تحقيق: هيثم الشريف- صحيفة الحياة الجديدة

23-12-2018

         “حين علمت بنيّة قتلي ودفني في الجبل علي يد إخوتي، وأنهم سيروّجون إشاعة بأنني هربت مع شاب، استشعرت بالخطر الحقيقي، وأنني بت مهددة بالقتل، فقررت الهروب”. هكذا بدأت بتول (اسم مستعار حماية لها)20 ربيعاً، تسرد  فصول معاناتها وما تعرضت له من عنف أوصلها مطلع العام الجاري لأحد مراكز الإيواء حيث التقيناها.

        الفتاة العزباء التي أنهت سنتها الجامعية الأولى في الجامعة، كانت قد تعرفت عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي في مرحلة الثانوية العامة على شاب من قرية قريبة، فأرسلت له صورها، وبعد أشهر، التقاها في أحد المنتزهات العامة، لكن هذا اللقاء كان الوحيد الذي تم برضاها، “بعدها، بدأ يهدد بإرسال صوري لإخواني، فخشيت أن يذبحوني، حتى وإن كانت الصور بالحجاب، لأن أهلي متشددون، لذلك كنت ألتقيه مجبرة”، تقول الضحية.

      وتابعت: “كنت أستشعر انه يريد الكثير، ففكرت أن أخبر اهلي بالحقيقة، لكنني خشيت ان أخسر جامعتي ودراستي، او ان يشكل ذلك خطرا عليّ، فاستمرت اللقاءات إلى ان وصل الخبر لأهلي عبر قريبة صادف ان رأتنا في أحد المنتزهات، فمُنعت من الخروج من المنزل مدة شهرين، وحرمت من دخول الجامعة، لكنهم عادوا عن ذلك بعد توسط والدتي، فعاد الشاب للتواصل معي، وطلب أن أعمل وصلات لشعري، وان أرسل له صوري، فلبيت طلبه تحت التهديد، وحين لم أسدد باقي الأجرة للصالون، اكتشف أهلي الأمر، فقامت أمي وأخي بقص شعري ليلة العيد! فاستسلمت لهم ولم أقاوم مطلقا، وفقدت المقدرة على الاحساس بشيء! وأصبح لدي برود، وما عاد شيء يستفزني! ولأسبوع كامل لم أنظر في المرآة حتى لا اشاهد كيف صار شكلي، ولم اعد افكر إلا في الهروب. وفعلا، انتهزت وقت خروجهم للعمل، وتوجهت بسيارة أجرة لإحدى المحافظات المحيطة دون تفكير، كنت تائهة ولا اريد ان أراهم أو ان اسمع صوتهم، وحين هبط الليل، توجهت لمركز الشرطة، واخبرتهم بقصتي (دون ذكر التهديد أو الاستغلال، خشية أن تنشر صوري)، وطلبت إدخالي لاحد مراكز الايواء، غير اني عدت عن ذلك، وقررت الرجوع لأهلي بعد أن حصلت على تقرير طبي يثبت أنني عذراء، كي لا يساور اهلي الشك بشيء، وفعلا عدت”.

        وأكملت الفتاة المعنفة قصتها: “بعدها بدأ الناس يُروّجون بأني هربت مع الشاب، إلى ان وصل الأمر بأن علمت بنية قتلي على يد إخوتي وكيف يخططون لذلك، فهربت مجددا وتوجهت مباشرة الى مبنى المحافظة، وهناك جرت محاولة الاصلاح مع إخوتي، غير ان أخي قال إن لا شيء سيمنعه من قتلي حتى لو تسبب ذلك بسجنه 20 سنة، حينها تقرر تحويلي لمركز الإيواء”.

 “وحش في المنزل”

       شكل آخر من اشكال العنف، استعرضته لنا مدير فرع حماية الاسرة والاحداث في ضواحي القدس في الشرطة الرائد عبلة أبو الرب، والمتعلقة بفتاة قاصر، تعرضت لسفاح القربى على يد عمها العائد بعد غربة استمرت 30 سنة،  تلك القصة التي لا تزال تؤثر بها رغم مرور 6 سنوات عليها” حين عاد عمها، رحب به شقيقه الوحيد، ولأنهم من بيئة ومجتمع قروي بسيط، كان يُفرش له لينام مع أولاده وبناته، فأخذ عمها يتقرب اليها بالتدريج، مرة بالاحتضان ومرة بالتقبيل وهكذا، وبإحدى الليالي اخذ يتحسس جسدها وهي نائمة فقامت مفزوعة،  لكنه كرر ذلك، ولكون الفتاة ليس لديها الإدراك او الوعي الكافي، أو التفريق بين الحلال والحرام والمسموح والممنوع بشكل واضح، طلب ممارسة الجنس معها، فصدته بادئ الامر لكنها استسلمت له في النهاية، الى ان اضحى الامر بمثابة احتياج ورغبة بالنسبة للقاصر، فاستمر ذلك 6 اشهر، ثم هربا معا من المنزل، فتقدم والدها ببلاغ فقدان لابنته دون إدراكه لما كان يحدث، وبعد بحث لأيام تبين أنهما في اريحا، وحين تم جلبهما، وجعلتها تواجهه بعد محاولته الانكار واتهامه لها بانها مارست ذلك مع آخرين! لكنه ما لبث ان انهار وأقرّ بما فعل، ومن انه كان ينوي العيش معها في الاردن دون انجاب الاطفال، وحين عرف والدها، انهار واخذ يبكي، وقال: (هذه هي الهدية التي جلبها لي اخي بعد غياب 30 سنة)، فأوضحت له انها قاصر وفق القانون، وبالتالي فإن ما جرى معها يُعد اغتصاباً، فاحتضن ابنته وطالب بإعدام شقيقه”.

       اشكال العنف السابقة، جزء يسير مما وثقناه من قصص تقشعر لها الابدان عن حالات لضحايا تعرضن لعنف مركب، يضاف لها الكثير من الشهادات التي اطلعنها عليها، مما وثقته مؤسسات نسوية، والتي اجبربت بعضهن في نهاية المطاف، للجوء الى مراكز الايواء.

  وزارة التنمية الاجتماعية: 10 معنفات معدل عدد النساء شهرياً في مراكز الايواء

         رئيس وحدة المرأة والنوع الاجتماعي في وزارة التنمية الاجتماعية مديرة مركز حماية وتمكين المرأة والأسرة (محور) سائدة الاطرش قالت ان “في الضفة الغربية ثلاثة مراكز ايواء هي مركز حماية وتمكين المرأة والاسرة(محور) في بيت لحم، (افتتح  عام2007) ويتبع وزارة التنمية الاجتماعية(حكومي)، ومركز طواريء اريحا(افتتح عام2006) و يتبع مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، والبيت الآمن في نابلس(افتتح عام1999) ويتبع جمعية الدفاع عن الاسرة، وبغض النظر أكانت تلك المراكز تتبع لجمعيات غير حكومية او حكومية،  فإن وزارة التنمية الاجتماعية تشرف مهنيا على عمل المركزين وفق اتفاقيات موقعة لشراء الخدمة، استنادا لنظام مراكز الحماية رقم 9 لعام2011، والذي  ينظم إجراءات وآليات ترخيص مثل هذه المراكز والإشراف عليها والفئات المستهدفة فيها وجهات التحويل…الخ، مع العلم أن معدل عدد الفتيات والنساء المتواجدات في مختلف مراكز الايواء 10 معنفات”.

          كما تناولت رئيس وحدة المرأة والنوع الاجتماعي في وزارة التنمية الاجتماعية من يجب حمايتهم وفق نظام مراكز الحماية” يتم ايواء كل النساء او الفتيات اللاتي هناك خطر فوري على حياتهم، او من يتعرضن لاحد اشكال العنف الاساسية ، كالعنف الجنسي أو الجسدي أو التهديد على الحياة او التهديد بالقتل، او الفتيات الهاربات نتيجة للعنف الذي يتعرضون له، كما نستقبل الفتيات اللاتي حاولن الانتحار نتيجة لشدة ما يتعرضن له من عنف، إذ نساعدهن عبر دعمهن نفسيا واجتماعيا، كذلك من تعرضت لمشكلة حمل خارج اطار الزواج او الحمل غير الشرعي. وبكل الحالات، فإن الايواء يتم بعد تقييم درجة الخطورة والبدائل المتاحة وشكل العنف الذي تتعرض له المعنفة، من خلال عقد مؤتمر حالة يضم شركاء من الشرطة(والنيابة العامة إذا كان لها قضية قانونية) ومرشدة المرأة، ومركز الايواء وفي معظم الأوقات المحافظة، رغم أنه وفي بعض الحالات يكون الاستقبال فوري عن طريق الشرطة او مرشدة المرأة في مديريات التنمية إذا كان عليها خطر فوري واحتاجت الحماية”.

 مواد متداخلة.. وفروق قانونية

         وتواجه قضايا العنف ضد النساء العديد من المشاكل تناول احداها رئيس محكمة استئناف رام الله ومنسق وحدة النوع الاجتماعي في مجلس القضاء الاعلى القاضي رائد عصفور ان”عدم دقة التعريف لبعض الجرائم يؤدي الى صعوبة في الاثبات بسبب صعوبة التفريق بين تلك الجرائم، كالفرق بين جريمة هتك العرض وجريمة الشروع بالاغتصاب، وما يتعلق بتعريف الفعل المنافي للحياء (الذي يكاد يكون جريمة دون أن تكون هناك امكانية لإثباتها)”.

      من المشاكل الاخرى ما يتعلق باختلاف سن الأهلية القانونية ما بين القضاء الشرعي والنظامي وذلك ما  اوضحته رئيس نيابة الاحوال الشخصية في القضاء الشرعي القاضية صمود الضميري” سن الأهلية القانونية في القضاء الشرعي تقريبا 14.6 للفتاة (14 سنة وستة اشهر)، بينما هو 18 سنة للنظامي (بالنسبة للفتيات)، لهذا  حتى لو قدمت الفتاة دعوى لنفقة شقاق ونزاع، إلا أنها لا تستطيع التوجه منفردة للقضاء النظامي لتدعي مثلا ان زوجها يضربها( نظرا لاختلاف الأهلية القانونية بالنسبة للعمر)، وهذه كارثة”.

 “عنف من زواج الحدود”

        كما اكدت رئيس نيابة الاحوال الشخصية في القضاء الشرعي عبر امثلة ساقتها على القضايا التي يتخللها عنف قانوني واجتماعي ايضا”كثيرا ما تردنا طلبات اثبات الزواج او حتى الطلاق او اثبات نسب اطفال، بخصوص نساء متزوجات دون اوراق ثبوتية (خاصة اذا كان الزواج من فلسطينيي الـ1948، نظرا لمنع تعدد الزواج لديهم وفق القانون الاسرائيلي، حيث يتم الزواج عبر أوراق خارجية، وفي اطر اجتماعية أو تجمعات خارج اطار المحاكم، لأن عليها عقوبة جزائية)، وبذلك، فإن المرأة تخضع لانتهاك قانوني، وتتعرض لعنف قانوني، بالتالي هناك حقوق قانونية واجتماعية مجردة”.

 مواد تمييزية لصالح الرجل

          هذا ولا تزال المنظومة القانونية المتعلقة بالعنف ضد النساء  تحوي العديد من اشكال العنف القانوني الذي يمارس على المرأة بنص القانون، من خلال نصوص تمييزية، وذلك ما اوضحته رئيس نيابة حماية الاسرة من العنف لدى النيابة العامة دارين صالحية، من خلال احد الامثلة”طالما أن القانون الاساسي ينص على ان الفلسطينيين سواسية أمام القانون، لماذا اذاً يستطيع الزوج أن يشتكي على زوجته إن اقدمت على الزنا، في حين أنها لا تستطيع ذلك؟ ولماذا يستطيع الرجل ان يشتكي على شريك كان السبب في إفساد الرابطة بين الزوج وزوجته، في حين أنها لا تستطيع ان تشتكي على امرأة كانت سببا في تدمير بيتها؟”.

           فيما اعتبرت القاضية صمود الضميري” ان النصوص التمييزية ضد النساء ليست فقط  تلك المتعلقة بالمواد حول الاغتصاب، انما في الزنا ايضا على سبيل المثال، فعقوبة الزنا التي توقع على الرجل مختلفة بالنسبة للمرأة، كذلك بالنسبة للتكييف القانوني، كما يميز القانون بين الرجل المتزوج وغير المتزوج في العقوبة، أما المرأة، فلا يحدث ذلك”.

 تكييف القضايا

        طريقة تكييف قضايا قتل النساء خاصة في قضايا العنف المرتكبة داخل الاسرة كالقتل، لتحويل مسار القضية، شرحتها لنا مديرة مركز حماية وتمكين المرأة والأسرة (محور)من واقع التجربة ” في ظل عدم وجود ادلة معينة او شهود، بإمكان محامي المعتدي دراسة ثغرات القانون حسب كل قضية، ليعيد تكييف القضية بشكل يمكنه من كسبها بصورة تتيح إفلات المعنفين، كأن يتم تكييفها على أنها قضايا شرف، رغم أنك لو بحثت بتفاصيل بعض تلك القضايا، ستجد انها ليست كذلك”.

 جريمة إفلات اسمها “تكفيل المتهم”

           مدير فرع حماية الاسرة والاحداث في رام الله في الشرطة الفلسطينية المقدم باسل خريوش استعرض احدى القصص التي تدلل على قصور القانون: “قبل 4 سنوات، حين عملت في فرع ضواحي القدس، استقبلت طفلة لا يزيد عمرها عن 9 سنوات، كانت قد تعرضت للاغتصاب من قبل جدها واعمامها الاثنين وللسحاق من قبل عمتها! وبعد أخذ الافادة، تم سحب الفتاة من الاسرة وارسالها لدار رعاية الفتيات، فيما أحيل الملف للنيابة، إلا انه وبكل اسف وعبر متابعتنا، فالمعتدون الذين جرى ايقافهم حسب المدة القانونية قد تم تكفيلهم!! وعادوا الى  بيوتهم! الأمر الذي أفقد الناس الثقة بالقضاء نتيجة للقصور فيه”.

        وذلك ما وافقته الرائد أبو الرب مدير فرع حماية الاسرة والاحداث في ضواحي القدس في الشرطة الفلسطينية “بعد تحويل قضية مكتملة الاركان للجهات المختصة، نتفاجأ بأن هناك من تكفل الجاني”.

  الامر الذي استوجب رد رئيس محكمة استئناف رام الله في مجلس القضاء الأعلى والذي قال”رغم تلك الامثلة إلا انه لا يمكن ايقاف المتهم لسنوات على ذمة القضية، فالمتهم وفق القانون بريء حتى تثبت ادانته، ولا بد من اخلاء سبيله في مرحلة ما اذا ما تحققت شروط الإخلاء، بالتالي، فإن العيب ليس في القضاء او النيابة او الشرطة، وإنما في المنظومة التشريعية، وإذا لم يتم تحديث التشريعات بحيث توفر حماية ملائمة للفئات المهمشة ومنها المرأة وافراد الاسرة، فلن نجد من يثق باي منظومة قضائية او تشريعية، وسيستمر افلات المعنفين والمعتدين على النساء من العقاب، نتيجة عدم قدرة القوانين التي تحكم القضاء على معاقبتهم”.

 سلوك الضحايا

        ورغم فداحة الاضرار التي يقوم بها اشخاص حول الضحايا، الا ان بعض الضحايا يكون سلوكهم مساعدا على افلات المعنف، وبالذات في قضايا الازواج. يقول نائب مدير فرع حماية الاسرة والاحداث في رام الله الرائد كاظم مرار“أحيانا، تكون الزوجة معرضة للاعتداء من قبل زوجها، لكن وتحت ضغط الأهل الرغبين في استمرار الزواج يجبرونها على التنازل عن الشكوى.. أحيانا يكون لدى السيدة ايذاء بليغ يصل درجة التصبغات (تدرج من الاحمر الى الازرق الى الاصفر) وبعد تحويلها للنيابة، نعرف انها تنازلت عن القضية وذلك ما يشعرنا بالإحباط”.

        ولا يقتصر الامر في قضايا العنف ضد النساء على سحب الشكوى، انما يمتد لعدم تقديم الشكوى بالأساس، خشية فقدان المعيل وأن تصبح دون مأوى، وذلك ما أكدته مدير عام النوع الاجتماعي في مجلس القضاء الأعلى منار الناطور”لا توجد شبكات او مؤسسات حماية تحمي المعنفة وتكفل عيشها بكرامة، وما من اجسام او مؤسسات مجتمع مدني تحتوي هذه الفئة وتحتضن النساء اقتصاديا ولو لفترة التقاضي لتتمكن من اكمال قضيتها، لذلك، نرى ان الكثير من المعنفات اللاتي يشتكين على ازواجهن بقضايا العنف، كثيرا منهن يسحبن تلك القضايا، وأخريات لا يشتكين أصلا، نظرا للموانع الاجتماعية والاقتصادية”.

        وتُقرسائدة الاطرش ان البدائل الرسمية وغير الرسمية غير كافية لدعم المرأة من اجل رفض العنف”ضحايا الاعتداءات الجنسية على النساء وهن طفلات من قبل الاب أو الأخ، يتعرضن لتشويه كبير في شخصياتهن ونفسياتهن، ويحتجن لمراحل كثيرة وطويلة في حياتهن من العلاج المكثف والمنظم، ومثل هذه الخدمات ليست لدينا للأسف. ولو كنا قادرين على ان نؤمن للنساء فعلا عملاً وحياة كريمة على الأقل مرحليا، لما قبلت أي واحدة بأن تتعرض للعنف الذي يعد قاسيا على كرامة الانسان اكثر من قسوته على جسد المرأة، لذلك نرى ان بعض الضحايا تكون معنفة ومضروبة ولديها تقرير طبي، إلا أنها ترفض ان تتقدم بشكوى، لانها وفق منظورها لا ترى امامها بديلا، فترى أن تعرضها للعنف على يد زوجها مثلا والبقاء مع اطفالها، افضل من عودتها لأسرتها التي قد ترفضها او تجعل منها خادمة، وافضل من خروجها للشارع بحيث يجري استغلالها”.

 لماذا لا تشتكي المعنفات؟

         سـألنا الأطرش: هل يعني ذلك ان المعنفات المتواجدات في مركز (محور) لم يرفعن شكاوى قانونية ضد المعتدين؟ فقالت: “بكل صراحة وشفافية، ونتيجة لضعف القانون، فإننا ندرس ونوازن في كل قضية بين ايجابيات او سلبيات ذلك (بما لا يتعارض مع مصلحتها الفضلى وعدم تعرضها للعنف وموافقتها على الخطة)، فأحيانا عدم تقديم الشكوى يسهل إعادة دمجها بشكل آمن،  ناهيك عن انه ومن خلال تجربتنا، فإن هناك الكثير من القضايا التي تأخذ وقتاً طويلاً في المحاكم بكل اسف، إذ تمتد بعضها لـ5-6 سنوات، لدرجة ان بعض الفتيات يخرجن من المركز ويدمجن وقضاياهن لا تزال في أروقة المحاكم”.

       ووفق القانون، يقول نائب مدير دائرة حماية الاسرة والاحداث في الشرطة العقيد جهاد الحاج علي لا يتم تحويل القضايا الى النيابة إلا بوجود افادة كل الاطراف المشتكية والمشتكى عليه. واضاف “في بعض الحالات نبحث عن المشتكى عليه، فيتبين لنا أنه إما في اسرائيل او في المناطق المصنفة (C) او في منطقة مجهولة، وهذه الاشكالية تتسبب في تأخير تحويل عدد من القضايا او تدويرها”.

        من جانبها، أوضحت النيابة العامة على لسان رئيس نيابة حماية الاسرة من العنف لدى النيابة العامة المدد القانونية للتحقيق الأولي الابتدائي الذي تقوم به “إذا كان المتهم بجناية موقوف فيتوجب إنهاء التحقيق معه بمدة لا تزيد عن 6 اشهر، و3 اشهر إن كان جنحة، علما أنه وخاصة في قضايا الاعتداء الجنسي، دائما ما تكون الاجراءات بحق الضحية سريعة، فيما قد تطول احيانا بحق المتهم، لكون العينات المطلوبة خاصة فيما يتعلق بالاعتداء الجنسي بانتظار نتيجة العينات، لعدم وجود مختبر فني، او لأن بعض العينات تحتاج بضعة اشهر لحين صدور نتائجها، أو نتيجة لكونه غير مقبوض عليه”.

           وقد أشار التقرير السنوي الثامن للنيابة العامة 2017 الصادر في آذار من العام الجاري إلى أن عدد القضايا التحقيقية الواردة للنيابات الجزائية اظهرت وجود ما يقارب 200 قضية من قضايا العنف الجنسي.

           ورغم نسب الفصل في القضايا المنظورة او المحولة، تقول دارين صالحية، الا ان المسار القضائي طويل جدا، وأن انعكاس عدم وجود اجراءات سريعة وآليات حماية ووقاية وخصوصية للتعامل مع قضايا العنف الاسري يؤثر على سير الدعوى الجزائية “أحيانا تتقدم الفتاة بشكوى هتك عرض قبل ان تبلغ 16 سنة، وحين يأتي دورها في الشهادة بعد بضع سنوات، تكون حينها قد خطبت (دون ابلاغ خطيبها بما حصل معها)، وهو ما قد يدفعها للتراجع عن افادتها، ومن انها تجنت على الفاعل، وبمثل هذه الحالة تصبح الضحية متهمة حسب قانون الاجراءات الجزائية! لانه سبق أن حلفت أمام النيابة يمينا كاذبا واعطت افادة غير صحيحة! وفي مثل هذه الحالات التي تحدث فعليا، يفلت المتهم مرتين، المرة الأولى حين ارتكب الفعل، والمرة الثانية حين اصبحت متهمة، لدرجة انه يلاحقها امام المحاكم طالبا رد الاعتبار!”.

          طول الفترة الزمنية التي تستغرقها المحاكمات في القضايا المرتبطة بالنوع الاجتماعي وارتباط ذلك بإفلات المعتدين، استوجب رد القاضي رائد عصفور “ليست كل القضايا تستغرق وقتا طويلا، مع ذلك فإن القانون المطبق لدينا وضع ليطبق في دولة، في حين اننا في دولة مفككة جغرافيا يسيطر عليها الاحتلال، كما ان السلطة لا تستطيع العمل خارج المناطق المصنفة (A) لغايات احضار الشهود اجباريا، بالتالي، وبسبب عدم حضور الشهود، تبقى بعض القضايا معلقة لسنوات في بعض الحالات، أضف لذلك ان الموقوفين في اريحا لخطورتهم او خطورة جرائمهم او خوفا على حياتهم، لا نحصل لهم على تنسيق من الاحتلال من اجل حضورهم لجلسات المحاكمة اذا ما كانت الجلسات متقاربة، ناهيك عن ان سير المحاكمة يتوقف على حضور جميع أطراف المحاكمة، وأن عدم حضور اي طرف يحول دون تمكين المحكمة من اصدار قرار”.

           وفي ظل بقاء المعتدي داخل الاسرة، تقول الأطرش” ونظرا لأن النظام المتعلق بمراكز الايواء قد حدد مدة بقاء المنتفعات من الايواء في المركز لمدة سنة بالحد الأعلى(قد تجدد بأمر من الوزير، إذا ما كان التهديد على حياتها قائما)( خاصة وأن بقاء المعنفة بالمركز لمدة اطول سيجعلها ترتبط بالمكان)، فإننا نعمل مع اطراف قريبة لها لتحتويها كالجد او العم..الخ، أما فيما يتعلق ببقية اشكال العنف، فإننا نسعى بشكل اساسي لإدماج المعنفة داخل اسرتها، عبر البحث عن داعمين داخل نطاق الاسرة، وذلك قبل انقضاء المدة  القانونية لبقاءها في مركز الايواء، علما ان موافقة المنتفعة على اعادة الدمج شرط اساسي لذلك”.

       ورغم كل الاجراءات التي تتم قبل عملية الدمج، إلا ان المسؤولة في وزارة التنمية الاجتماعية أقرت بأن اثنتين من النزيلات في المركز، تعرضتا للقتل بعد خروجهن” رغم كل ما نبذله من جهد على كل الصعد قبل القيام بعملية الادماج، إلا انه ليس هناك ضمان 100% لعدم عودة العنف او القتل، وهذا تؤكده حالات القتل التي تمت بحق فتيات خرجن من مركز الإيواء(محور)، الحالة الأولى لـ(ن.ز)  عام2009، المعنفة من قبل زوجها، والتي اصرت بكل اسف ان تخرج من المركز، والتي تقبلت الاسرة استقبالها ولكن دون اطفالها، مما اضطرها بالبداية لإرسال الأولاد لوالدهم، لكنها ما لبثت أن قررت ترك اسرتها والعودة لزوجها، الذي اقدم لاحقا على قتلها نتيجة لطلبها الطلاق، وبذلك كانت ضحية لاسرتها التي لم تدعمها ولم تقم باحتضان اطفالها(وهذا اكبر خطر يهدد النساء  المتزوجات). أما الحالة الثانية فقد أصرت على الخروج من المركز هي الأخرى، بعد توقيعها على اقرار يخلي مسؤوليتنا، وذهبت للشرطة التي اودعتها لدى احد رجال العشائر لحين انهاء قضيتها مع زوجها، لكنها هربت من عنده وعادت لزوجها الذي اقدم على قتلها!” وكان هذا في بداية افتتاح المركز.

       هناك حاجة لقوانين اكثر ردعا تقول الاطرش” رغم كل ما نعمله مع ضحايا العنف، وما نعمله حاليا مع الشركاء  بخصوص مشروع قانون خاص بالأسرة، يعمل بالذات على حماية المرأة، إلا اننا نحتاج ايضا لقانون عقوبات رادع على المعتدين ويضمن تحقيق العدالة ،  فإذا لم يكن هناك غطاء قانوني قوي، سيعود العنف بحق الضحية، أوسيتم قتلها”.

        ورغم أهمية التدخل التشريعي عبر قرارات بقوانين من الرئيس لإلغاء او تعليق او الغاء العمل ببعض المواد القانونية التميزية ضد النساء كالمادتين (340، 308) وتعديل المادتين (98، 99)،  وقرار مجلس الوزراء القاضي بتعزيز حماية المرأة المعنفة، وتشكيل اللجنة الوطنية لمناهضة العنف ضد المرأة، وإقرار الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف ضد النساء، الى جانب تصديق السلطة على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، الا ان العديد من الجهات والمؤسسات النسوية او الحقوقية ذات الصلة ترى ان هذه التدخلات جزئية وغير كافية، وأنها بحاجة لاستكمال معالجة عدد من المواد، مع التشديد على اهمية ان تتبعها خطوات اخرى باتجاه إلغاء اشكال التمييز الاخرى بالكامل.

        منذ أن تعطل عمل المجلس التشريعي عام 2007 حتى العام 2017، تقول مدير عام الادارة العامة للخدمات التشريعية في المجلس التشريعي وفاء حمايل “أصدر الرئيس عدد كبير من القرارات بقانون ، إلا انه وبالاطلاع على التصنيفات الموضوعية لهذه القوانين، نجد انه ليس هناك كم كافٍ من القرارات بقوانين التي تعالج موضوع العنف ضد النساء، وهذا يعطي مؤشرا حول الأولوية والتوجه السياساتي لصانع القرار”.

            تم إنتاج هذا التحقيق ضمن مشروع الصحافة الاستقصائية، بالشراكة بين شبكة الصحافيين الاستقصائيين الفلسطينيين ومركز تطوير الإعلام– جامعة بيرزيت، والبيت الدنماركي في فلسطين، ومؤسسة الدعم الدولي للإعلام  ”IMS”.

رابط النشر

http://www.alhaya.ps/ar_page.php?id=4240d0dy69471501Y4240d0d&fbclid=IwAR2Jv57iTnGpKlWtQMUpT3clfBaJcliSwmAYoGzpYOEAJWK2E9ZZipZAy-0

  النسخة المطبوعة

12-12-2018

http://alhaya.ps/pdf/2018/12/12/page5.pdf

 haitham9000@gmail.com

12alhaya-1246573355733725212659page5

Be Sociable, Share!