تقرير: هيثم الشريف – رصيف 22

ايار- 2016

     اندثر اعتمار (الطربوش) في فلسطين منذ عدة عقود، مع ذلك لا نزال نراه في بعض الحالات النادرة على رؤوس بعض كبار السن في ازقة وحارات المدن الفلسطينية وإن بفترات زمنية متباعدة، عليه قررنا في رصيف 22 أن نقوم بالبحث عمن لا يزالون يعتمرونه ويتمسكون به إلى اليوم، فأثمر البحث الذي استمر لزهاء شهر ونصف بان وصلنا لعدد من كبار السن الذين يعتمرونه بشكل دائم،  دون ان يرتبط اعتمارهم له بمهنة ما، فكانت هذه اللقاءات.

         ابرز من يعتمرون الطربوش على الإطلاق في فلسطين الشيخ محمد رشاد الشريف(91) عاما من الخليل، أحد مشاهير قراء القرآن الكريم في العالم الاسلامي، فهو مقريء المسجد الاقصى المبارك في القدس والحرم الابراهيمي الشريف في الخليل، والذي انتقل للعيش في الاردن منذ العام2002، والذي اخبرنا انه اعتمر الطربوش منذ العام1943″كان عمري آنذاك18 سنة، ومن يومها وانا ارتديه ولم افكر في استبداله بالحطة او غيرها لاني اراه اجمل ما يوضع على الرأس، خاصة لانه يذكرني بالسلطان عبدالحميد الثاني”.

       ويضيف الشيخ محمد رشاد الشريف(ابورفعت) البارع في نظم الشعر ايضا والذي عمل استاذا للغة العربية في بداية حياته المهنية “كان الطربوش سائدا في اوائل القرن الماضي، ولم يقتصر لبسه على احد فقد كان الجميع يعتمره، لكن مع بداية الثورة الفلسطينية ُطلب من الناس استبداله بالحطة خشية التعرف عليهم، بعدها ضعف الاقبال عليه بسبب سعره الطربوش الغالي الثمن، وأذكر ان البعض من الخليل استمروا باعتمار الطربوش حتى ثمانينيات القرن الماضي، إضافة لمن كانوا يعتمرونه في نابلس، غير أنه بدأ يتلاشى شيئا فشيئا مع وفاة كل واحد منهم”.

      كلمة الطربوش مشتقة من كلمتي “سر” و”بوش” وسر: تعني الر أس وبوش: الغطاء، ومع الزمن تَحرّفت عند العرب وأصبحت طربوش. المصنع من الجوخ الأحمر السميك، والمصمم بشكل مخروطي، المحشو بالقش لتهوية الرأس عند ارتدائه، والذي تتدلى من(سطح) جانبه الخلفي حزمة من الخيوط الحريرية السوداء التي تسمى “الخوصة، الشرابة، الشراشيب” علما ان لكل رأس قالب خاص يتراوح ما بين 25-75سم بحسب مقاس الرأس.

     وقد اخذ الطربوش (الذي يمثل الجيل الكلاسيكي) احترامه من احترام الرجل الذي يعتمره، واعتاد الناس في زمن الدولة العثمانية على عدم خلعه في المجالس الرسمية ودور الحكومات وداخل البيوت، حيث تباهى اصحاب الشأن بلبسه على اعتباره رمزا للجاه والهيبة أو المكانة الاجتماعية او الدينية او السياسة وحتى الثقافية.

       ومن الذين تأثروا بهيئة الشيخ الشريف محمود محمد داود دنديس(62)سنة ابو داود ، والذي اعتمر الطربوش منذ ربع قرن” كان يصلي فينا الشيخ محمد رشاد الشريف بمسجد الزاهد بمنطقة عين القرنة، واحببت هيئة الطربوش على رأسه فرغبت في تقليده، فاعتمرت الطربوش السياحي في باديء الأمر، ورغم بعض التعليقات في حينه، إلا انها لم تكن تعنيني لقناعتي بما فعلته، ولأن لا عيب او حرام في ارتداءه. ،ومع الايام ازداد اعجابي  والتزامي فيه، ولا اخفيك بأنني اشعر اليوم بارتياح وثقة اكبر بالنفس وانا البسه، وإذا ما خرجت من المنزل دون ان البسه اشعر بان هناك ما ينقصني . حتى انني كلما سافرت إلى خارج فلسطين يسود الاعتقاد لمن اقابلهم انني من جنسية تركية او سورية او مصرية، وحين يعرفون اني فلسطيني يستغربون كيف ان بفلسطين إلى الآن من يضعون الطربوش على رأسهم. علما انني ومنذ 15 عام وأنا اجلب من مصر الطربوش الاصلي المبطن والمصنوع هيكله الداخلي من القش”.

      غير أن آخرين من الخليل استهواهم الطربوش وارتدوه بحب قبل 10 سنوات فقط، ومنهم سليمان ناجي القصراوي (ابو ناجي) 66 عاما” انا البس الطربوش الذي احضره لي احد الاصدقاء من المغرب كهديه منذ 10 سنوات، ومن يومها وانا اضعه على رأسي،  وفي بداية الامر استغرب الناس ذلك، خاصة انه نادرا ما ترى احدا يضع الطربوش، لكنني مقتنع به واحب ارتداءه لأنه يعيدنا لذكريات الاجداد الذين اعتمروه قبل الحطة الفلسطينية الرائجة، وكم احب لو قام أي من اولادي باعتماره مستقبلا، علما ان الناس قد اعتادوا على هيئتي به، وان صادف ان نسيت ارتداءه يوما يأخذ المقربون مني بسؤالي عنه، علما أنني استبدل الطربوش القديم بآخر جديد كل سنة تقريبا، او كلما زار احدهم المغرب “.

           ذات الامر بالنسبة  للحاج فضل عبد السلام القصراوي (64)عاما(ابومحمد)، الذي كان بائعا للطرابيش قبل نصف قرن من الزمان، حيث اعتمر الطربوش المهدى له من صديق احضره من المغرب قبل 10 سنوات هو الآخر” اعجبتني الهدية  فقررت اعتماره  ليس فقط في المناسبات وانما في معظم ايام العام،  فـ للطربوش مكانة في النفس، علما انني افضل اعتمار الطربوش المغربي الأقصر من حيث الارتفاع على الطرابيش المصرية او السورية. وقد كانت تجارة الطربوش رائجة قبل 50 عاما، إذ كنت ابيعها في احد المحال التجارية في منطقة (خزق الفار)في الخليل القديمة، ومع ضعف الاقبال عليها تركت المحل عام1987″.

       لكن سبب اعتمار محمد عبدالحي محمود طهبوب ( 68 سنة)ابومحمود للطربوش منذ عام فقط، كان لرغبته في استذكار والده الذي اعتمر الطربوش طوال حياته” والدي وجدي واعمامي واخوالي جميعهم كانوا يعتمرون الطربوش إلى ان توفاهم الله، وفي احدى المرات ُكنّا نقلب البوم صورهم، يومها فقط خطر ببالي ان اجلب طربوشا والبسه، وفعلا كَلفت اولادي بأن يشتروا لي طربوشا مصريا، وفعلا احضروا لي طربوشا اصليا مصنّعا من الجوخ بسعر يقارب الـ40 دولارا امريكيا، فتقبل من هم حولي الفكرة، والمقربين منهم كأخواتي باتوا يرون اني اذكرهم بوالدي. وبحسب ما كان يخبرني والدي فاعتمار الطربوش كان يقتصر في مرحلة ما على مدراء الدوائر والمؤسسات وناظر المدرسة، ومن ان انتشاره ازداد في  فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، بحيث زادت شرائح المجتمع التي تلبسه حتى طلبة المدارس. وقد تراجع اعتمار الطربوش إلى ان اختفى تقريبا منذ ربع قرن، فبدأ بالاختفاء مع وفاة كل من اعتمره”.

       من اشهر من اعتمروا الطربوش إلى الآن في نابلس الشيخ محمد علي الدردوك(82 سنة) ابوخالد، والذي اعتمره منذ قرابة نصف قرن” منذ العام1967 وانا اعتمر الطربوش الذي كنت أشتريه من سوق المغاربة في الشام، وكان سعره آنذاك يعادل 15 دولارا امريكيا، حتى انه كان من اهم الهدايا التي اقدمها لمعارفي في تلك الحقبة،  وقد تراجع اعتمار الطربوش كانت بعد العام1967 حين بدا الناس يلبسون البنطال، وهو الامر الذي قلل برأيي من هيبة الناس، بكل حال حاليا لدي ما بين3-4 طرابيش، وكلما احتجت لاستبدال احدهم اشتري من الاردن بسعر يعادل 25 دولارا، ولا اعتقد بوجود اكثر من 4-5 اشخاص يعتمرون الطربوش في نابلس بشكل دائم”.

       من  هؤلاء عز الدين عاشور(80سنة)ابونسيم والذي يلبس الطربوش منذ30 عاما تقليدا للآباء والأجداد، وكذلك الأخوين جود الله، فعبدالوهاب محمد ناصر جود الله (72 سنة) ابو العز يعتمر الطربوش منذ قرابة 7 سنوات، لكن شقيقه  منصور(63 سنة) ابو عادل يعتمره بشكل دائم منذ 30 عاما والذي اوضح يقول” من صغري احب وافتخر بالطربوش الذي يذكرنا بمجد آبائنا واجدادنا الذي نأمل ان يعود يوما، وأذكر انه قبل نصف قرن كان معظم الناس في نابلس يعتمرون الطربوش الاصلي المصنوع من القش، وكانت هناك الكثير من المحلات التي تبيع او تنظف الطرابيش وتعمل على كيّها او تصنيعها من خلال قوالب خاصة، لكن هذه الصناعة انقرضت مع ندرة الاقبال على اعتمار الطربوش، فالطربوش الذي يموت صاحبه لا يأتي احد مكانه ليلبسه، عليه فيقتصرالتسويق حاليا على الطرابيش السياحية التي يعتمرها البعض في المناسبات”.

     نضال يسن المصري(52 سنة) ابوصلاح من البلدة القديمة في مدينة نابلس، حفيد سلالة لبست الطربوش وفق قوله، ويعتمر الطربوش منذ عقد كامل ” اعتمر الطربوش حبا فيه، واستذكارا لمجد وعز الاجداد في الزمن القديم، حين كان اعتماره للوجاهة والزعامة في الحارات، وكان يتم التباهي به فيقولون لمعتمره (بيك) او (باشا)، وكان في ساحة ابو رجب 3 محلات لكي وتنظيف الطرابيش، وأذكر كيف كان يصطف الناس ليلة العيد بالطوابير امام تلك المحلات لهذه الغاية، ورغم انقراض الطربوش إلا انني سعيد به والكثيرين يودون التقاط الصور معي سواء وانا في عملي او في القهوة او الشارع”.

      ولم يقتصر من عثرنا عليهم على شمال وجنوب الضفة الغربية، ففي القدس يعتمر الستيني رشيد ابراهيم السمان الطربوش منذ ان كان عمره 13 سنة وارثا اياه عن والده وجده” قبل العام1967 كان اعتمار الطرابيش مزدهرا، وكان يُعتبر من يعتمره من كبار القوم  لكونه رمزا للوجاهة، وأذكر تماما أحد المحلات التي كانت بمنطقة(باب خان الزيت) لصاحبه من آل الجنيدي الذي اختص في بيع الطرابيش، لكن مع تحول الناس الى الحطة قل رواج الطربوش شيئا فشيئا إلى ان بدأ في التلاشي، حتى بدأ الناس يستغربون اعتماري له، غير اني اعتز بالطربوش واحبه، ورغم ان لدي عدة طرابيش في المنزل، إلا انني احاول كلما سافرت شراء طربوش جديد، كما ان ولدي الذي يعمل مدرسا بدأ اعتمار الطربوش حبا في شكله الجميل”.

        ورغم انقراض تجارة الطرابيش، حاولنا الصول لبعض محلات تصنيع او كي او تسويق الطرابيش، غير ان من وصلنا اليهم تبين وفاتهم منذ سنوات بعيدة، غير اننا وصلنا الى احد مصنعي ومروجي الطرابيش في فترة زمنية متقدمة نسبيا (ثمانينيات القرن الماضي) حيث التقينا بـ مازن الشنار(60) سنة ابو الحارث من نابلس الذي حدثنا عن تصنيعه قديما” في ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي، كان في شارع النصر محلات ُتصنع الطرابيش بالطريقة القديمة المعتمدة على استخدام القش، حيث يصنع منه الهيكل الداخلي للطربوش، ليلي ذلك إلباسه على طناجر نحاسية من اجل اعطاء الشكل الخارجي للطربوش، ثم من خلال قوالب خاصة كانوا يغطوه بالقماش مختلف الاحجام. وكان ارتفاع الطرابيش يتراوح ما بين 12 -17سم، و كُبّارية الحارات كانوا يعتمرون الطرابيش التي يبلغ  متوسط ارتفاعها 15سم، فيما شيوخ الطرق الصوفية والزوايا كانوا يعتمرون الطربوش المغربي القصير غالبا، أما كبار الشيوخ او القضاة كانوا يعتمرون الطربوش الاطول، وكان يرمز للوقار والحكمة. لكن منذ العام1936 بدأ الثوار يستبدلون الطربوش بالحطة الفلسطينية شيئا فشيئا كي لا يتم اكتشافهم، فأخذ يقل عدد من يعتمرونه، إلى ان وصل لادنى مستوياته في ستينيات القرن الماضي”.

        ويضيف مصنع الطرابيش  مازن الشنار” والدي كان ممن يعتمرون الطربوش، وكان لديه 3 طرابيش اصلية، يستخدم احداها للمناسبات، والآخر للباس اليومي، والثالث للغسيل والكي، وفي نفس الوقت كان يعمل على التصنيع الداخلي للطرابيش باستخدام الكرتون المقوى، لذلك  قمت في العام 1987 بفتح محل في شارع النصر لتصنيع  وبيع الطرابيش في محاولة مني لإحياء هذه الصناعة، وكنت اضع قرابة 80 طربوش بشكل هرمي أمام المحل لغايات البيع، إلا انني ابدلت مهنة تصنيع وبيع الطرابيش مطلع العام2000، لندرة من يعتمرونه او من يقبلون على شراء الطرابيش المصنعة محليا، حيث راجت الطربيش السياحية المستورد من الصين التي لا يزيد سعرها عن الـ3 دولارات، في حين الطرابيش الاصلية التي لا تزال تُصنع حاليا في مصر او الشام او المغرب وإن باعداد قليلة  تصل اسعار بعضها 70 دولارا امريكيا”.

       المؤرخ التاريخي بشير بركات اصدر العام الماضي عبر مؤسسة دار الطفل العربي في القدس ومتحف التراث الفلسطيني، كتابا تناول صناعة الملابس في القدس(من الغزل إلى الكي) عرض خلال احد فصوله الاقمشة الصوفية، والتي ركز عبرها على  صناعة الطرابيش في فلسطين، مع لمحة تاريخية عن اصول الطربوش، فبحسبه”أطلق لفظ جوخ على النسيج الصوفي لتميزه عن النسيج القطني، وبدأت صناعة الجوخ المُلبد منذ حوالي 8 الآف عام في الاناضول، حيث استخدم الجوخ في صناعة الطرابيش، ويعتقد ان لبسه ابتدع في النمسا او اليونان، ثم انتقل الى الدولة العثمانية اوائل القرن التاسع عشر، حيث اصبح من اهم علامات الرجولة والرقي الاجتماعي، ولذا انتشرت دكاكين صناعة الطرابيش بكثرة في بلاد الشام، حتى وصل عددها في دمشق الى 400 دكان، وكان الصانع يأخذ مقاس رأس الزبون، ويفصل له طربوشا خلال نصف ساعة، وكان متجر فيليب عقروق(الذي ُنقل بعد النكبة الى شارع الامير محمد وسط عمان)  من اشهر محلات صناعة الطرابيش وبيعها في القدس خلال الاحتلال البريطاني، وكان يستورد الجوخ من النمسا، والخيوط الحريرية التي تصنع منها الشرابة السوداء من نيوزيلاندا وغيرها، واستمر لبس الطرابيش في القدس حتى اواخر ثمانينيات القرن العشرين، ثم اقتصر على علماء الدين الاسلامي”.

       ختاما ننوه انه وفي الوقت الذي امكننا فيه اجراء مقابلات مع من يعتمرون الطربوش، فقد تعذر ذلك مع بعض كبار السن نتيجة لرفضهم ذلك لأسباب خاصة وفق قولهم، فيما قرابة 5 آخرين تبين وفاتهم مؤخرا، كما انه ورغم عثورنا على عدة اشخاص في طولكرم والخليل ومحافظات اخرى يعتمرون الطربوش بشكل دائم، رغم ان اعتمارهم له كان مرتبطا بمهنة يقومون بها في باديء الأمر، إلا اننا آثرنا ان ينحصر تقريرنا عمن يعتمرونه بشكل مستمر ودون انقطاع ودون ان يرتبط اعتمارهم له بمهنة يسترزقون منها.

http://raseef22.com/life/2016/05/30/%D8%B3%D8%B1%D8%8C-%D8%A8%D9%88%D8%B4-%D9%88%D8%A2%D8%AE%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%88%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%AA%D8%B9%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D8%A8%D9%88/

haitham9000@gmail.com

 

 ABDELWAHAB GOODALLAH 2EIZALDEEN ASHOORMOHAMMAD RASHAD ALSHARIF 3RASHEED ALSAMMAN 2NIDAL YASEENMOHAMMAD ALDARDOOK 2MOHAMMAD RASHAD ALSHARIFMANSOR GOODALLAHMAHMOOD DANDESMOHAMMAD TAHBOOB 3

 

 

Be Sociable, Share!