تحقيق: هيثم الشريف

بالتعاون مع الإئتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان

 

         شكلت وزارة الصحة نهاية العام الماضي 3 مراكز جديدة للتحويلات الطبية  في كل من نابلس والخليل ورام الله، لتقرير مكان العلاج المناسب لتلقي الخدمة، كما الغت ما كان يعرف بالمندوبين التابعين للوزارات والأجهزة الأمنية المختلفة(الوسطاء) الذين كان لهم بحسب التقرير السنوي السادس الصادر عن الإئتلاف من أجل النزاهة  والمساءلة (أمان) للعام 2013،  دور كبير في تجاوز الإجراءات، وتحويل حالات لا تستحق الخدمة، مع توافر عدة مؤشرات بأن البعض منهم قد استخدم ذلك للحصول على عمولات، الأمر الذي ادى في النهاية لتحويل الملف بأكمله لهيئة مكافحة الفساد.

     وعلى الرغم من ذلك، إلا أن الكاتب والباحث جهاد حرب مُعد  دراسة (بيئة النزاهة في التحويلات للعلاج خارج اطار مؤسسات وزارة الصحة) التي أصدرها الإئتلاف في شهر آذار الماضي، اعتبر ان تلك الإجراءات الهادفة للحد من ظاهرة الواسطة  والمحسوبية  وترشيد الانفاق ووقف هدر المال العام التي قامت بها وزارة الصحة، شابها العديد من اوجه النقص” تلك الإجراءات لا تحل المشكلة، بل تفاقمها وتثير التساؤل حول جدوى هذه الطريقة في تقديم الخدمة،  نتيجة للضغوط التي قد  يتعرض لها الأطباء في تلك المراكز من قبل متنفذين أو مسؤولين للحصول على تحويلات. كما أنها لا تزال قاصرة وتثير الشكوك حول مدى العدالة والإنصاف بين المواطنين  في الإستفادة من خدمة العلاج خارج المؤسسات الطبية الحكومية، خاصة وأن بعض الأمراض التي يتم تحويلها يمكن معالجتها في المؤسسات الطبية الحكومية، أو في المؤسسات الطبية الخاصة المحلية على الأقل، ناهيك عن أن تضارب المصالح بين الأطباء قد يكون من العوامل المؤثرة في اتخاذ قرارالتحويل، والذي قد يظهر ايضا لدى اللجان أو المراكز الطبية المحلية، بالتالي فكلما توجهت للمحلية كلما زادت الواسطة، وكلما كان الطبيب غير متفرغ للعمل في المستشفيات الحكومية كلما كان تضارب المصالح أكبر”.

        تضارب المصالح ما بين الأطباء، دفعنا للبحث عن طبيب (من الداخل) يعمل في مستشفى خاص متعاقد مع وزارة الصحة، ليطلعنا على حقيقة ما يجري بخصوص التحويلات، فتمكنا من الوصول لطبيب من منطقة جنوب الضفة الغربية، والذي فضل عدم الكشف عن هويته، حيث قال وبحسب وجهة نظره” بعض الأطباء كانوا يعطون التحويلات بحسب اسم العائلة، حيث يستشعرون الخطر إن قاموا بتعطيل أو تأخير أو رفض تحويله لعائلة معروفة، بينما لا يهتمون إن كان الأمر متصل بمريض من عائلة صغيرة. أضف إلى ذلك أنه وعلى الرغم من أن بعض الخدمات التي يقدمها المشفى الذي أعمل فيه غير متوفره في بعض مشافي وزارة الصحة، إلا أن بعض الأطباء في مستشفيات حكومية لا يقومون بالتحويل إلينا إلا ما ندر! وإلا فما معنى أن يحول لأحد المستشفيات الخاصة 50 حالة، بينما يحول لآخر حالة واحدة لنفس المرض؟!”.

     طبيب آخر يعمل في أحد المستشفيات الخاصة شمال الضفة الغربية، أوضح لنا سببا آخر للإنتقائية في التحويلات للمشافي الخاصة وفق ما يدعي “بعض المستشفيات الخاصة بالنسبة لبعض المسؤولين عن التحويلات تصنيف كما الفنادق!.  ما  يشير لاحتمال ان يكون هناك تفاهم سري مع بعض إدارات تلك المستشفيات، الأمر الذي اضعف اشغال بعض المستشفيات الأخرى”.

         فسألنا الدكتورة سحر القواسمة عضو المجلس التشريعي ، حول ان كانت تستشعر هي الأخرى وجود تمييز بين مستشفى خاص وآخر من بعض الجهات المسؤولة عن التحويل ” هذا نوع من انواع الفساد الذي يمارس بكل اسف، رغم وجوب أن تخضع جميع المستشفيات المحلية التي يجري التحويل إليها من قبل وزارة الصحة لنفس المعايير ودون استثناءات أو محسوبيات. كما أن جميع المناقصات الخاصة بشراء الخدمة يجب ان تخضع هي الأخرى لمعيار واحد، دون ان يكون هناك ازدواجية في المعايير، الأمر الذي يعد مدخلا للفساد الحقيقي، إذ  ان عدم وجود معايير واضحة ومؤتمته حتى الآن، أدى لأن تبقى الآلية المتبعة في التحويلات الطبية تخضع للمزاجية، عليه من غير المقبول ان نستمر في رفع الشعارات حول الشفافية، دون ان يكون لدينا نظام جديد  يتضمن معايير وآليات واضحة وشفافة  يتم مراعاتها بما يتعلق بتحديد مكان العلاج والتحويل”.

       صندوق الأمم المتحدة للسكان قال على لسان الدكتور علي الشعار ان “سلة الخدمات التي تقدم للتحويل يدخل فيها باب الإجتهاد، بمعنى أن بعضها مبرر وبعضها الآخر غير مبرر، أضف إلى ذلك ان دراسة تفصيلية حول التحويلات الطبية اصدرها البنك الدولي في شهر حزيران الماضي ، اشارت أن71% تقريبا من مجموع التحويلات التي دُرست، لم يكن واضحا أو موثقا فيها سبب التحويل بشكل عام!. لذا فإن حل قضية التحويلات، و إحكام نظام التأمين الصحي، يساهم في توسيع سلة الخدمات المقدمة تدريجيا عبر توطين العلاج من جهة، و يحد من فرص إساءة الإستخدام في القطاع الصحي ويجعلها قليلة من جهة أخرى،  بحيث تصبح الطريق مسدودة في وجه من يتعامل بشكل متحيز، لأنه لا يجد منفذا في النظام، مع اهمية الاشارة إلى ان استنفاذ التحويلات الطبية لـ40% من ميزانية وزارة الصحة الفلسطينية، يجعلها من أكبر المواجع الموجودة في الجهاز الصحي الفلسطيني”.

        المبالغ الخيالية التي تستنفذ على التحويلات الطبية سنويا، اعتبرها الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان(ديوان المظالم) المحامي معن ادعيس، تدلل على ان طريقة معالجة موضوع التحويلات من قبل الوزارة غير كافية” قيمة التحويلات المالية للعام2013 تخطت النصف مليار ، وهذا مبلغ كبير جدا وآخذ بالتصاعد، الأمر الذي يدلل على أن الوزارة لا تعالج موضوع التحويلات بطريقة سليمة أو ان معالجتها غير كافية”.

         لكن المشكلة لا تقتصر على التكلفة أو الإجراءات المتبعة وصولا إلى التحويل، بل تمتد إلى الإحراجات والتدخلات من قبل متنفذين من أجل إما أن يتم التحويل لدول أو أماكن معينة، أو الحصول على تحويلات قد لا تكون مبررة، حيث أوضح الكاتب والباحث جهاد حرب ” كل هذا ناهيك عن التدخلات من قبل بعض كبار المسؤولين في السلطة، ممن يستخدمون نفوذهم عبر الضغط على دائرة شراء الخدمة أوعن طريق الإتصال بالوزير، بهدف الحصول على تحويله لإسرائيل أو للخارج، على حساب اناس آخرين يستحقون التحويل، الأمر الذي يؤدي للفساد، لأن فيه تدخلا واستخداما للنفوذ من أجل الحصول على خدمات افضل لأشخاص بعينهم، ولأن فيه هدرا للمال العام  (نظرا لأن تكلفة العلاج في اسرائيل أعلى بكثير من تكلفة العلاج في الضفة) ومن هنا تُبرز الدراسة مشكلة عدم وجود اسس واضحة ومكتوبة تحكم آلية تحديد مكان العلاج، حيث من الممكن تحويل مريض للعلاج في مستشفى محلي ، بينما يحول آخر لنفس المرض لمشفى اسرائيلي! الأمر الذي يعني أن أحدا ما تدخل من أجل التحويل لجهة ما”.

        تدخل أحد ما من أجل طرف ما، يدعو للتساؤل حول شكل الرقابة المالية على التحويلات، وبالذات الإسرائيلية منها، حيث قال الدكتور علي الشعار”يكفي ان نعرف أنه يتم اقتطاع 35 مليون شيقل عبر المقاصة لأغراض التحويلات الطبية لاسرائيل مثلا، دون أن يكون هناك أي رقابة أو تمحيص إذا ما كانت هذه المبالغ مستحقة، أو أنها في الواقع عباره عن تضخيم للفاتورة بطريقة مفتعله، إذ أن هناك مؤشرات حول تضخيم فاتورة التحويلات لاسرائيل، مع تنامي فاتورة التحويلات بشكل عام “.

       تضخم فاتورة التحويلات بطريقة مفتعلة، تناولته  دراسة أمان، التي أوصت بضرورة مساءلة المسؤولين عن الإهمال الحاصل في عدم  طلب فواتير المستشفيات الإسرائيلية  للسنوات السابقة وعدم تدقيقها، حيث أوضح مُعد الدراسة ” لم تطالب وزارة الصحة بالفواتير التفصيلية لتكلفة التحويلات الطبية الخاصة بالمشافي الإسرائيلية عن الفترة الممتدة ما بين (عام1994 لغاية 2013)،  إذ أنها تكتفي باستلام كشوف بإجمالي القيمة المالية لتلك التحويلات، خلال الجلسة الشهرية للمقاصة ما بين وزارة المالية و الجانب الإسرائيلي،  حيث يخصم الجانب الإسرائيلي ، إلى جانب خصومات الخدمات الأخرى كالكهرباء والماء بطريقة غير نزيهة ، منتهزين قدرتهم على فرض ما يتم خصمه من أموال السلطة، ثم يحولون لخزينة السلطة ما تبقى من مستحقات مالية! ما يعني  بكل الأحوال فشل رقابة السلطة على ما يتم تحويله من الجانب الإسرائيلي ماليا لصالح المستشفيات الإسرائيلية من أموال السلطة، نتيجة غياب الرقابة المالية واهمال المسؤولين بشكل خاص في وزارة الصحة  وعدم مطالبتهم بالفواتير التفصيلية، واستسهالهم لإنفاق المال العام، الأمر الذي ادى لأن يستغل الجانب الاسرائيلي تلك التحويلات لمضاعفة الاسعار ، ووفر الفرصة لسرقة أموال السلطة بدون مبرر من قبل المستشفيات الإسرائيلية التي تتعامل مع الخدمة على أنها استثمار مالي اساسا، الامر الذي أدى لاهدار المال العام وحميل خزينة الدولة اعباءا اضافية”.

        أخيرا وزارة الصحة طالبت في شهر شباط من العام الماضي فقط، بكافة الفواتير المالية الخاصة بالتحويلات الطبية لتلك الفترة ، وبعد حصولها عليها باشرت ولأول مرة عملية التدقيق المالي لتلك الفواتير، وحول النتائج التي أظهرتها عملية المطابقة المالية قال مدير عام  دائرة شراء الخدمة الطبية السابق والناطق باسم وزارة الصحة اسامة النجار ” كشفت عمليات التدقيق الخاصة بالفترة الواقعة ما بين( آذار 2013 حتى نيسان2014)، فروقا تقارب 5 مليون شيقل عن كل شهر”.

       جزء من الفروق التي بينتها عملية التدقيق يقول الناطق باسم وزارة الصحة” تتعلق بالمحولين فعليا من طرف الوزارة،  حيث لم تتم مراسلتنا بخصوص رفع سقوف التحويلات الخاصة بعدد كبير منهم،  أو أن هنالك تغيير بالإجراء الطبي، أو أنهم مكثوا في المستشفى لفترات طويله بدون وجه حق ليحتسبوا ايام اقامتهم علينا!، بينما الجزء الآخر يتعلق بمواطنين غير محولين من طرفنا، اذ تبين ان القوائم تشمل اسماء وهمية، أو اسماء مواطنين اصيبوا في حوادث سير على الطرق الإلتفافية، حتى انها شملت اسماء بعض نساء زوجات عملاء دخلوا اسرائيل !، ويكفي ان نذكر أن الفرق المالي الناجم عن عملية التدقيق المالي للفواتير التفصيلية الخاصة بأحد المستشفيات الإسرائيلية وصل إلى 3 مليون شيقل، حيث سجل دخول(113) مريض لا نعلم عنهم شيء! ما يعني تلاعب عدد من المستشفيات بالفواتير الشهرية بمبالغ تزيد عن 3 مليون شيقل شهريا عن الفاتورة المستحقة لكل مستشفى “.

     إحدى الوثائق الرسمية التي حصلنا عليها من وزارة الصحة أثبتت ذلك،  الوثيقة كانت عبارة عن مراسلة قامت بها دائرة شراء الخدمة العام الجاري مع أحد المستشفيات الإسرائيلية، تم الإستفسار خلالها عن سبب ارسال كشوف حسابات مالية (بقرابة 2 مليون شيقل ) في العام2014، تخص كشوف مالية تعود للأعوام من 2010 حتى 2013  حول اسماء لمواطنين معظمهم غير محولين من طرف الوزارة!.

      ونتيجة للإستنزاف الخطير والمهول، يضيف اسامة النجار” أوقفنا التعامل مع (5-6) مستشفيات لغاية الآن، حيث يقتصر التعامل حاليا على المستشفيات الإسرائيلية الحكومية الرسمية،  علما ان تسعيرة الخدمات الصحية التي نتعامل بها مع الجانب الإسرائيلي، هي تلك التي تنشر  شهريا على صفحة وزارة الصحة الإسرائيلية، والتي ارتفعت نسبها في العام الماضي ثلاث مرات، وبنسب بلغ مجموعها14% عن اسعار العام الذي سبقه، ورغم كل ذلك للأسف فإن الخلل في إجراءات التحويلات لا يزال قائما، وعملية الضبط المالي مع المستشفيات الإسرائيلية  لا تزال بنفس العقم السابق،  حيث لا يوجد أي تدقيق على ما يستجد من فواتير عبر المقاصة الشهرية، إذ ان الاسرائيليين للآن  يرسلون كشوفا بديله عن الفواتير التفصيلية، ويخصمون مستحقات المستشفيات شهريا دفعة واحدة كما يريدون وبنفس النمط! وهذه مأساة موجوده ومستمرة”.

        الأمر الذي أكده وزير الصحة الدكتور جواد عواد” حتى اللحظة اسرائيل تزودنا بكشوف شهرية دون ارسال الفواتير التفصيلية، مع ذلك فنحن مستمرين بفحص ما لدينا من فواتيرعن السنوات الماضية، كما أننا نسير حاليا بالإجراءات القانونية من أجل توكيل شركة محاماة لتدقيق فواتيرالتحويلات للمستشفيات الإسرائيلية  للسنوات الـ7 الماضية، وإذا ما تبين وجود خلل فيمكننا ان نعود لـ10 سنوات”.

      وقد ختم اسامة النجار الناطق باسم وزارة الصحة حديثه، بأن تناول ما تعرضت له دائرة شراء الخدمة من ضغوط  طوال فترة توليه لإدارتها، وتحويل ملف التحويلات لهيئة مكافحة الفساد” كثيرا ما تعرضت الدائرة لضغوطات واحراجات وتدخلات من مسؤولين ومن كافة المستويات، كأعضاء لجنة تنفيذية ومركزية وثورية وعمداء وقيادات في السلطة واعضاء مجلس تشريعي للحصول على تحويلات، أما بخصوص الملف المحول لهيئة مكافحة الفساد، فوزير الصحة قام بالإجراء المطلوب وبعث المراسلات المطلوبة منه للجهات المعنية لتقوم بالإجراءات كلها، سواء من داخل أوخارج الوزارة، لكن بصراحة دعني اقول انه و حتى الآن لم تتم مساءلة أي من المسؤولين في وزارة الصحة من قبل الهيئة وهذا خطأ “.

      قول الناطق باسم وزارة الصحة بأن الهيئة لم تقم بأي مساءلة قد تكون تمت مع مسؤولين في وزارة الصحة على خلفية  شعور الوزارة بأن هناك تلاعب في التحويلات ، أكده وزير الصحة والذي قال باقتضاب” منذ قدومي للوزارة قمت بتحويل ملف التحويلات (من عام1994 لتاريخه) لهيئة مكافحة الفساد للنظر فيه، ومن تاريخه حتى الآن لم يتم إبلاغي حوله، ولا علم لي ان كانوا قد قاموا بمساءلة مسؤولين في الوزارة”.

      كما علق الدكتور جواد عواد على احدى التوصيات التي طالبت عبرها دراسة أمان  وزير الصحة و رئيس الوزراء ومكتب رئيس السلطة الأمتناع عن اصدار قرارات أو تعليمات  لدائرة شراء الخدمة  بمنح اعفاءات أو إجراء استثناءات تتعلق بالتحويلات خارج اطار سلة الخدمات “لا استثناء لأحد، وهذا على الأقل وأنا موجود، حتى الرئيس قال لي مباشرة ان أي توقيع ارسله لطرفكم وأنت تشعرون  أنه مخالف لا تحولوه، أما ما كان من تفويض سابق لأحد المسؤولين في وزارة الصحة بخصوص ملف التحويلات لاسرائيل، فهذا أمر لم يكن لا شخصي ولا اعتباطي وإنما إضافي، حيث كان مشرفا عاما على التحويلات التي تقررها اللجان، مع ذلك هذا الأمر انتهى وبات الأمر متروكا للجان”.

      بدورنا توجهنا لهيئة مكافحة الفساد، مستفسرين عما استجد، وفيما اذا قامت الهيئة بمساءلة أي من المسؤولين في وزارة الصحة أو غيرها، فرفضوا التعليق على الموضوع المنظور أمامهم. فيما اكتفى ديوان الرقابة المالية والإدارية بالقول” أن الملف في إجراءات التحقيق أمام هيئة مكافحة الفساد، وأن الديوان لا يستطيع الإفادة في هذا الموضوع”.

 

haitham9000@gmail.com

       >>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

شبه فساد في ملف التحويلات الطبية

التحويلات الطبية فرصة استثمار للمستشفيات الإسرائيلية

الدراسة كاملة

تحقيق: هيثم الشريف

بالتعاون مع الإئتلاف من أجل النزاهة والمساءلة -أمان

         تقدم السلطة الوطنية الفلسطينية الخدمات الصحية للمواطنين المؤمنين عبر المؤسسات الطبية الحكومية، وفي حالة عدم توفر أو نقص الإمكانيات في تلك المشافي الحكومية، تلجأ السلطة لإجراء تحويلات داخلية أو خارجية للمواطنين خارج القطاع الصحي الرسمي، وذلك عبرعدة أنظمة وقوانين خاصة تحكم تلك التحويلات التي تتم عبر وزارة الصحة اساسا،  إذ تتولى جهتان نظاميتان مسؤولية التحويل، وهما اللجنة الطبية العليا للعلاج في الخارج، ودائرة العلاج التخصصي(دائرة شراء الخدمة)، ورغم تلك الأنظمة فقد قامت الوزارة بعدة إصلاحات في نظام التحويلات والخدمات الطبية في الخارج، بهدف الحد من الواسطة وترشيد الإنفاق ووقف هدر المال العام، وذلك من خلال عدة خطوات من بينها أن شكلت في نهاية عام2013  ثلاثة مراكز جديدة للتحويلات الطبية  في كل من نابلس والخليل ورام الله، لتقرير مكان العلاج المناسب لتلقي الخدمة، كما الغت ما كان يعرف بالمندوبين التابعين للوزارات والأجهزة الأمنية المختلفة(الوسطاء) الذين كان لهم بحسب بعض المؤسسات التي تتعنى بالشفافية والنزاهة دور كبير في تجاوز الإجراءات، وتحويل حالات لا تستحق الخدمة، مع توافر عدة مؤشرات بأن البعض منهم قد استخدم ذلك للحصول على عمولات، الأمر الذي ادى في النهاية لتحويل الملف بأكمله لهيئة مكافحة الفساد .

      إلا أن كل تلك الإجراءات والأنظمة وغيرها، والتي تقول الوزارة أنها قد أدت إلى زيادة نسبة توطين العلاج،  لم تمنع بعض المتابعين والمتخصصين من اعتبار تلك الإجراءات لا تزال قاصرة، ومن أنها تثير التساؤل حول جدوى هذه الطريقة في تقديم الخدمة، وتثير الشكوك حول مدى العدالة والإنصاف بين المواطنين في الإستفادة من خدمة العلاج خارج المؤسسات الطبية الحكومية، خاصة وأن بعض الأمراض التي يتم تحويلها يمكن معالجتها  في المؤسسات الطبية الحكومية، أو في المؤسسات الطبية الخاصة المحلية على الأقل.

        الكاتب والباحث جهاد حرب، والذي أعد دراسة تفصيلية أصدرها الإئتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)  في آذار الماضي  حول (بيئة النزاهة في التحويلات للعلاج خارج اطار مؤسسات وزارة الصحة)، اعتبر أن محاولات وإجراءات وزارة الصحة الهادفة لتوطين العلاج، شابها العديد من اوجه النقص” إنشاء 3 مراكز تحويل في شمال ووسط وجنوب الضفة الغربية،  لا يحل المشكلة وإنما يفاقمها، فالضغوط التي قد يتعرض لها الأطباء في تلك المراكز لأجل التحويلات من قبل متنفذين أو مسؤولين في المناطق يعد الخطر الأكبر، كما أنه ومنطقيا حين تكون هناك لجنة للتحويل في الخليل مثلا، والمواطن يعرف أطباء هذه اللجنة ، فإن ذلك سيتسبب في إحراج الطبيب، ويفتح مجالا لأن تتدخل العلاقات المحلية والواسطة ، كما انه يؤدي لزيادة نفوذ أعضاء اللجنة من الأطباء على المستوى المحلي إلى جانب المستوى الطبي”.

       ذات وجهة النظر عبر عنها الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان(ديوان المظالم) المحامي معن ادعيس ” لغاية الآن فإن المبالغ  التي تصرف على التحويلات سنويا، (والتي وصلت لأكثر من نصف مليار للعام 2013 ) كبيرة جدا وخيالية، وهذا التصاعد في المبلغ يدلل على ان الوزارة لا تعالج موضوع التحويلات بطريقة سليمة، أو ان معالجتها في اقل تقدير غير كافية”.

       التقرير الصحي السنوي لوزارة الصحة لعام2013، أشار إلى أن التحويلات قد استنفذت في العام2013  مبالغ مالية وصلت إلى524 مليون شيقل سنويا(بنسبة تزيد 7% عن العام الذي سبقه)، من الموازنة المعتمده حسب قانون الموازنة، والبالغة مليار و423مليون شيقل،  وأن عدد التحويلات  لنفس العام وصل إلى أكثر  من 61 الف تحويلة  من الضفة الغربية وقطاع غزة، وبزيادة10% عن عدد تحويلات2012.

     الأمر الذي يعني  أن التحويلات الطبية كانت ولا تزال أحد أكبر المواجع في الجهاز الصحي الفلسطيني ، لكونها تستهلك حوالي40% من موازنة وزارة الصحة.

    وبالإطلاع على الإحصائيات التفصيلية في ذات التقرير، يتبين أن  72% من إجمالي عدد التحويلات كانت من الضفة الغربية، وبتكلفة تزيد عن 70% من إجمالي تكلفة شراء الخدمة من خارج وزارة الصحة. فيما اعلى نسبة لعدد التحويلات على مستوى الوطن كانت من محافظة غزة، والت بلغت حوالي28% من إجمالي عدد التحويلات.

   كما أن الإحصائية اشارت إلى أن عدد المستشفيات العاملة في فلسطين(80)، فيما بلغ عدد المستشفيات العامة (46) مشفا.

تضارب المصالح في التحويلات للمستشفيات المحلية

         كما أشار التقرير السنوي لوزارة الصحة  أن 81% من مجمل عدد التحويلات لذات العام، كانت عبر شراء الخدمة من المستشفيات المحلية(وهي أقل بحولي2%عن العام2012)، وبواقع تحويل أكثر من 50 الف حالة، وبتكلفة  حولي 337  مليون شيقل سنويا، والتي تمثل 62% من تكلفة شراء الخدمة من خارج وزارة الصحة، الأمر الذي قد يفتح باب تضارب المصالح  بين الجهات ذات الصلة.

        وقد تناولت الدراسة الخاصة بالتحويلات تضارب المصالح ما بين الأطباء غيرالمتفرغين للعمل في المستشفيات الحكومية (رغم قرار وزير الصحة بتطبيق تفرغ الاطباء الحكوميين)، حيث أوضح معد الدراسة “من العوامل المؤثرة في اتخاذ قرارالتحويل،  قيام نفس الأطباء بعمل عمليات محولة للمستشفيات الخاصة، والذي قد يؤدي إلى تعاون بعض الأطباء فيما بينهم البعض على اعتبار انهم يعملون في أكثر من مكان، كأن يمرر طبيب عدة تحويلات لطبيب آخر في مستشفى خاص، فيما يمرر الطبيب الآخر عدة تحويلات للطبيب الأول الذي يعمل في مستشفى خاص آخر، أضف إلى ذلك أن الطبيب الذي يعمل في مستشفى خاص إلى جانب مستشفى حكومي،  سيعمل على ان يطلب من مسؤول التحويل في المستشفى الحكومي تحويل المريض للمستشفى الخاص، وهذا التضارب في المصالح  قد يظهر لدى اللجان أو المراكز الطبية المحلية، لكل ذلك اعتقد انه هذا الإجراء غير مجدي، لأنه كلما توجهت للمحلية كلما زادت الواسطة، وكلما كان الطبيب غير متفرغ للعمل في المستشفيات الحكومية كلما كان تضارب المصالح أكبر، مع ضرورة التنويه إلى ان الدراسة قد اشارت إلى انه لوحظ غياب الإنتظام  بإعادة تشكيل لجان التحويل الطبية، وفقا لنظام التأمين الصحي والعلاج في الخارج لعام2006″.

        تضارب المصالح ما بين الأطباء،  دفعنا للبحث عن طبيب (من الداخل) يعمل في مستشفى خاص متعاقد مع وزارة الصحة، ليطلعنا على حقيقة ما يجري بخصوص التحويلات، فتمكنا من الوصول لأحد الأطباء المتمرسين في منطقة جنوب الضفة الغربية، والذي فضل عدم الكشف عن هويته، حيث قال” بعض الأطباء كانوا يعطون التحويلات بحسب اسم العائلة، حيث يستشعرون الخطر إن قاموا بتعطيل أو تأخير أو رفض تحويله لعائلة معروفة، بينما لا يهتمون إن كان الأمر متصل بمريض من عائلة صغيرة. من جانب آخر وعلى الرغم من أن بعض الخدمات التي يوفرها المشفى الذي أعمل فيه غير متوفره في بعض مشافي وزارة الصحة، إلا أن بعض الأطباء في المستشفيات الحكومية لا يقومون بالتحويل إلينا! إما لأن الطبيب على خلاف مع طبيب آخر في المشفى الخاص، أو لأنه لن ينتفع ماليا من التحويل، حيث أنني على علم بأحد المستشفيات الخاصة والذي يعطي لبعض الأطباء الذين يعملون في المستشفيات الحكومية نسبة مالية مقابل كل تحويله! كتحويلات عمليات القسطرة مثلا، حيث يتم صرف 100 دولار عن كل تحويله! ومن وجهة نظري فهذا ما يفسر قيام بعض المستشفيات الحكومية في جنوب الضفة الغربية مثلا، بإرسال مريض يحتاج لعملية قسطرة لمشفى خاص شمال الضفة، في الوقت الذي تتوفر فيه أجهزة القسطرة في مسشفانا. وإلا فلماذا يحول لأحد المستشفيات الخاصة 50 حالة، بينما يحول لآخر حالة واحدة لنفس المرض؟”.

            طبيب آخر يعمل في أحد المستشفيات الخاصة في شمال الضفة الغربية، أوضح لنا سببا آخر للإنتقائية في التحويلات للمشافي الخاصة” المستشفيات الخاصة بالنسبة لبعض المسؤولين عن التحويلات كما الفنادق، فهذا ثلاث نجوم وذاك خمسة نجوم!. وبالتالي فهم يتعاملون معها على هذا الأساس وبحسب شخصية ومكانة الشخص الذي سيجري تحويله، وتفضيل بعض المستشفيات يشير إلى احتمال ان يكون هناك تفاهم سري مع بعض إدارات تلك المستشفيات الخاصة، الأمر الذي اضعف اشغال بعض المستشفيات الأخرى”.

          بعض ما ساقه لنا من وصلنا إليهم من متابعين وأطباء يعملون في المستشفيات الخاصة، تقاطع مع معلومات نقلت لنا من عضو مجلس تشريعي، فتبين أن ما بلغنا كان يسيرا بالنسبة للمعلومات التي نقلت لنا عبر عضو المجلس التشريعي، والمتصلة بالتحويل لإسرائيل، والإستثناءات، والواسطات، وغيرها،  لكن رغبة عضو المجلس التشريعي اللاحقة بتأجيل نشر المقابلة، وموافقتنا على ذلك، إضافة لعدم تلقينا للملفات التي تثبت ما سيق من ادعاءات، دفعتنا مهنيا وأخلاقيات أن نمتنع عن النشر “.

       فتوجهنا لعضو المجلس التشريعي الدكتورة سحر القواسمة، وسألناها حول ان كانت تستشعر هي الأخرى وجود تمييز بين مستشفى خاص وآخر من الجهات المسؤولة عن التحويل، فقالت ” هذا نوع من انواع الفساد الذي يمارس بكل اسف، رغم انه كان يجب أن تخضع جميع المستشفيات المحلية التي يجري التحويل إليها من قبل وزارة الصحة لنفس المعايير ودون استثناءات أو محسوبيات. حتى ان بعض المستشفيات يختلف سعر علاج مرض معين لديها عن سعر مستشفى محلي آخر لنفس المرض! صحيح أن وزارة الصحة تتوجه لشراء الخدمة بناءا على مناقصات، لكن جميع تلك المناقصات يجب ان تخضع لمعيار واحد، دون ان يكون هناك ازدواجية في المعايير، الأمر الذي يعد مدخلا للفساد الحقيقي”. 

       بدوره أكد مدير عام دائرة شراء الخدمة الصحية السابق، الناطق باسم وزارة الصحة اسامة النجار إختلاف فواتير التحويل لنفس المرض من مستشفى محلي لآخر” هذا أمر يحدث، لكن حين يتم التدقيق المالي على الفواتير، يتم الدفع وفق الإتفاقية المبرمة مع المشفى لا أكثر ولا أقل. أما ما يتناقل حول أن الوزارة تسلم قيمة فواتير التحويلات التي تمّت لمستشفيات محلية قبل غيرها من المستشفيات المتعاقد معها، فهذا لا يحدث (على الأقل في عهدي، وبإمكانك التأكد من ذلك من خلال السجل المالي والدفعات والكشوف التي لدينا)، إذ ان الحكومة حين تقرر أن تدفع 5 مليون من مديونيتنا للمستشفيات الخاصة مثلا،  فإننا نقوم بالتوزيع في آن واحد وبنسبة توزيع واحدة على كل المستشفيات المتعاقد معها، وبغض النظر عن قيمة مستحقات كل مستشفى، وبالتالي لا يتم تأخير دفع المستحقات لأي مستشفى إلا إن كان غير مستكملا لإجراءاته وأوراقه الرسمية والقانونية المتعلقة بالمالية أو الحرف والصناعات أو كمشتغل مرخص، حيث ان التأخير يتم فقط في مثل تلك الحالات”.

        فيما دافع وزير الصحة الدكتور جواد عواد عن الإجراءات التي اتبعتها الوزارة والهادفة لتوطين خدمة العلاج داخل وزارة الصحة  للمساهمة في تخفيض عدد وتكلفة التحويلات” إنطلاقا من أن تخفيض قيمة التحويلات الطبية على سلم أولوياتنا، على أمل ان نتمكن من ذلك دون ان يؤثر الأمرعلى صحة المواطن، فقد قمنا  ببعض الإجراءات التي نعمل عليها بالشراكة مع USAD) )، إضافة لقيامنا بمجموعة إجراءات متراكمة، والتي كان من بينها ما اشرتم له حول تشكيل اللجان الثلاث ، إضافة إلى قيامنا بتوسيع خدماتنا عبر فتح اقسام جديدة والتي كان من بينها إفتتاح أقسام (تصوير الرنين المغناطيسي) في كل من الخليل ورام الله وقريبا في جنين، وافتتاح خمسة مراكز  (للعناية المركزة ) في مستشفياتنا ، ورغم أننا لا نستطيع ترتيب الأمور بيوم وليله، نظرا لوجود تراكمات منذ العام1994 حتى تاريخه في ملف التحويلات التي تستنزف ميزانية وزارة الصحة، مع ذلك فلا يمكن الإستمرار بالوضع الذي كان، وفعلا فإن تلك الإجراءات أثبتت نجاعتها، بحيث أن فاتورة التحويلات إلى اسرائيل انخفضت في شهر واحد (10) مليون شيقل،  أضف إلى ذلك أنه ومنذ فترة قيامي بتولي مهام الوزارة، تمكنا من تخفيض قيمة فاتورة الدين على وزارة الصحة ، لذا لا يهمنا ما يقال، فهذا عملنا ونحن مسؤولين عنه “.

   أموال السلطة فرصة استثمار للمستشفيات الإسرائيلية   

         وفي الوقت الذي يتم فيه شراء الخدمة من مستشفيات محلية، أو من دول عربية، يتم ايضا  شراء الخدمة من المستشفيات الإسرائيلية،  فبحسب التقرير السنوي لوزارة الصحة للعام2013،  تم شراء الخدمة من مستشفيات إسرائيلية بنسبة 13% من إجمالي عدد التحويلات، (بزيادة مقدارها 4% عن العام الذي سبقه)  وبواقع تحويل أكثر من 8 آلاف تحويله، وبتكلفة  حولي 172 مليون شيقل سنويا،  أي حولي 33% من تكلفة شراء الخدمة من خارج وزارة الصحة .

         علما أن السلطة الفلسطينية ومنذ العام1996 لغاية 2013، لم تكن تستلم فواتير تفصيلية بخصوص التحويلات، وإنما كشوف مالية بإجمالي قيمة التحويلات، وذلك خلال الجلسة الشهرية  لوزارة المالية المخصصة لتحصيلات المقاصة من الجانب الإسرائيلي، إذ كان ولا يزال حتى اللحظة يتم خصم خدمات الكهرباء والماء والتحويلات لصالح المستشفيات الإسرائيلية وغيرها مباشرة، ثم يحولون ما يتبقى لخزينة السلطة. ما يعني غياب رقابة السلطة  كما يقول جهاد حرب على ما يتم خصمه ماليا من الجانب الإسرائيلي من أموال السلطة، “نتيجة الاهمال وعدم المطالبة بفواتير المستشفيات لتلك الفترة، وثقافة استسهال المسؤولين لانفاق المال العام، الأمر الذي وفر فرصة لسرقة أموال السلطة بدون مبرر من قبل المستشفيات الإسرائيلية التي تتعامل مع الخدمة باعتبارها استثمار مالي اساسا”.

        خاصة إذا ما علمنا أن هنالك زيادة في أعداد التحويلات إلى اسرائيل في الأعوام الأخيرة على حساب التحويلات للدول العربية، حيث تثبت التقارير والإحصائيات والدراسات ذات الصلة، أن هناك تناقص في عدد التحويلات  لكل من مصر والأردن بشكل كبير في السنوات السابقة، بسبب تراكم الديون على السلطة الفلسطينية(ويكفي أن نذكر أن تكلفة التحويلات لكل من الأردن ومصرفي العام2011 بلغت117 مليون، وأنها انخفضت في العام2013 لحوالي16 مليون) بحيث كان ذلك أحد العوامل المؤثرة في ارتفاع أعداد وتكلفة التحويل لإسرائيل، (حيث ارتفعت كلفة العلاج  في اسرائيل من 101 مليون عام2011 الى حوالي 172 مليون شيقل في العام2013)، ناهيكم  عن غياب الثقة في الخدمات الصحية المقدمة من قبل المؤسسات الصحية الرسمية، وما يدلل على ذلك ما يتناقل حول أن ثقافة جزء كبير من أبناء شعبنا وقناعتهم المزروعة لديهم، أن (جبريل ) في المستشفيات الإسرائيلية،(وعزرائيل) في المستشفيات الفلسطينية لينزع أرواحهم!.

        بكل حال، ففقط منذ شهر شباط2013 حصلت دائرة شراء الخدمة في وزارة الصحة على كافة الفواتير المالية الخاصة بالتحويلات الطبية منذ قدوم السلطة حتى تاريخه، وبدأت بتدقيق تلك الفواتير ماليا، حيث حدثنا مدير عام  دائرة شراء الخدمة الطبية السابق في وزارة الصحة اسامة النجار عن قيمة الفروق المالية الناجمة عن فحص فواتير العلاج التي تم الحصول عليها من الجانب الأسرائيلي ” تدقيق الحسابات المالية للفواتير لا زال مستمرا، علما أن الوزارة أتمت حتى إنتهاء فترة مسؤوليتي عن دائرة شراء الخدمة تدقيق( 13 شهر) للفترة الواقعة ما بين( آذار 2013 حتى نيسان2014)، وقد أظهرت عملية التدقيق أختلافا ما بين الكشوف التي ترسلها اسرائيل لوزارة المالية لدفع المبلغ، وما بين كشوف المطالبات المالية التي ترسلها المستشفيات الإسرائيلية لنا، حتى أن هناك إختلافا مع الكشوف الصادرة من قبلنا! حيث كشفت عمليات التدقيق فروقا تقارب 5 مليون شيقل عن كل شهر تم تدقيقه”.

       وحول تفصيلات أسباب الإختلافات الرئيسية بحسب الفحص المالي قال أسامة النجار” هناك عدة إختلافات أظهرتها عملية المطابقة، جزء منه يتعلق بالغير محولين من طرفنا، حيث حاولنا مطابقة ارقام هويات المرضى الواردة في الكشوف الإسرائيلية مع مالدينا عبر النظام المحوسب، فتبين انها تعود لأشخاص لم يتم تحويلهم من طرفنا، أي انها تشمل اسماء وهمية.  إضافة لذلك فقد اكتشفنا أن الكشوف تتضمن اسماء مواطنين اصيبوا في حوادث سير على الطرق الإلتفافية، ما يعني أن حوادث السير التي تحملتها شركات التأمين والحالات الطارئة تم علاجها على حسابنا وخصمت من مستحقاتنا، حتى أن بعض نساء زوجات عملاء دخلوا اسرائيل يلدن على حسابنا!.

        وقد بينت إحدى الوثائق التي حصلنا عليها من وزارة الصحة مراسلة قامت بها دائرة شراء الخدمة في العام2014، مع أحد المستشفيات الإسرائيلية، تستوضح من خلالها سبب ارسال كشوف حسابات لمرضى تعود للأعوامن من 2010 حتى 2013 بمبلغ يقارب 2مليون شيقل،معظمهم غير محولين من طرف الوزارة.

      أما الفروقات المتعلقة بالمحولين فعليا من طرفنا، يضيف مدير عام دائرة شراء الخدمة في وزارة الصحة” فقد تبين أنه لم تتم مراسلتنا بخصوص رفع سقوف التحويلات الخاصة بعدد كبير منهم،  أو أن هنالك تغيير بالإجراء الطبي ، أو أنه قد تم مكوث المريض في المستشفى لفترات طويله بدون وجه حق ليحتسبوا ايام اقامته علينا!. من جانب آخر، فقد قمنا بدراسة نسب التحويل  لكل المستشفيات المصرية والاسرائيلية وحتى المحلية، فوجدنا تغيرا احيانا بمقدارالتعامل مع المستشفيات الأسرائيلية في المبالغ المالية. ففي الوقت الذي كانت فيه الفروق قليلة نسبيا بخصوص بعض المستشفيات، وجدنا فروقا بـ3 مليون في مستشفى آخر، حيث أن أحد المستشفيات الإسرائيلية، سجل في احد الأشهر دخول( 113 ) مريض لا نعلم عنهم شيء! ورغم كل ذلك وبكل اسف فإن الخلل في إجراءات التحويلات لا يزال قائما، وعملية الضبط المالي مع المستشفيات الإسرائيلية  لا تزال بنفس العقم السابق، و لا يوجد أي تدقيق على ما يستجد من فواتير عبر المقاصة الشهرية، إذ ان الاسرائيليين للآن يخصمون مستحقات المستشفيات دفعة واحدة كما يريدون حتى الآن وبنفس النمط! في حين أن المطلوب وفي الجلسة الشهرية الخاصة بالمقاصة، ان يتم دوريا تأجيل خصم مبلغ التحويلات من مستحقاتنا لمدة شهر، لحين إجراء التدقيق والوصول لرقم واقعي حقيقي، أما ان يطلبوا رقم فنعتمده فهذه مأساة موجوده ومستمرة”.

       ونتيجة للإستنزاف الخطير والمهول، إلى جانب اكتفاء تلك المستشفيات بإرسال كشوف بدلا عن الفواتير التفصيلية لغاية الآن،  فقد أوقفنا يقول أسامة النجار التعامل مع (5-6) مستشفيات لغاية الآن، ويقتصر التعامل حاليا على المستشفيات الإسرائيلية الحكومية الرسمية، علما ان تسعيرة الخدمات الصحية التي نتعامل بها مع الجانب الإسرائيلي، هي تلك التي تنشر على صفحة وزارة الصحة الإسرائيلية شهريا، والتي ارتفعت نسبها في العام الماضي ثلاث مرات، وبنسب بلغ مجموعها14% عن اسعار العام الذي سبقه! “.

        الكاتب  والباحث جهاد حرب تناول في دراسته جانب الرقابة المالية على التحويلات حيث رأى أن هناك عدة مشاكل لا تزال قائمة في سياق الرقابة على موضوع الفواتير(الإسرائيلية)” التدقيق الذي يتم هو تدقيق مالي، في حين انه كان يجب ان يرافق ذلك تدقيق طبي، بمعنى ما الخدمة التي تم تقديمها أوالتي كان يجب تقديمها أو التي لم يكن ينبغي ان تقدم ؟ ورغم ان التركيز يجب أن يتم على  فواتير المستشفيات الإسرائيلية، نتيجة عدم مطالبة السلطة سابقا للفواتير ما بين1994-2013، ولأن 22% من مجمل الإنفاق على العلاج للأعوام2012-2013 كان على المستشفيات الإسرائيلية، إلا ان هذا الإجراء يجب ان يتم بخصوص كل التحويلات بغض النظر عن جهة التحويل، حيث أن فواتير مستشفيات الأردن غير مدققة بشكل جيد”.

       الأمر الذي استدعي وزير الصحة  لأن يؤكد على أن “الوزارة تسير حاليا بالإجراءات القانونية من أجل توكيل شركة محاماة لتدقيق فواتيرالتحويلات للمستشفيات الإسرائيلية  للسنوات السبع الماضية، وأنه إذا ما تبين وجود خلل فيمكن للوزارة ان تعود لـ10 سنوات سابقة، أما ما قبل ذلك (أي قبل 15 أو 20 سنة) فلم نكن نحول لإسرائيل، حيث كانت مصيبتنا بالتحويلات إلى الأردن، التي لها حوالي 50-60 مليون شيقل، لم تنخفض مؤخرا إلا بنسبة ضئيلة”.

         صندوق الأمم المتحدة للسكان وعلى لسان الدكتور علي الشعار الذي سبق وأن قدم لوزير الصحة  منذ عدة اشهر ورقة عمل تناول فيها سبل خفض قيمة التحويلات الطبية، استنادا  لدراسة مفصلة أنجزها البنك الدولي حول التحويلات الطبية بالتعاون مع وزارة الصحة في شهر حزيران من العام الماضي، قال أن هنالك مؤشرات تشير إلى تضخم فاتورة العلاج في اسرائيل بطريقة مفتعلة” يكفي ان نعرف أنه يتم اقتطاع 35 مليون شيقل شهريا عبر المقاصة لأغراض التحويلات الطبية لاسرائيل، دون أن يكون هناك أي رقابة أو تمحيص إذا ما كانت هذه المبالغ مستحقة أو أنها عباره في الواقع عن تضخيم للفاتورة بطريقة مفتعله، إذ  أن هناك مؤشرات حول تضخم فاتورة التحويلات لاسرائيل، ومن الامثلة الحاضرة من واقع المشاهدة العينية المثيرة للريبة والتساؤل، أن أحد الأشخاص الموثوقين لدي، أبلغني  بتوجهه لأحد المستشفيات الإسرائيلية لإجراء عملية لوالدته، فأبلغته إدارة المستشفى أن تكلفة العملية 17 الف شيقل، لكن حين أخبرهم بوجود تحويلة من السلطة، أخبروه ان تكلفة نفس العملية 230 الف شيقل، أي أكثر من 13 ضعف المبلغ الأصلي!، وقد لا تكون تلك مجرد حالات فردية، فلربما تكون نهجا، وبالتالي فإن السؤال المحوري في الورقة التي قدمتها لوزير الصحة دارت حول إذا ما كان بالإمكان خفض قيمة التحويلات الطبية البالغة 40% من إجمالي ميزانية وزارة الصحة، خاصة في ظل تنامي فاتورة التحويلات بشكل عام “.

       ومع عدم إغفالنا للزيادة الطبيعية في اعداد المستفيدين من خدمة التحويل الخارجي، حيث أن الإحصائيات تشير إلى أن عدد المستفيدين  من خدمة التحويل الخارجي عام1996 كان حوالي 6 آلاف، فيما وصلت في العام2013 لأكثر من 61 الف محول( أي أكثر من 10 اضعاف عدد المحولين بعد مرور قرابة 18 سنة)، وأن هذا التوسع قد يكون جيدا بالنسبة للمواطنين، إلا أن التحويلات التي تتم عبر الوزارة  نتيجة للضغوطات التي تمارس على دائرة شراء الخدمة، أو تلك التي تكون على شكل إستثناءات، أو التحويلات من خلال الخدمات الطبية العسكرية ، ساهمت بحسب دراسة أمان في تنامي وارتفاع تكلفة فاتورة التحويلات بشكل غير مبرر لبعض الحالات، في حين أن تلك الجهات، كان من الممكن أن تقوم بتأمين دفع الأموال المترتبة على عملية التحويل من موازنتها.

تحويلات الخدمات الطبية العسكرية

         فقد أوضح معد الدراسة  أنها” بينت وجود مراسلات تتم مع دائرة شراء الخدمة في وزارة الصحة من قبل الخدمات الطبية العسكرية، من اجل التحويل إلى اسرائيل، وأن تكلفة تلك التحويلات يتم خصمها  من موازنة وزارة الصحة، على الرغم من ان للخدمات الطبية العسكرية موازنة خاصة بها ضمن موازنة المؤسسة الامنية،  تصرف منها على التحويلات التي تتم ما بينها وبين الأردن ومصر،( لكون هناك تعاقد مباشر مع تلك الدول، دون المرور بوزارة الصحة) بينما التعاقد مع اسرائيل يقتصر على وزارة الصحة الفلسطينية”.

        فكان أن علق مدير عام دائرة شراء الخدمة الصحية السابق في وزارة الصحة قائلا” نحن مجرد جسر ما بين الخدمات الطبية العسكرية وما بين المستشفيات الإسرائيلية، بالتالي  فإننا نعمل وفق ما تقرره لجانهم الطبية العسكرية المختصة، حيث تصلنا المعاملة مكتوب عليها بأن( يرجى تحويل المريض لمستشفى … لإجراء عملية … ) فنقوم بذلك. إلا أنه يحدث أحيانا ان يكون المستشفى المحول إليه لا يستقبل أي تحويله عليها اسم خدمات طبية عسكرية، حينها نضطر لتحويل المريض لمكان آخر”.

          ثم أعطينا حق الرد لمدير عام الخدمات الطبية العسكرية العميد خليل النقيب،  وسألناه أن لماذا لا يتم دفع بدل التحويل لإسرائيل من مخصص الخدمات الطبية العسكرية كي لا تثقل تلك التحويلات كاهل موازنة وزارة الصحة فرد قائلا” الاسرائيليون يقومون شهريا بخصم بدل الماء و الكهرباء والتحويلات وغيرها مباشرة، دون ان يُفصّلوا بان جزءا من هذه التحويلات من الخدمات الطبية العسكرية أو غيرها، فكل تلك المبالغ تخصم كاملة من مستحقات السلطة بشكل عام، وبالتالي فهي لا تخصم لا من موازنة الوزارة ولا من موازنتنا، مع هذا فقد قلنا لوزارة الصحة انه في حال استلامكم  كشوف منفصلة ومفصلة للتحويلات المتعلقة بالخدمات العسكرية من الجانب الإسرائيلي، أرسلوها لنا من أجل ان نقوم بتحويلها لوزارة المالية ليصار إلى خصمها من موازنتنا، رغم أنه لا يوجد لدينا موازنة ثابتة، بسبب الأزمة المالية المتذبذبة.

         كما نبه مدير عام الخدمات الطبية العسكرية إلى أن عدد التحويلات التي يتم مراسلة وزارة الصحة من أجل تحويلها لإسرائيل قليلة جدا” اللجان الطبية العسكرية  تقر اسبوعيا  ما بين70-80 تحويله لمستشفيات محلية أو في القدس، أو لكل من مصر والأردن، أما التحويلات التي نراسل بها وزارة الصحة ،  فلا تتجاوز الـ6 تحويلات اسبوعيا، رغم ذلك فهناك رفض احيانا من قبل الوزارة لتحويل بعض الحالات، حتى وان كانت تحويلات طارئة أو خطيرة أو يتعذر تحويلها لكل من مصر أوالأردن”.

         وقد شدد العميد خليل النقيب ان كل التحويلات وبغض النظر عن جهة التحويل، تقع  جميعها ضمن سلة الخدمات التي يجري تحويلها، وأن هناك في الوقت ذاته رقابة دورية على كل الملفات الطبية، سواء من جانب الرقابة الداخلية لديهم أو من قبل الرقابة العامة التي تقوم سنويا بفحص سجلات التحويلات جميعها، وقد أعطى عدة أمثلة على التحويلات التي تتم عبر وزارة الصحة” التحويلات التي تتم إما لكون الإجراء الطبي المطلوب عملية قلب مفتوح وتقول مستشفياتنا أن هناك خطر شديد في حال تم إجراء العملية ربما لوجود تشوه خلقي ما، أو ان يكون العلاج يحتاج ان يترافق معه استخدام أدوية باهظة الثمن و/أو غيرمتوفرة، أو تحويلات لعلاجات أمراض السرطان بالنووي الممنوع إدخاله لمستشفياتنا مثلا، وغيرها، علما أنه وفي بعض تلك الحالات يصدف ان تقوم الوزارة بالتحويل لمشافي تأخذ ضعف ما يأخذه مستشفى إسرائيلي آخر لنفس المرض ماليا! بكل حال ولكل تلك الأمور الخاصة الشق المالي أو الطبي  فقد إجتمعت مؤخرا مع وزير الصحة، واتفقنا على تشكيل لجنة مشتركة للتنسيق في كل ما يتعلق بالتحويلات إلى اسرائيل ماليا وطبيا، أما في ملف السرطان فهناك لجنة خاصة مشكلة من دولة رئيس الوزراء تقوم اسبوعيا بدراسة حالات السرطان المحولة إلى اسرائيل، سواء تلك المحولة من مدنيين اوعسكريين”. 

      الإستثناءات

           الباحث جهاد حرب قال أن هناك بعض الحالات والأمراض التي يتم علاجها بالخارج رغم انها غير مشموله بسلة التأمين الصحي الحكومي، ومستثناه من العلاج وفق نظام التحويلات” بشكل رئيسي فإن مكتب المساعدات العلاجية في مكتب الرئيس،  يتمتع بهامش كبير بموضوع التحويل بناء على قرارات استثنائية ترسل لوزارة الصحة. فانطلاقا من كونه يتحدث باسم الرئيس،  فإن المراسلات التي تصل إلى وزارة الصحة(تحت مسمى أنهم فقراء أو حالات محتاجة) تُعد بمثابة قرارات و تتمتع بنوع من الحصانة،  ومن الأمثلة على ذلك زراعة الأطراف الصناعية للجرحى وغيرها. ورغم عرضها على اللجنة الطبية لاتخاذ القرار الطبي، والتحويل في حالة الضرورة،  إلا أن وزارة الصحة تتحمل نفقات العلاج بنسبة تغطية تصل إلى 100% إجمالا، حيث لا تقوم الجهات الرسمية التي تتخذ قرارات استثنائية بتامين دفع الاموال المترتبة على ذلك من موازنتها، علما أن الدراسة لم تتناول نسبة تلك التحويلات الإستثنائية التي تصل لوزارة الصحة من مكتب المساعدات العلاجية أو من رئيس الوزراء أو من  وزير الصحة نفسه، كما أنها لم تتبين إذا ما كانت تلك تحويلات مبرره أو غير مبرره، خاصة بالنسبة للتحويلات إلى اسرائيل،  حيث ان هناك اعاقة أخلاقية وقانونية في الوصول إلى الحالات من جهة،  كما أن هناك حاجة للإطلاع على المراسلات التي تتم بين تكل الجهات ودائرة شراء الخدمة في وزارة الصحة من جهة أخرى”.

         الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان(ديوان المظالم) المحامي معن اعتبر أن لا داعي للبحث عن قرار استثنائي لأمر طبيعي” من يتوجهون  لمكتب المساعدات العلاجية في مكتب الرئيس، للحصول على تحويله، ظنا منهم انهم بذلك سيجبرون وزارة الصحة على التحويل، كان بإمكانهم التوجه لدائرة شراء الخدمة ليتم العمل عليها، لأن ذلك هو حق طبيعي  لهم ولا يعد استثناءا، طالما يملكون تأمين صحي ساري المفعول، وطالما أن الخدمة متوفرة في القطاع الصحي الفلسطيني، رغم أن الوزارة ملزمة في حالة عدم توفرالخدمات الطبية المطلوبة أوالعلاج في مؤسساتها، أن  تقوم بعمل تحويله للمواطن بموجب القانون”.

         وقد وافقه القول الناطق باسم وزارة الصحة، مع تشديده على ان الإستثناءات القادمة من مكتب الرئيس لا تستنزف وزارة الصحة” لأن من تقدموا بها هم مواطنين عاديين بالنهاية، وبدلا من أن يقدموا عن طريقنا مباشره، قدموا عبر الرئاسة، اعتقادا منهم أن هذا اسرع(وإن خلق ذلك أداة ضغط علينا من أجل التحويل لمكان محدد) ، كما أن الرئيس عادة يكتب على جميع تلك التحويلات عبارة  (لعمل اللازم)، ورغم الإعتقاد الذي ساد لفترة زمنية حول أن العبارة تعني قرارا رئاسيا ، إلا ن الرئيس قد حسم الأمر وأبلغنا في أكثر من مره، أن مسؤولين يقدمون له ملفات للعلاج، وأنه برغم توقيعه عليها فإن هذا لا يعني موافقته على التحويل، وأن الملف الطبي الخاص بالطلب يجب ان يدخل  في الأجراءات المتبعة، كباقي الملفات التي تعرض على اللجان الطبية، وأن يعرض على اللجنة الطبية لإتخاذ القرار من واقع الملف، لذلك فإننا نقرأ الملف، ونتأكد من استيفاء شروط إكتمال الملف طبيا ، ثم نقرر بعدها أين يتم تحويله، فإذا كان العلاج ممكن في مستشفياتنا لا نحوله لإسرائيل تنفيذا لتعليمات الرئيس، علما أنه تصلنا شهريا ما بين(5-6 )تحويلات من مكتب الرئيس. أما بخصوص الإستثناءات التي يقررها وزير الصحة، فإن قانون التأمين الصحي الفلسطيني ونصوص قرارات مجلس الوزراء اعطت له الحق باستثناء أي حالة للعلاج كما يراها مناسبة، حتى ولو كانت لعلاجات يمكن علاجها في مستشفيات وزارة الصحة، إلا انه قد جرت العادة أن يعرض الوزير مثل هذه الحالات المستثناة على اللجنة الطبية، والتي  تعمل على تقدير مدى صعوبة الحالة وتقرر تحويلها”.

       كما تناول مديرعام دائرة شراء الخدمة الصحية السابق، أحد الإجراءات التي كانت قد أُقرت بخصوص ملف التحويلات إلى اسرائيل”  نتيجة للإشكاليات التي كانت تحدث مع المستشفيات الإسرائيلية، وحماية لمن يوقع على التحويلة، فقد تم تفويض وكيل وزارة الصحة في  فترة من الفترات عملية التوقيع على التحويلات الخاصة بالملف الأسرائيلي، وعلى سبيل المثال كنّا نقول للوكيل أن لدى المريض يوم غد على سبيل المثال موعدا في المستشفى الإسرائيلي، وأن اللجنة الطبية لا تنعقد إلا يوم الثلاثاء المقبل، وان حالته لا تستدعي التأجيل، فيصار إلى التأشير على المعاملة، ويجري تحويله على الفور، على أن يتم عرضه في المرات المقبلة على اللجنة الطبية، أما إذا ما كانت كل تلك الحالات تستدعي التحويل ، فاعتقد ان اغلبها كان بحاجة للتحويل”.

       من جهته علق الدكتور جواد عواد وزير الصحة بقوله ” التفويض السابق للوكيل بخصوص ملف تحويلات اسرائيل، لم يكن أمرا شخصيا أو إعتباطيا وإنما إجراء إضافي، حيث كان كمشرف عام على التحويلات التي تقررها اللجان، مع ذلك فهذا الأمرانتهى وهو متروك للجان، أما بخصوص الإستثناءات  فقد قال لي الرئيس حرفيا( أي توقيع ارسله لطرفكم وأنتم تشعرون بمخالفته لا تحولوه)، بالتالي لا يوجد استثناءات لأحد، و لا يحول إلا من لا علاج له داخل مستشفياتنا في الحكومية أومستشفياتنا الأهلية والخاصة وهذا على الأقل وأنا موجود، علما أن كل الشعب الفلسطيني مؤمن من الغني قبل الفقير، وللأسف قالها بالعامية (اللي بغلَبونا الأغنياء قبل الفقراء وسجلها علي)”.

      حق الرد ايضا أعطيناه  لمسؤول ملف العلاج في مكتب الرئيس الدكتور مدحت طه، والذي نفى بدوره ان يكون عملهم مخالفا  لقوانين وأنظمة وزارة الصحة” نحن لا نقوم بأي عملية تحويل، ولا نخالف قوانين وأنظمة وزارة الصحة، إذ ينحصر دورنا على استقبال مشاكل الناس المتعلقة بالتحويل أو تأخير المواعيد وغيرها، و نراسل الوزارة بخصوصها، لتعرض جميعها أمام اللجان الطبية المسؤولة، التي لها القرار الأول والأخير في ذلك، على اعتبار أنها الجهة الوحيدة المخولة بالتحويل. وتطبيقا لذلك فإن جميع المراسلات التي تتم لحالات موجبة ومؤشر عليها بعبارة(نرجو التحويل بما ترونه مناسبا)، لذلك فنحن لا نناقش لا مكان العلاج أو غيره، وكل ما يهمنا ان يتوفر البديل للمواطن، وبإمكانكم الإطلاع على كل الكتب والمراسلات اليومية مع وزارة الصحة المؤرشفة لدينا بالخصوص “.

      كما اعطى مسؤول ملف العلاج  في مكتب الرئيس أمثلة على الإستثناءات التي قد تتم” حين يكون هناك مريض معدم وفقير ويحتاج لدواء باهظ الثمن وغير متوفر، هل نقول ان علينا ان لا نساعده لأن ذلك يعد استثناءا؟ وحين يكون هناك حوادث سير ليس فيها تأمين للتغطية، ويلجأ البعض إلينا لنقوم بالمساعدة من أجل الحصول على العلاج أو البديل، هل نقول أن ذلك مخالفا للقانون؟ وفيما لو إحتاج مواطن لعلاج تبلغ تكلفته نصف مليون شيقل، ولا يتوفر هذا العلاج في مستشفيات وزارة الصحة، هل نتركه يبيع بيته وأرضه حتى لا يعد ذلك استثناءا؟ عليه، فالإستثناءات إن تمت فهي نادرة وقليلة وموجبة وتحتاج للمساعدة، وهي  في حالات الضرورة القصوى لخدمة المواطن، مع تأكيدنا على أنه لا يوجد أي مراسلات بخصوص علاجات خارج سلة الخدمات المعتمدة للتحويل”.

الضغوط

         إضافة إلى الإستثناءات فإن دائرة شراء الخدمة الصحية  في وزارة الصحة تتعرض  لتدخلات من قبل بعض كبار المسؤولين في السلطة، ممن يستخدمون نفوذهم عبر الضغط على الدائرة بهدف الحصول على تحويله لإسرائيل أو للخارج على حساب اناس آخرين يستحقون التحويل. أوعبر الإتصال بالوزير طالبا منه العلاج في اسرائيل نظرا لغياب الثقة في الخدمات الصحية المقدمة من قبل المؤسسات الصحية الرسمية، وهذا يؤدي للفساد يقول معد دراسة أمان” لأنه يتسبب بهدر المال العام، نظرا لأن تكلفة العلاج في اسرائيل أعلى بكثير من تكلفة العلاج في الضفة، وثانيا لأن فيه تدخل واستخدام للنفوذ من أجل الحصول على خدمات افضل لأشخاص بعينهم. علما أن جهات التحويل في مثل تلك الحالات قد لا تتحمل مسؤولية الفساد كونها تحت الضغط ، إذ ان القائمين على التحويل  قد يرفضون مرة أو أكثر، لكنهم قد يحاربون على الأقل إن استمروا في الممانعة”.

        لكن الدكتورة سحر القواسمة عضو المجلس التشريعي  قللت من أهمية التركيز على الإستثناءات  أو الضغوط، مبررة بأنه” لا يجب ان نضع انفسنا في قوالب مجمدة،  فإذا ما كان سعي كل تلك الجهات من أجل الضغط للحصول على تحويلات معينة طارئة فهي لا تعد استثناءا لكونها مبرره. أما ان كان الهدف منها الواسطة والمحسوبية والمحاباة، وأن العلاج متاح في مستشفياتنا فهذا أمر مرفوض بالكامل”.  

      مع ذلك فقد أكد اسامة النجار الناطق باسم وزارة الصحة على وجود ضغوطات تتعرض لها دائرة شراء الخدمة “طوال فترة مسؤوليتي عن الدائرة وهي تتعرض لضغوطات واحراجات وتدخلات من مسؤولين ومن كافة المستويات، كأعضاء لجنة تنفيذية ومركزية وثورية وعمداء وقيادات في السلطة واعضاء مجلس تشريعي وغيرهم، للحصول على تحويلات، والذين كثيرا ما يبعثون مندوبيهم لهذه الغاية،  لكنني كنت دائما أصر على ان تدخل تلك الملفات في الإجراءات كغيرها، عوأن يتم الإلتزام بما يصدر من قرارات للجنة الطبية العامة أو لجنة الأورام، وبصراحة في بعض الأحيان المسؤولين يكونون على صواب، حيث يحدث احيانا أن يكون الملف لدى اللجنة الطبية من اسبوعين على سبيل المثال وقد سهت اللجنة عن الإطلاع عليه”.

اسباب لجوء المواطنين لطلب التحويلات مباشرة أو عبر وسطاء

    سهو اللجنة عن الإطلاع على بعض الملفات الطبية في بعض الحالات النادرة، ومتابعة مكتب المساعدات العلاجية في مكتب الرئيس لمشاكل الناس، والتي من بينها التحويلات المتعلقة بتأخير المواعيد، وغيرها، أبرزت وبحسب الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ان المواعيد والفترات الزمنية اللازمة لحين تنفيذ الإجراء أو الحصول على التحويل، تعد من أهم الأسباب التي تدفع بالمواطنين لطلب تحويلات خارجية أو لإسرائيل، وبالتالي تقديم شكوى بالخصوص، وذلك كي لا يضطروا للإنتظار لفترة طويله قد تمتد لأسابيع أو حتى لأشهر بحسب نوع الخدمة المطلوبة ، إلى جانب رغبتهم في الحصول على خدمة يرون انها افضل إذا ما تمت الموافقة على التحويله، رغم أن الإجراء المطلوب يكون متوفرا في القطاع الصحي في بعض الحالات .

      وقد أظهرت الإحصائيات المستقاه من التقرير السنوي الصادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان(ديوان المظالم) أن اعداد الشكاوى المتعلقة  بالحق في الصحة بلغت 126 شكوى لعام2013، هذا وبين المحامي معن ادعيس أن عدد الشكاوى المتصلة  بالتحويلات الطبية لذات الفترة، إضافة لما تم رصده من مجموع الشكاوى في العام الجاري وحتى نهاية حزيران (25 )شكوى، تسعة منها في قطاع غزة، ومعظمها تدور حول طلب التحويل من المستشفيات المحلية إلى الخارجية أو الإسرائيلية “.

      صفاء عبدالهادي ابوالفحم من رام الله إحدى من تقدمن بشكوى لدى الهيئة على خلفية طلب الحصول على استثناء من أجل إجراء عملية تساهم في تحسين شكل الايدي سابقة الإلتصاق لطفلتها ، حيث ترى أنها عملية علاجية وليست تجميلية، فـ (سجى ثوابته) البالغة من العمر 7 سنوات،  تقول والدتها أنها ولدت وهي تعاني من تشوهات في الرأس والأطراف، و كانت ايديها مجرد كتلة لحمية مغلقة بها عظم، إضافة إلى أن جبينها كان غائرا للداخل، وتضيف الأم”حصلنا لها على أول تحويله لإسرائيل  حين كان عمرها 7 اشهر، حيث أجريت  لها عملية ابراز الجبين، بعدها حصلنا على أربع تحويلات لإجراء 4 عمليات (بواقع عمليتين لكل يد كل ثلاثة أشهر) في المدينة الطبية بالأردن، تلى ذلك أن أجرينا لها قبل ثلاث سنوات عملية أخرى ايضا في الأردن لرأسها”.

    وأتبعت والدة الطفلة  سجى قائلة” ورغم تمكننا من عمل 4 اصابع في كل يد، إلا ان مظهرهم كان بشعا، فلجأنا مجددا لوزارة الصحة من أجل أن يكون شكل الأيدي أفضل قليلا، غير أن رد وزارة الصحة كان أن هذا الأمر تجميلي وليس علاجي! فتقدمت للهيئة بشكوى في شهر 8 من العام2013. علما أنني لو كنت أملك  تكلفة العملية المقدرة بـ (10-15 )الف دينار، لما لجأت لأحد طالبة المساعدة”.

     يشار إلى ان الهيئة المستقلة قد أبلغتنا لاحقا بأن وزارة الصحة قد وافقت استثنائيا على إجراء العملية للطفلة  المذكورة في هولندا.

      ومن الشكاوى المتعلقة بتأخير تنفيذ التحويلات شكوى قدمها المواطن محمد اباظة من جنين، والذي قال”  ابني (أكرم)عمره 22 سنة، اصيب بالتهاب حاد في الأذن امتد للجمجمة وقاع المخ، وكان امره خطيرا وصعبا، فتوجهت لوزارة الصحة بكل التقارير الطبية اللازمة حول الحالة،  حيث قررت اللجنة الطبية تحويله لأحد مستشفيات القدس الشرقية، ليتبين لاحقا ان المستشفى لا يوجد لديه جهاز لحماية (العصب السابع) خشية تعرضه للشلل اثناء العملية! ما قد يشكل خطرا أعلى على ابني، والذي يعني في ذات الوقت ان الخدمة التي يوفرونها ناقصة! فعدت لوزارة الصحة  طالبا تحويله لمركز جراحي خاص، لكن ردهم المؤلم كان بأن هذا العلاج ليس من ضمن سلة الخدمات التي يجري تحويلها! فقدمت شكوى لدى الهيئة مطلع العام2013، تلتها شكوى أخرى في شهر 10 من نفس العام طالبت فيها بتنفيذ قرار تحويل للمشافي الإسرائيلية صدر قبل اشهر دون ان يصار إلى تنفيذه، وبذات الوقت توجهت لمكتب المساعدات العلاجية في مكتب الرئيس، وبينت لهم أن ابني قد يفقد السمع تماما، فأمر الرئيس بتحويله إلى مستشفى  داخل اسرائيل، حيث تم إجراء العملية  في شهر آذار الماضي، وقد أخبرت في المستشفى أن العلاج قد تأخر ثلاث سنوات، ومن واقع هذه التجربة اعتقد أن مشكلة وزارة الصحة أنها حين تقوم بالتحويل لداخل المستشفيات الفلسطينية، لا تخبر المريض أن كان العلاج ناقصا،  أو إذا ما كان هناك علاج أفضل في مكان آخر!”.

    ليس فرضية نقص العلاج  المشكلة الوحيدة التي قد لا يتنبه لها من يجري تحويلهم، فالمشكلة الأكبر حين يجري  تحويل أحدهم عدة مرات لمستشفى لا تتوفر فيه الخدمة، فقد أبلغنا في فترة إجراء التحقيق عن شاب آخر يعاني من تساقط اللحم عن جسده، ومن انه قد جرى تحويله3 مرات لمشفى محلي في القدس الشرقية، رغم ان لا علاج له في ذلك المستشفى، لذلك كان يمكث في المستشفى اسبوع أو يزيد في كل مرة  ثم يتركه دون علاج، فكان رد مدير عام دائرة العلاج السابق في وزارة الصحة انه ” إذا لم يكتب لي المستشفى في تقرير طبي أنه لا يمكن علاج المريض في طرفنا، فسنبقى نعيده إليهم ولو20 مرة، بينما لو وصلنا تقرير حول ذلك من المستشفى فحينها يتم البحث عن مركز آخر للعلاج فيه”.

سلة الخدمات المشمولة في التحويل

    التقرير الصحي السنوي لعام2013، والصادر عن وزارة الصحة،  أشار إلى أن (الأورام) تتصدر قائمة أعلى 10 أمراض يجري تحويلها من حيث تكلفة شراء الخدمة، حيث تم تحويل حولي16% من مجموع المرضى المحولين لهذا المرض، وبتكلفة قاربت19% من إجمالي تكلفة التحويلات الطبية.

     الدكتور علي الشعار اعتبر أن سلة الخدمات الموجوده والتي يجري الحديث عنها ليست واضحة، موضحا”سلة الخدمات التي تقدم للتحويل يدخل فيها باب الإجتهاد، حيث أن بعضها مبرر وبعضها الآخر غير مبرر، وذلك نتيجة لقدرة بعض الناس للوصول أكثر من غيرهم لأماكن صنع القرار، بالتالي أصبحت  فرصهم في التحويلات أفضل، في حين أن فرص الآخرين أقل، ومن هنا تنبع أهمية وضع نظام كامل عادل يقطع الطريق على مثل هؤلاء”.

      لكن الناطق باسم وزارة الصحة  أكد ان سلة الخدمات التي يتم بناءا عليها التحويل واضحة، مضيفا”القاعدة  لدينا أن أي مرض لا يمكن علاجه في مستشفياتنا الحكومية او القطاع الخاص الفلسطيني أومستشفيات القدس،  يتم تحويله لمستشفيات الأردن أو مصر أوالمستشفيات الإسرائيلية، وفي حالة التحويل للمشافي الإسرائيلية، فإننا  نرسل لهم التقرير الطبي الخاص بالمريض، مع تحويله  بسقف أدنى 2000-2500 شيقل ، حيث يدخل المريض للفحص، ثم يرسلوا لنا تكلفة تقديرية يبينون فيها أن المريض يحتاج عملية (فتح رأس) مثلا، وأن تكلفتها وفق التسعيرة الإسرائيلية (73) الف شيقل (وإذا ما تم مراسلتنا بذلك)، فإننا ندرس اذا ما كان التشخيص دقيق ويتوافق مع التسعيرة المعلن عنها، ثم نرفع سقف المبلغ ونعيد لطرفهم التحويله. أما ما يتصل بالعمليات التجميلية  فهي خارج سلة الخدمات تماما وهي خارج إطار القانون ، رغم ذلك كانت تصلنا الكثير من طلبات من ذوي الأوزان العالية جدا لإجراء  (اختصار للمعدة) المكلفة، بالتالي اردنا أن نحدد معيارا نفرق فيه ما بين العمليات التي تندرج في اطار سلة الخدمات او العمليات التجميلية، نظرا لأن المريض في هذه الحالة يكون معرضا  للضغط والسكري ولتآكل المفاصل ولأمراض القلب والشرايين، فعرضنا الأمر على اللجنة الطبية، واتفق على ان المعيار لقبول التحويل أن يكون معيار ما يطلق عليه( الفوضى الجسمية) أكثر من 40،  فإن كان كذلك نحوله، وإلا فلا يتم إجراء العملية لأنها خارج سلة الخدمات أصلا”.

عدم وجود آلية واضحة تحدد مكان العلاج

           إذ ابرزت الدراسة وفق ما يقول الباحث جهاد حرب أن عدم وجود أسس واضحة ومكتوبة تحكم آلية تحدد بلد العلاج، تعد من المشاكل المؤثرة على موضوع التحويلات” هناك عدة عوامل  تؤخذ بعين الإعتبار في تحديد مكان العلاج، والتي من بينها الإستثناءات التي يقرها رئيس الدولة ووزير الصحة .عليه، فمن الممكن تحويل مريض للعلاج في مستشفى محلي ، بينما يحول آخر لنفس المرض لمشفى اسرائيلي! الأمر الذي يعني أن أحدا ما تدخل من أجل التحويل لجهة ما!”.

          بدورها اعتبرت عضو المجلس التشريعي الدكتورة سحر القواسمة أن عدم وجود معايير واضحة ومؤتمته حتى الآن، قد أدت لأن تبقى الآلية المتبعة في التحويلات الطبية تخضع للمزاجية.

        وفي ذات الإطار قال صندوق الأمم المتحدة للسكان ان” دراسة البنك الدولي حول التحويلات الطبية  قد اشارت إلى  أن71% تقريبا من مجموع التحويلات التي تم دراستها سواء بالنسبة للتي تتم من الضفة الغربية أو قطاع غزة ، لم يكن واضحا أو موثقا فيها سبب التحويل بشكل عام”.

نقص الأدوية أو العلاج المكمل أو عدم توفر الأسرة، مدخلا للتحويل

     ويتبع الدكتور علي الشعار”كما بينت الدراسة يان ابرز اسباب التحويل إما  أن الخدمة ليست موجوده في وزارة الصحة(وهذه التحويلات ممكن النظر في الحد منها )، أو ان الخدمة موجوده لدى وزارة الصحة غير ان الفحص المخبري أو سرير المريض أو الدواء غير متوفر(وبالإمكان القول هنا ان هذه التحويلات غير مبرره) بالتالي وكمثال مجازي فإن عدم توفر دواء معين للمريض تكلفته  ألف شيقل، يتم تحويله خارج مؤسسات الصحة  وتكلف 20 الف شيقل! وهذا ما ينطبق ايضا على عدم توفر الفحوصات المخبرية،  أو في حالة عدم توفر الأسرة”.

     ما أوضحته دراسة البنك الدولي تؤكد وبما لايقبل للشك أن عدم توفر الأدوات والمستلزمات الطبية  (الغير مبررة)، باتت بكل اسف تعتبر مدخلا للتحويل لإسرائيل أو الخارج، ما يفاقم في قيمة فاتورة التحويلات، في حين ربما كان يمكن إحتوائها بكلفة بسيطة داخل وزارة الصحة إذا ما قورنت بمبالغ بدل التحويل.

      ضعف التمويل يؤثر على التحويلات

      في العام2007 أصدر الرئيس مرسوما قرر فيه اعفاء كافة المواطنين في المحافظات الجنوبية من رسوم الخدمات الطبية، الامر الذي يعني أن سكان قطاع غزة يتمتعون بتأمين صحي مجاني بنسبة100%.

      بينما في الضفة الغربية، فقد بلغ عدد العائلات التي تتمتع بتأمين صحي مجاني بحسب التقرير الصحي السنوي لوزارة الصحة 2013 أكثر من 11 الف عائلة، بينما عدد العائلات المسجلة في التأمين الصحي بأنواعه للعام2013،  بلغ حوالي 141 الف عائلة .

     وبحسب ذات التقرير، فقد بلغت الإيرادات العامة للوزارة للعام2013، 63 مليون شيقل.

      حيث أكد معد دراسة (أمان)الخاصة بالتحويلات، أن من المشكلات المؤثرة على التحويلات ضعف التمويل، “فمثلا لا يوجد حتى الآن رسوم جيدة على التأمين الصحي، حيث ان رسوم التأمين الصحي وكل ما يدخل لوزارة الصحة من أموال، لا يزيد عن 120 مليون شيقل سنويا،  في حين أن معدل الإنفاق السنوي على التحويلات(والذي يمثل جزء من العلاج)  حوالي500 مليون شيقل خلال السنوات الثلاث الماضية !  أي ان لدينا عجز 80%! وهذا مكلف، فما بالك بكل مصروفات وزارة الصحة! “.

        فيما اعتبرت الدكتورة سحر القواسمة أن إختلاف نسبة المساهمة والمشاركة في تغطية التأمين الصحي من قبل الحكومة ما بين الضفة وغزة، يمثل خللا يجب اعادة النظر فيه.

      نسبة الإنفاق الذاتي على الصحة40%

           صندوق الأمم المتحدة وعلى لسان الدكتور علي الشعار أشار إلى ان التأمين الصحي الفلسطيني يغطي شريحة كبيرة جدا من المجتمع الفلسطيني”الحكومة تغطي 50% في الضفة و100% في قطاع غزة، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين تغطي 30% في الضفة و70%، وأن القطاع الخاص يغطي 20% تقريبا، إلا أن الإحصائيات تشير إلى أن  نسبة الإنفاق الذاتي على الصحة  في فلسطين 40%، بمعنى ان المواطن   يدفع40% من إحتياجاته الصحية رغم امتلاكه للتأمين الصحي،  وهذه نسبة عالية جدا، كما أنه عالميا وحسب معايير منظمة الصحة العالمية، فإنه حين تصل نسبة الإنفاق الذاتي من قبل المواطن على الصحة 20% أو 25% ، تسمى حد الإفقار، ذلك لأن المواطن في هذه الحالة، يضطر ونتيجة احتياجه للخدمات الصحية لأن يصرف على علاج نفسه، رغم ادراجه ضمن خدمات التأمين الصحي الوطني  الذي يعطيه الحق بأن تقوم الدولة بتأمين العلاج “.

        وحول نسبة ما يغطية التأمين الحي الفلسطيني عقبت الدكتورة سحر القواسمة” كثيرا ما يقال ان عدد الحاصلين على التأمين الصحي بالنسبة لعدد السكان حولي  120% أو حتى 130% من المواطنين ، لكن فعليا وبحسب دراسة دولية، فإن من يحملون التأمين الصحي 60% فقط، وقد يعود سبب ذلك القول لكون أن المواطن أحيانا  يكون حاملا لأكثر من تأمين صحي في نفس الوقت، كتأمين الحكومة أو الوكالة أو غيرهما، بالتالي  لو تمت إعادة تنظيم هذه العملية لضمنا فعلا ان يكون كل الشعب الفلسطيني مؤمن”.

 

الحلول

      دراسة أمان  أوصت بحسب معدها الكاتب والباحث جهاد حرب إلى” ضرورة معالجة مسألة الإستثناءات، وان تبقى سلطة القرار بيد الوزارة دون ان يفرض عليها أحد علاج شخص ما لسبب ما في دولة ما، وذلك عبر وضع نص تشريعي للحد من الاستثناءات، وفرض عقوبة على الذين يسعون للحصول لهم أو لآخرين على استثناءات”.

    كما رأت  الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان  بحسب المحامي معن ادعيس”أن فكرة الإستثناءات تبرز الحاجة لأن تقوم الجهات التي تراسل وزارة الصحة بخصوص تحويلات لتنفيذها، باقتطاع ذلك من ميزانيتها كي لا تثقل كاهل موازنة وزارة الصحة”.

     عضو المجلس التشريعي الدكتورة سحر القواسمة اعتبرت أن” كي لا نبقى ندور في نفس الدائرة التي تخضع للمزاجية، فمن غير المقبول ان نستمر في رفع الشعارات حول الشفافية، دون ان يكون لدينا نظام يحدد المعايير والآليات التي يجب مراعاتها وصولا لقرار التحويل،  بالتالي هناك أهمية للتوجه نحو نظام جديد للتأمين الصحي  تكون المساهمة فيه متساوية للجميع،  إضافة لوضع نظام جديد للتحويلات يتضمن معايير واضحة وشفافة بما يتعلق بمكان العلاج والتحويل، الأمر الذي سيؤدي للعدل اولا، و ينعكس إيجابا على الدخل القومي الفلسطيني ثانيا”.

       كما اوصى الدكتور الشعار من صندوق الأمم المتحدة للسكان بضرورة بناء نظام تأمين صحي محكم عادل ومعقول، مضيفا “إحكام  نظام التأمين الصحي أو العمل على حل قضية التحويلات سواء المبررة أو الغير مبرره، ليس بالضرورة أن يتم عن طرق رفع مساهمة المواطن أو رفع الرسوم، وإنما الملائمة ما بين التحويلات والتأمين الصحي وإيراداته، و بين الأدوية والإنفاق المهول عليها والإحتياجات الحقيقية للمجتمع الفلسطيني. وهذا الإحكام يتم بالتوازي مع حلول جزئية أخرى من بينها دراسة الاسباب التي يتم بناء عليها عملية التحويل وتعتبر مدخلا له، وبالذات التحويل الذي يتم من الحالات التي يمكن تفاديها، مما يساهم في توطين العلاج من جهة، و يساهم في توسيع سلة الخدمات المقدمة تدريجيا من جهة أخرى، كما أن بناء النظام  بهذا الشكل وهذا هو المهم  يحد من فرص إساءة الإستخدام في القطاع الصحي ويجعلها قليلة، فتصبح الطريق مسدوده في وجه من يتعامل بشكل متحيز، لكون أنه لا يجد منفذا في النظام “.

ملف التحويلات على طاولة هيئة مكافحة الفساد

       ومنذ أن تم تحويل ملف التحويلات الطبية إلى هيئة مكافحة الفساد، إلا انه لم يرشح لغاية الآن أي معلومات حول نتائج تحقيقات، أو أي اشارات حول أي مساءلة قد تكون تمت لأي من المسؤولين في وزارة الصحة أو غيرها، حيث علق الناطق باسم وزارة الصحة، مدير عام دائرة شراء الخدمة السابق في وزارة الصحة اسامة النجار” وزير الصحة قام بالإجراء المطلوب وبعث بمراسلاته للجهات المعنية لتقوم بالإجراءات جميعها، سواء من داخل أوخارج الوزارة، لكن بصراحة دعني أقول، انه و حتى الآن لم تتم مساءلة أي من المسؤولين في وزارة الصحة من قبل الهيئة وهذا خطأ”.

   فتوجهنا لوزير الصحة  الدكتور جواد عواد مستفسرين عما يكون قد رشح أو استجد في ملف التحويلات المحول لهيئة مكافحة الفساد فرد باقتضاب” منذ قدومي للوزارة قمت بتحويل  ملف التحويلات  (من عام 1994حتى 2013لهيئة مكافحة الفساد)، للنظر فيه لأن هذا عملهم، ومن وقتها حتى الآن لم يتم إبلاغي باي مستجدات من الهيئة، كما أنه لا علم لي ان كانوا قد قاموا بمساءلة مسؤولين في الوزارة، فلا شك لهم طرقهم الخاصة في ذلك “.

      بدورنا توجهنا لهيئة مكافحة الفساد، مستفسرين عما استجد، وفيما اذا قامت الهيئة بمساءلة أي من المسؤولين في وزارة الصحة أو غيرها، فرفضوا التعليق على الموضوع المنظور أمامهم. فما اكتفى ديوان الرقابة المالية والإدارية بالقول” أن الملف في إجراءات التحقيق أمام هيئة مكافحة الفساد، وأن الديوان لا يستطيع الإفادة في هذا الموضوع”.

 

  haitham9000@gmail.com

 

Be Sociable, Share!