بين لعنة الفقر والإهمال وسماسرة الاحتلال وتراشق المسؤوليات

 

تحقيق: هيثم الشريف – فلسطين – السفيراللبنانية

22-آب- 2016

نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-11-17 على الصفحة رقم 7 – عربي ودولي

نسخة مختصرة

       تُعد المواقع الأثرية في فلسطين جزءا هاما من التاريخ الفلسطيني، فهي النافذة التي تطل بنا على العصور والحضارات السابقة التي عاشت في فلسطين. غير ان للمباني التاريخية (التراثية والتقليدية ) ذات الأهمية، لما تحتويه من عناصر معمارية وزخرفية، وما تمثله كجزء من المشهد الحضاري للشعب الفلسطيني الممتد حتى عهد الدولة العثمانية، لكن ضيق بعضها وحاجة الناس للتوسع العمراني،  قد لا يبقي مجالا إلا لهدمها، رغم ما تقوم به الجهات الرسمية من اجراءات لحمايتها.

     ”السفير”  تتناول في هذا التحقيق، عمليات هدم المباني التاريخية التي يحظر هدمها، لكنها تكشف ايضا تبعات ما بعد عمليات الهدم.

معايير تقييم المباني الأثرية

      مديرعام حماية الآثار في وزارة السياحة والآثار صالح طوافشه عرّف المباني التاريخية بأنها المنازل والزوايا والمدارس والمساجد والأحواش والخانات والمحلات والبيوت الفلاحية وغيرها، التي أنشأت في العهد العثماني والمنتشرة  في كافة القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، وأضاف” وتتركز في المراكز التاريخية(البلدات القديمة) لتلك المدن، كما يوجد مباني تاريخية منفرده خارجها، علما أن هناك عدة معايير تلعب دورا في تقييم هذه المباني، من بينها الجانب المعماري والانشائي والفني، أو ما له علاقة بالمكانة التاريخية اوالاجتماعية والثقافية لساكنيها”.

      لكن تحديد معايير تقيم المباني التاريخية والحفاظ عليها عبر مسوحات ميدانية  تمت في محافظة بيت لحم فقط، وذلك ما حدثتنا عنه مدير آثار محافظة بيت لحم إيمان الطيطي” المسوحات التفصيلية التي اجريت  لكل مبنى ما بين(2012 و2013)، نتج عنها أن صدر في العام2014 (نظام أحكام الحفاظ على التراث المعماري في مدينة بيت لحم ) بحيث تم  تصنيف المباني التاريخية إلى (7) تصنيفات داخل البلدة القديمة، و (6 ) تصنيفات للمباني المنفردة، واصبح كل مبنى تاريخي يحمل رقم وبطاقة هوية تعبرعنه، تحوي كافة بياناته وشروط ومعايير التعامل معه بحسب تصنيفه، فالمباني المصنفة درجة( أولى ) مثلا يمنع  هدمها او ازالتها لما تحمله من قيمة استثنائية، بينما المباني المصنف درجة (سادس) من الممكن ازالتها نظرا لوجود نماذج ابنيه مشابهة لها، لكن ذلك يتم  بعد توثيق المبنى كاملا، علما ان نتائج المسح اظهرت ان عدد المباني التاريخية المنتشرة داخل حدود مركز المدينة (796) مبنى و (309) مباني منتشرة في بقية انحاء المدينة”.

لا إحصائيات رسمية كاملة

      ورغم تصنيف وترقيم واحصاء المباني التاريخية بحسب الأهمية في مدينة بيت لحم، إلا أن وزارة السياحة والآثار لا تملك إلى الآن احصائيات رسمية حكومية كاملة لاعداد أو تصنيفات المباني التاريخية فوق الاراضي المحتلة عام (1967).

      لكن المركز المعماري الشعبي(رواق)، نشر في العام (2006 ) احصائيات غير رسمية حول المباني التاريخية فصلها لنا مدير المركز الدكتور خلدون بشاره” بدأنا العمل على (السجل الوطني للمباني التاريخية في فلسطين) منذ العام (1994) فاستمر العمل لـ(10) سنوات، دخلنا خلالها كل مبنى تاريخي في فلسطين المحتلة عام(1967)، فأحصينا  في(422) بلدة وقرية(50320 ) مبنى تاريخي تعود للفترة العثمانية، وخصوصا الفترة العثمانية المتأخرة من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين، كذلك لفترة الانتداب البريطاني بين (1917و1948)، وقد شملت النتائج الى جانب الاسم والمكان والموقع لكل مبنى، الحالة الفيزيائية الانشائية لتلك المباني، والغرض الذي انشأت من اجله وطبيعة الاستخدام الحالية واضاف” كما أظهرت المعطيات ان اغلب تلك المباني يقارب عمرها(300)سنة، ومن ان (50%) منها مهجورة وبحالة سيئة من ناحية فيزيائية اوانشائية، وان ما بين(80-90 %) من تلك المباني في القرى اغليها مهجورة لانعدام الجدوى الاقتصادية”.

  المكانة التاريخية للمباني التاريخية دفعت بالسلطة الفلسطينية لحماية تلك المباني منذ قدومها عام(1994) يقول مديرعام حماية الآثار في وزارة السياحة والآثار قانون الآثار رقم( 51 لسنة 1966) لا يشمل حماية مثل هذه المباني، ولتغطية الثغرة القانونية في هذا الجانب، اصدرنا مجموعة قرارات ادارية تمنع هدم اي مبنى تاريخي الا بموافقتنا، وفي(2006) قمنا بعمل (نظام حماية المباني التاريخية داخل البلدات القديمة والمباني التاريخية المنفردة)، بالشراكة مع  وزارة الحكم المحلي ولجان مجلس التنظيم الاعلى ومؤسسات عاملة في حقل التراث، حيث أقره مجلس التنظيم الأعلى في وزارة الحكم المحلي، وبات ملزما لكافة الهيئات المحلية، لمنع أي مواطن من الإعتداء او هدم او تخريب أي جزء من أي مبنى تاريخي، بالتالي حاليا عند تقديم المواطن لأي طلب هدم وازالة مبنى تاريخي لطرفنا أو محول لنا، تتم دراسة اولية للمبنى قبل اتخاذ القرار فيه”.

بلديات توافق على الهدم!

     ورغم اقرار النظام إلا ن بعض البلديات والهيئات والمجالس المحلية تتجاهل تلك التعليمات، وتوافق على عملية الهدم بمعزل عن موافقة وزارة السياحة والآثار يقول مدير أثار محافظة الخليل محمد صبارنه” وهو الأمر الذي يؤثر سلبا في الحفاظ على هذه المباني، نظرا لأن الهيئات والمجالس المحلية تأخذ على عاتقها في بعض الاحيان هدم بعض المباني في حال توسعة الشوارع وإقامة المباني العامة”.

      وذلك ما اكده صالح طوافشه، حيث اعطى مثالا لما يجري” قبل بضعة اسابيع وأثناء العطلة الرسمية، وصلتنا اشارة من احد المواطنين عن عملية هدم لاحد المباني في احدى القرى التابعة لمحافظة رام الله، فتوجهت طواقمنا للموقع، فتبين ان المجلس القروي يشرف بنفسه على عملية الهدم!”.

     ويعتقد مدير المركز المعماري الفلسطيني(رواق) ان اعطاء اذن الهدم دون الرجوع لوزارة السياحة والآثار، قد يمر في المجالس المحلية، خاصة الصغيرة منها التي ليس فيها مهندس او ليس فيها اكثر من عضوين، انطلاقا من انها وفق مفهوم بعضهم، ما هي الا مباني بدائية يجب ان تزال، خاصة وان جزءا كبيرا منها باتت مكبات للنفايات وآفة صحية وليست محل للإستثمار ومشرذمة الملكية،  بالتالي فأفضل ما يمكن بالنسبة للمجالس المحلية هوتغيير هذا الواقع عبر هدمها”.

       وقد اقرت مديرة دائرة التنظيم والترخيص في وزارة الحكم المحلي المهندسة ليالي مقدادي قيام بعض البلديات والمجالس المحلية بذلك” رغم ان النظام يمنع اصدار أي رخصة هدم دون موافقة وزارة السياحة والآثار، واصدار مجلس التنظيم الأعلى عدة تعميمات للبلديات حول معايير حماية المباني التاريخية، إلا ان بعض البلديات والمجالس المحلية المتوسطة والصغيرة غالبا لا تلتزم بذلك، وتحاول التغاضي عن كون المبنى تاريخي، فتعمد الى هدمه او هدم جزء منه بهدف توسعة الطرق مثلا”.

      مع ذلك فقد حمّلت المهندسة ليالي مقدادي مديرة دائرة التنظيم والترخيص في وزارة الحكم المحلي المسؤولية الأولى لوزارة السياحة والآثار” في المناطق التي نُعد فيها مخططات هيكلية، تحول المخططات بشكل الزامي لوزارة السياحة والآثار، لتحديد وتعيين المباني التاريخية والبلدات القديمة والمناطق التاريخية واجبة الحماية، لكنها تكتفي بتعيين الحدود الخارجية للبلدات القديمة، والخرب الاثرية المرصودة لديهم منذ العهد البريطاني، او اذا كان هناك مبنى تاريخي مهم للغاية(باستثناء بيت لحم والتي جرى تحديد وتصنيف وترقيم المباني التاريخية فيها) و( الخليل التي يقول المجلس البلدي فيها انه لا زال يعد المخطط الهيكلي). بالتالي فرغم ان  نظام حماية المباني التاريخية يعطي المعايير والأحكام وملزم، لكن كان يجب ان يرتبط  بمخططات تحدد لنا المباني التاريخية. عليه فالتقصير يعود لوزارة السياحة والاثار، خاصة وأن المعلومات المنقوصة بشأن المباني التاريخية على المخططات الهيكلية سببت لنا الكثير من المشاكل كجهة مسؤولة عن الترخيص”.

      فيما دافع طوافشه عن النظام قائلا” نظام حماية المباني التاريخية قرار واضح صادر عن اعلى هيئة ترخيص في البلد، واي مبنى تاريخي يزيد عمره عن خمسون عاما واجب الحماية، كما أن المهندسين في البلديات على علم بالمباني التاريخية واجبة الحماية، اما تعيين المباني التاريخية في المخططات الهيكلية فالوزارة تعمل بالتعاون مع وزارة الحكم المحلي في مجموعة من المدن والبلدات لاعداد مثل هذه المخططات، لكن ذلك يحتاج جهدا ووقتا طويلا، حيث بدأنا في بيت لحم، والعمل جاري في بلدية رام االله لانجاز ملف الحماية لتلك المباني”.

     غير ان مشكلة هدم المباني التاريخية لا تقتصر على موافقات بعض البلديات والمجالس والهيئات المحلية دون الرجوع لوزارة السياحة والآثار احيانا، بل تمتد إلى قيام المواطنين بعمليات الهدم مباشرة دون الرجوع لأي جهة رسمية في محاولة منهم لفرض الأمر الواقع! وذلك ما بينه لنا مدير أثار محافظة الخليل” نظرا لمعرفة بعض اصحاب تلك المباني بأن هناك صعوبة في الحصول على اذن الهدم من الجهات الرسمية، يستغلون فترة العطل الأسبوعية أو الاعياد الرسمية أو ساعات الفجر الأولى اوالليل وحتى الظروف الأمنية التي تسوء احيانا لهدم تلك المباني، ومن آخر حالات الهدم الموثقة في الخليل، قيام مالك احد المنازل التاريخية بهدم منزله في الساعة الرابعة والنصف صباحا! وقيام مالك منزل آخر (يعتبر تحفة فنية ونموذجا معماريا فريدا) باستخدام (حفار آلي ضخم) لهدم منزله في السابعة والنصف صباحا، بحيث أتم عملية هدم المبنى خلال نصف ساعة فقط!”.

      هذا وتشكل عمليات الهدم التي تجري في المناطق ذات السيطرة الاسرائيلية(المصنفة سي)، او التي تتم في مناطق بعيدة او نائية عائقا في حماية التراث الثقافي بشكل عام يقول مدير عام حماية الآثار لكونها لا تمكن طواقم الوزارة من الوصول اليها بالسرعة المطلوبة، واضاف” لكون ان عمليات الهدم قد تتم في قرية نائية على سبيل المثال، فإذا لم يبلغنا المجلس القروي او الهيئة المحلية بالأمر فربما لا نعرف! اضف لذلك انه ونظرا للكم الكبير من المباني التاريخية وانتشارها في كافة ارجاء المدن والقرى الفلسطينية! يصعب على  الوزارة رصد كل الاعتداءات وحصر الاضرار”.

     مع ذلك فقد رصدت الادارة العامة لشرطة السياحة والآثار يقول رئيس قسم التنظيم والإدارة المقدم امين فرخ” (17)  حالة هدم لمنازل تاريخية موزعة على عدد من المحافظات في شهر نيسان الماضي،  و(25) عملية هدم في شهر آذار، و(7) حالات هدم في شهر شباط” علما بأن عمليات الهدم التي رصدت ليس واضحا فيها اذا ما كانت لمباني واجبة الحماية ام لا، إلا ان المباني المهدومة  قد تكون عبارة عن غرفة او غرفتين او طابق او ما شابه”.

      فيما قدّر الدكتور خلدون بشارة أن  ما بين  (1-2 %) من المباني التاريخية  تُهدم سنويا رغم التباين في عدد حالات الهدم بين سنة واخرى” رغم تسجيلنا لأكثر من (50) الف مبنى تاريخي،  إلا أننا نقدر انه من المستحيل ان يصل العدد حاليا الى(40) الف مبنى. فعلى سبيل المثال مناطق كفر نعمه والمغيّر وطوباس القديمة ودورا القديمة (مشيخة دار عمر) نصفها لم تعد موجوده! كما أن رام الله عام (1940) كان بها حوالي  (850) منزل تاريخي، لكن حاليا ليس فيها اكثر من (370)منزلا، كذلك الأمر ببلدة يطا فقد كان فيها حوالي(1300) منزل تاريخي، ولكن الآن ليس فيها سوى (700 )منزل”.

أي عقوبات؟

       التراجع في اعداد المباني التاريخية،  يدفع للتساؤل حول ان كانت العقوبات المتخذة بحق المخالفين رادعة، وذلك ما حدثنا عنه محمد صبارنه من واقع تجربته ” كثيرا ما نشعر ان العقوبات بحق من يقومون بعمليات الهدم غير رادعة لايقاف ظاهرة هدم المباني التاريخية، اذ بعد تقديمهم للمحاكمة يتم توقيفهم بضعة ايام فقط! ناهيك عن المشاكل المترتبة عن تحويل المخالفين للقضاء، فمثلا في إحدى بلدات المحافظة تم هدم حوشين، واثر تحويل المتهمين بالهدم للقضاء تم تهديدي!”.

      فيما تناول الدكتور خلدون بشاره مدير المركز المعماري الفلسطيني (رواق) القوانين ذات الصلة بالمباني التاريخية” حسب القانون البريطاني الاستعماري لعام( 1929) فإن كل ما أنشيء قبل القرن السابع عشر يعتبر آثار،  بالتالي نشعر ان لا رقابة او حماية للبنايات التاريخية بعد ذلك التاريخ، حتى أن تجريم هدم المبنى الأثري ماليا قليل! وعقوبة السجن تكون لأيام رغم امكانية وصولها الى (6)اشهر. ورغم تنبه بعض البلديات (كبلدية بيت لحم وبلدية رام الله) لهذا الأمر، وقيامها بتنفيذ احكام بقوة القانون للحماية،  بحيث حرصت على عدم اعطاء إذن الهدم قبل فحص الأمر، إلا اننا ولاعتقادنا بأن الأحكام في الوقت الراهن لا تكفي، خاصة في ظل عدم اقرار قانون عصري يحمي البنايات التاريخية (رغم أن القانون ليس الضمانة لحماية تلك المباني، بدليل تدمير الآثار الخاضعة للحماية، وما تعلنه وزارة السياحة والآثار حول ان  حجم التسريب للسوق الاسرائيلية او العالمية المعلن عنها  “100 الف قطعة سنويا”) اطلقنا مشروع الـ (50 قرية) حيث تركزت جهودنا على ترميم قرى كاملة ذات اولوية كالظاهرية وبيرزيت وغيرهما، خاصة وأن الاحصائيات أظهرت أن (50 ) قرية وبلدة تحتوي على (50%) من الممتلكات الثقافية في فلسطين، وحاليا نحن في طريقنا لانجاز( 14) قرية من هذا المشروع”.

         وبهدف حث وتشجيع الناس على البقاء والثبات في تلك المنازل، قالت وزارة السياحة والآثار انها عملت مع وزارة الحكم المحلي وصندوق تطوير واقراض البلديات على مشروع لإعادة احياء 12 مركز تاريخي في محافظات الوطن، اضافة لتنفيذها مجموعة من البرامج الخاصة بالترميم في مواقع مختلفة لمباني غير سكنية كالمراكز العامة والجمعيات والنوادي.

السماسرة والاحتلال

         ورغم اجراءات كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية لحماية المباني التاريخية،  إلا ان عمليات هدم المباني التاريخية(الغير قانونية) مستمرة، لكن ما يُعد الأخطر من كل ذلك، تبعات عمليات الهدم التي تجري، حيث تأكد تسريب حجارة مباني تاريخية مهدومة في العديد من الحالات الى الاسرائيليين! وذلك ما كشفه لنا رئيس قسم التنظيم والإدارة في الادارة العامة لشرطة السياحة والآثار” خلال عملنا لـ (20)عاما، لاحقنا الكثير من اللصوص الذين يسرقون حجارة المباني التاريخية المهجورة التي يزيد عمرها عن(100)عام بغرض بيعها للإسرائيليين ! ناهيك عن السماسرة او التجار الذين يهربون تلك الحجارة القديمة، بعد ان يقوموا بإغراء بعض اصحاب المنازل المهدّمة لشراء تلك الحجارة باسعار زهيدة، رغم قيام مالك المنزل نفسه بالبيع للاسرائيليين دون وسيط احيانا. آخر عمليات الضبط تمت قبل بضعة اشهر لسيارة شحن كبيرة محملة بحجارة مبنى تاريخي تم هدمه من منطقة جنوب الضفة الغربية،  وقد اظهر التحقيق ان الناقل وسيط اشترى الحجارة من صاحب منزل تاريخي هدم بيته. علما ان 99% من حالات التهريب تتم بعد انتصاف الليل، تُسلك فيها الطرق الالتفافية، كما تجري شهريا عملية ضبط حالة أو حالتين لبيع حجارة تاريخية بالمعدل”.

       محاولة شراء الحجارة التاريخية للمنازل المهدّمة عبر وسطاء ظاهرة حقيقة موجودة على الارض يقول صالح طوافشه مدير عام حماية الآثار” الاسرائيليون لهم علاقات مع تجار ووسطاء ليقوموا بنقل هذه الحجارة، التي تستخدم في بناء مباني حديثه في المستوطنات، وذلك يأتي في اطار سعيهم لتدمير التراث الفلسطيني وسرقة الهوية الثقافية للشعب الفلسطيني واستخدامها لأجندات أو لقضايا ايدولوجية بحته، وهنا تكمن خطورة الوضع”.

           ولا يقتصر البيع للطرف الاسرائيلي على حجارة المباني يقول محمد صبارنه مدير آثار محافظة الخليل،  بل يمتد الى بيع خرزات البئر او الجاروشة او الحجارة المزخرفة التابعة لمباني تاريخية جرى هدمها، او البلاط الداخلي لتلك المباني” لأكثر من مرة وبالتعاون مع الاجهزة الامنية تم ضبط كميات من البلاط الحجري القديم الاحمر والملون (في شاحنات متجهة لإسرائيل)، اما بخصوص بيع الحجارة فقبل بضعة اشهر وصلتنا اشارة حول قيام سمسار وتاجر من بيت لحم، بتهريب حجارة تاريخية من منطقة الكرمل في بلدة يطا، حيث تمت ملاحقتهما من قبل الشرطة التي ضبطت الحجارة والقت القبض عليهما، وفي حالة مشابهة ضبطنا احد تجار بيع الحجارة التاريخية، والذي اعترف لنا قيامه من خلال بعض المحاجر بتقطيع تلك الحجارة الى قطع صغيرة لعمل لوحات فسيفسائية مزوره”.

           وذلك ما اوضحه المقدم امين فرخ رئيس قسم التنظيم والإدارة في الادارة العامة للشرطة السياحية والآثار” البيع والنقل الى اسرائيل إما ان يتم مباشرة او بعد قيام المهربين بنقل الحجارة ليلا لمحاجر فلسطينية بهدف قصها وتنميقها وتكحيلها. احدى القضايا الموثقة لدينا لسمسار اشترى من صاحب المنزل (مشتاح صغير) دفع مقابله (2000 ) شيقل، ورغم إمكانية بيعه للطرف الاسرائيلي بعدة آلاف، إلا انه بالنسبة لإسرائيل  يساوي اكثر من ذلك بكثير اعتمادا على شكل وتاريخ تلك الحجارة، بالتالي كنا كل شهرين او ثلاثة اشهر نقبض على اصحاب محاجر عليهم قضايا بالخصوص مع ضبط الحجارة في محاجرهم. لكل ذلك في حال تمت عملية هدم لأي من تلك المباني نحرص على ان لا يتم تسريبها او بيعا للاسرائيليين، عبر توقيع اصحاب المباني المهدمة على تعهد بعدم التصرف بتلك الحجارة المهدمة دون اخذ اذن بذلك من وزارة السياحة والآثار والأمثلة على ذلك كثيرة”.

     ورغم قول صالح طوافشه مدير عام حماية الآثار في وزارة السياحة والآثار ان القانون الجديد لوزارة السياحة والآثار الذي يجري العمل عليه،  سيشكل رافعة قانونية من أجل حماية تلك المباني، إلا ان احد المهتمين في مجال الآثار منذ (30 )عاما، والذي فضل عدم الكشف عن هويته، اعتبر ان اهم الطرق الفاعلة في حماية المباني التاريخية، تتلخص في تعويض اصحاب تلك المباني، وإلا فسيستمر اصحابها بهدم المنازل التاريخية بعيدا عن اعين السلطة، وستستمر اعمال سرقة او بيع وتسريب الحجارة للطرف الاسرائيلي”.

https://assafir.com/Article/1/507576

……..

 

بين لعنة الفقر والإهمال وسماسرة الاحتلال وتراشق المسؤوليات

 تاريخ فلسطين الأثري: مَن يحميه.. مَن يهدمه.. ومَن يسرقه؟

 

تحقيق: هيثم الشريف – فلسطين – السفيراللبنانية

22-آب- 2016

نسخة موسعة

 

       تُعد المواقع الأثرية في فلسطين جزءا هاما من التاريخ الفلسطيني، فهي النافذة التي تطل بنا على العصور والحضارات السابقة التي تعاقبت وعاشت في فلسطين. غير ان للمباني التاريخية (التراثية والتقليدية ) ذات الأهمية، لكونها تمثل إرثا تاريخيا وحضاريا بما تحتويه من عناصر معمارية وزخرفية، ولما تمثله كجزء من المشهد الحضاري للشعب الفلسطيني الممتد حتى عهد الدولة العثمانية.

         ورغم ان جزء من تلك المباني مهجورة وقد يكون اصحاب بعضها خارج البلاد، إلا ان اجزاء كبيرة من تلك المباني والمنازل التاريخية مأهولة حتى اليوم لأغراض السكن والاستعمال (وهذه احدى اهم الاختلافات عن المواقع الاثرية)، لكن ضيق بعضها وحاجة الناس للتوسع العمراني، عبر بناء منازل أوسع وأكبر، أو للإستثمار في موقعها من خلال بناء الأبراج السكنية او التجارية، أو لحاجة توسيع الطرق والأسواق، قد لا يبقي مجالا إلا لهدمها، رغم ما تقوم به الجهات الرسمية من اجراءات لحمايتها.

     ”السفير”  تتناول في هذا التحقيق، متى وكيف  تتم عمليات هدم المباني التاريخية المحمية(التي يمنع هدمها) وأثر ذلك على المشهد الحضاري الفلسطيني. لكنها تكشف ايضا تبعات ما بعد عمليات الهدم.

معايير تقييم المباني الأثرية

      مديرعام حماية الآثار في وزارة السياحة والآثار صالح طوافشه قال ان تلك المباني التاريخية أنشأت في العهد العثماني (معظمها أسس على أنقاض مواقع الأثرية)، ومن أنها منتشرة في كافة القرى والبلدات والمدن الفلسطينية واضاف” يوجد مباني تاريخية منفرده خارج البلدات القديمة، فيما تتركز تلك المباني في المراكز التاريخية(البلدات القديمة) لتلك المدن، وتشمل المنازل والزوايا والمدارس والمساجد والأحواش والخانات وغيرها، علما أن هناك عدة معايير تلعب دورا في تقييم هذه المباني، من بينها الجانب المعماري والانشائي والفني، أو ما له علاقة بالمكانة التاريخية او الاجتماعية والثقافية لساكنيها”.

      القائم بأعمال مدير آثار محافظة بيت لحم إيمان الطيطي اوضحت انه  وبهدف الحفاظ على النسيج المعماري التقليدي للمناطق التاريخية والعناصر المختلفة المُشكِلةُ له، وتوفيرالحماية للمراكز والمباني التراثية المنفردة، وتصنيف المناطق التراثية والمباني التراثية المنفردة وبتالي تنظيم اعمال الإعمار ، تم ضمن مشروع التراث من أجل التطوير: الاستثمار في الموارد البشرية من أجل حماية المدن التاريخية وادارتها، وذلك من خلال إعداد(نظام أحكام الحفاظ على التراث المعماري في مدينة بيت لحم ) وتصنيف المناطق التراثية والمباني التراثية المنفردة في العام ( 2014) بتمويل مشترك من الحكومة السويدية – الوكالة السويدية للتنمية الدولية (سيدا) من خلال منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) وقد قام بتنفيذ المشروع مركز حفظ التراث الثقافي في بيت لحم بالتعاون مع وزارة السياحة و الآثار وبلدية بيت لحم ووزارة الحكم المحلي”.

     وأتبعت القائم بأعمال مدير آثار محافظة بيت لحم” حيث تم في الفترة الممتدة ما بين( 2012 الى 2013) مسوحات ميدانية  شملت جميع المباني الواقعة ضمن حدود المركز التاريخي للمدينة والمباني التراثية المنتشرة في مدينة بيت لحم، والتي هدفت إلى بناء قاعده بيانات ترتبط بنظم المعلومات الجغرافية، بغية جمع جميع المعلومات المرتبطة بمركز المدينة التاريخي والمباني التقليدية المنفردة لتسهيل وصول الطواقم العاملة في المجال الى هذه المعلومات والاستفادة منها،  وقد شملت المسوحات معلومات عن المبنى من حيث (الملكية وفترة البناء ووصف وشكل وتكوين المبنى من حيث طبيعة البناء ونسبة الإضافات، ونوع طبيعة وتقنيات البناء وتطور شكل البناء، ووصف دقيق للعناصر المختلفة المكونة للمبنى من حيث السقف و الواجهات والفتحات والمداخل ، وتقييم البناء وقيمته التاريخية سواء الجمالية أو الثقافية أو التراثية أوالاجتماعية، إلى جانب الأصالة والموقع المحيط ، وحالة المبنى الحالية من الخارج والداخل والوضع الصحي )، فتبين ان مجموع عدد المباني التقليدية المنتشرة داخل حدود مركز المدينة ( 796 مبنى)، و (309) مباني منتشرة في بقية انحاء المدينة، بالتالي فقد ساهمت هذه المسوحات والدراسات الناتجة عنها في تحديد معايير الحفاظ على المباني التراثية، بحيث تم  تصنيف المباني التاريخية إلى (7) تصنيفات داخل البلدة القديمة، و (6 ) تصنيفات للمباني المنفردة في نظام الأحكام، واصبح كل مبنى تراثي يحمل رقم وبطاقة هوية تعبرعنه، تحوي كافة بياناته وشروط ومعايير التعامل معه بحسب تصنيفه، ويحدد النظام مستويات التدخل على المباني في حال اراد المالك الحصول على رخصة للإعمار، كما يربط النظام الحصول على رخصة الاعمار بشروط خاصة تعتبر جزءا لا يتجزا من نظام الأحكام “.

     وكمثال على انواع تلك التصنيفات تضيف ايمان الطيطي القائم بأعمال مدير آثار محافظة بيت لحم “المباني المصنفة درجة( أولى ) والواقعة داخل البلدة القديمة تحمل قيمة استثنائية ، بالتالي يمنع  هدمها او ازالتها، كما تمنع الإضافة العمودية أو الأفقية او الحديثة لها، وفي تصنيفات اخرى من الممكن التغيير او الاضافة لها ولكن حسب الاصول، فلو مبنى مصنف درجة (سادسة) مثلا من الممكن ازالته نظرا لوجود نماذج ابنيه مشابهة له، ويتم ذلك بعد توثيق المبنى كاملا عن طريق المخططات المعمارية (مساقط افقية وعمودية ووجهات) وتصوير المبنى من الداخل والخارج بالفيديو والصور الفوتوغرافية، في حين ان المباني المصنفة درجة(سابعة) هي مباني واضافات لها تأثير سلبي على النسيج الحضري والموروث الثقافي لبيت لحم ويجب هدمها، الا اذا كان لهدم هذه المباني تأثير سلبي على المباني المجاورة “.

لا إحصائيات رسمية كاملة

      ورغم احصائيات وتصنيفات المباني التاريخية وترقيمها بحسب الأهمية في مدينة بيت لحم، والدراسات الميدانية الأولية التي تقوم بها وزارة السياحة والآثارعموما، إلا أنها لا تملك إلى الآن احصائيات رسمية حكومية كاملة لاعداد أو تصنيفات المباني التاريخية فوق الاراضي المحتلة عام (1967).

      لكن المركز المعماري الشعبي(رواق) الذي تأسس عام (1991)على يد مجموعة من المهتمين بالتراث المعماري لشعورهم بأن فلسطين تختفي من أمام اعينهم بسبب الحداثة والاحتلال، سواء اكان ذلك بخصوص المباني التاريخية او المشهد الحضاري من اشجار وزيتون وصنوبر..الخ، نشراحصائيات غير رسمية بينت وجود ما يزيد عن (50)الف مبنى تاريخي  في الاراضي المحتلة عام(1967)، يقول مدير المركز الدكتور خلدون بشاره ” انضممت للمركز عام (1994) من اجل العمل على (السجل الوطني للمباني التاريخية في فلسطين)، ولإنجاز ذلك دخلنا كل مبنى تاريخي في فلسطين المحتلة عام(1967)، حيث احصينا  في(422) بلدة وقرية( 50320 ) مبنى تاريخي من محلات وبيوت فلاحية ومساجد وأحواش وغيرها، تعود للفترة العثمانية، وخصوصا الفترة العثمانية المتأخرة من القرن الثامن عشر ثم التاسع عشر فالعشرين، كذلك لفترة الانتداب البريطاني بين (1917 و1948)، بالتالي فإن اغلب هذه المباني عمرها( 300) سنة”.

     مدير المركز المعماري الشعبي(رواق) اشار ان الاحصائية التي انجزت عام2004 ونشرت نتائجها في العام2006  شملت الى جانب الاسم والمكان والموقع لكل مبنى، الحالة الفيزيائية الانشائية لتلك المباني، والغرض الذي انشأت من اجله وطبيعة الاستخدام الحالية مع تبيان المباني المهجورة منها ايضا” المعطيات اظهرت ان ( 50%) من تلك المباني مهجورة، ومن انها بحالة سيئة من ناحية فيزيائية اوانشائية.  ومن المؤشرات الجغرافية ان ما بين(80-90 %) من تلك المباني في القرى اغليها مهجورة لانعدام الجدوى الاقتصادية، كما ان من الصعوبة بمكان ان تجد في مدينة غير الخليل مباني تاريخية مهجورة، ففي القدس ونابلس او بيت لحم مثلا تجد ان المباني فيها مستخدمة لان في ذلك جدوى اقتصادية”.

    الجدوى الاقتصادية لتلك المباني ومكانتها التاريخية لما تمثله كجزء من التاريخ والذاكرة والهوية والموروث الثقافي للشعب الفلسطيني، دفعت بالسلطة الفلسطينية منذ قدومها لحماية تلك المباني يقول صالح طوافشه نظرا لأن قانون الآثار رقم( 51 لسنة 1966) لا يشمل حماية مثل هذه المباني، استعضنا عن ذلك بمجموعة  قرارات ادارية تمنع هدم اي مبنى تاريخي الا بموافقة وزارة السياحة والآثار، اضافة الى ذلك ان باشرنا بعمل خطة منهجية بالتعاون مع شرطة السياحة والآثار والهيئات المحلية من أجل حمايتها، كما أننا ولتغطية الثغرة القانونية في هذا الجانب ( لحين اقرار قانون عصري ملائم)، قمنا عام (2006) بعمل (نظام حماية المباني التاريخية داخل البلدات القديمة والمباني التاريخية المنفردة)، بالشراكة مع  وزارة الحكم المحلي ولجان مجلس التنظيم الاعلى وبعض المؤسسات العاملة في حقل التراث، حيث أقره مجلس التنظيم الأعلى في وزارة الحكم المحلي، وبات ملزما لكافة الهيئات المحلية لمنع أي مواطن من الإعتداء او هدم او تخريب أي جزء من أي مبنى تاريخي، وبذلك اصبح لدينا اطار حامي  بخصوص تلك المباني، بالتالي حاليا عند تقديم المواطن لأي طلب هدم وازالة  مبنى تاريخي لطرفنا أو محول لنا، يتم دراسة الطلب قبل الرد عليه”.

       حيث تقوم اللجان المُشكّلة من المهندسين التابعين لدوائر الآثار في كل محافظة بدراسة وتقييم كل مبنى بشكل منفرد يقول مدير أثار محافظة الخليل محمد صبارنه وذلك” لأن المعايير  تختلف من مبنى لآخر اعتمادا على العناصر المعمارية والزخرفية الغنية  فيه، ولضخامته وحجمه وموقعه، الذي يعطي مؤشر ونمط لهذا المبنى، وما يعكسه ذلك من المستوى الاجتماعي والمادي للعائلات، فقد تكون هذه المباني عباره عن قصور مميزة لها قصة تاريخية لعائلة او لشخص له وضع اجتماعي معين، أو تكون عباره عن مباني عاديه خالية مكونة من غرفه أوغرفتين، فإن لم تكن معالمه نادرة ويوجد به مشاكل إنشائية تشكل خطر على السلامة العامة  نقوم بتوثيق وتسجيل وتصوير وحفظ كافة معلومات المبنى، ونوافق على هدمه وإزالته بشروط،  كأن  تنقل حجارة المبنى  للبلدة القديمة بهدف إعادة استخدامها. أما ان كان المبنى  يحمل نمطا معماريا مميزا، فنمنع هدمه ونطلب من مالكه الحفاظ عليه وعدم التعرض أوالمساس بالمبنى” .

بلديات توافق على الهدم!

      ورغم اقرار نظام حماية المباني التاريخية الصادر من مجلس التنظيم الأعلى ، إلا ن بعض البلديات والهيئات والمجالس المحلية  تتجاهل تلك التعليمات، الأمر الذي يؤثر سلبا في الحفاظ على هذه المباني، خاصة انها في  بعض الاحيان تأخذ على عاتقها هدم بعض المباني في حال توسعة الشوارع وإقامة المباني العامة يقول صبارنه.

     موافقة بعض البلديات أو المجالس المحلية على الهدم بمعزل عن موافقة وزارة السياحة والآثار أكدها مديرعام حماية الآثار في وزارة السياحة والآثار، والذي اعطى مثالا لما يجري” قبل بضعة اسابيع وأثناء العطلة الرسمية وصلتنا اشارة من احد المواطنين عن عملية هدم لاحد المباني في احدى القرى التابعة لمحافظة رام الله، فتوجهت طواقمنا للموقع على الفور ليتبين ان المجلس القروي يشرف بنفسه على عملية الهدم!”.

     ويعتقد الدكتور خلدون بشاره ان اعطاء اوامر الهدم دون الرجوع لوزارة السياحة والآثار، قد يمر في المجالس المحلية، خاصة الصغيرة التي ليس فيها مهندس او ليس فيها اكثر من عضوين، نتيجة  لعدم ادراكهم لأهمية تلك المباني، وانطلاقا من انها وفق مفهوم بعضهم ما هي الا مباني بدائية يجب ان تزال من اجل فتح الشوارع” اضف لذلك ان الامر بالنسبة لبعض المجالس والبلديات ليس قصة قيم وتاريخ وهوية وذاكرة، وإنما بنايات تهدم لأخذ رسوم معينة وفتح شوارع بشكل ينعكس على اسعار الارضي وارتفاعها، خاصة وان جزءا كبيرا من تلك المباني( مكبات للنفايات وآفة صحية وليست محل للإستثمار ومشرذمة الملكية)، بالتالي فأفضل ما يمكن بالنسبة للمجالس المحلية هوتغيير هذا الواقع عبر هدمها، وذلك ما قام به  رئيس احدى البلديات حين اقدم على هدم بعض المزارع التاريخية كي يفتح طريق وشارع”.

       وقد اقرت مديرة دائرة التنظيم والترخيص في وزارة الحكم المحلي المهندسة ليالي مقدادي قيام بعض البلديات والمجالس المحلية  بذلك” رغم ان مجلس التنظيم الأعلى اصدر قبل 3 سنوات عدة تعميمات للبلديات حول كيفية حماية المباني التاريخية من خلال معايير واضحة، ومن انه يمنع (بصفة الإلزام) اصدار أي رخصة هدم دون موافقة وزارة السياحة والآثار، لكن بعض البلديات لا تنفذها، فالبلديات المتوسطة والصغيرة غالبا وبهدف توسعة الطرق مثلا تحاول التغاضي عن كون المبنى تاريخي، فتعمد الى هدمه او هدم جزء منه”.

      رغم ذلك فقد حمّلت مديرة دائرة التنظيم والترخيص في وزارة الحكم المحلي المسؤولية الأولى لوزارة السياحة والآثار” التقصير يعود لوزارة السياحة والاثار ففي المناطق التي نُعد فيها مخططات هيكلية، يتم تحويل (تلك المخططات) بشكل إجباري لوزارة السياحة والآثار لتحديد وتعيين المباني التاريخية والبلدات القديمة والمناطق التاريخية واجبة الحماية، لكن وزارة السياحة والآثار لا تقوم بهذا الدور بشكل كامل، اذ يكتفوا بتعيين الحدود الخارجية للبلدات القديمة، والخرب الاثرية المرصودة عندهم منذ العهد البريطاني، او اذا كان هناك مبنى تاريخي مهم للغاية(باستثناء بيت لحم والتي جرى تحديد وتصنيف وترقيم المباني التاريخية فيها) و (باستثناء  الخليل التي يقول المجلس البلدي فيها انه لا زال يعد المخطط الهيكلي)، في حين ان من المفروض عدم الاكتفاء بذلك، إذ ان  هناك الكثير من المباني والبلدات التي بحاجة للتعيين والتحديد من اجل الحماية،  وقد تمخض عن ذلك العديد من المشاكل”.

        وتضيف المهندسة ليالي مقدادي” بالتالي فالمعلومات المنقوصة بشأن المباني التاريخية على المخططات الهيكلية تسبب لنا المشاكل كجهة مسؤولة عن الترخيص، نتيجة اسقاط مباني تاريخية  لا يكون لدينا معلومات حولها، كمشكلة خربة صوفين في قلقيلية التي تم الاعتداء عليها بالكامل، حيث بُني عليها مباني خاصة وعامة، وبعدما تمت عملية البناء قالت وزارة السياحة والآثار انها خربة اثرية! فأين كانت الوزارة قبل ان يتم البناء؟ ونتيجة لنقص المعلومات نجد ان كل بلدية تبادر بحماية مباني تاريخية قليلة جدا، فيما تسمح بهدم مباني بالإمكان ترميمها وحمايتها”.

        وتتبع مقدادي”  صحيح ان  نظام حماية المباني التاريخية ملزم للبلديات ويعطي المعايير والأحكام، ومن اننا نتوجه لوزارة السياحة والآثار لنختم المخططات قبل ان يتم الترخيص، لكن يجب ان يرتبط النظام بمخططات تحدد لنا المباني التاريخية، اذ ان بعض المباني التي توقع عليها وزارة السياحة والآثار بالموافقة والسماح للمواطنين بالترخيص تكون مباني اثرية، كما يحدث احيانا ان تحدد قطعة ارض وتحمي جزء منها. ناهيك عن مشكلة المعايير الخاصة بالمباني واجبة الحماية، اذ انها لا تعطي البلديات العمر الزمني للمبنى واجب الحماية كمعيار، او المباني القديمة المسموح هدمها او ترميمها”.

      فيما دافع طوافشه عن النظام قائلا” نظام حماية المباني التاريخية قرار واضح صادر عن اعلى هيئة ترخيص في البلد، واي مبنى تاريخي يزيد عمره عن خمسون عاما واجب الحماية، مع ذلك فالمهندسين في البلديات على علم بالمباني التاريخية بالتالي فهم يعرفون انها واجبة الحماية، اما تعيين المباني التاريخية في المخططات الهيكلية فالوزارة تعمل بالتعاون مع وزارة الحكم المحلي في مجموعة من المدن والبلدات لاعداد مثل هذه المخططات، لكن ذلك يحتاج و يتطلب جهدا ووقتا طويلا،  حيث بدأنا في بيت لحم  والعمل جاري في بلدية رام االله لانجاز ملف الحماية والحفاظ”.

    غير ان مشكلة هدم المباني التاريخية لا تقتصر على موافقات بعض البلديات والمجالس والهيئات المحلية دون الرجوع الى وزارة السياحة والآثار في بعض الاحيان، بل تمتد إلى قيام المواطنين بعمليات الهدم بشكل مباشر دون الرجوع لأي جهة رسمية في محاولة لفرض الأمر الواقع، وذلك ما بينه لنا محمد صبارنهرغم تعاوننا بعد انتهاء ساعات الدوام الرسمي مع  الجهات المختصة(كالبلديات والشرطة السياحية والمواطنين)، بهدف منع عمليات هدم المباني التاريخية، حيث يجري التحرك فور ورود أي اشارة عن أي عملية هدم تتم، إلا أن بعض اصحاب مثل تلك المباني التاريخية يستغلون فترة العطل الأسبوعية أو الاعياد الرسمية أو ساعات الفجر الأولى او الليل وحتى الظروف الأمنية التي تسوء احيانا لهدم تلك المباني، إذ تُعد  تلك الأوقات بالنسبة لهم فرصة مناسبة للهدم،  لمعرفتهم بأن هناك صعوبة في الحصول على موافقات للهدم من الجهات الرسمية، ومن آخر حالات الهدم المسجلة في الخليل مؤخرا، قيام مالك احد المنازل التاريخية بهدم منزله في الساعة الرابعة والنصف صباحا! تبع ذلك قيام احد اصحاب مبنى تاريخي آخر (يعتبر تحفة فنية رائعة  ونموذجا معماريا فريدا) باستخدام حفار آلي ضخم لهدم منزله في السابعة والنصف صباحا، بحيث تم الانتهاء من هدم المبنى خلال نصف ساعة فقط”.

       الأوقات التي تتم فيها عمليات الهدم تلك اكدها رئيس قسم التنظيم والإدارة في الادارة العامة لشرطة السياحة والآثار المقدم امين فرخ، كما اعطى امثلة عليها” الاشارات حول عمليات الهدم الغير قانونية تأتينا من كل المحافظات، كان اخرها عمليه الهدم التي جرت في منطقة كفر الديك بمحافظة سلفيت قبل اسابيع، فتم اثر ذلك مراجعة الموقع بمرافقة وزارة السياحة والآثار، واستدعي مالك المنزل وصاحب (الباجر) الذي استخدم في عملية الهدم، وجرى توقيعهم على تعهد بمراجعة دائرة الآثار بالمحافظة للحصول على التصاريح اللازمة بذلك”.

      هذا وتشكل عمليات الهدم التي تجري في المناطق ذات السيطرة الاسرائيلية(المصنفة سي)، او التي تتم في مناطق بعيدة  او نائية عائقا في حماية التراث الثقافي بشكل عام يقول مدير عام حماية الآثار لكونها لا تمكن طواقم الوزارة من الوصول اليها بالسرعة المطلوبة، خاصة اذا ما تم ذلك بعد انتهاء الدوام الرسمي للموظفين  واضاف” ونظرا لأن  عمليات الهدم قد تتم في قرية نائية على سبيل المثال، فإذا لم يبلغنا المجلس القروي او الهيئة المحلية فربما لا نعرف، اضافة  للكم الكبير من المباني التاريخية وانتشارها في كل ارجاء المدن والقرى الفلسطينية! بالتالي يصعب على  الوزارة رصد كل الاعتداءات وحصر الاضرار”.

      لكن الادارة العامة لشرطة السياحة والآثار قالت انها رصدت في شهر نيسان الماضي (17)  حالة هدم لمنازل تاريخية موزعة على عدد من المحافظات، و(25) عملية هدم في شهر آذار، و(7) حالات هدم في شهر شباط ، مع اشارتها الى ان عمليات الهدم التي رصدت ليس واضحا فيها اذا ما كانت لمباني واجبة الحماية ام لا، إلا انها اكدت ان المباني المهدومة  قد تكون عبارة عن غرفة او غرفتين او طابق او ما شابه.

      فيما قدّر مركز (رواق ) أن  ما بين  (1-2 %) من المباني التاريخية  يتم هدمها سنويا، مع الاخذ بالاعتبار التباين في عدد حالات الهدم بين سنة واخرى” صحيح ان المباني التي قمنا بترميمها أُنقذت هي وما حولها بالكامل، لكون ان البيئة تحسنت ومن ان الناس استفادوا وشعروا بالفرق وبالإمكانيات،  لكن عمليات الهدم طالت مناطق لم نصلها في عمليات الترميم بكل اسف، بالتالي ورغم تسجيلنا لأكثر من 50 الف مبنى تاريخي، فإننا نقدر حاليا انه من المستحيل ان يصل العدد حاليا الى40 الف منزل. فعلى سبيل المثال لا الحصر مناطق كفر نعمه والمغيّر وطوباس القديمة ودورا القديمة (مشيخة دار عمر) نصفها لم تعد موجوده! كما أن رام الله عام (1940) كان بها حوالي  (850) منزل تاريخي، لكن حاليا ليس فيها اكثر من  (370)منزلا، كذلك الأمر ببلدة يطا فقد كان فيها حوالي(1300) منزل تاريخي، ولكن الآن ليس فيها سوى (700 )منزل”.

أي عقوبات؟

      هذا التراجع في اعداد المباني التاريخية، بغض النظر عن الاسباب،  يدفع للتساؤل حول ان كانت العقوبات المتخذة بحق المخالفين رادعة، وذلك ما تناوله مدير آثار محافظة الخليل من واقع تجربته ” كثيرا ما نشعر ان العقوبات المتخذة بحق من يقدمون على هدم المباني التاريخية دون تصريح بذلك غير رادعة لايقاف ظاهرة هدم المباني التاريخية، اذ بعد تقديمهم للمحاكمة يتم توقيفهم بضعة ايام فقط، لذلك فالناس بكل اسف اصبحوا يهدمون المباني والمواقع التاريخية انطلاقا من معرفتهم بأن رأس مال القصة هي التوقيف لعدة ايام فقط ، ناهيك عن المشاكل المترتبة عن تحويل المخالفين للقضاء، فمثلا في بلدة يطا تم هدم حوشين، واثر تحويل المتهمين بالهدم للقضاء تم تهديدي!”.

     المركز المعماري الفلسطيني تناول القوانين ذات الصلة بالمباني التاريخية” حسب القانون البريطاني الاستعماري لعام( 1929) فإن كل ما أنشيء قبل القرن السابع عشر يعتبر آثار،  بالتالي نشعر ان لا رقابة او حماية للبنايات التاريخية بعد ذلك التاريخ، كما ان تجريم هدم المبنى الأثري ماليا قليل، وعقوبة السجن تكون لأيام رغم امكانية وصولها الى (6 )اشهر، ولأجل ذلك تعاونا في العامين(2003 و2004 ) مع وزارة السياحة والآثار ومركز حفظ التراث الثقافي آنذاك، ومعهد الآثار في معهد الحقوق في جامعة بير زيت من أجل انجاز قانون حماية الموروث الثقافي بشكل عام والذي يشمل المباني المقامة قبل 50 سنة فأكثر، لكن هذا القانون لم يقر الى الآن، وسبب ذلك برأيي ان اقراره  يقلل من السلطة المركزية، حيث يعطي للمجلس القروي او البلدي او المحلي الصلاحية بان يأخذ على عاتقه الترميم والحماية. لكن عدم صدوره لم يمنع بعض البلديات كبلدية بيت لحم وبلدية رام الله  من التنبه لهذا الأمر، بحيث جرى تنفيذ احكام بقوة القانون تم بموجبها حماية كل شيء، فاصبح لديهم حساسية تجاه ذلك، اذ كلما قدم لهم احد المواطنين طلبا بهدم منزل تاريخي، امتنعوا عن اعطاء اذن بالهدم قبل فحص الأمر”.

      وفي ظل عدم اقرار القانون، وشعورنا ان الاحكام في الوقت الراهن لا تكفي لأن الناس من الممكن ان تهدم تلك المباني بغض النظر عن ذلك،  لكون ان القانون ليس الضمانة لحماية تلك المباني، بدليل تدمير الآثار الخاضعة للحماية، واستمرار عمليات الحفر غير الشرعية يوميا،  وما تعلنه وزارة السياحة والآثار حول ان  حجم التسريب للسوق الاسرائيلية او العالمية المعلن عنها  (100 الف قطعة سنويا) وما خفي كان اعظم. ولأننا فيما سبق كنا نرمم في كل قرية مبنى او مبنيين ثم نغادر يقول الدكتور خلدون بشاره “عملنا خطط لحماية المباني التاريخية داخل بعض القرى اسميناه (مشروع الـ50 قرية)، حيث تركزت جهودنا باتجاه ترميم قرى كاملة ذات اولوية كالظاهرية وبيرزيت وغيرهما، لكون ان تلك القرى حافظت على النسيج المعماري فيها، خاصة وأن (سجل المباني التاريخية في فلسطين) أظهر ان (50 ) قرية وبلدة تحتوي على (50%) من الممتلكات الثقافية في فلسطين، ففي الوقت الذي توجد في  بعض البلدات (10 او20 او 30 ) بيت،  ففي قرى اخرى بها (1000 او 1200) بيت. و حاليا نحن في طريقنا لانجاز( 14) قرية من هذا المشروع، واننا بصدد ان ندخل كل سنة او سنتين قريتين او ثلاث قرى”.

     الى جانب القصور القانوني وعدم تعاون بعض الهيئات والمجالس المحلية احيانا اعتبر صالح طوافشه ان قلة وعي المواطن وعدم قدرة المباني على تلبية احتياجات الناس اهم العوائق في حماية المباني التاريخية، بعد ان اشار الى ان  تهريب الكميات الكبيرة من القطع الاثرية سنويا ناتج عن عدم وجود سيطرة على الحدود، وعدم التواصل جغرافيا بين المناطق الفلسطينية بسبب وجود الاحتلال” بالدرجة الأولى يكمن الخلل في عدم قدرة المواطن الفلسطيني على الوصول لوعي كامل أو إدراك لأهمية هذه المباني وقيمتها التاريخية والاثرية، يلي ذلك العوامل الطبيعية (بالذات المطر)التي تزيد في احتمالية  سقوط مثل هذه المباني، ثم هجران المباني بهدف السكن  خارج البلدات القديمة، نتيجة لكبر العائلات وازدياد اعداد افراد الاسرة من جهة ، وبحكم توجهات الناس فإن هناك توجه عصري للمباني التي تلبي حاجاتهم اليومية من جهة اخرى، الأمر الذي انعكس سلبا عليها لانعدام وجود صيانه او منافذ تهوية، ما يؤدي وبعد عدة سنوات لأن تتعرض للانهيار والتصدع بسبب قلة الاهتمام. رغم ذلك ولحث وتشجيع الناس على البقاء في تلك المنازل، عملنا بالتعاون مع وزارة الحكم المحلي وصندوق تطوير واقراض البلديات على مشروع لإعادة احياء 12 مركز تاريخي في محافظات الوطن(كمشاريع انقاذ لمباني سكنية كانت او غير سكنية) من اجل تثبيت هذه المباني على الارض،  كما قامت الوزارة بتنفيذ مجموعة من البرامج الخاصة بالترميم في مواقع مختلفة لمباني غير سكنية كمراكز عامة وجمعيات ونوادي”.

     ورغم اجراءات كافة الجهات لحماية المباني التاريخية  على المستوى القانوني او على الارض،  إلا ان تبعات عمليات هدم المباني التاريخية (الغير قانونية) لا تقتصر على مدى تأثيرها على المشهد الحضاري الفلسطيني، انما تمتد الى ما يعد اخطر من ذلك، إذ يحدث ان يتم تسريب حجارة المباني التاريخية المهدومة في العديد من الحالات الى الاسرائيليين عبر اللصوص او الوسطاء! وذلك ما كشفه لنا المقدم امين فرخ” خلال عملنا لمدة (20 )عاما، لاحقنا الكثير من اللصوص الذين يسرقون حجارة المباني التاريخية المهجورة التي يزيد عمرها عن(70 او100)عام،  وذلك بغرض بيعها للإسرائيليين ! ناهيك عن السماسرة أو التجار الذين يهربون تلك الحجارة القديمة بعد ان يقوموا بإغراء بعض اصحاب المنازل المهدومة لشراء تلك الحجارة باسعار زهيدة، رغم ما يحدث احيانا  عبر قيام مالك البيت نفسه بعملية البيع لتلك الحجارة للاسرائيليين دون وسيط او سمسار، علما انه وبالمعدل تجري عملية ضبط حالة او حالتين شهريا لبيع حجارة تاريخية، و ان 99% من حالات التهريب تتم بعد انتصاف الليل، تُسلك فيها الطرق الالتفافية، وأن أكثر المناطق التي تتم فيها مطاردات لصوص الحجارة أو الآثار هي( منطقة الجبل ونفق طريق بلعا الذي كانت تمر منه سكة الحديد في بداية بلدة عنبتا والمطحنة طريق طولكرم)”.

        كما اطلعتنا الادارة العامة لشرطة السياحة والآثار على حيثيات احدى آخر عمليات الضبط لحجارة منزل تاريخي كانت في طريقها الى اسرائيل ” قبل بضعة اشهر وردتنا اشارة حول ان سيارة شحن كبيرة محملة بحجارة مبنى تاريخي تم هدمه من منطقة جنوب الضفة الغربية، وفعلا تحركنا للموقع وتمت مصادرة الحجارة، وقد اظهر التحقيق ان القائم على عملية النقل وسيط اشترى تلك الحجارة من صاحب منزل تاريخي هدم بيته، فتم تحويل الوسيط للقضاء بهدف اتخاذ المقتضى القانوني بحقه”.

       فيما اعطى صبارنه امثلة اخرى على تسريب الحجارة التاريخية لإسرائيل”  قبل قرابة العام وصلتنا اشارة  حول قيام سمسار وتاجر من بيت لحم، بتهريب حجارة تاريخية من منطقة الكرمل في بلدة يطا، وفعلا تمت ملاحقتهما من قبل الشرطة، والقي القبض عليهما، وتم ضبط الحجارة قبل تهريبها الى اسرائيل،  وفي حالة مشابهة ضبطنا احد تجار بيع الحجارة التاريخية، والذي اعترف لنا قيامه من خلال بعض المحاجر بتقطيع تلك الحجارة  الى قطع صغيرة لعمل لوحات فسيفسائية مزوره”.

           وذلك ما اوضحه رئيس قسم التنظيم والادارة في الادارة العامة لشرطة السياحة والآثار” البيع والنقل الى اسرائيل إما ان يتم مباشرة او بعد قيام المهربين بنقل تلك الحجارة بعد انتصاف الليل إلى محاجر فلسطينية بهدف قصها وتنميقها وتنظيمها وتكحيلها، وواحدة من القضايا الموثقة لدينا  لسمسار اشترى من صاحب المنزل (مشتاح صغير) دفع مقابله (2000 ) شيقل، ويمكن بيعه للطرف الاسرائيلي بعدة آلاف، رغم انه بالنسبة لإسرائيل  يساوي اكثر من ذلك بكثير اعتمادا على شكل وتاريخ تلك الحجارة، بالتالي كنا كل شهرين او ثلاثة اشهر نضبط اصحاب محاجر عليهم قضايا بالخصوص، كما تجري عملية ضبط الحجارة القديمة في تلك المحاجر، ولأجل ذلك قمنا في فترات سابقة  بحملة كبيرة على تلك المحاجر، وابقينا الرقابة عليها، ويمكننا القول الآن اننا لم نسجل او نرصد في الفترة الحالية حالات مشابهة”.

      وعادة ما يتم ضبط تلك الحجارة في مكان التهيئة او المكان المقصود أو تضبط وهي متجهة في الشاحنات الى المعابر التي تفصل بيننا وبين الاحتلال، إثر المعلومات التي تصل للشرطة يقول مدير عام حماية الآثار، والذي اضاف” شهدتُ حالات ضبط كثيرة  لمحاولات تهريب حجارة تاريخية في مناطق وسط الضفة الغربية على يد شرطة السياحة والآثار، فالاسرائيليون لهم علاقات مع تجار ووسطاء ليقوموا بنقل هذه الحجارة، التي تستخدم في بناء مباني حديثه يقوم الاحتلال ببنائها في المستوطنات، علما ان استهداف حجارة المباني التاريخية من قبل الاحتلال يأتي في اطار سعيه دائما الى تدمير التراث الفلسطيني وسرقة الهوية الثقافية للشعب الفلسطيني واستخدامها لأجندات أو لقضايا ايدولوجية بحته، وهنا تكمن خطورة الوضع”.

        وحول ان كانت سرقة تلك الحجارة تمثل حالات فردية او انها تمثل ظاهرة قالت وزارة السياحة والآثار” قيام الاسرائيليين بجمع حجارة المباني التاريخية الفلسطينية ومحاولة شراءها عبر وسطاء ظاهرة حقيقة موجودة في الاراض الفلسطينية، ولكننا بالتعاون  مع الشرطة السياحية والاجهزة الامنية نعمل على وقف هذه الظاهرة ومتابعتها من اجل عدم تحويل هذه الحجارة للاحتلال”.

     لذلك يقول المقدم امين فرخ رئيس قسم التنظيم والإدارة في الادارة العامة للشرطة السياحية والآثار ” نحرص كل الحرص في حال تمت عملية هدم لأي من تلك المباني ان لا يتم تسريبها او بيعا للاسرائيليين، ونتخذ كل الاجراءات للحيلولة دون ذلك،  فمثلا قبل عدة اسابيع  جرى هدم بيت تاريخي بمحافظة سلفيت، فكشفنا بمرافقة وزارة السياحة والآثار على الموقع، إثر ذلك تم استدعاء صاحب المنزل ووقع على تعهد بعدم التصرف بتلك الحجارة المهدمة دون اخذ اذن بذلك من وزارة السياحة والآثار. ايضا في محافظة جنين اشترى احد الميسورين ماليا منزلا تاريخيا يزيد عمره عن (90 ) عاما مكون من اربعة طوابق، بهدف بناء بناية مكان المبنى القديم، وبدأ فعلا بهدم جدران المبنى من الأطراف حتى لا يسقط مرة واحده(خاصة وان المبنى قريب من بنايات أخرى اضافة الى المجاورين) فاستدعيناه وجرى تحويله للمحكمة  بطلب من وزارة السياحة والآثار لكون انه من المباني التاريخية المحمية، فاتخذ قرارا بإزالة المنزل لكونه بات يسبب ضررا على الشارع والمارة على حد سواء،  كما قامت وزارة السياحة والآثار بنقل تلك الحجارة  لمكان آمن لترميم مواقع أخرى، و كي لا يجري بيعها”.

   علما بان هدم اطراف او بعض اساسات المبنى التاريخي من قبل اصحابها احدى الطرق المبتكرة لاسقاط المبنى، او التي تدفع بالجهات الرسمية في بعض الاحيان للموافقة على هدم المبنى خشية سقوطه على المواطنين.

      وبغض النظر عن طريقة الهدم الغير قانونية التي تجري بحق المباني التاريخية فإن محمد صبارنه مدير آثار محافظة الخليل قال إن الوزارة  تتحفظ على حجارة المباني التاريخية المهدومة بهدف إعادة استخدامها في ترميم بعض المباني في البلدة القديمة ومشاريع أخرى  خاصة بالبلديات، إلا انه أقر في ذات الوقت بأن بان عمليات نقل تجري لتلك الحجارة بطريقة غير قانونية “  هناك ظاهرة تجميع بعض الشواهد الاثرية من حجارة واعمده وتيجان وحجارة مزخرفه في بناء حدائقهم، ومثال ذلك قيام احد المواطنين  بسرقة 13حجرا ضخما (بشكل بيضاوي) من موقع اثري كانت تستخدم في بناء احد المعابد الكنعانية  في الموقع ، حيث  قام بنقلها مستغلا الظروف الامنية السيئة التي كانت تمر بها الاراضي الفلسطينية في ظل اندلاع الانتفاضة الثانية، وبعد ذلك باشرت الجهات المختصة بالتحري عن تلك الحجارة، فتم العثور على بعضها في احد منتزهات جنوب محافظة الخليل، علما ان البيع للطرف الاسرائيلي لا يقتصر على حجارة المباني، بل يمتد الى بيع خرزات البئر او الجاروشة او الحجارة المزخرفة، التابعة لمباني تاريخية جرى هدمها دون الحصول على تصريح بذلك، او البلاط الداخلي لتلك المباني، فلأكثر من مرة وبالتعاون مع الاجهزة الامنية  تم ضبط كميات  من البلاط  الحجري القديم الاحمر والملون (في شاحنات متجهة لإسرائيل)، وتم ارجاع البلاط للبلدة القديمة في الخليل”.

        البلاط التقليدي والخشب وحجارة البلد المستخدمة  لعصير الزيتون وحجارة المباني التاريخية الفلسطينية كلها نجدها في اسرائيل فمن اين احضروها؟ يقول مدير المركز المعماري الفلسطيني”كل ذلك يجري عبر لصوص او سماسره، فعديدة هي المرات التي علمنا فيها من ان مثل هؤلاء وصلوا لمعبر بيتونيا واوقفوا عنده!  ورغم اهدافهم التجارية الا ان الهدف الاكبر من ذلك بالنسبة للاسرائيليين هو ان يبنوا من خلال تلك الحجارة  تراث جديد، فيتحول بذلك تاريخنا وتراثنا  الى تاريخ وتراث اسرائيلي محض!”.

     المهندسة ليالي مقدادي مديرة دائرة التنظيم والترخيص في وزارة الحكم المحلي، ختمت حديثها للسفير بان طالبت  وزارة السياحة والآثار بتحدث قوانينها وانظمتها وربطها بمخططات حديثة، رغم ما يحتاجه ذلك من مسح ميداني،  لكي تكون هناك معلومات ثابتة عن كل المباني وسنة البناء وكيفية حمايتها” علما ان التمويل هكذا مخططات لدى وزارة الحكم المحلي موجود دائما، ولا يحتاج سوى لتعاون اكبر من قبل وزارة السياحة والآثار، وان كنتُ ارى انه الى جانب ذلك يجب ان يتم تشكيل  لجنة وزارية من مجلس الوزراء للإهتمام بهذه المباني التاريخية التي نفقدها كل يوم”.

       فيما اعتبر الدكتور خلدون بشاره  مدير المركز المعماري الفلسطيني(رواق) ان  قصة المباني التاريخية ليست لا قانون ولا احكام، ومن ان الأمر بحاجة لإرادة سياسية الى جانب قانون ووعي، ومن ان كل الجهات الرسمية مذنبة، حتى المركز نفسه  كإحدى مؤسسات المجتمع المدني مذنب لأنه لم يقاضي الحكومة” لأنني كفرد من المجتمع  ارى ان كل شيء ينقص من المشهد الحضاري الخاص بفلسطين، ومن يهدم المباني التاريخية يقلل من الملكية الخاصة بي كفرد والذي يمثل جزء من الملكية الجماعية، مع ذلك فإن هذا الحديث  لا يعفي الناس من المسؤولية الفردية، كما  يجب ان يُجّرم بيع الحجارة التاريخية نظرا لإضراره في المصلحة العامة، فلطالما اشتكينا بأن اليهود دمروا لنا منذ النكبة (400 )قرية، لكن لا احد يسأل عن القرى التي ندمرها نحن بفعل هدم المباني التاريخية وتسريب بعضها للاسرائيليين”.

     بدوره ختم صالح طوافشه مدير عام حماية الآثار في وزارة السياحة والآثار حديثه للسفير بقوله” نحن نحاول جاهدين ان نوصل للمواطن الفلسطيني ان هذه المباني جزء من الذاكرة الفلسطينية الحية التي يجب الحفاظ عليها والترويج لها، ونأمل في المستقبل القريب ان يكون هناك ضبط لهذه المواضيع، ومن ان يكون هناك وعي لدى ابناء شعبنا من اجل وقف الاعتداء على هذه المباني، إضافة لذلك فان القانون الجديد لوزارة السياحة والآثار الذي يجري العمل عليه،  الذي نأمل ان يُقر قريبا بعد ان انهينا الدراسات الداخلية عليه، سيشكل رافعة قانونية من أجل حماية تلك المباني، مع العلم انه وفي الآونة الأخيرة هناك تعاون كبير مع البلديات والهيئات والمجالس المحلية بهذا الخصوص وطبعا مع شرطة السياحة والآثار “.

      لكن احد المهتمين في مجال الآثار منذ (30 )عاما، والذي فضل عدم الكشف عن هويته، ومن ان نطلق عليه (بخبير الآثار) اعتبر ان اهم الطرق التي قد تساعد في حماية المباني التاريخية من الهدم بشكل غير قانوني ومن تسريبها لاسرائيل تكمن في تعويض اصحاب تلك المباني” كيف يمكن ان تكون هناك حماية لتلك المباني  من قبل السلطة( رغم حاجة الناس للتوسع العمراني) دون ان تقوم بتعويض اصحاب تلك المنازل المتضررين؟ الدولة يجب ان تشتري المنزل او الأرض او حتى ان تقوم بنقله لمكان آخر ليستفيد صاحب الارض من مساحة ارضه لاغراض البناء. لذلك فإن عدم القيام بمثل هذه الخطوة يساهم في استمرار الناس بهدم المنازل التاريخية بعيدا عن اعين السلطة المقصرة في هذا الجانب، ولذلك  تكون هناك تبعات للهدم تتمثل في سرقة او بيع وتسريب تلك الحجارة للطرف الاسرائيلي”.

haitham9000@gmail.com

213138906_1070253596367360_8884507140157849441_n13569919_10208384931233440_1241373816_o13872522_10208625678331967_61482229_nsaleh tawafsheh4_52-Hoash-Damra-BJ-8-2-2009-026khaldun7-Mazari-al-nobani--kb-28-7-2009-001Main photo_0Community Organizations' Center- Mazari' an Nubani4-Mazare-nobani-rs-25-11-2010OLYMPUS DIGITAL CAMERA,K,KL

Be Sociable, Share!