن يكون أداة بيد السياسي من أجل تنفيذ مثل هذه المآرب لقاء امتيازات أو خدمات او معاملة خاصة يتلقاها من أي سياسي أو مسؤول “.

      وكما أن المسؤول يتوقع مقابلا لأي امتياز يقدمه للصحفي،  فإن على الصحفي أن يعرف أنه مضطر لدفع الثمن. يقول زياد أبو زياد:” فالصحفي الذي يأخذ جواز سفر دبلوماسيا مثلا، عليه معرفة أن من أعطاه الجواز بإمكانه أن يسحبه، ومن أن المسؤول الذي يأخذ الصحفي معه لحضور مؤتمر من الممكن ألا يأخذه في المرة المقبلة”.

      نائب رئيس  مجلس معهد الصحافة الدولي الكاتب الصحفي داود كُتّاب اعتبر أن موافقة الصحفي على الامتيازات يعد أمرا خطيرا، وأن على الصحفي الامتناع عن الحصول على المال أو الخدمات أو حتى عن الغاء مخالفة سير مثلا، موضحا بأن” الامتيازات التي قد تكون مقبولة، تكمن في توفير إمكانية وصول الصحفي إلى أماكن لا يستطيع الوصول إليها، إذا تعهد الصحفي لمحرره بأن يبقى محايدا”.

     كما أقر نائب رئيس  مجلس معهد الصحافة الدولي أن هناك من يتجاوز معادلة أن كل مسؤول يبحث عن وسيلة توصل آراءه وكل صحفي يبحث عن الحقيقة، عبر المبالغة (بالتسحيج) للمسؤول كي يحصل على معلومة، ومن أن هذا التجاوز يكون لمصلحة طرف على حساب طرف آخر، وأضاف”  إذا كانت العلاقة ضرورية فحذار من المبالغة، إذ يجب وضع ضوابط طوعية من طرف الصحفي وألا يصبح أداة، لأن هذا يضعف مصداقيته، صحيح أنه لا مانع من حصوله على السبق الصحفي، لكن ذلك شريطة ألا يكون أداة رخيصة بيد المسؤول، وألا يتم استغلال الإعلامي لمصالح فردية، وإلا فإن موافقة الصحفي على طمس الحقيقة نتيجة لذلك قد يعد شكلا من أشكال تكميم الأفواه غير المباشرة”.

       وختم داود كُتّاب حديثه بالتأكيد أن إمكانية الوقوع في الفخ كبيرة، ومن أن العلاقة الآمنة، تتمثل بالمسافة الآمنة، وبتعهد الصحفي لنفسه ولمسؤوليه أن هدف عمله فقط البحث عن الحقيقة وألا يسمح لنفسه بأن يتم استغلاله”.

       فيما اعتبر منسق مراقبة وتقييم مركز تطوير الإعلام في جامعة بير زيت عماد الأصفر، أن نشوء علاقة قوية، أو شخصية بين الطرفين وارد جدا، وأن ذلك يجب السيطرة عليه وإخضاعه إلى الأصول المهنية.” من حيث المبدأ يجب على الصحفي أن يحرص على البعد عن تضارب المصالح، فلا يكتب عن أفراد عائلته واقاربه، وشركائه واصدقائه، وإذا كان هذا السياسي قد أصبح من أصدقاء الصحفي فإن الكتابة عنه قد تخضع لتضارب المصالح والمحاباة”.

         ومن تجربته الشخصية يقول الأصفر: ان علاقة السياسي تتحسن بالصحافي حين يكون مهنيا ويعمل لوسيلة إعلام منتشرة ومتابعة، وبالتالي فإن السياسي ينظر إلى العلاقة من زاوية مصلحته،” وللبرهنة على ذلك أستطيع القول إن العلاقات التي كانت قوية بين بعض الصحافيين والسياسيين قد ضعفت وربما تلاشت بعد خروج السياسي من موقعه، ولذلك ودون مواربة أنصح ببناء علاقة مهنية تقوم على أساس حاجة كل طرف إلى الآخر وعدم الاعتماد على الود والصداقة”.

 

           من جانبه اعتبر رئيس لجنة أخلاقيات وقواعد المهنة في نقابة الصحافيين الفلسطينيين حسام عز الدين، أن لجوء الصحفي إلى عدم الإفصاح عن الحقيقة خشية فقدان أو تأثر هذه العلاقة أو الصداقة مع المسؤول، أمر خطير، وأن هذا الأمر موجود في واقعنا بكل أسف، وأضاف:” تُعقد في الأماكن التي يتردد عليها مسؤولون  لقاءات مع صحفيين بمبادرة المسؤولين،  لتمرير شيء من خلال الصحفي، بالتالي تكون تلك اللقاءات لصالح المسؤولين لا الصحفيين،  رغم أن من أخلاقيات العمل الإعلامي تجنب مثل هذه اللقاءات إن كان المسؤول دعا لها”.

          ويرى رئيس لجنة أخلاقيات وقواعد المهنة في نقابة الصحافيين الفلسطينيين أن الامتيازات الخاصة التي قد تقدم للصحفيين، لا تستند بالأساس إلى القوة المهنية لدى هذا الصحافي أو ذاك، وإنما لاعتبارات أخرى تكون سياسية، أو الرغبة في حرف صحفي عن طريق ما تضر المسؤول، ومن أن منحها  يأتي في إطار ضمان أن يكون هذا الصحفي في جيب المسؤول فقط، ومن أن كل تلك الامتيازات تتنافى مع أدبيات وأخلاقيات العمل الإعلامي التي تتعارض مع مثل هذا السلوك”.

       ويقر حسام عزالدين، بأن النقابة شبه معطلة، ومن أن هناك تقصيرا في المحاسبة بشأن المحاباة لصالح المسؤول”طبيعة النظام السياسي غير المستقر لغاية الآن، تدفع إلى الاستناد إلى فلسفات وإعلانات عن الالتزام بالقانون، لكن حقيقة الأمر أن غالبية القضايا ترتهن  إلى الثقافة القائمة ( فنجان القهوة)”.

      وختم عزالدين حديثه بأن بّين شكل العلاقة المهنية الواجبة بين الصحفي والمسؤول، كي لا تكون مثارا للشك، ولا يكون هناك محاباة أو تضارب مصالح، “ببساطة أن يحترم كل طرف وظيفته أولا، وأن يحترم كل طرف وظيفة الآخر ثانيا،  فالمسؤول يعمل في سلطة معينة والصحفي في سلطة أخرى”.

       صحيح  أنه لا بديل عن وجود علاقة تجمع الصحفي بالسياسي، كون الصحفي باحثا عن المعلومة وكون السياسي هو مصدر هذه المعلومة، لكن استقلالية الصحفي والتزامه  بقواعد وأخلاقيات المهنة، يجب أن تجعله يرفض أية علاقة خاصة قد تضطره لدفع ثمنها لاحقا، وأن أفضل فنجان قهوة تشربه، كما يتداول الصحفيون عن الكاتب الصحفي عارف حجاوي هو الذي تدفع ثمنه وليس الذي يقدم لك ضيافة في مكتب مسؤول؟

      وعلينا الإدراك (كما قال عماد الأصفر ) أن السياسيين دائما يريدون الفوز في الانتخابات مثلا، ولكن علينا أن نسعى إلى الفوز باحترام الجمهور، وبامتلاك سيرة مهنية ناصعة تؤهلنا مستقبلا للحصول على فرص عمل أرقى، وأن ندرك أن السياسيين يتبدلون ويؤمنون مستقبلا ويتقاعدون مبكرا، وأما نحن فنبقى في الميدان لفترة طويلة في المهنة ذاتها، وهو ما يجب مراعاته وعدم التهاون في رعايته”.

haitham9000@gmail.com

Be Sociable, Share!